الإعلام وحقوق الإنسان.. الثابت والمتحول

Écrit par

dans

يرتبط الإعلام نظريا بثقافة حقوق الإنسان بعلاقة مؤسساتية وطيدة، ليس فقط باعتبار توافقهما الجيني المتصل بتقاسم نفس الإسناديات و المبادئ  والمرجعيات، لكن باعتبار أن الإعلام هو المنصة الحقيقية التي يمكن من خلالها المساهمة في نشر هذا الفكر الإنساني العالم، فبدون رمزية هذا الوسيط التواصلي  ستجد هاته المبادئ  والمتجسدة في ناصية العديد من الحقوق، كالحق في التعبير وإبداء الرأي والحق في الاختلاف الثقافي، والتعايش مع الأقليات الفكرية  والسماح لها بإبداء الرأي والمواقف أمام الجمهور الإعلامي حبيسة الأماني، دون ذلك ستظل هاته  المرتكزات حبيسة الصالونات الحقوقية والمرجعيات النخبوية، التي يمكن أن تتباهى بتنزيل هاته المبادئ على المستوى النظري، دون تقعيدها على المستوى  الشعبي والإعلامي المجال الحقيقي للمتابعة، ومن هنا لا يمكن الحديث عمليا على نشر ثقافة حقوق الإنسان دون الحديث عن رديفه في المواكبة والنشر و وهو الإعلام، كما  لا يمكن فهم هاته العلاقة المتكاملة  في البنية السياسية والتي تتجسد في ناصية محورين مركزيين في الحياة الحقوقية:  وهو الإعلام وسردية التعريف وبسط مفاهيمه في هاته الوسائط.

إن الاهتمام بثقافة حقوق الإنسان، يرتبط أساسا بارتفاع الحرص الدولي على هاته الممارسات التي لا تعدو أن تكون جزءا من منظومة حياة كرمها الله أولا، وواكبها التشريع الدولي والوطني بمجموعة من المواثيق والقوانين الوطنية التي ساهمت في تنزيل مقتضيات هاته الحقوق، خاصة بعد ارتفاع منسوب وعي الدولة وضغط الجمعيات المهتمة بصفة عامة، بضرورة تفعيل هاته المقتضيات التي أنتجتها على شكل نصوص تشريعية وتنظيمية، ومن هنا يمكن فهم تطور هذا الملف الذي تحول لإبداع إنساني ومؤسساتي يعكس عمق هذا التحول الحقوقي.

تؤكد المؤشرات الدولية والوطنية أن الطفرة الجينية المرتبطة بارتفاع اهتمام الإعلام بفكر حقوق الإنسان، ساهم بشكل كبير في تنزيل هذا التحول المرجعي على المستوى الشعبي، خاصة في مجال تصريف ثقافة حقوق الإنسان في العديد من المرتكزات المؤسساتية والمدنية التي تدافع بشكل أو بأخر، في فهم هاته العلاقة بين فكر حقوق الإنسان والعلاقة الطبيعية المفترضة في تنزيل هاته المفاهيم، والمساهمة في نشرها عبر العديد من الأجناس الصحفية أبرزها مقالات الرأي والكبسولات التعريفية والتحقيقات الصحفية التي تفكك مسار هذا الفكر.

إن المؤشرات المقارنة في مجال الإعلام، ومنها أرقام الفيدرالية الدولية للصحفيين واتحاد الإذاعات الأوربية و العربية، تؤكد حقيقة هذا الانفجار الإعلامي المهتم بقضايا حقوق الإنسان سواء في مناطق النزاع والصراعات الدولية أو في مناطق السلم، نفس الأرقام تؤشر على حقيقة هذا التحول  الذي برز بشكل ملفت في ارتفاع عدد القنوات التلفزية الفاعلة بشكل مضطر في قضايا حقوق الإنسان، في بادرة تأكيدية لحقيقة الانفراج الحقوقي المبني على حرية التعبير والاختلاف وإبداء الرأي والنقد والمساهمة في التغيير، حيث برزت أشكال الاهتمام بالموضوع من خلال ارتفاع  طبيعة الاكتراث بقضايا حقوق الإنسان “كخبر” شأنه في ذلك شأن كل الأخبار القابلة للنشر وتحقيق السبق والنشر الصحفي، بل ارتقى التعريف بقضايا هاته الحقوق، في حالات متعددة لمادة صحفية يمكن تصريفها على شكل برامج ومواد إعلامية قابلة للتعميم، باعتبار الإعلام منصة حقيقية لنشر الأفكار وتصريف ثقافة حقوق الإنسان، ومن هنا يمكن فهم انفجار موجة الترخيصات التي أطلقتها العديد من الدول في المجال السمعي البصري  كواجهة للتحرير، كان من أبرز التزاماتها التعاقدية تخصيص القنوات العمومية والخاصة والمحطات الإذاعية العديد من المواضيع ببعد حقوقي كواجهة للبث،  لذا فالاتحاد الأوربي عندما قام بالترخيص لأكثر من 2700 قناة، والهند 1600 قناة، والعالم العربي لأكثر من 1300 قناة،  كان هدفه بنية يتقاطع فيها صك ببعد تحريري يمزج بين فكر الاقتصاد و الحرص على تنمية الحق، خاصة أن التحولات  العميقة التي تعيشها البلدان العربية إثر انهيار احتكار الدولة للبث السلكي واللاسلكي، واندماج وتفاعل تكنولوجيات التلفزيون مع تكنولوجيات الأقمار الاصطناعية والحاسوب، وتحرير الفضاء السمعي البصري، ساعد في تحرير العقل والفكر، وساهم في قيام مدن إعلامية عربية، قارعت التحول الديمقراطي الذي وفر الظروف المواتية لتنشيط الإنتاج وتوفير الفرص الإعلامية لبعث المزيد من القنوات والمحطات الإذاعية، التي ركزت في جملة من التزاماتها التحريرية والتدبيرية على فكر ومبادئ حقوق الإنسان سواء على مستوى النشر والتدبير، مع إخضاع الإعلام في تقعيد مبادئه على القيم والمناهج الديمقراطية وأساليب الحكامة الجيدة كواجهة للنشر والتدبير.

الوجه الآخر للبعد الحقوقي في نتائج  التحرير هو ما أنتجه الواقع والممارسة، من بروز ما يسمى اعتباطا بصحافة المواطن،  فالوكالة الوطنية لتقنين المواصلات بالمغرب مثلا تؤكد حقيقة هذا التحول الرقمي الذي ساهم في هجرة إعلامية مؤكدة، فسبعة مستعملين من عشرة يلجؤون إلى الانترنيت على الأقل مرة في الأسبوع، بل أن نصف المستعملين يقضون أكثر من ساعة عبر الهواتف النقالة، كما أن العديد من مصادر الأخبار التي كانت جزءا من سيرورة “خبر مهني مرجعي”، كانت من سند “هاتف مواطن”، وهو واقع  يؤكد سيرورة أهمية  أجواء حقوق الإنسان وحريات التعبير في نشر الأخبار،  بالإضافة إلى هذا الأمر برز في السنوات الأخيرة  تطور ملفت في مجال وسائط التواصل الاجتماعي وشبكة المعلومات الدولية، كمرجع وسائطي في تطور “إعلام الهاتف” الذي وجد في مجال آخر غير الإعلام التقليدي الجو المناسب لطرح قضايا حقوق الإنسان بأبعادها الشاملة، خاصة في ظل تراجع الصحافة الاستقصائية وصحافة التحقيق، التي مكنت من طرح قضايا حقوق الإنسان من زوايا متعددة سواء المرتبطة منها بفضح الفساد أو فضح الانتهاكات ، ولعل التقارير الصحفية التي يتم نشرها   جزء من هذا الاهتمام الشامل.

لقد قام المغرب شأنه في ذلك شأن العديد من الدول بمجهودات رائدة في مجال تقنين الإعلام وتأطيره بالفكر الحقوقي، ولعل الإعلام السمعي البصري جزء من هذا التصور الشمولي، فالإعلام العمومي و الخاص منه، مؤطر بقوة القانون بدفاتر تدعى بالتحملات، أي التعهدات الموضوعاتية التي تلزم المتعهدين ببنود تعاقدية بنفس حقوقي، سواء كان الأمر بالنسبة لقنوات ومحطات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة أو القناة الثانية وميدي 1، بالإضافة إلى المحطات الإذاعية الخاصة الهادفة لتكريس مبادئ الخدمة العمومية كواجهة لخدمة حقوقية  مبنية على معايير الجودة والمهنية، الهادفة لتعزيز مقومات الثقافة الحقوقية التي تنصهر فيها كل مكونات الفكر الحقوقي وخطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى السعي لمساهمة الإعلام وبشكل وجوبي في مجال التربية والتثقيف الحقوقي، لهذا فالمتعهدون يركزون  في تصريف التزاماتهم ببعد شمولي، يأخذ بعين الاعتبار أثناء إعداد مخططات البرامج وشبكة بثها، مجال التوعية والتثقيف على حقوق الإنسان ببعده الشامل، باعتبار أن المادة الحقوقية السمعية البصرية ليست فقط مؤطرة بدفاتر التحملات، لكن موجهة أيضا بمجال تكريس مفهوم الخدمة العمومية المنخرطة في المساهمة في تنفيذ المرحلة الرابعة لحقوق الإنسان، الذي يعد مشروعا وطنيا بأبعاد مهيكلة.

لقد كانت الجرائد بالمغرب بحكم التاريخ والواقع طرفا مركزيا في التعريف وتبني قضايا حقوق الإنسان، بداية بالتعريف بنشر فكر الحركة الوطنية الساعي لمحاربة المحتل والتشهير بتجاوزاته الحقوقية المرتبطة بمحاربة رجال الحركة الوطنية والزج بهم في غياهب السجن، كما كان لها دور مهم في نفس الوقت في تبني  مبادئ الفكر الوطني الداعم للاستقلال والمحافظة على أرض وهوية المغرب، كما انتصبت الصحافة المكتوبة لاحقا في دعم مرحلة ما بعد الاستقلال عبر التطلع لتأسيس الدولة العصرية المتطلعة للفكر الحقوقي، و المتصالحة مع ماضيها وحاضرها، لهذا لم يتردد الإعلام المكتوب في تبني نفس التصور المبدئي الهادف إلى التموقع في  مجالات الحقوق، لكن هل هذا يكفي لتقعيد هاته الممارسات وتطوير مبادئها عبر منصة الإعلام؟ هل للإعلام من دور مركزي في تهيئة الرأي العام وصناعة مبادئه الحقوقية؟ كيف يمكن للإعلام أن يساهم في تشجيع الصحافة الاستقصائية الفاعلة المركزية في مجال الكشف عن النواقص والبحث عن التجاوزات؟

لقد أصدرت الهيئة العليا للوقاية من الرشوة ضمن إنتاجاتها الأخيرة تقريرا مهما يكشف أسباب تعثر هذا الجنس الصحفي الذي يحتاج لمناخ سياسي وإعلامي ملائم، وحقيقة هذا الاستنتاج يطرح أكثر من سؤال شرعي حول حقيقة هذا المناخ، فرغم الأرضية التشريعية المؤطرة، ورغم القوانين المنظمة، ورغم التجارب الجيدة المتراكمة، يظل السؤال مطروحا وبصيغ متعددة، هل الإعلام بصفة عامة منصف ومتبني لهاته الحقوق؟ هل هو مدافع عن مضامينها؟ أم أنه يتعامل مع قضايا حقوق الإنسان كخبر ضمن شبكة باقي الأخبار التي يتم معالجتها بشكل يومي؟

إن المتتبع للوضع الإعلامي عامة يصعب علية تصنيف تعامل الصحافة بشكل دقيق مع قضايا حقوق الإنسان، وذلك راجع لافتقاد أرقام ومعطيات مرتبطة بالموضوع، وما يمكن التأكيد عليه أن حضور فكر حقوق الإنسان يبقى قدرا انطباعيا غير مبني على أساس علمي، يمكن من خلاله التأكيد أو النفي المتعلق بماذا حضور هاته العقيدة، خاصة في ظل غياب دراسات وأبحاث دقيقة تؤكد أو تنفي هاته العلافة المفترضة، لكن ما يمكن التطلع إليه من موقع الباحث أن الصحفي في معالجة لهاته القضايا يطرح الموضوع من مقاربة خبرية، تفتقد في كثير من ملامحها للبعد الحقوقي، باعتبار أن قضايا حقوق الإنسان قضية خبرية كباقي القضايا المتعلقة بصناعة الأخبار، ولعل هذا الوضع هو الذي جعل من هذا الفكر شبه غائب عن التوجهات العلمية باعتبار أن الفكر الحقوقي بمشارب علمية متعددة بعضها بطابع عالمي واخر بطابع وطني مما صعب استيعاب هاته المناهج من طرف العديد من الصحفيين، كما أن المعاهد المتخصصة في مجال الإعلام لا تدرس عادة هذا الفكر باستثناء الجامعات القانونية التي توفر بعض من الحصص في مسار  التكوين، دون ذلك تبقى العلاقة المقترضة بين الإعلام وحقوق الإنسان قضية بملامح يختلف في تحضيرها ثابت وهو رغبة الدولة في تثمين التراكمات الإيجابية ومتحول مهني لازال في حاجة ماسة إلى مسار من التكوين والاهتمام.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *