تغيب الثقافة من ساحة النقاش كما المجالين السياسي والاجتماعي اللذين يحظيان باهتمام واسع من قبل الفاعلين والمواطنين، مما يجعل العديد من القضايا المرتبطة بهما محط حديث وجدل مستمرين.
ويعيب أهل الفن تغييب النقاش الجاد في مجال الثقافة والفن، في الوقت الذي تتصدر فيه “التفاهة” المرتبطة به المشهد العام، وتصبح مادة دسمة عوض التنقيب عن القضايا المهمة التي تتطلب التناول والمعالجة، مشددين على أن الثقافة والفن لا يأخذان مساحتهما والمكانة المستحقة لفك عزلتهما ونقلهما إلى حلبة النقاش العمومي بعرض تفاصيل خاصة به سواء في البرلمان للحسم فيها، أو في وسائل الإعلام وإيصالها إلى عموم المواطنين، الذين لا يتابعون عادة النقاش الهادف المتعلق به، بخلاف اهتمامهم بمواضيع سطحية.
وفي المقابل، يرجع أهل التحليل هذا السقوط إلى غياب المثقف الذي من شأنه أن يأخذ الكلمة لقيادة هذا النقاش وتطويره للنهوض بمجال حيوي في المجتمع، إذ بحسبهم يتراجع التقاش كلما قل أهل الاختصاص.
ويقول الممثل المسرحي محمد حمزة في هذا السياق، إن النقاشات الثقافية والفنية تبقى حبيسة المقاهي والجلسات الخاصة للفنانين والمبدعين فيما بينهم، ولا تخرج كثيرا إلى الفضاءات العامة.
ويضيف في تصريح لجريدة “مدا21” أنه “مع الأسف نلاحظ خروج النقاشات الجانبية التافهة التي تتعلق بالأمور الشخصية والفضائح عوض أن متابعة برامج فنية من شأنها أن تعالج تطور الأعمال الفنية وتقدم مستوى الإبداع المغربي”.
بدورها الممثلة غيثة الكزولي، تقول إن المجال الفني كما باقي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يعاني من عدة مشاكل، لكنها لا تخرج إلى العلن، إذ يحاول أغلب الفنانين حلها داخليا دون تسريبها.
وأضافت الكزولي في تصريح لجريدة “مدار21” أن المشاكل في مجالات أخرى تسمى “مشاكل” غير أنها في المجال الفني تُسمى “معاطية”، لذلك يحاول العديد من الفنانين الهروب والابتعاد عن الظهور في قالبها، حفاظا على صورتهم الاعتبارية.
الممثل المسرحي والتلفزيوني عبد الكبير الركاكنة، يرى أن الثقافة هي صورة للمجتمعات، إذ بدون ثقافة وفنون لا يمكن أن ترى هذه المجتمعات النور.
ويضيف في تصريح لجريدة “مدار21” أن “الثقافة والفنون تسبق كل ما هو سياسي، لأنهما يرسمان خارطة طريق، ويضعان البساط أمام ما هو سياسي، ويعدان واجهة لجميع المجتمعات، وبالتالي بدونها لا يمكن أن تتطور”.
أما رئيس النقابة الوطنية لمهنيي الفنون الدرامية، والممثل والمخرج، مسعود بوحسين، صرح للجريدة بأنه أصبح رافضا للخوض في هذه النقاشات التي لا تحقق أي تطور رغم إثارتها منذ سنوات.
وأضاف بوحسين في اتصال مع جريدة “مدار21” أن دعوات فتح باب النقاش في المجال الثقافي تتكرر وتتجدد كل سنة دون أي خطوة، إذ يظل عقيما رغم سيل من المطالب الذي تلاحق جوانبه.
وفي سياق آخر، يربط الممثل رفيق بوبكر بين الثقافة والسياسية، وأهمية انخراط الفنانين في العمل السياسي، والعكس صحيح، التي يعتبرها “مسألة صحية، مما من شأنه النهوض بالقطاعات الحيوية في المغرب”.
ويضيف بوبكر أن “الفنانين دائماً ما كانوا مندمجين في قلب السياسة ويعيشون داخلها، ودور السياسي بعمق كل فنان”، عادا أن تفاعله مع الأوضاع السياسية الخاصة في البلاد وما يتعلق بحكومته والمنتخبين “تعد ظاهرة صحية، وهذا الأمر من شأنه خلق تلاقح إيجابي، يساهم في إيصال نبض الشعب إلى الحكام، والتعبير عن رسالته بصوت يُسمع”.
ويرجع الأونثروبولوجي خالد مونة، غياب المثقف عن النقاش الثقافي، والسياسي، إلى طبيعة التحولات الحاصلة داخل الجامعة المغربية، التي لم تعد تنتج “المثقف”، سيما أنها لا تعد مكانا للتدريس فقط، وإنما عرفت بحسبه في مرحلة تاريخية في السيتينيات إلى آواخر التسعينيات زخما كبيرا على مستوى الفكر النضالي والحركة الطلابية، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي لعب دورا كبيرا في بناء فكر المثقف، وشهدت على مشاركة المثقفين في النقاشات السياسية.
وأشار إلى أن الجامعة التي كانت تتميز بحلقتين غابتا، حلقة طلابية وحلقة تعليمية تشكلان المثقف، وبموت الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والحركة النضالية داخل الجامعة، مات معها المثقف الجامعي.
وأرجع مونة أيضا غياب المثقف عن النقاش الثقافي والسياسي إلى حالة “الخنوع” التي بات يعيشها الحقل السياسي بشكل عام، وربط المثقف بالديناميات السياسية الحاصلة، وبخلفية إيديولوجية داخل الأحزاب والعمل النقابي والتكثلات الفكرية، حيث تلاشت هذه البنيات التي تساهم في خلق نقاشات سياسية واجتماعية وثقافية.
Laisser un commentaire