تقنين الإضراب.. رهانٌ حكومي على تبديد مخاوف “تكبيل” حق دستوري

Écrit par

dans

يُعَدّ الإضراب حقًا دستوريًا في المغرب منذ 1962، ما يعكس التزام المملكة بالحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. 

تطور إدماجه عبر الدساتير، وصولًا إلى دستور 2011، الذي نصّ عليه ضمن “الحريات والحقوق الأساسية”، مع تحديد شروط وكيفيات ممارسته بقانون تنظيمي.

وظهر الإضراب في المغرب خلال عهد الحماية، إذ شهدت ثلاثينيات القرن الماضي سلسلة إضرابات في قطاعات الصناعة، النقل، والصيد البحري. 

وتيرة الإضرابات، تصاعدت خلال 1947-1948، وبلغت ذروتها بالإضرابات العامة في 1952 و1954، التي طالبت بالاستقلال وعودة السلطان محمد الخامس من المنفى.

ورغم إعداد النسخة الأولى من القانون منذ 2006، إلا أنها ظلت مجمدة في مجلس النواب دون المصادقة عليها.

وتم إعداد قانون الإضراب في المغرب بعد أكثر من 58 عامًا من التأخير، بهدف تنظيم ممارسة هذا الحق بين العمال وأرباب العمل في القطاعين العام والخاص. 

النقاش حول القانون، بدأ في سياق سياسي واجتماعي مضطرب، حينما اعتبرت النقابات أن الحكومة تسعى إلى تقييد حرية الإضراب من خلال نصوص تضيق على الحق الدستوري للعمال. 

ومع طرح مشروع القانون نفسه في المغرب، اندلعت نقاشات واسعة بين الحكومة والنقابات حول مواده، التي اعتبرت مفصلية في تحديد مستقبل العلاقة بين العمال وأرباب العمل. 

مواد عديدة خلقت الجدل به، أولها المادة 5 التي تحظُر الإضرابات ذات الطابع السياسي وتبطل أي دعوة للإضراب غير متوافقة مع القانون، النقابات ترى في هذه المادة تضييقًا على حرية التعبير والاحتجاج.

وفي الإطار ذاته، تلزم المادة 7 بإجراء مفاوضات مسبقة قبل تنفيذ الإضراب، ما يُنظر إليها كآلية تعقّد تنظيم الإضراب وتقلل من فاعليته كأداة ضغط.

العقوبات الزجرية، نالت نصيبها من الجدل، بسبب تخصيص ربع مواد القانون تقريبًا لها، ما أثار مخاوف النقابات، لكونها تشمل غرامات وعقوبات صارمة على الإضرابات غير القانونية.

استثناء مشروع قانون الإضراب التجار والحرفيين من حق الدعوة، أدى إلى نقاش كذلك حول تكريس التمييز وتقليص الحقوق الدستورية.

هذه المواد، تؤثر بشكل مباشر على العمال، بتقييدها لحرية الإضراب وتقليص الاحتجاجات العمالية، ما يهدد حقوقهم المكفولةَ دستوريًا.

أما على الشركات، فبالرغم من ضمانها الاستقرار الإنتاجي، إلا أنه قد يزيد التوتر بفعل تعقيد الإجراءات.

النقابات، تعتبر قانون الإضراب المقترح محاولة لتقييد ممارسة هذا الحق الدستوري، إذ عبّرت منظمات مثل الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضها لمواد تُعدّ مقيّدة للحريات النقابية، خصوصًا تلك التي ترى أنها تتعارض مع المعايير الدولية والدستور، كمواد تجريم الإضرابات السياسية وفرض مفاوضات مسبقة، مما يُضعف قدرتها على الدفاع عن حقوق العمال.

ومن جانبها، ترى الحكومة القانون خطوة ضرورية لتحقيق التوازن بين حقوق العمال وأرباب العمل، وضمان استقرار الإنتاجية، 

لكنها أعلنت استعدادها لتعديل المشروع لتقريب وجهات النظر مع النقابات والسعي نحو توافق وطني حول نصوصه الخلافية.

تعتبر الأغلبية البرلمانية قانون الإضراب وسيلة لضمان توازن بين حقوق العمال واستمرارية نشاط الشركات، ما يثير تساؤلات حول مدى نجاحه في تحقيق هذا الهدف.

وفي هذا السياق، أكدت النائبة البرلمانية عن حزب الاستقلال، خديجة الزومي أن قانون الإضراب هو القانون التنظيمي الوحيد الذي بقي عالقا منذ دستور 2011، وبالتالي لا بد أن يخرج إلى حيز الوجود.

كما رفضت خديجة الزومي في تصريح لجريدة مدار21، الإقرار بوجود ضمانات يضعها القانون لضمان عدم استغلال الإضراب لأغراض سياسية أو ابتزاز اقتصادي.

وقالت: “مسطريا لا يمةن سحب هذا القانون من البرلمان لمناقشته خارجه، وبالتالي من الضروري أن تعامل معه بنقاش وبحذر، لأننا لا نقدم ضمانات لأي طرف”.

وفي ظل تحفظ النقابات، يُطرح تساؤل مهم حول كيفية تعامل الأغلبية البرلمانية مع هذه التحفظات لتفادي تأجيج الاحتقان الاجتماعي، وهو ما أجابت عنه النائبة البرلمانية عن حزب الاستقلال.

وردت الزومي: “الأغلبية ستقوم بعملها، والنقابات كذلك، ولكن بالتأكيد ستنفتح الأغلبية من خلال الحكومة على النقابات، ونحن ننتظر أن يحصل توافق ومشروع يجمع بين الحكومة والنقابات لكي تمارس الأغلبية حق التصويت بأريحية”.

كما أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في حوار خاص مع جريدة “مدار21″، أن مشروع القانون قد تم تقديمه في البرلمان، معربا عن طموح الحكومة في أن يكون هذا النقاش إيجابيًا مع النقابات.

ولا يمكن إنكار أن لقانون الإضراب تأثيرات عميقة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كيف لا وهو يساهم في تنظيم سوق العمل وحمايته من التقلبات، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويساهم في تحسين الظروف الاقتصادية للأفراد والمجتمعات.

وذلك ما أجاب عنه، أستاذ القانون الاجتماعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية  

محمد طارق، إذ أكد أن هذا القانون يعد من الحقوق الأساسية للشغيلة بدول العالم أجمع وليس بالمغرب فقط، باعتباره حق من حقوق الطبقة العاملة بما فيهم الموظفين والأجراء. 

وأقر محمد طارق في تصريح لجريدة “مدار21” بأن هنالك تحريك للقانون التنظيمي للإضراب وتحريكه كذلك على مستوى الحوار الاجتماعي.

وتابع محمد طارق أن مشروع قانون الإضراب 2016 جاء ليقيد الحق في ممارسته، وهو محتاج إلى تجويد بنفس حماية الإضراب للنص المعروض عن البرلمان باعتباره حقا ديتوريا وأمميا.

كما يؤثر قانون الإضراب بشكل مباشر على سوق العمل والعلاقات المهنية، ما يفتح الباب أمام تساؤل مهم متمثل في ما إذا كان يحقق توازناً بين المصالح أم يخدم جهة على حساب أخرى.

وأضاف المتحدث ذاته مدى الحاجة إلى مبادرة الحكومة للتشاور سواء داخل البرلمان أم خارجه على مستوى الحوار الاجتماعي، لافتا إلى الحاجة الماسة كذلك إلى لجنة تقنية تتكون من النقابات والحكومة والمشغلين لإعادة النظر في تفاصيل التي أثارت استفهام واستغراب المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي.

ولفت إلى أن الطبقة العاملة ماتزال تكافح ليس فقط على المستوى الوطني بل بالعالم بأكمله من أجل ضمان العمل اللائق والذي يمثل شعارا أساسيا من الممكن التحدث عنه.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *