حفريات حول التطوانية زبيدة أفيلال أرملة الشهيد امحمد أحمد بن عبود (3)

في وسط زعماء الحركة الوطنية المغاربية بالقاهرة

كان زوج السيدة زبيدة ،أفيلال، الشهيد امحمد بن عبود من المناضلين الوطنيين. تم نفيه من قبل المقيم العام الإسباني. لم يتم نفيه لبضع الوقت أو السنوات، وإنما مدى الحياة. ومع ذلك قبلت السيدة زبيدة أفيلال العيش مع زوجها بعيداً عن والديها وأفراد أسرتها لفترة لا يستطيع أحد التنبؤ بها.

التحقت السيدة زبيدة أفيلال بزوجها بمصر بعد مرور سنتين على زواجهما، وكان سفرها على ظهر السفينة فرانكونيا الرابطة بين جبل طارق وبور سعيد. كان الشهيد امحمد بن عبود قد سافر من القاهرة إلى طنجة في الطائرة صحبة الطريس يوم 4 فبراير 1948، وذلك قبل مظاهرة تطوان في 8 فبراير 1948، وأقام في نزل الريف بطنجة قبل أن تلتحق به زوجته ليسافرا معا إلى القاهرة، عبر جبل طارق، في شهر أبريل 1948.

وأرسل الشهيد امحمد بن عبود رسالة من القاهرة إلى صديقه الطيب بنونة يوم 9 أبريل، وأخرى لخاله امحمد لوقش بطنجة بتاريخ 17 أبريل 1948 يخبرهما بالأجواء التي مرت بها الرحلة، قائلا: ((…) كانت الرحلة في غاية الجمال، وقد قطعت الباخرة المسافة بين جبل طارق وبور سعيد في سنة أيام. وكان البحر هادئا طول الطريق، ولولا حادث بسيط لكانت الرحلة في غاية المتعة، ذلك أننا عندما طلعنا إلى الباخرة في جبل طارق، ونقلنا الحقائب معنا إلى داخل الباخرة، كان هناك المسافرون الذين جاؤوا مع الباخرة إلى جبل طارق فأنزلوا خطأ الحقيبة التي كان فيها جميع ملابس الزوجة، وقد أبرقنا إلى جبل طارق، فجاء الرد على أن الحقيبة سالمة هناك، وأن الشركة سترسلها إلى مصر، ولكنها لم تصل بعد، والزوجة هنا مثل سيدنا عمر لا تملك إلا كسوة واحدة».

استقرت السيدة زبيدة أفيلال رفقة زوجها بشقة بالطابق الأول في عمارة الأميرة شويكر في «كاردن سيتي»، الراقي في القاهرة. ولازمته في مسيرته النضالية في المجالات السياسية والديبلوماسية بالقاهرة، ورزق منها بولد وحيد ازداد بعد وفاة الأب بستة أشهر وحمل اسمه، وهو الأستاذ الأكاديمي، امحمد بن عبود.

ولقد أضفت بصمتها التطوانية على البيت وعملت على تأثيث الصالون على الطريقة المغربية حتى أصبح محل إعجاب كل من رآه من المصريين والأمريكان والإخوان»، وفي هذا الصالون تناول الغذاء جماعة من الأمريكيات والأمريكيين، كان من بينهم آنستين ملحقتين بالسفارة الأمريكية في مدريد، جاءتا لقضاء أسبوع في القاهرة…».

ومن البيّن أن بيت السيدة زبيدة أفيلال كان مفتوحا أمام الضيوف المغاربة والأجانب من مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة من قبل السياسيين والمثقفين. وقد تطلب ذلك أن تكون السيدة مستعدة دائما لاستقبال ضيوفها، مما حتّم عليها الاستعانة بخادمة مغربية تتقن فن الطبخ المغربي التطواني، ولم يكن زوجها يبغي بديلا عن الخادمة «جهرة» التي تركها بمدينة تطوان؛ ذلك أن السيدة زبيدة عندما وصلت إلى القاهرة لم تكن تحسن الطبخ جيدا، بينما اعتاد الشهيد بن عبود على الطهي منذ أن كان طالبا.

ويتردّد اسم الخادمة جهرة مرارا في رسائل الشهيد بن عبود، ففي إحداها بتاريخ 26 أبريل 1948 بعثها لصديقه المهدي بنونة يخبره فيها : إن حالتي بالمنزل لم تستقر بسبب تأخر الخادمة جهرة، وقد أرسلت إليك خبر الإذن الذي أرسلته وزارة الداخلية للقنصلية الانجليزية في طنجة بشأن تأشيرة دخولها إلى مصر. وإني انتظر برقيتك التي ستخبرني فيها بمغادرتها لطنجة على آخر من الجمر ). وفي رسالة بتاريخ 9-4-1948 بعثها الشهيد للمهدي بنونة، يخبره فيها بأنه سيرسل إذنا خاصا إلى القنصلية الانجليزية بطنجة لإعطاء تأشيرة إلى جهرة، ويخبره أنه معتمد عليه في هذه المسألة الضرورية»، ويود أن يتفضلbبإتمامها في أسرع وقت».

وفي رسالة بعثها يوم 11-5-1948 للسيد الطيب بنونة نجده يلح على ضرورة الإسراع بإرسال الخادمة، ويخبره بأن وزارة الداخلية المصرية قد أرسلت برقية إلى القنصلية الانجليزية في طنجة الإذن للتأشيرة على جواز سفر جهرة. فأرجو – يقول الشهيد أن تخبر الأخ المهدي ليسرع بإرسالها، لأن وجودها في البيت ضروري، ورمضان قد قرب. كما أرجو أن تخبر خالي بذلك.

لم يتوصل الشهيد بأخبار عن جهرة، ليضطر لكتابة رسالة يوم 1948-8-3 للسيد المهدي بنونة، يخبره فيها بأنه بعدما طال انتظار رسائله قد أرسل إلى خاله محمد: «برقية أطلب منه – يقول الشهيد أن يستلم منك جواز سفر الخادمة جهرة، بعد أن أخبرتني بأنه ليس في إمكانك إرسالها عن طريق البحر، وطلبت منك أن ترسلها عن طريق الجو، فلم يصلني منك أي رد ولا يمكنك أن تتصور الارتباك والأضرار التي لحقتني من جراء تأخير وصولها. وأحب أن تقدر ذلك، فتتفضل بتسليم جواز سفرها إلى السيد امحمد لوقش، وإذا كان لديك مانع في ذلك فأرجو على الأقل إخطاري لأجل أن أرسل لها ليسي باسي laissez passer) من هنا. كما أحب أن أؤكد لك بأن لزوم وصولها إلي سيجعلني لا أهدأ ولا أتأخر عن اتخاذ كل ما أستطيع من إجراءات حتى تصل إلى هنا.

ويمكن فهم إلحاح الشهيد على ضرورة إرسال الخادمة جهرة في أقرب وقت على ضوء ما ورد في رسالته التي بعثها يوم 7-11-1949- للسيد الطيب بنونة يخبره فيها باتصالاته السياسية مع عدد من رجالات الدولة المصرية موضحا أنه كان الاتصال الدائم بأعضاء الوفود العربية من أهم تلك الأعمال، ونظمنا في نفس الوقت محاضرة في المكتب، وحفلة لدولة رياض الصلح بك. وكانت هناك أعمال أهم من ذلك كله، ولأجل أن تتصورها أصف لك عمل يوم من تلك الأيام استدعيت رياض الصلح ليتناول الغذاء في منزلي، واستلزم الأمر أن أدعو معه 14 فردا، وكان الوقت ضيقا، وعندما ذهبت للبحث عن الطباخ الذي أعتمد عليه في مثل هذه المناسبات قيل لي إنه مسافر ، فرجعت إلى المنزل متعبا، وجاء الصباح وليس أمامي من يعاونني في شراء لوازم الغذاء، ولا في تحضيره فنزلت إلى السوق واشتريت ما يلزم، ثم عدت إلى المنزل وحضرت الطعام من سلاطته إلى كسكوسه، ثم خرجت للقيام بما كان يجب أن أقوم به من أعمال في المكتب، وبعض المقابلات في الجامعة، وعدت بعد ساعة لاستقبل الضيوف.

والواقع أن منزل السيدة زبيدة أفيلال كان يعرف توافد العديد من الوفود الأجنبية عليه في مناسبات مختلفة، وبرعت ربة البيت في تحضير الأطباق المغربية الشهية لضيوف زوجها الكبار، ومن أمثلة ذلك ما ورد في رسائل الشهيد : طلب مني المستر ايرلاند، السكرتير الأول بالمفوضية الأمريكية، أن أقابله وسوف أدعوه لتناول الغذاء عندي في المنزل في الأسبوع القادم. وغدا سأحضر حفلة كوكتيل في منزل أحد الأمريكان الأصدقاء لأخي، وسيكون هناك سفير أمريكا، وبعد أن أتعرف إليه سأغتنم أول فرصة لدعوته إلى تناول الكوسكوس، وسأخبرك بما يدور في إيرلندا من أحاديث .

وإضافة لذلك كان منزلها بالقاهرة مقراً لاجتماعات رجال الحركة الوطنية كعبد المجيد بن جلون وعبد الكريم غلاب وأحمد بنمليح… فضلا عن شخصيات مغاربية كالحبيب بورقيبة وعلي الحمامي الحبيب ثامر وعلى سبيل المثال تقول السيدة زبيدة عن احتضان منزلها بالقاهرة للقاءات الوطنيين مشيرة إلى بعض القضايا الدقيقة من شخصيتهم:

قضيت سنتين هناك والوطنيون كانوا يحضرون إلى المنزل، فكانوا أصدقاء خصوصا عبد المجيد بن جلون وغلاب وبنمليح ود ثامر كان سيعود إلى تونس لكنه توفي قبل ذلك. كان لا يتكلم ومهذب ،ونحيل، كان يزور المنزل بتحفظ كان يزور زوجي بانتظام، وكان بورقيبة يأتي إلى المنزل حيث كان يستحم في منزلنا وكان متزوج من فرنسية وله ابن كان يتحدث معه بالعربية. وأيضا علي الحمامي كان يزور البيت في بعض الحالات.

كما كان بيت السيدة زبيدة أفيلال قبلة للوطنيين ورجال السياسية بالعاصمة المصرية. كانت ربة البيت تعيش في خضم الأنشطة الوطنية التي يقوم بها زوجها في القاهرة خلال أواخر الأربعينيات. ويورد امحمد بن عبود بعض القصص التي كانت ترويها له والدته زبيدة أفيلال قبل وفاتها، وجميعها مرتبطة بالفترة القصيرة التي عاشت فيها في القاهرة في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، ومن بين تلك القصص ما يتعلق بزعيم حرب الريف، الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي تصفه السيدة زبيدة بكونه أكبر رئيس الوطنيين وأكبر عدو للاستعمار في ذلك الوقت». وقد تميزت علاقته بالشهيد امحمد بن عبود بالود والتقدير؛ وهي علاقة أكدتها لي والدتي حيث أن الأمير كان يعرف جدّها التهامي وعمها أحمد بتطوان، إضافة إلى أنه معجب بطبخها التطواني، حسب شهادتها، كما كان يستحم في منزل الشهيد امحمد بن عبود من حين لآخر … وهي ما زالت تذكر زيارته بفخر واعتزاز» .

وأكدت السيدة زبيدة أفيلال، من خلال الشهادات الشفهية التي وثقها ابنها الأكاديمي امحمد بن عبود على أن أكبر عمل قام به الشهيد امحمد بن عبود، هو إشرافه على تحرير الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي من السلطات الفرنسية يوم 30 يونيو 1947، وإقناعه للسلطات المصرية بضرورة استضافة بطل الريف بمصر.

ويورد امحمد بن عبود معلومات غميسة وهامة عن الأمير وهو ينزل ضيفا على بيت والدته بالقاهرة ، يقول : أخبرتني والدتي أن والدي كان يدعو محمد بن عبد الكريم الخطابي لتناول طعام الغداء مرة واحدة في الشهر. وكان يصحبه سكرتيرته وزوجته التي تتحدث بالريفية فقط. كانوا يجلسون حول المائدة نفسها (…) كانت والدتي فخورة بأن الخطابي يحب الوجبات التي تعدها له (…) كان زعيم الريف يستحمّ بعد الغداء ويقضي قيلولته بمنزلنا. كان يترك ملابسه المتسخة التي نقوم بتنظيفها ونرسلها له في وقت لاحق». ووصفت [والدتي] مدى احترام الخطابي لها. تقول في وصفه أنه لم يرفع رأسه لينظر إليها، وهما يأكلان على الطاولة نفسها». ولم يفت السيدة زبيدة أن تذكر كيف كان زوجها الشهيد والزعيم الخطابي يتحدثان باللغة الفرنسية عندما لم يكونا يرغبان في أن تفهم شيئًا في الأمر الذي يتحدثان فيه.

وبالإضافة إلى زعيم ثورة الريف، كثيرا ما تحدثت لابنها عن شخصيات بصمت بميسمها تاريخ الوطنية المغربية والمغاربية من قبيل الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، وعبد المجيد بنجلون، والملك فاروق، والخليفة مولاي الحسن بن المهدي الذي مثله الشهيد امحمد بن عبود في الجامعة العربية، والسلطان محمد الخامس، وعبد الكريم غلاب، وأحمد بن مليح، وعبد الرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية، والجنرال فرانكو… والعديد من الآخرين. في الواقع كانت مصدرًا فريدًا للمعلومات التاريخية، لأنها صورت صورتها للأحداث في ذلك الوقت، حيث كانت هناك وكانت قريبة من كل هؤلاء الناس من خلال زوجها الشهيد امحمد بن عبود.

كان من الطبيعي أن تتأثر السيدة زبيدة بهذا الوسط الذي يعج بالوطنيين، فهي تعترف بأنها تحمل شعورا وطنيا قويا، كيف لا أعرف الشعور الوطني [تقول] وأنا كنت أعيش وسطهم. ومازلت أحافظ على ذلك الشعور زوجي كان وطنيا وجميع أصدقائه كذلك، وكيف لا أشعر بالوطنية. إلا أنني لم أكن أشاركهم في نشاطهم مع أنني كنت أسأل وأتتبع نشاطهم.

عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي

الكاتب: كتاب جماعي

الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)

بريس تطوان

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *