البطيخ الأحمر: الزراعة الدخيلة التي تهدد الأمن المائي بالواحات

Écrit par

dans

أحمد وتلهو

مقدمة

صمدت واحات حوض تازارين إلى غاية العقد الأول من الألفية الحالية أمام مختلف التحديات الطبيعية، خاصة ندرة المياه المرتبطة بتوالي دورات الجفاف، وذلك بنهجها لأساليب تقليدية لتدبير الفرشة الباطنية كالخطارات والاعتماد على زراعات محلية معاشية، إضافة إلى الاعتماد على مؤسسة “تقبيلت” التي تسهر على تنظيم هذه المادة الحيوية. إلا أن ظهور زراعة البطيخ الأحمر بالمنطقة منذ سنة 2010م، في مساحات شاسعة قاحلة، ساهم في استنزاف الفرشة الباطنية بشكل حاد، حيث وصل عمق الآبار إلى ما يفوق 200 متر؛ الشيء الذي هدد الأمن المائي لساكنة حوض تازارين، خاصة مع بداية انقطاعات التزود بالماء الصالح للشرب في أغلب الدواوير وحتى المراكز القروية الناشئة كتازارين والنقوب خلال فصل الصيف. لكن في المقابل، لابد أن نشير إلى أن زراعة البطيخ الأحمر بهذا المجال واكبتها تحولات اقتصادية مهمة، تمثلت في جلب الاستثمارات الفلاحية، وخلق فرص شغل مهمة للساكنة المحلية.

1ـ السياق التاريخي لزراعة البطيخ الأحمر بحوض تازارين

كان الفلاح بحوض تازارين إلى غاية العقد الأول من الألفية الحالية، يمارس أنشطة زراعية معيشية موجهة للاستهلاك الذاتي، ونسبة قليلة من هذا الإنتاج الزراعي يوجه إلى الأسواق المحلية خاصة في السنوات المطيرة. وقد اقتصرت الزراعة بشكل كبير بواحات حوض تازارين على أشجار النخيل والزراعات العلفية “الفصة”، إلى جانب بعض الخضروات والفواكه الملائمة مع مناخ وتربة المنطقة.

إلا أن المنطقة ستعرف خلال العقد الأخير عدة تحولات في المجال الفلاحي، حيث ستظهر الضيعات الفلاحية العصرية الخاصة بزراعة البطيخ الأحمر. وكانت البداية من دواوير “أوجكال” و”دوكو” و”الزعلو” بالجماعة الترابية أيت ولال، وكذا بـ” إمي نواسيف” بالجماعة الترابية تغبالت. إذ استقطبت هذه المناطق مستثمرين محليين وآخرين من مناطق مغربية مختلفة، بعد اكتشاف فرشة باطنية مهمة، وتوفرها على أراضي شاسعة صالحة للزراعة. لتنتشر فيما بعد هذه الزراعة في دواوير تابعة لجماعة تازارين كـ “عبدي ن إلمشان” و”أيت وعزيق” و”واوكلوت” و”إسداون”. وبلغت مساحة البطيخ الأحمر في حوض تازارين 183 هكتارا سنة 2023، مما جعل اسم تازارين ينتشر وطنيا كمنطقة مهمة لإنتاج البطيخ الأحمر، إلى جانب زاكورة وطاطا.

صورتان رقم 1 و2: مراحل زراعة البطيخ الأحمر

2ـ دور زراعة البطيخ الأحمر في استنزاف الفرشة الباطنية

لا شك أن زراعة البطيخ الأحمر من بين الزراعات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء، حيث أثبتت مجموعة من الدراسات العلمية أن يتضح لنا أن الكيلوغرام الواحد من هذه الفاكهة يحتاج إلى حوالي 190 لتر من الماء، مما يعني أن حبة البطيخ الأحمر التي تزن 10 كيلوغرامات تحتاج إلى حوالي طنين من الماء. وإذا اعتبرنا أن الهكتار الواحد ينتج حوالي 50 طنا، فهذا يعني أنه يستهلاك أكثر من عشرة آلاف م³ من المياه.

واعتمادا على المساحة المزروعة بالبطيخ الأحمر بحوض تازارين سنة 2023 البالغة 183 هكتار، يمكن تقدير حجم المياه التي تستهلكها هذه الزراعة سنويا، حيث إن معدل إنتاجية الهكتار الواحد تقدر ب 50 طن، وكل هكتار يستهلك حوالي عشرة آلاف م³ من المياه، وبالتالي فإن حجم المياه التي تستنزفها زراعة البطيخ الأحمر بحوض تازارين يقدر بمليون و830 ألف م³ سنويا؛ وهو رقم يعادل عشر مرات ما تستهلكه ساكنة مركز ودواوير واحة تازارين في السنة التي تقدر بحوالي 8000 نسمة (190 ألف طن سنويا حسب معطيات المكتب المحلي للكهرباء و الماء الصالح للشرب بتازارين سنة 2023).

إن هذه الأرقام، وإن كانت تقريبية، تبين بالملموس الاستنزاف الحاد للفرشة الباطنية من طرف الضيعات الفلاحية لزراعة البطيخ الأحمر، مما يدق ناقوس الخطر حول مستقبل المنطقة المهددة بالعجز المائي، وبالتالي وجب التدخل الآني قبل تفاقم الأوضاع حفاظا على الاستقرار البشري بالمنطقة ومعه المنظومة الواحية المتدهورة.

صورة رقم 3: نوع الخزانات المائية الكبيرة المستعملة في زراعة البطيخ الأحمر

3ـ دور زراعة البطيخ الأحمر في خلق فرص الشغل بحوض تازارين

ساهمت زراعة البطيخ الأحمر في خلق فرص شغل عديدة لساكنة حوض تازارين، وقلصت بذلك نسبة البطالة التي تعاني منها الفئة النشيطة بشكل مؤقت، حيث تحتاج كل ضيعة لزراعة البطيخ الأحمر إلى يد عاملة مهمة خاصة في المرحلة الأولى بمعدل 8 عمال لمدة أسبوعين، وبعدها يتم تشغيل عامل بصفة دائمة لمدة ثلاثة أشهر، للقيام بصيانة التجهيزات وآليات الضخ والسقي والحراسة، وغالبا ما تكون هذه الفئة من عائلة المستثمر أو شريكه. أما في فترة جني المحصول فتحتاج كل ضيعة إلى يد عاملة قادرة على جني البطيخ وتصنيفه وحمله إلى الشاحنات، ويتراوح عدد العمال لكل شاحنة ما بين 6 و8 عمال.

ويقدر عدد فرص الشغل الدائمة التي توفرها هذه الزراعة بحوالي 183 فرصة شغل، ما يعادل 16500 يوم عمل. أما فرص الشغل المؤقتة (حيث يلتجأ المستثمرون إلى عمال مؤقتين للقيام ببعض المهام كزرع الشتائل وإزالة الغطاء البلاستيكي وتنقية الشتائل من الحشائش الضارة)، التي توفرها هذه الزراعة فتقدر بحوالي 1450 فرصة شغل، مما يعني حوالي 22000 يوم عمل. بينما تحتاج عملية جني المحصول يد عاملة كثيرة، تتراوح ما بين 6 و8 أشخاص في كل ضيعة لمدة ثلاثة أيام؛ وبالتالي فإن فترة الجني توفر فرص الشغل مهمة تتراوح ما بين 1100 و1500 فرصة شغل، أما عدد أيام العمل في هذه الفترة فتتراوح ما بين 3300 و4500 يوم عمل. وفي المجمل فإن عدد فرص الشغل التي وفرتها زراعة البطيخ الأحمر بحوض تازارين سنة 2023 تقدر بـ 3200، ما يعني أن هذه الزراعة وفرت حوالي 43000 يوم عمل ما بين شهر يناير وأبريل.

كما انعكست أرباح وعائدات البطيخ الأحمر بشكل إيجابي على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لساكنة حوض تازارين، حيث عرفت عدة قطاعات نموا كبيرا في السنوات الأخيرة كقطاع البناء والفلاحة والتجارة، مما وفر العديد من فرص الشغل للساكنة المحلية.

خاتمة

لا يمكن للآثار الإيجابية لزراعة البطيخ الأحمر أن تغطي على آثارها السلبية على المنظومة الواحية، لأن مستقبل هذه الأخيرة مهدد في ظل استمرار هذه الزراعة، مما يفرض على القائمين على الشأن المحلي منعها بشكل نهائي في هذه المنطقة الجافة، التي قاوم فيها الإنسان منذ قرون شح الأمطار وقلة الموارد المائية بطرق تقليدية ناجعة. وبالتالي الحفاظ على الواحات باعتبارها الحاجز الأخير أمام زحف الرمال في اتجاه المناطق الشمالية.

على هذا الأساس، ومن أجل الحفاظ على الواحات كإرث تاريخي وثقافي، وجب الحد بشكل نهائي من زراعة البطيخ الأحمر، ودعم المنتوجات المجالية غير المستهلكة للمياه. إضافة إلى خلق مشاريع تنموية جديدة من أجل استيعاب الشباب العاطل، علاوة على بناء السدود التلية والصغيرة والمتوسطة بهدف تغذية الفرشة الباطنية وإعادة إحيائها.

*أحمد وتلهو: طالب باحث في سلك الدكتوراه

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *