محرك الرغبة.. تأثير صناعة الأفلام الإباحية على وسائل الاتصال

Écrit par

dans

د. السهلي بلقاسم
أستاذ علوم الإعلام والتواصل بجامعة فاس

حاول الباحث والكاتب “باتش بارس” في دراسته الجريئة ” محرك الرغبة وتأثيره في الصناعة الإباحية لوسائل الاتصال”، الصادر عن دار ألكا، ترجمة عماد أبو اللطيف، وعبر مجموعة من الفصول، أن يتناول تأثير صناعة الأفلام الإباحية على وسائل الاتصال الجماهيرية. إذ بدأ “بارس” كتابه بفصل تأسيسي لتاريخ الشغف البشري بالرسومات والنقوش والنحت والكتابة الجنسية. وأكد أن الكهوف التي منحتنا العديد من الصور لكيفية عيش أسلافنا وكيف كانوا يصطادون؟ وكيف كانوا يأكلون؟ هي نفسها التي احتوت على نقوش لمئات الصور للأعضاء التناسلية الذكورية والأنثوية.. ولقد برر الكاتب وجود تلك النقوش، بأن عملية التطرق إلى الجنس عبر الرسومات والأعمال الفنية التشكيلية والكتابات الأدبية والقصائد الشعرية تعتبر ظاهرة، كغيرها من ظواهر أساسيات البقاء. فالجنس ضرورة من ضروريات استمرار الوجود البشري…

ويؤكد الباحث بأن العديد من علماء الحفريات في جنوب غرب ألمانيا، اكتشفوا مجموعة من قطع العاج التي تلاءمت معا، لتشكيل تمثالا لجسد امرأة بكتفيين عريضين وجدع سميك وأرداف كبيرة وثديان بارزة، كان عمر هذا التمثال حوالي 35000 سنة. ويعتقد الكاتب بأن تماثيل المرأة الإله “فينوس هوول فيلز” كانت مرتبطة بالطقوس الدينية، بنفس قدر ارتباطها بمعتقدات الخصوبة والممارسة الجنسية…

في البداية كان الرسم

تعرض الكاتب إلى العديد من الرسامين الدين رسموا لوحات فنية، فيها الكثير من الجرأة، على سبيل المثال، لوحة الرسام الإيطالي “أغنولو برنزينغ” التي سماها “كوكب الزهرة” التي يعود تاريخها لسنة 1545م والمتواجدة اليوم في معرض لندن الوطني، واعتبر الرسام الإيطالي “رفائيل” واحد من ثلاثة رسامين عظام في عصر النهضة الإيطالية، إلى جانب “مايكل انجلوا” و”ليوناردو دافنشي”..

ويذكر الكاتب بأن الرسام “جوليو رومانو” كان واحدا من أكثر الرسامين الإيطاليين تقديرا في فترة النهضة الإيطالية. وبعد رحيل الرسام “رفائيل” تولى رئاسة ورشة أستاذه المتوفي، فعمل على مشروع عرض سلسلة من ستة عشر لوحة، عرفت باسم “AY MODI” والتي يمكن ترجمتها بـ”الأوضاع الجنسية “…

الطباعة الإباحية

يشير الكاتب إلى الدور الذي لعبه اكتشاف الطباعة، باعتبارها ثورة كبيرة في تاريخ البشرية، لقد ساهم انتشار المطابع الحديثة في محو الأمية في أغلب أنحاء أوروبا. وانتشرت مطابع “جوتن بيرغ ” كانتشار الانترنيت في زماننا، فطبعت الكتب والجرائد والمجلات … فمن وحي الخيال الأدبي القصصي والروائي، يضم متحف “مورغان ” العديد من الكتب ذات المحتوى الجنسي الخيالي … لكن التغيرات المهمة كما يرى الكاتب “باتشي ” كانت معقدة، فمع اكتساب المطابع شعبية كبيرة، تغيرت العلاقة بين المبتكرين الإعلاميين والإباحيين، ومناهضي الإباحية، فكان هذا الجدل هو بداية الصدام بين أنصار حرية التعبير والداعين إلى المحافظة على القيم الاجتماعية والدينية.. لقد مثلت الطباعة مزيجا غير مقدس من المحتوى الجنسي والنقد السياسي والاجتماعي والديني، مما حمل الكنيسة البابوية على نشر قائمة بأسماء الكتب المحضورة عام 1529م، وبقي هذا المنع قائما إلى عام 1966م.

زمن الكشف

حاول الباحث تسليط الضوء وبكثافة على دور” الفوتوغرافيا ” في نشر الهوس بالصور الجنسية، لما تمثله الصورة الفوتوغرافية من إمكانية مقاربتها ومحاكاتها للواقع، إذ كانت كل الفنون التشكيلية التي حاولت مقاربة الإثارة الجنسية من وحي خيال الفنان التشكيلي. ويؤكد الكاتب أن الصورة الفوتوغرافية الإباحية هي بداية الطباعة الحديثة للإباحية التي كانت عاصمتها مدينة باريس، عاصمة الصورة الفوتوغرافية بشكل عام والصورة الجنسية بشكل خاص. ففي العام 1848م كان هنالك ثلاثة عشر استوديو تصوير فوتوغرافي في باريس.

الصورة الحركة ومتعة المتخيل

يذكر الباحث أن اكتشاف جهاز (الكيتوغراف ) المستخدم في تسجيل الصورة المتحركة، في أواخر القرن الثامن عشر ، بمدينة باريس الفرنسية، لتكون بذلك العاصمة العالمية للصورة السينما المتوهجة و المتحركة المعبرة عن شرارة الحياة … يؤكد الكاتب بأن تطور التكنولوجيات السينمائية كان مرتبط بشكل وثيق بالدوافع الجنسية… ومع بداية العشرية الثانية من القرن العشرين أصبحت الأفلام الإباحية صناعة قائمة بذاتها لدى العديد من شركات الإنتاج في هوليود بالولايات المتحدة الأمريكية.. وبذلك أصبحت الإباحية بدورها كمحرك للابتكار التكنولوجي في مجال الصورة المتحركة، فتطور فن الفيديو في مقابل أرباح مادية فاحشة بفضل انتشار نظام الفيديو المنزلي VHS ، وازداد الأمر فحشا كما يرى الباحث بظهور شبكة الانترنيت وبالخصوص نظام You tube وانطلاق شبكات الكابلات التلفزيونية الامريكية المدفوعة الثمن….

الإثارة المباشرة one line

من خلال انتشار شبكة الانترنيت وتطور وسائل التواصل الرقمية وظهور أجهزة حواسيب وهواتف ذكية ولوحات إلكترونية رقمية، لم تعد المواد الإباحية مرتبطة بمادة مسجلة، وخاضعة لقوانين صناعة صورية رقمية، بل تحولت إلى أشكال عرض جديدة، تتناسب مع طبيعة التطور التكنولوجي الرقمي في مجال وسائل الاتصال. فأصبحت الإباحية تتخذ شكل المباشر، وخصوصا بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير في تطور سرعة وسعة انتشار المفاهيم الجديدة للإباحية، بحيث بدأت تعكس طابعا اجتماعيا واقتصاديا..

هاجس الربح الفاحش

لقد أصبح رجال الأعمال يدركون تمام الإدراك، بأن المواد الإباحية والصناعة الجنسية، هي جزء أساسي من السوق المبتكرة لوسيلة جديدة مثل الأنترنيت فائق السرعة للهواتف الخلوية الذكية. وجميع البيانات التحتية لاستخدام التلفزيون عبر الأنترنيت، وبرمجيات الألعاب والأسهم التجارية الإلكترونية، ومحاولة الاستحواذ على عرض النطاق الترددي، وأنشطة مدمني الجيل الجديد من الانترنيت الحديث قد تم ابتكارها لتلبية احتياجات صناعة المواد الإباحية..

المأزق القانوني

يشير الباحث إلى أن وزارة العدل الأمريكية في عام 2006م راسلت شركات محركات البحث الشهيرة على أمل الحصول على معلومات وتوفير معطيات دقيقة، دعما لقانون حماية الأطفال على الأنترنيت الذي أصدرته الرئاسة الأمريكية… غير أن إدارة محركات البحث تماطلت في تسليم هذه البيانات، واعتبرتها معطيات ذات طابع شخصي، وسر من الأسرار التي لا يمكن الكشف عنها.. ويعقب الباحث بتأكيده على أن هذه الأسرار الشخصية والمتعلقة باستخدام المواقع الإباحية، هي الدافع والركيزة الأساسية، لمحركات البحث الشهيرة في ظل غياب المراقبة القانونية..

الإباحية موضوع شائك للغاية

لقد أصبحت للتكنولوجيا الرقمية الحديثة والذكاء الاصطناعي، رغبة جامحة لتحويل التجربة الجنسية في المواقع الإباحية إلى تجربة حسية، من خلال مجموعة من الأبحاث العلمية التي تحاول إيجاد طرق تكنولوجية رقمية من أجل تحقيق التواصل عبر اللمس، على اعتبار أن جميع وسائل الاتصال الحديثة تعتمد التواصل البصري والتواصل السمعي، لذلك بحثت التكنولوجيات الرقمية الحديثة، في إمكانية إضافة حاسة ثالثة، هي حاسة اللمس، لأنها تستعمل كوسيلة قوية للتواصل البشري، وبخاصة التواصل الجنسي الجسدي..

ويختم الكاتب مؤلفه، برأيه الخاص، حيث يعتقد بأن الشيء الوحيد الذي يجب أن ندركه، وعلى مرور الوقت، هو فهمنا واستيعابنا لظاهرة الإباحية في طبيعة علاقتها بالتجارة عبر الأنترنيت، ومن خلال وسائل الإعلام والتواصل الإلكتروني على الرغم من أن العديد من المتلقين يتعاملون مع الإباحية، بأنها سر من أسرار التكنولوجيا المعاصرة.

كتاب ” محرك الرغبة” محاولة لجعلنا ندرك إلى أي حد يمكن استخدام وتوظيف الإباحية بطريقة مدروسة ومبنية على البحث الشغوف عن تقنيات حديثة، من أجل تجربة الحياة الجنسية، والتعبير عنها بطرق لم تكن بالإمكان تخيلها من قبل. فلأكثر من أربعين ألف سنة، شكلت الإباحية والرغبة في التمثيل الجنسي، الأدوات التي يستخدمها البشر للتعبير عن أنفسهم. إن تأثير الإباحية قد ازداد مع مرور الوقت، ونما نفوذها بمرور السنين من خلال ممارسة تأثيرها الأكبر على تكنولوجيا القرن الواحد العشرين..

إن الرغبة الإنسانية العميقة الجدور، لأشكال جديدة من التمثيل الجنسي لم تتناقص، و محرك الرغبة الذي كان قوة دافعة لآلاف السنيين لازال يعمل، بالتوازي مع محرك التكنلوجيا الرقمية الحديثة في مجال التواصل، والخطورة تكمن هنا، من خلال انحراف هذا الدافع نحو عالم الإدمان و الهوس، الذي يتعدى في أحيان كثيرة، معاناة الإنسان الأكثر بؤسا وكأبة…

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *