دور النشر الإلكتروني منابر هي أم مقابر ؟.. بقلم الدكتور حميد قهوي

Écrit par

dans

الأحداث د.حميد قهوي
رواية “السبتداي 31 رمضان ! ” مناسبة .
” جني به مس من الإنس”، ذلك عنوان حلقة من حلقات رواية السبتداي 31 رمضان المقترحة هنا للحسم في إشكالية الكاتب الجديد ودور النشر الإلكتروني. ومن الصدق مع القارئ المحتمل القول إن ذلك العنوان كان وراءه تلك الآية القرآنية من سورة النمل والتي فيها اقترح عفريت من الجن على الملك سليمان أن يأتيه بعرش بلقيس قبل أن يقوم من مقامه. وطبعا لم يفز ذلك الجني بالصفقة وآلت في النهاية إلى صاحب علم الكتاب. فهل كانت تلك الواقعة إعلانا ربانيا للبشر محتواه أنهم سيحققون يوما ما ثورة تكنولوجية إلكترونية تقرب البعيد وتسهل المأمورية على الطالب والمطلوب في المجالات كافة ومنها أساسا هذا الدي يهمنا في مداخلتنا هاته وهو مجال الرواية الإلكترونية. وسنقوم بالوقوف بقطارنا السريع عند ثلاث محطات رئيسية.
أ – تقديم إعدادي لموقف رمادي
حقا، ” خلق الإنسان هلوعا”، وما يدريك لعل أشد الهلع وطأة الهلع الإلكتروني والجزع الأنترنيتي ومشتقاته الإعلامية والتواصلية الآنية والمتوقعة؟، والله نفسه عندما يستعمل عبارة ” وما يدريك” يخفي الجواب، وعلى العكس من ذلك يجعل كلمة ” وما أدراك” متبوعة بإجابة نطيقها كبشر تبعا لقدراتنا الإنسانية على الفهم والتأويل والتنزيل. نكتفي إذن وهاهنا بالقول إن الهلع الإلكتروني قائم ويبقى مصيرنا معه وبعده في دائرة عدم اليقين المؤقت
1- ما قالته وما لم تقله استقالة الصحفية المتألقة من الواشنطن بوست
حقيقة اخرى بعد حقيقة الهلع المؤكد ربانيا هي حقيقة أن الإنسان خلق عجولا. والعجلة اليوم لها تجليات أكتر وضوحا في المجال الإلكتروني ومع صناع المحتوى فيه. لنبسط الأمور بهذا المثال الآتي من الغرب الإلكتروني
إنهم هناك يحضرون لمفهوم مبتكر هو التحرش الإلكتروني التدبيري، تحرش لا صلة له بالجنس بل إن موضوعه الرئيس سيكون لا محالة هو الجسد الإلكتروني التكنولوجي التواصلي المشاع. فقريباً جداً، حدث في أمريكا ما يخدم مصالح هذه المقالة، صحفية وإعلامية تخطت كل درجات الترقي الإعلامي وتقدمت بتاريخ 2 يونيو 2024 باستقالتها من منصبها الهام بجريدة الواشنطن بوست. وقد تعددت مبررات هذه الإستقالة وإن كان الراجح هو صلتها بالتحرش الإلكتروني الذي يستهدف الوظائف أكتر مما يستهدف شاغليها. لقد عزمت إدارة تلك الصحيفة على إحداث فريق مستقل يعنى بالصحافة الخدمية وشبكات التواصل الاجتماعي أمام ما سجلوه من تراجع لمبيعات ومداخيل الإشهار التقليدي. هي إذن إستقالة من الصحافة المكتوبة ورقيا والمكلفة ماديا وهروب إلى المجانية المربحة. إنه الهلع عندما يقترن بالأنترنيت ووسائل الإعلام والاتصال في بحثها عن تغيير جلدها طبقا لما يمليه واقع الربحية والانتشار.
ليس هذا الهلع جديدا ولا خاصا بفضاء جغرافي معين. ففي كل الإذاعات والجرائد والمنابر الإعلامية الأخرى علقت بكائيات منها ما يتأسى لمهن ستنقرض بفعل سقوط نيزك خارجي عليها هو الانترنيت وفصيلته، ومنها ما يعد مرثيات أمام أطلال كتب عليها تأبين لوسائل المعرفة التقليدية. إنه تخويف من الأنترنيت وفضاءاته بعد أن ولت مرحلة الخوف عليه.
2- من الخوف على الرأسمال الإلكتروني إلى الخوف منه.
في ليلة 31/12/1999 حبست الإنسانية المعنية تكنولوجيا انفاسها وهي تستعد لما عرف آنذاك بالبقة الإلكترونية.
قيل ليلتها إن العالم سيصحو على حواسيب تائهة لن تستطيع التعامل مع الرقم إثنان مسبوقا بثلاثة اصفار على اليمين، ولم يكن ذلك الهلع إلا وهما نابعا عن الخوف من فقدان مواقع تكنولوجية مربحة. لقد تأقلم الحاسوب في كل مكان مع التاريخ الجديد بدون عقبات. واليوم هناك مخاوف جادة وأخرى متوهمة من هذا النيزك الذي سيأتي على كل ما ألفناه من وظائف ومهن ومواقع اجتماعية. ففي إدارات حديثة وعديدة شأنها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي هناك الآن فريقان: فريق ينتظر الإماتة وفريق له إلمام وكفاءة في رقمنة العباد والبلاد. إلا أن التفرقة بينهما تبقى نسبية. فلا أحد من كلي الفريقين يجهل المبادئ الأولية للسباحة في هذا البحر الإلكتروني اللجي بل إنهم جميعا هم وازواجهم وذرياتهم انخرطوا طائعين في هذه الثورة، علما بأن كل ثورة تكنولوجية أو اجتماعية يقوم بها أبطال ويستفيد منها من لم يشارك في قيامها أو قعودها. فلا داعي إذن لتصور أمية جديدة إلكترونية نعاني منها بشكل كامل، ولا مجال ها هنا لتذكر تلك الصدمة الحضارية العلمية التي تعرض لها شيخ وقور هو عبد الرحمان الجبرتي عندما وصلت حملة نابوليون إلى بلده وقام العلماء يومها بتجارب ضوئية وتقنية ادهشته هو وصحبه واعترفوا بأنهم لم يكونوا مؤهلين لفهم أي شيء مما يحدث أمام اعينهم بل حسبوه سحرا. غير أن الملاحظة الأساسية التي وجب الاحتفاظ بها الآن تتعلق بهذه الصلة القريبة جدا بين الإدارة والتجارة والعمارة والإثارة في واقعنا الإلكتروني الرقمي مند 2008 على الأقل. فكل شيء أصبح تجاريا مما يدعو إلى نفي الاستقلالية الذاتية عن الفعل والفاعل في المجال الإلكتروني. وهناك دلائل على هذا الأمر عديدة منها أن المصطلحات الأكثر تداولا في مجال السيبيرنيتيك استقدمت من المجال المالي التجاري: الحسابات والمشاهدات والهدايا والأرباح والكودات وغيرها الكثير.
لنضع حدا لهذا التقديم الذي لا نريده حشوا ولا حديثا له شجون، والذي قد يبدو فيه المستفتى أقل علما بموضوع الفتوى من طالبها .
وسنقف في محطتنا المقبلة أمام الذات الدارسة وموضوع الدراسة، واخرى سنقترح فيها مفهوما متواضعا من أنصاف المفاهيم لفك العزلة عن الكاتب الذي يختار طوعا أو كرها طريق النشر الإلكتروني، ومحطة أخيرة للحسم في مسألة الدور الإلكترونية معلنين منذ الآن أننا قد نتشيع لموقف دون الآخر، موقف يدعو إلى اعتبارها منابر إلا إذا شيئ لها أن تكون مقابر.
ب – مشروعية تضارب المصالح في الأدب الإلكتروني: أب العروس هنا هو مادحها.
نحتاج في هذه الوقفة إلى تفصيل موجز في مسألة القطيعة بين الذات الدارسة وموضوع الدراسة قبل الانتقال إلى الدواعي الشخصية والموضوعية التي فرضت على صاحب هذه المقالة اللجوء إلى النشر الإلكتروني لروايته وهي بعنوان ” السبتداي 31 رمضان ! “
1- لا قطيعة ولا حدود وهمية عندما يتعلق الأمر بالفعل الأدبي
لكي يكون الأدب إجتماعيا بالفعل ولكي تتحقق لذة النص، ولكي تنتج الأعمال الأدبية اكلها وقيمها الإضافية، لا بد من هجر تلك العادات التي تعلمناها في جامعات تفصل بين كليات الآداب والعلوم وتخصصات أخرى. نطمح هنا لبلوغ هدف لا نرجو له الإجماع وهو التكامل بين الأدب وغيره من المجالات المعرفية الإنسانية. فقد ولى زمن مونتسكيو ومجدديه والذين تعسفو كثيرا في التمييز بين سلطات سياسية وسلطة رابعة إعلامية، فالظاهر أن التشريعي والتنفيذي والقضائي والإعلامي كلهم يركعون الآن خاشعين لما أتت به رياح الأنترنيت وشبكات ومنصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي
2- لماذا اختار صاحب الرواية هجرة اضطرارية إلى النشر الإلكتروني ؟
رواية “السبتداي 31 رمضان! ” كتبت قبل الكوڤيد وقبل حرب اوكرانيا وحروبنا الحالية غير المتكافئة في غزة وبورما والسودان وأماكن وعقليات أخرى عديدة. لكن ملكا كريما أو وسواسا تدخل لجعل هذا العمل المتواضع يستبق كثيرا من الأحداث وقد بنيت على مجرد حلم رأته عجوز اسمها صوفيا أو صفية، وهنا دلالة أولى على أن الرواية تبحث عن بلد لا جنسيات محلية فيه لأبطالها. سيتكرر مثل هذا الاسم المزدوج ليشمل كل الشخصيات الأخرى. فالبطل الرئيس عبد البصير البراق عندما يكتب اسمه بالأحرف الاتينية يصبح “باراك “. وفي الرواية شخصية أخرى محورية هي شخصية سارة باراك وعلى القارئ الكريم أن يستشف ما يشاء من هذا التقارب بين الإسمين، وكذا بين إسم القاضي قسطاس وكلمة جيستيس ومقابلها العدل. فنحن أيضا لم نملك في هذه الرواية غير الأسماء، وخصوصا منها تلك التي تحيل على الازدواجية. تلك الازدواجية التي تبدأ في عنوان العمل نفسه من خلال الجمع بين كلمتي السبت العربية اليهودية وداي الإنجليزية الغربية، ومن خلال تخيل شهر هجري يتجاوز الثلاثين يوما كما في شهورنا الميلادية… ستحضر مفاسد عالمية كبرى دون أن يحق لأحد أن يعفي نفسه من بعض المفاسد الصغرى في مجالات تشمل التجاري والمعماري والحضاري والتكنولوجي والإثاري دونما تجاهل لبعض أصناف التأويل الديني بالفعل المصلحي السياسي. ولكي لا نعرض هذه الرواية للإحراق أو الإحتراق بالخوض في مختلف تفاصيل أحداثها نكتفي بقول قد لا يعجب أو يعجب في الظروف الإصطفافية الراهنة. سيكتشف القارئ في النهاية أن عبد البصير البراق هو المسلم شكلا وقالبا الملتزم بالضروري من الدين هو إبن اليهودية سارة باراك والتي كان زواجها من مسلم بالشكل هو “رزق المستدام ” سريا وسيبقى كذلك وسيستمر اللقاء العائلي الحميمي بين الإبن وابويه وبين الزوجة وزوجها ممنوعا بفعل أحكام مسبقة ترسخت في العقليات والسلوكات وشرائع الله كلها بريئة منها.
وبعد الكوفدة التي أتت على كل شيء جميل بما في ذلك الكتابة والنشر بأشكالهما التقليدية، طرق صاحب الرواية عدة أبواب ملتمسا نشرها وقوبل بالإعراض القاتل في ساحة ثقافية عربية مبناها ومبتغاها الإخفاء : لماذا اقرأ لك؟ ولماذا انشر لك؟ ولا تنتظر من السلطة الآن أن تمنعك ككاتب لتستفيد انت من الإشهار والإنتشار “والبوز”، دعه يحرق كتبه بنفسه تلك وصية أوصى بها كافكا ولم يف بها الموصى له وتحقق الإنتشار لكافكاوية إلكترونية في غياب المعني بها. أما صاحب هذه الرواية فقد إختار كرها أو طوعا اللجوء إلى النشر الإلكتروني بمنافعه وبأسه خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإسم الأدبي المغمور. وكما حصل لصاحب هذه الرواية المتواضعة من حيث الكم والمضمون، يطلب من الكاتب أن يخوض غمار مجال لا يتقنه أصلا وهو الماركوتينݣ الإلكتروني الأدبي، فما العمل إذن وهل من حلول ؟
ج – أدب إلكتروني يعيد الحياة للمشهور وقد يقتل الإسم المغمور
هي إذن مشكلة الكاتب العويصة مع الناشر الإلكتروني، غير أن تجاوزها نسبيا ممكن بنمذجة مثال معين على هدي عالم الإجتماع الالماني ماكس ڤيبر قبل تنزيل هذا النموذج على الواقعة التي تهمنا تنزيلا عن قرب لا عن بعد حضوريا لا افتراضيا
1- الكاتب ناقد نفسه والمروج لمادته
هل يمكن في مقال كهذا طلب مساعدة شخصيات أدبية ماتت وهي الآن تعيش بيننا في أمان وسعة إلكترونية من قبيل أبي العلاء المعري والحطيئة ؟
لنجرب هذا الأمر للاستئناس وعلى أساس ما قام به الباحث والمبدع الأدبي المغربي عبد الفتاح كليطو ( العين والإبرة) فقد ناقش أبا العلاء المعري على أساس ما أصدره من احكام في حق كثير من الأدباء والعلماء ممن عرفهم ولم يرهم إلا في رسالة الغفران. حكم مثلا للحطيئة بحقه في دخول الجنة لمجرد أنه كتب بيتا شعريا في مدح الله. فهناك تصرف أبو العلاء ككاتب وناقد في نفس الوقت. فالجمع في هذه الحالة مؤسس له بين الكاتب وناقد نفسه. فيتصرف العقاد في ” ساعة بين الكتب” ومؤلفات أخرى كاتبا وناقدا لنفسه ولغيره. وفي السياسة كأدب، كتب علال الفاسي نقدا ذاتيا حضر فيه الوجهان. وتتعدد الأمثلة بشكل مريح يدعو إلى الإستئناس الأولي بهذا النموذج المثالي التقريبي الذي لا نطلب له التداول ولنقترب أكتر من الإشكالية المنتصبة أمامنا هاهنا نجيز السؤال التالي بالرغم من محتواه العبثي. عندما يكتب لأب العلاء أو الحطيئة العيش بيننا حضوريا وإلكترونيا في الوقت الراهن، فأي موقف سيصدر عن كل واحد منهما؟ بالتأكيد سيقبل أبو العلاء الإنخراط في النشر الإلكتروني بشرط ألا يتحول إلى كاتب تاجر لا يجيد الماركوتينغ الأدبي، وشريطة ألا يفرض عليه الفضاء الإلكتروني قيمه الحاكمة ومنها الإحتفاء بالعرضي والتافه عوضا عن العميق الدائم. وسيشترط أيضا ألا تكون كتبه إلكترونية بالكمال والتمام وأن تكون هجينة بمعنى تواجدها بين الورقي الملموس و الإلكتروني، فهو بفعل وضعه الفيزيولوجي سينحاز إلى الورقي الذي يمكن لمسه وشمه. أما الحطيئة فسيقبل العرض بالرغم من أن صورته الشخصية ستكون مستهجنه في كل المواقع وهو الذي قبح وجهه في بيت شعري معروف، كما أنه قد ترتفع أسهمه كعارض إلكتروني ميزته الأولى الهجاء، وهو ما يجري وراءه عادة متلقي الكتابة والصورة والفيديوهات الميسرة بالعديد من أشكال الإيقونات. والأهم أن هذين الميتين سيقبلان الإنخراط في اللعبة الإلكترونية لما تتيحه لهما ولغيرهما من جمع بين الكتابة والنقد والهدية والربح والإكتتاب والإنتشار. أما بالنسبة للإسم الأدبي المغمور فلا هدايا ولا أرباح ولا انتشار ولا شهرة ولا ترويج في زمن أصبح فيه النقد سلعة نادرة. والحل إذن لكي لا يموت الكاتب الإلكتروني المغمور أن ينصب نفسه ناقدا لنفسه منوها بالعروس وعند الإقتضاء مقبحا. ففي كثير من أشكال التقبيح الإلكتروني منافع للعروس واستدراج للخطاب.
وقد لا يكتمل هذا النموذج المثالي إلا بعد تنزيله واقعيا
2- مقترحات ثلاثية الأبعاد
في العملية الأدبية الإلكترونية او الورقية هناك ثلاثة أطراف هم الكتاب والناشرون وجمهور المتلقين إن وجدو، على أن الإلتقائية يجب الإعتداد بها في هذا التصنيف. فالكاتب إلكترونيا كان أو تقليديا هو في نفس الوقت من جمهور المتلقين. والمتلقي هو كاتب آخر لنص. والناشر مبدع بالكتاب وصانع له ومسهم في جماليته تصميما وإخراجا .
لنبدأ إذن بما يهم الناشر الإلكتروني. فلا شيء يجبره على الإستقالة من وظيفته الأساسية وهي الترويج وبالتالي لا مجال لأن يطلب من الكاتب أن ” يقاتل هو وربه” في معركة ليست معركته ولا حظوظ له في كسبها ومن واجب الناشرين إلكترونيا ومن جهة ثانية أن يتحدوا كما حصل في اتحادات أخرى بين الناشرين التقليديين وغيرهم. فلهؤلاء مواسمهم الخاصة وملتقياتهم ومعارضهم وجوائزهم، فلماذا لا تنظم دور النشر الإلكترونية جوائز للكتاب الإلكتروني أو لكتابه أو لقرائه ؟ ولماذا لا تخفف هذه الدور عبء التنقل بين الروابط والمواقع الإلكترونية عن الجمهور المحتمل وعن الكاتب نفسه وتختزل كل الوساطات في مخاطب وحيد أو شباك موحد .
وبالنسبة لطرف الأصلي أي الكاتب الإلكتروني يمكنه أن يحقق نموذج الكاتب الناقد لنفسه من خلال القيام دوريا بجولات في الصحف والمنصات وشبكات الفضاء الإلكتروني عامة تقرب المتلقي من إنتاجه ولو بالتقبيح كما سلف. ففي مواجهة عاصفة قادمة قد تأتي على من تبقى من النقاد دوي الكاريزما الأدبية، سيصبح الكاتب الإلكتروني مجبرا على أن يكتب وينقد ويورج في حدود لا تشغله عن مهمته الأدبية التي يعتبر نفسه حيا من أجلها. وبوسعنا أن نستقدم مثال ذلك الفلسطيني الذي اجبرته ظروف الحرب على بيع ” المية الحلوة ” لناس المحرومين من شبكات التزويد بالماء الشروب. فالكاتب طبقا لهذا المثال عليه أن يفعل كل شيء ممكن من أجل الدعاية المتاحة والمشروعة لعمله المنشور إلكترونيا وألا يكتفي بالتعامل ” بالكاش” كما الأمر في كثير من معاملاتنا المالية نتيجة لخوف من الدفع أو الأداء الإلكتروني .
أما الطرف الأخير في المعادلة أي المتلقي فعليه من الواجبات والحقوق ما على المتلقي العادي في الأدب المنشور تقليديا. ولا خوف هنا من تلك الشائعات التجارية التي تصور دعم الجمهور للكاتب الإلكتروني على أنه تحضير لميلاد مليونير سيغنيه الفضاء بشبكاته التواصلية وهداياه وأرباحه.
كل الأشياء في الوقت الراهن مداخلات أو صور تحسب بالثواني والدقائق، فلا مكان اليوم للإطناب، والإعجاب قد تأتي به صورة ولا تأتي به ألف كلمة. وهنا يبدوا جليا مثال السياسي الفرنسي الشاب جوردان بارديلا مقنعا في حدود. فهذا الكائن السياسي الآتي من أعماق أقصى اليمين كان في حملته الإنتخابية في التشريعيات الخاصة بالبرلمان الأوروبي كاتبا وناقدا له إسم في الساحة الفرنسية، ولكن صورته الشخصية كما سوقها في وسائل التواصل الإجتماعي لشباب منهك نفسيا هي التي جعلته يحقق السبق لحزبه يوم 10 يونيو 2024 ليتبعه ” زلزال ” سياسي كان له ما بعده ولو بشكل مؤقت، إذ أن كل الأمور في الفضاء الذي كنا في صدده مؤقتة ولا يقين إلا ما تعلق بضرورة حضور الكاتب الروائي ومشاركته في اللعبة بذكاء وإلا حل الذكاء الإصطناعي محله وإنتهى إلى إستغبائه. غير أن مثل هذا التخويف الذي يحكمون به عمالقة الݣافا GAFA يشبه تخويفا من سبع من كرطون أو لوڤياتان يقتات من لحم جسده. يمكن للفضاء الإلكتروني ومشتقاته أن يخلق ذبابا ولكنه لن يستطيع خلق أي مكون من مكونات الحياة على الأرض الواقعية من هواء وتراب ونار نافعة وماء، الماء الذي ستكفي قطرة منه في المستقبل القريب لتخزين آلاف الكتب المشهورة والمغمورة وعشرات الخزانات والروابط الموصلة إليها. ولمن شاء أن يصل إلى الرواية المحتفى بها في هذه العجالة فروابطها متاحة لدى الناشر الإلكتروني ” إيكوتوب” / “E-Kutub” أو في صفحة صاحب هدا المقال على الفايسبوك وعنوانها ” كوريبسيولوجيا” .

Tags :الدكتور حميد قهويهيئة التحرير29 أغسطس، 2024

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *