في رحاب الكلمة.. حوار مع الشاعر والسارد محمد العزوزي

الأحداثحاوره : إلياس الخطابي

1- بداية نرحب بك ونشكرك على قبولك الدعوة. كما تعرف لا يمكن أن نعرف الآخرين أكثر مما يعرف هذا الآخر نفسه. وبالتالي بدل أن أقدمك للقارئ. حدثنا قليلا من يكون الإنسان محمد العزوزي، وكيف عاش طفولته، ثم من الذي عرفه على القراءة وكذلك الكتابة ؟

● ليس من عاداتي تقديم نفسي أحب أن يكون نصي هو من يقدمني، لأن النص هو مرآة صاحبه أو بصيغة أصح كاتبه، والنص القوي هو الذي يعطي صورة أقوى وشاملة عن الكاتب، بحيث النص هو الذي يبقى حيا في الأخير صامدا أمام مسببات الفناء والتلاشي، ولكن مادمت قد بدأت بهذا السؤال لا بأس من وضع تعريف موجز أو سيرة بالمختصر رغم أن السيرة الذاتية في هذه الظروف .

محمد العزوزي كائن إنساني ولغوي يريد أن يوجد لنفسه وجودا بالأدب من أجل معنى ما ، ولد بتاريخ 25 أكتوبر 1980 بقرية اموزغار بالجغرافيا الملعونة الذائعة عالميا والتي نسجت حولها الأساطير كتامة والتي احتفيت بها بشكل خاص في رواية [كتامة أو حكاية سفر من أجل لوحة حشيش] التي كانت التي تنتمي إلى الريف المغربي وإقليم الحسيمة الشامخ بالتاريخ والجغرافيا وشجر الأرز وجبل تدغين الذي يحرس بشاعرية ذاك التطلع الحالم إلى الحلم دون التفريط في الانتماء للجذور والجريان نحو اللانهائي كما يجري نهر مازيغ الذي احتضن حتى هو هذه الطفولة وأخذت من تلك الرغبة في الذهاب إلى البعيد في التفاعل مع تجارب حياتية متنوعة تحتاج إلى أكثر من كتاب للإحاطة.

2-  تكتب منذ زمن طويل. منذ أواخر القرن الماضي. كنت حاضرا في الجرائد بمقالات حول قضايا متعددة، ثم بإبداعك أيضا..وكتبت رواية لكنها لم تنشر بعد. لكن بعد ذلك ربما اختفيت..ثم عدت للساحة الأدبية برواية “كتامة أو حكاية سفر من اجل لوحة حشيش”، وبعد ذلك أتت أعمالا أخرى.. لماذا الاختفاء أو الانسحاب الجزئي، ولماذا العودة أيضا ؟

● في كل تجربة إبداعية كيف ما كانت. هناك لابد من ذاك التأرجح الواعي بين الحضور بين الغياب. لأن النصوص القوية تحتاج إلى الكثير من الوقت لتستقيم ويشتد عودها. حيث النص الجيد يجب أن يكون في حالة ولادة متجددة باستمرار وليس تمرينا إنشائيا يكتب لهدف من الأهداف ينتهي لحظة كتابته أو نزوة على الورق تعكس أعطابا من أعطاب الذات التي تسعى إلى التمظهر أو تبحث عن شفقة الآخر. ما أقوله  عن هذا الحالة هو استراحة ضرورية لتقييم المنجز من جهة والتحضير لما يمكن القيام به في المستقبل لمواصلة الطريق بشغف ووعي والعمل على اختيار المنافذ والطرق النصية المناسبة لتمرير الأفكار.

3-  من يقرأ رواية “كتامة” يجد أن ما يوجد داخلها يدور حول الشمال، وبالخصوص بلدة كتامة التي هي عالم كبير، وكانت عالما مثل الجنة المفقودة للأجانب في فترة ما بعد الاستقلال. هل صفيت الحسابات في هذه الرواية وقلت ما كان يدور بخلدك، أم أنها رواية تحاول أن تقدم كتامة على أنها مكان آخر، غير تلك كتامة التي يسمع عنها الناس، وهي كتامة تساوي “القنب الهندي” ؟

● كتامة أكبر من تختصر في فترة الستينات أو السبعنيات أو في القنب الهندي، لأن القنب الهندي جزء من تاريخها وليس كل تاريخيها. لأن تاريخها دائما كان متفاعلا مع ما يجري في الوطن ومع العالم. في مرحلة مقاومة الريفية كانت هي آخر بقعة تقاوم الإسبان بكل الشمال المغربي بعد استسلام محمد بن عبد الخطابي بمركز التشايف قرب ترجيست سنة 1926 والتي وصلت أصدائها إلى الصحافة العالمية بعد أن هزم المقاومين المحليين من كتامة وجيرانها من القبائل الأخرى الإسبان في معركة مولا بأسلحة متواضعة، وظلت المقاومة مستمرة لعام ونصف كما كانت مسرحا لأحداث غيرت اسبانيا بعد أن اجتمع فيها الجنرال فرانكو مع ضباطه فيها للتخطيط للانقلاب على الجمهورية الإسبانية في المجال الثقافي كانت ملهمة بجمالها وطبيعتها لمجموعة الكتاب والشعراء المغاربة والإسبان على اختيار كتامة كاسم لمجلة مغربية صدرت بتطوان وجمعت أسماء ثقافية عالمية وأسماء أسست للحداثة المغربية كمحمد الصباغ رحمه الله وعبد الكريم الطبال ومحمد السرغيني أطال الله في عمرهما وآخرون .

