عبد اللطيف الباز – هبة بريس
الذين يثيرون هذا الأمر في الغالب، هم أولئك المتطفلون على الإمامة الذين لا يحفظون القرآن ولا حظ لهم في العلوم الشرعية، ومع ذلك يتحينون كل فرصة ليعتلوا المنابر ويتقدموا الصفوف ويوجهوا الناس توجيها غالبا ما يكتسي طابع الانتماء والتحزب. ويثير هذا الأمر أيضا أناس ممن لا علاقة لهم بالمراكز الإسلامية بإيطاليا ولا بالدين أصلا.
فليس دافع هؤلاء الغيرة على أموال المسلمين (التي يأخذها الأئمة بغير حق عند زعمهم).
أن الإمامة عبادة، فالإمام حينما يؤم الناس فهو يِؤدي فرضه في نفس الوقت، وبالتالي لا يحق له أن يأخذ أجرا مقابل عبادته. وإلا فهو يسترزق بالدين. ويستأنس بعضهم في الاستدلال على المنع بأمور أخرى، كالاقتداء بالأئمة والعلماء الكبار الذين ما كانوا يأخذون أجرا على إمامتهم. وإذا سألتهم من أين يعيش الإمام ويقتات إذن؟ سيجيبونك: عليه أن يبحث عن عمل آخر إلى جانب الإمامة، كما كان يفعل الأئمة والعلماء الكبار من قبل، فلان وفلان. إن الإمام لا يأخذ الأجر مقابل العبادة، أعني الصلاة، فهو إن لم يصل إماما فسيصلي مأموما، وإن لم يصل في المسجد فسيصلي حيث أدركته الصلاة، وإنما يأخذ الأجر والعوض مقابل التفرغ والالتزام بالحضور، أي هو يتكفل بخدمة جزء من دين الجماعة، وهم يكفونه هم السعي في طلب الرزق، حتى يتفرغ للإمامة والحضور وقت كل صلاة، والقيام بالمهام الأخرى المناطة بالإمام. ولو كانت الأجرة على الصلاة، لد خل ذلك في تفاصيل العقد، كم ركعة في اليوم؟ وكم ثمن كل ركعة؟ وكم طول كل صلاة؟ ولكانت صلاة الليل أعلى أجرا من صلاة النهار لما فيها من جهد وجهر مثلا، ولا يمكن لعاقل أن يقبل هذا أو يقول به. أما التفرغ والالتزام الذي يتقاضى الإمام الأجرة مقابله، فقد دعت إليه ضرورات عدة، منها:
– اتساع المدن وترامي أطرافها، حيث لم يعد من السهل على الإمام أن يجد عملا قريبا من المسجد الذي يؤم الناس فيه. ومقارنة ما كان عليه الحال إبان العصور الأولى للإسلام بواقعنا الحالي مقارنة مع الفارق. إن بعض الناس في وقتنا الحاضر يضطر لقطع عشرات الكيلومترات يوميا ذهابا وإيابا من وإلى مقر عمله، وأصبح العمل يستغرق اليوم كله، فكيف يستطيع الإمام في مثل هذه الظروف أن يلتزم بالحضور في كل صلاة، وفي نفس الوقت يحافظ على عمله الذي يقتات منه؟
– تغير ظروف العمل، قديما في عهد الأئمة الذين يستدل البعض بحالهم على عدم جواز أخذ الأجرة، كانت معظم الأعمال حرة، وكان بإمكان الإمام أن يزاوج بين الاثنين، فيغلق محل عمله ويذهب للمسجد لأداء الصلاة، ثم يعود لعمله بعد ذلك. أما الآن فمعظم الأعمال أصبحت وظائف إما مع الدولة أو الشركات، فكيف يمكن للإمام أن يزاوج بين الحضور إلى المسجد وقت كل صلاة، وبين إرضاء رب عمله؟ وهل سيجد عملا يسمح له بذلك؟ بعض أرباب العمل لا يسمحون للعمال حتى بأداء صلاة الجمعة مرة واحدة في الأسبوع. فكيف سيسمحون للإمام بمغادرة العمل وقت كل صلاة؟ قد يستطيع الإمام في بعض الحالات مزاولة مهنة حرة، كأن يفتح وكالة بالقرب من المسجد، أو يدرس في كُتاب، ولكن هذا لا يتاح لكل الأئمة وإنما للبعض، وحتى إن أتيح لهذا البعض، فله انعكاسات سلبية على ممارسته للإمامة. لأن تركيز الإمام على عمله الخاص (المفترض) الذي يقتات منه – غير الإمامة- واهتمامه به لا بد أن يؤثر سلبا على جودة عمله كإمام، إما من ناحية المواظبة والحضور، أو على مستوى جودة الخطب والدروس التي يقوم بها، سيأخذ هذا العمل وقت الإمام وجهده وفكره، وسيكون إنتاجه بالتالي هزيلا فيما يخص الإمامة. وقد حاولت شخصيا التوفيق بين الأمرين فلم أستطع، لأن الإمامة تستغرق وقت الإمام كله، لمن أراد أن يمارسها فعلا بعناية وإتقان.
– من ناحية أخرى إذا صار الإمام متطوعا، ولا يتقاضى عوضا ولا أجرا على التزامه، فلا يحق لأحد حينها محاسبته، سيحضر متى أراد، ومتى سمحت له الظراف، لأنه ليس هناك عقد يلزمه بالحضور، وهذا سيؤثر سلبا أيضا على جودة عمله.
– إذا مارس الأئمة حرفا أخرى فسيتغيبون كثيرا عن أداء الصلاة في المسجد، تحت ضغط مهنهم الخاصة، وهذا سيخلف مشكلا في غيابهم كما هو الحال في الكثير من المراكز الإسلامية بإيطاليا، حيث كلما تغيب الإمام قامت خلافات حول من يؤم الناس مكانه، وسيفتح غياب الإمام المتكرر الباب أمام المتطفلين على المهنة(وما أكثرهم)، مما سيحدث الفوضى في سير المسجد و توجهه.
– ولنفرض جدلا أن هذا الإمام أراد أن يزاول عملا آخر إلى جانب الإمامة، فما هو هذا العمل المناسب للإمام؟ باعتبار دراسته وتكوينه ومكانته الاعتبارية في المجتمع؟ إن أي عمل محترم يتطلب دراسة وتكوينا، والأئمة إنما درسوا القرءان والعلوم الإسلامية الأخرى. مما يجعل فرص أي عمل آخر محدودة أو منعدمة أمام الائمة، إلا المهن والأعمال الشاقة التي لا يطيقها عامة الناس. فهل نرضى لأئمتنا أعمالا ومهنا لا نرضاها لأنفسنا؟
– إن العمل بهذا القول الذي يرى عدم جواز أخذ الأجرة على الإمامة سيؤدي إلى هجران الناس لحفظ كتاب الله وتعلم دينه، فما دام ذلك لن يجلب رزقا، فسيوجه الأولياء أولادهم وجهات تعليمية أخرى، ليضمنوا من خلالها مستقبلهم وعيشهم الكريم، وستفرغ الكتاتيب أو تكاد من طلبة القرآن الكريم.
– إن أخذ عوض معقول يستعين به الإمام على متاعب الحياة مقابل العمل الذي يقوم به، لا يؤثر على مصداقية هذا العمل ولا على قيمته عند الله ، مادام العمل يؤدى بإخلاص وإتقان، وما دام العامل يراقب الله في عمله ويؤديه على الوجه الذي يرتضيه الإسلام، متصفا بالعفة والقناعة، مكتفيا بالحلال عن الحرام. فقد كان الصحابة ينالون من الغنائم أثناء الجهاد وهو عبادة، ولم يؤثر ذلك على مصداقية جهادهم، وفي وقتنا الحاضر يتقاضى الجنود الأجرة مقابل عملهم، وإذا قتل الجندي دفاعا عن وطنه فإننا نعتبره شهيدا وإن كان يأخذ أجرا ،ولا نماري في ذلك أبدا.
بعد الذي ذكرته، أرى أن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس هو: هل يجوز للأئمة أن يأخذوا أجرا؟
هذا ما سأحاول أن أسلط عليه الضوء في مقال لاحق بإذن الله.
Laisser un commentaire