حوار مع بلال الخوخي: عاشق القصة القصيرة

الأحداث حاوره: إلياس الخطابي
في زمن طغت فيه الرواية على المشهد الأدبي، يظل للقصة القصيرة عشاقها وكُتّابها الذين يؤمنون بقوتها على التقاط لحظات الحياة والتعبير عن قضايا الإنسان بأسلوب مكثف ومباشر. من بين هؤلاء، الكاتب المغربي بلال الخوخي، الذي أثبت حضوره في الساحة الأدبية من خلال مجموعاته القصصية ومشاركاته في الجوائز العربية.

في هذا الحوار مع جريدة الأحداث، نتحدث مع بلال الخوخي عن بداياته مع الكتابة، ارتباطه العميق بفن القصة القصيرة، تجربته في النشر خارج المغرب، ورؤيته للمشهد الأدبي العربي. كما يشاركنا تطلعاته المستقبلية والصعوبات التي يواجهها الكُتّاب الشباب اليوم.

1- مرحبًا بك في هذا الحوار بلال. بدايةً، نشكرك على قبول الدعوة. قبل الدخول إلى عالمك الإبداعي وعالم القصة، كيف بدأت رحلتك مع القراءة والكتابة؟

بلال الخوخي: يشرفني أن أكون ضيفًا لديكم، وأن نتشارك الحديث عن الأدب. حين أنظر إلى الماضي، أجد أن أولى خطواتي في عالم القراءة بدأت بفضل والدي، الذي كان خياطًا مساعدًا ويتنقل بين المدن. كان يجلب لنا كتبًا ومجلات، وكان ذلك بمثابة النافذة الأولى لعالم القصص. أتذكر أول قصة سحرتني، كانت بعنوان “الامتحان”، تدور حول صراع ضمير طالب سرّب امتحانًا. بعد ذلك، ازداد شغفي بالقراءة، حتى قرأت أول رواية كاملة في الثانوية، وهي “الفضيلة” للمنفلوطي.

أما الكتابة، فقد جاءت متأخرة. بدأت بتجربة الشعر في الثانوية، وكنا نكتب قصائد ساخرة بين الأصدقاء. في الجامعة، لُقّبت بـ”شاعر الجماهير” خلال إحدى المعارك الطلابية، لكنني أدركت لاحقًا أن ما كنت أكتبه لم يكن شعرًا حقيقيًا، بل كان الحماس الذي أضفته على أدائي هو ما صنع التأثير. لاحقًا، اكتشفت القصة القصيرة بوعي، بعد قراءتي لـ”أحلام الناي” لهيرمان هيسه، ومنذ ذلك الوقت، لم أفارقها.

2- أنت مبدع في القصة القصيرة وتشارك في جوائزها باستمرار. في 2022، وصلت مجموعتك القصصية [جولة] إلى اللائحة القصيرة لجائزة [غاليري للأدب]. نادرًا ما نجد كاتبًا يظل وفيًا للقصة القصيرة، فما سرّ ارتباطك بها؟

بلال الخوخي: أعشق القصة القصيرة بالتأكيد، لكن هذا لا يعني أنني لن أكتب الرواية يومًا ما. في الواقع، أعمل على رواية منذ ثلاث سنوات، لكنها تتشكل ببطء على نار هادئة. رغم ذلك، لا أريد التسرع، فكل شيء يحتاج إلى نضج. لكن في الوقت الحالي، القصة القصيرة هي عالمي المفضل.

3- نشرت مجموعتك الأولى “شتات” خارج المغرب، مما صعّب على القارئ المغربي الوصول إليها. لماذا اخترت النشر خارج المغرب؟

بلال الخوخي: عندما قررت نشر “شتات”، كنت قد شاركت في عدة مسابقات أدبية وفزت بجوائز، مما شجعني على نشرها. بدأت البحث عن ناشر في المغرب، لكن دور النشر هنا تبحث عن الربح أولًا، لذا واجهت خيارًا: إما أن أدفع مقابل النشر، أو أبحث عن دار نشر مجانية. وجدت دار يافا العلمية للنشر والتوزيع في الأردن، التي وافقت على نشرها دون مقابل، وهو ما أقدّره لها كثيرًا.

4- مجموعتك الجديدة “جئتك بنبأ” ستصدر قريبًا في السودان. لماذا الإصرار على النشر خارج المغرب مرة أخرى؟

بلال الخوخي: ليس الأمر عنادًا، بل نتيجة للظروف. لكن هذه المرة، سأحرص على أن تصل المجموعة إلى القرّاء في المغرب. “جئتك بنبأ” كُتبت بأسلوب مختلف، حيث صممتها كأنها جريدة تحتوي على أخبار حقيقية وأخرى خيالية، وركّزت على أسئلة فلسفية وإنسانية. أتمنى أن تصل إلى القارئ المغربي قريبًا.

5- برأيك، هل الجوائز الأدبية ضرورية للكاتب؟ وهل تعطيه مصداقية أكثر؟

بلال الخوخي: الجوائز مهمة، لكنها ليست معيارًا مطلقًا للجودة. بالنسبة لي، كانت الجوائز حافزًا للاستمرار، وشهادة معنوية على أن ما أكتبه يستحق القراءة. القارئ الذكي لا يبحث عن الجوائز بقدر ما يبحث عن الإبداع. الجوائز تساعد الكاتب في الانتشار، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يجعله ناجحًا.

6- ما هي التحديات التي تواجه الكاتب الشاب في المغرب أو العالم العربي؟

بلال الخوخي: هناك عدة تحديات، أبرزها:

النشر والتوزيع: من الصعب إقناع دور النشر بجدوى نشر أعمال كاتب غير معروف.

الدعم المادي: الكثير من دور النشر تطلب من الكاتب دفع تكاليف، وهو ما يشكل عائقًا كبيرًا.

الاعتراف: الوسط الأدبي يعاني من النخبوية، مما يجعل الأسماء الجديدة تواجه صعوبات في الظهور.

ضعف القراءة: المجتمعات العربية تعاني من تدني معدلات القراءة، مما يجعل الكاتب يتساءل: لمن أكتب؟

غياب النقد البناء: النقد الموضوعي قليل، بينما المجاملات أو الانتقادات غير المبررة كثيرة.

ورغم كل هذه الصعوبات، الكاتب الحقيقي لا يستسلم.

7- ما هي طموحاتك المستقبلية في الكتابة؟ وهل لديك مشاريع قيد الإنجاز؟

بلال الخوخي: طموحي أن أكتب نصوصًا تبقى في ذاكرة القرّاء. لدي مشروع رواية قيد الإنجاز، إلى جانب أفكار لمجموعات قصصية جديدة. كما أنني أحلم بإنشاء منصة لدعم الكتّاب الشباب، لأنني أعرف تمامًا العقبات التي يواجهونها.

8- كيف ترى المشهد الأدبي المغربي اليوم؟ هل يعيش فترة ازدهار أم ركود؟

بلال الخوخي: الأدب المغربي غني ومتنوع، وهناك كتاب مغاربة يبرزون عالميًا. لكن داخليًا، هناك ركود بسبب ضعف الاهتمام بالمجال الأدبي. رغم ذلك، هناك مبادرات شبابية واعدة، مثل نوادي القراءة والمجموعات الأدبية على الإنترنت. المشكلة ليست في الإبداع، بل في الدعم والترويج.

9- كنت عضوًا في هيئة تحرير مجلة “امتداد للثقافة والفن”، وهي مجلة إلكترونية فقط. لماذا لم تصدر ورقيًا؟ وكيف تقيم تجربتك في الصحافة الثقافية؟

بلال الخوخي: صحيح، كنت ضمن هيئة تحرير المجلة، لكنني لم أكن من مؤسسيها. كانت مجلة متميزة، لكنها لم تستمر للأسف. العمل في مجال النشر الثقافي ساعدني كثيرًا في فهم المشهد الأدبي، وأتاح لي فرصة التواصل مع كتاب آخرين وتوسيع رؤيتي حول الكتابة.

10- أنت أستاذ رياضيات، وهذا يثير استغراب البعض، حيث يعتبرون الأدب حكرًا على المتخصصين فيه. كيف ترد على ذلك؟ وهل هناك علاقة بين الرياضيات والأدب؟

بلال الخوخي: الأدب ليس حكرًا على أحد، وكل من يملك حسّ الإبداع يمكنه أن يكتب. أما عن العلاقة بين الرياضيات والأدب، فهي أوثق مما يبدو، فالرياضيات تعلمنا النظام والدقة، وهما عنصران مهمان في بناء أي نص أدبي. مثلما تتطلب المعادلات انسجامًا بين عناصرها، يحتاج السرد الأدبي إلى توازن ومنطق داخلي ليكون مؤثرًا.

11- كلمة أخيرة تختم بها هذا الحوار؟

بلال الخوخي: أشكر كل من يقرأ لي، وأشكر كل من يدعم الكتاب الشباب، وأتمنى أن يصل صوتي إلى أكبر عدد من القراء. الأدب ليس مجرد كتابة، بل هو محاولة لفهم الحياة ومشاركة التجارب.

– شكرًا لك بلال على هذا الحوار الممتع، ونتمنى لك التوفيق في مشاريعك القادمة.

بلال الخوخي: شكرًا لكم، كان من دواعي سروري أن أكون معكم.

هيئة التحرير23 مارس، 2025

إقرأ الخبر من مصدره