تدريس وحدات الفضاء الرقمي في الجامعة المغربية

Écrit par

dans

سعيد رحو

المطلع على التجارب الجامعية المقارنة، سيلاحظ أن إقرار تدريس وحدات مختصة في الفضاء الرقمي لم تعد مسألة تباين بين مختلف مكونات صناعة القرار التعليمي، بل تم الحسم فيه، حيث أصبحت دراسة الفضاء الرقمي اختصاصا قائم الذات تُنشئ له أقسام وتُخصص له أموالا ضخمة لتمويل مشاريع بحثية، الإمبيريقية منها والنظرية.

صحيح أن تبني موقف تدريس وحدات تهتم بالفضاء الرقمي يندرج ضمن مواكبة موجة التقدم والتطور التكنولوجي السريع الذي يشهده العالم الرقمي، لكن فضلا عن ذلك فهو أطروحة أضحت تفرض نفسها من الناحية الواقعية في حياتنا اليومية، حيث تؤكد الدراسات الامبيريقية أن عدد مستخدمي الفضاء الرقمي في تزايد مهول لاسيما ما يتعلق بوسائط التواصل الاجتماعي، وهي مسوغات كلها تشجع على السير في اتجاه تدريس طلبتنا مواد الفضاء الرقمي وطرق توظيفه ومناهجه، وتبادل نتائج الأبحاث التي سيتم القيام بها، فضلا عن طبيعة المحتوى المتداول عبره وأثره الخفي والجلي على المجتمع والأسرة والفرد.

لا ينكر أحد أن العقدين الأخيرين من القرن الحادي والعشرين، شهد ثورة رقمية لا نظير لها، اتسمت بانتشار واسع للهواتف الذكية والألواح الالكترونية، إلى جانب الحواسيب المحمولة والاستخدام المكثف للمعالجات الذكية التي لم تقتصر فقط على مجال الحوسبة، بل أيضا على مجال تخزين البيانات والاتصالات. وبحسب دراسة أجريت سنة 2023 حول (digital around the world)، فإن مستخدمي الانترنيت زاد عددهم في جميع أنحاء العالم من 7 في المئة سنة 2000، إلى 67 في المئة سنة 2023، فأصبح الجميع يستخدم فضاءات التواصل الاجتماعي بشكل مطرد، حتى أضحى جزء لا يتجزء من حياة الناس اليومية وحاجة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها. ولعل ما يعزز هذه الثورة الرقمية هو إتاحة ولوج شبكة الانترنيت بمختلف أجيالها ليس فقط في جانبها المتعلق بالفضاء الخاص، إنما أيضا في الفضاءات العمومية، مثل وسائل النقل العمومية، والمؤسسات العمومية، وأماكن الترفيه العمومية…الخ.

عطفا على سبق، هناك عامل رئيسي ساهم بشكل كبير في سرعة انتشار الرقميات واستهلاكها من قبل أفراد العالم المعاصر، وتتعلق تحديدا بانخفاض تكاليف اقتناء الحواسيب المحمولة والهواتف الذكية المتصلة باستمرار بشبكة الانترنيت. اليوم الجميع صارا موجودا بفضل التواصل الاجتماعي، لا فرق بين موظف وغير موظف، بين فرد ينتمي للطبقة الوسطى وآخر ينتمي للطبقة الغنية أو الفقيرة، بين شاب وبين شيخ…فالجميع أصبح بمقدروه صناعة المحتوى أو التفاعل مع المحتوى المتداول بالتعليق أو المشاركة أو الاعجاب، فإلى أي حد يصبح الفضاء الرقمي الافتراضي له تأثير على ديناميات المجتمع؟ وأي رقابة يمكن أن تكون على المؤسسات المالكة للبيانات؟ وهل يصدق القول قياسا على الكوجيطو الديكارتي القول “أنا أملك الولوج للفضاء الرقمي إذن أنا موجود”.

صحيح أن دراسات أجريت حول التأثير الكبير للفضاء الرقمي وخاصة وسائط التواصل الاجتماعي على مسار السياسة والمجتمع، وقد أكد ذلك الواقع السياسي والمجتمعي للعديد من التجارب المعاصرة، انطلاقا مثلا من التعبئة التي يتم من خلالها توجيه الاحتجاجات الشعبية، فضلا عن توثيق ممارسات الأنظمة الأمنية على هذه المظاهرات، والنماذج كثيرة لاتقع تحت حصر في هذا الصدد، ومنها ما وقع في الانتفاضات العربية ( سنوات 2011، 2028، 2029)، انتفاضة “حياة السود مهمة” في الولايات المتحدة الامريكية (2020)…الخ، وهي جميعها تجارب تجسد القدرة على ربط مجموعات بشرية متنوعة ومختلفة للتأثير على صانعي القرار العمومي، وهو ما يمنح فرصا جديدة للفعل الاجتماعي والسياسي لإعادة تشكله وتكونه.

الملاحظ أيضا أن هذه الوسائط الافتراضية قد تطرح تحديات على حدود الدولة نفسها، وتتجاوز سيادتها ليس فقط المادية بل القضائية منها كذلك، حيث إن ما يتداول من محتويات افتراضية قد يكون مخالفا لنظامها وسياستها وتوجهاتها في مجال من المجالات، فقد يحصل على سبيل المثال أن يتم منع طبقا لقوانين البلد نشر نتائج الانتخابات وفوز الحزب الفلاني قبل انتهاء عملية التصويت النهائية، وإعلان الجهة المعنية الرسمية عن نتائجها، لكن بفضل استطلاعات أجريت عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتم الإعلان عن النتائج الأولية ويجري نشرها وتداولها بين مستخدمي الشبكات العنكبوتية في البلد المعني بل أحيانا خارجه.

وأثناء البحث في الموضوع يضاف إلى أن هناك دراسة قام بها الباحث Marc Lynch، حول موضوع « Twitter devolutions :How Social Media is Hurting the Arab Spring »، حيث أشارت هذه الأدبية العلمية إلى الكيفية التي توظفها الثورات المضادة، وسائط التواصل الاجتماعي لاجهاض الثورات الشعبية فيما حصل إبان الربيع العربي، من خلال توظيف مستخدمين يعترضون المعلومات المتدفقة من الناشطين وينشرون محتويات مؤيدة باستعمال أساليب خاصة.

وفي سياق حديثنا عن أهمية تدريس وحدات متخصصة في الفضاء الرقمي، يبدو أن هناك محاولات هنا وهناك ولكن بطريقة محتشمة، لازالت لم تحظ بالمكانة المناسبة لاسيما وأن مجال الفضاء الرقمي يتوسع بشكل ملفت وكبير. ومن المؤكد ستزداد حاجتنا إلى الاعتناء بوحدات رقمية بالجامعة والاشتغال على مشاريع بحثية بعد أن اكتسح في الآونة الأخيرة مجال المعرفة والاقتصاد والثقافة ما يسمى بالذكاء الاصطناعي.

أعتقد أن الوقت قد حان للجامعة المغربية والجامعة العربية عموما، بتدارس الموضوع باعتبار الفضاء الرقمي أفقا للتفكير من خلال تبادل الأبحاث وصياغات مقررات معرفية هادفة لطلابنا بهدف المواكبة من جهة، والقدرة على تحليل ما يحيط بنا من جهة ثانية، لاسيما الباحثين الناشئين وطلاب الدكتوراه في المجالات ذات الصلة بموضوع التواصل والاعلام والعلوم السياسية وعلم الاجتماع، وتحليل البيانات وعلوم الحوسبة أمام الندرة في الإنتاج المرتبط بمجال الفضاء الرقمي ووسائط التواصل الاجتماعي.

 

إقرأ الخبر من مصدره