إلى سنوات متأخرة جدا كانت مدينة المضيق سواء على عهد الحماية أو الإستقلال تعيش كل صيف على ايقاع مهرجان العنصرة ” الذي يعد تقليدا متوراثا للمناطق الجبلية الشمالية، ينظم يوم الثالث والعشرين من كل شهر يونيو بشواطي وادي لو وأزلا ومرتيل والمضيق، تتجمع فيه القبائل لعرض منتوجاتها الفلاحية، والألبسة التقلدية والمهارات الفنية في ركوب الخيل ومسابقة بالمجداب في المراكب البحرية، ومسابقة التبوريدة على الخيول، وعرض الحكي على المستمعين، من خلال السير، وقصص الأنبياء، والخرافات الشعبية وباللليل تعيش هذه التظاهرات على أنغام الطقوس النارية ،باشعالها ، والقفز عليها، وتقام الخيام على شكل شوارع متراصة خيمة بجانب خيمة، ومرابض للخيول والأبقار والثيران والأغنام والدجاج، ومستودعات للحبوب التي تتحول في بداية كل صباح وقبل شروق الشمس لعجنها، وطهيها، خبزا من دقيق، كان، أو شعيرا، أو ذرة، أو لتحويلها إلى فطائر متنوعة خاصة ما يستخرج منها لطهي السفنج على المقالي بالطريقة الجبلية اللذيذة خصوصا السفنج بالبيض الساحر والمتلهف عليه من الجميع، ومن العادات الجبلية في تلك الفترة أن المرأة البدوية لا تستحم في البحر، وإنما تغسل وجهها من أمواج الساحل بماء البحر، وتتلذذ ببرود ته ولكنها تصطف في مراكب متنوعة ومتعددة في جولات شهر يونيه المنعشة والهادئة صفاءا، وزرقة، تطوي البحر طيا لتعود من حيث أتت بعد ما يصدح البحر بالأهازيج الشعبية، وعيعوعة النساء وزغاريدهن، منتشيات نشطات مسرورات.
هذا هو الجو الذي عشناه في العنصرة يمتد خمسة أيام وقد يصل إلى أسبوع من كل سنة تحييه قبائل جبالة الساحلية، وتتتفن بالمناسبة بأجود ما أبدعته، وأتقنته من مفروشات وملبوسات ومعروشات لاتغيب عنها لمسات أندلسية رائعة في الجودة والإتقات خصوصا المناديل الحمراء، والقبعات الملونة والمكسوة بالورود المشكلة من الأحمر والأبيض والأخضر والأزرق، ومصنوعات الحناء والمطروزات، عتلى الأحذية، المسماة “بالشرابيل” والمسكوكات الرائعة من معدن الفضة المستعمل في تزيين خواصر النساء وحلقات أذنهن ومقابض ايديهن المرصعة، الخ وقد كتبت حو إلى عشر صفحات عن تاريخ العنصرة في كتابي “تاريخ مدينة مرتيل : النشأة . التطور . الحداثة الذي صدر سنة 2020، ومن ضمنه المداخلة التي ألقيتها بالمركب الثقافي بالمضيق عند احتفال بلديتها بتنظيم اليوم الدراسي لإحياء تراث العنصرة سنة 2015، لمن يريد الرجوع إليها لمعرفة نشأتها وشيوعها بالأندلس ثم دخولها إلى مدينة سبتة فالقبائل المغربية الشمالية.
وقد دأبت البلديات المتعاقبة بالمضيق سواء كانت جماعة أو بلدية على هذا الايقاع لعدة سنوات.
والصورة الرائعة أسفله لموسم العنصرة بالمضيق ألتقطها المصور البارع غارسيا كورطيس في الخمسينيات من القرن الماضي تعتبر من ضمن أهم الصور التاريخية للمدينة.
والآن بعد انقراض هذه العادة المتبعة على مر العصور والأجيال، أصبحت وظيفة الساحل للمضيق متنوعة مع امواج التيارات الرياضية الحديثة والمتعددة وقد دأبت المضيق على تنظيم عدة مشاركات معروفة للمتسابقين في البحر منها المسابقات التي ينظمها النادي الملكي البحري، سواء بالنسبة للزوارق الشراعية الخفيفة أو الزوارق العابرة للقارات على المستوى الدولي بمشاركة الدول إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرها، ولحد علمي فقد وصلت هذه المبارايات إلى الدورة السابعة عشرة بمشاركة أبطال مغاربة متميزين من النادى الملكي للمضيق سواء من أبناء المدينة أو من غيرها أهلت المضيق لعدة اتفاقيات دولية للرفع من مستوى هذه الرياضات، وتقاسم التجارب العالمية لهذا النشاط البحري المتميز الذي يعد رافعة ثقافية بحرية عالية، كالاتفاقية التي أبرها النادي المذكور مع نادي” مدينة الأمير حمزة للشباب بمدينة العقبة بالأردن” ” ومثل هذه الأنشطة تشكل أفضل الطرق لتدبير الشواطئ وتجويد خدمة هذه الفضاءات التي تستقطب أعدادا مهمة من المصطافين، والعمل على ضمان حق المواطنين في الولوج إلى الشواطئ الممتدة من مدينة مرتيل إلى جماعة بليونش مرورا بالرأس الأسود والمضيق والفنيدق، إلى جانب شرح التدابير المتخذة من أجل ضمان مرور موسم الاصطياف في أفضل الظروف. والاستمتاع بالبحر في جو صحي وسليم، والحد من الاستغلال العشوائي واللاعقلاني للأنشطة غير المهيكلة.”
والحرص على إبقاء 80 في المائة من المساحة الإجمالي للشاطئ مفتوحة للعموم وللأنشطة الاقتصادية والتجارية ومختلف أنشطة الاصطياف.
العنوان: تاريخ مدينة المضيق
الكاتب: النقيب محمد الحبيب الخراز
منشورات هيئة المحامين بتطوان
بريس تطوان
يتبع…
Laisser un commentaire