في الرواية أحاول أن أقول أنه هناك كتامة أخرى وليست تلك الكتامة النمطية التي حنطت في الأذهان موسومة بالقنب الهندي.

4- نشرت دواوين شعرية أيضا. يحضر في دواوينك “البعد التأملي”، وكأنك تكتب تأملات فلسفية .. ماذا يمثل بالنسبة لك الشعر، وهل هو ما يزال يقوم بدوره في المجتمع كما كان سابقا؟

● الشعر يمثل لي تلك الأجنحة اللغوية التي بها يجدد الإنسان وجوده وارتباطه بالفضاء والحياة ومع نفسه بأن يقاوم كل التيارات الجارفة التي تجره إلى التحنط والتكلس والترديء والتفاهة وحضور التأملي في كتابتي الشعرية نابع من أعماق ذاتية عميقة بالذات ومن طبيعتي الشخصية الميالة للعزلة والتأمل والنص ما هو إلا انعكاس للذات التي أنتجته أمام عن دور الشعر كان له دور في الماضي وله دور في الحاضر وسيستمر في المستقبل فقط يجب رفع الستار عن بعض الأوهام الشائعة والتي تزرع في الأذهان والتي تم غرسها بالقوة بمختلف وسائل الإكراه ومؤسساته رغم أن الحقيقة غير ذلك وهي أن الشعر كان نخبويا وسيستمر ولم يكن متاحا فهمه إلا للنخبة التي تمتلك ذوقا جمالية ومعرفة لغوية وثقافة أما الفئات الساحقة فإنها لا تلوك إلا ما قيل لها عن الشعر وهو يتجلى في انحسار قارئ الشعر الذي لا يكون إلا قارئا نخبويا حتى ضمن فئة القراء المنحسرة بدورها في واقع مجتمعي يبدو فيه القارئ شخص نشاز وخارج عن المألوف.

5- أنت شاعر وورائي ثم قاص أيضا. في قصصك “الطفل الذي مل من تأجيل ولادته”، نجد قصصا متعددة ومتنوعة. لكن عموما مادتها الخامة مأخوذة من الواقع المأزوم. القصة كما تعرف أنها لا تقول كل شيء، وربما الواقع أعقد من أن تقول ما يعاش، أو أن تساهم في التغيير. أنت كعاشق للقصة وتكتبها.. كيف ترى عودة هذا الجنس الأدبي الذي كان على وشك أن يندثر؟

● لكل جنس أدبي خصوصياته ومميزاته الرواية تختلف عن القصة رغم وجود لعناصر الالتقاء والتداخل بينهما وقس ذلك على ذلك كل الاختلافات والفروقات بين كل جنس أدبي مقابل آخر الأدب والفن والأدب ليس من مسؤوليتهما نقل الواقع بحذافيره أو تغييره بل إعادة تشكيله ضمن أفق إبداعي جديد حتى يجد الإنسان أفقا للحلم والأمل في التغيير وشرطا للإيمان بإنسانيته بالنسبة لي القصة تمنحني تلك المساحة لقول بعض الأشياء ولإيصال بعض الأفكار والرؤى والرسائل والتي لا تسمح به أجناس أدبية أخرى لأن المتلقي في القصة له خصوصياته واشتراطاته بالنسبة لاندثار القصة لست سوداويا لأقول بالموت والتلاشي لأن هذه حجة المهزومين غير القادرين على الإبداع قد ينحصر انتشار جنس أدبي ما لسبب من الأسباب لكن لا يمكن أن يموت لأن موت الأدب والجمال والفن هو موت الإنسان وجوهر الإنسان هو أنه يبدع بدون إبداع وفن لا يمكن أن نتحدث عن إنسان.

6-متعدد الكتابة.. عابر في جميع الأجناس. القصة والرواية ثم الشعر. هذه الكتابة المتعددة.. كيف تعيشها؟ هل صحية ويساعدك الشاعر في كتابة الرواية ثم يساعد القاص والروائي في كتابة الشعر، أم أن الأمر يتجاوز ذلك؟

● التعدد في الكتابة صحي للكاتب والشاعر. لأنه يمنحه أكثر من عين ليرى وأكثر من نافذة لتتهوى المخيلة وأكثر من باب ليدخل للكتابة ليعترك بالنصوص شريطة الإتقان والوعي بالكتابة الذي أراه ضروريا للكتابة، بمعنى الوعي بالكتابة كفعل له مقوماته وشروطه وظروفه والتي تبدأ من الذات وتنتهي عند النص  هذا من جهة. والوعي بالحدود بين الأجناس الأدبية لأنه كل جنس أدبي له مقوماته الخاصة وعناصره البنائية التي يجب مراعاتها في الكتابة حتى لا يتم إنتاج نص معاق ومعطوب بدون هوية وبدون ملامح واضحة والتعدد يكون أكثر غنى عندما يلتقي الفن بالأدب وهو ما استطاعت تجارب إبداعية جمعه من الجمع بين التشكيل والسينما والأدب وغيرهما من الفنون. فكلما اتسع الأفق تعمق الأدب وصار أكثرا عمقا.

7- يلاحظ عليك أنك تفضل النشر على نفقتك الخاصة، وتقوم بتوزيع وبيع كتبك شخصيا .. لماذا اختيار هذه الطريقة في النشر، هل هناك لأن هناك خلل وأزمة ثم كيف نخرج من هذه الأزمة الذي لا يخدم الإبداع إطلاقا؟

● النشر الذاتي هو أقدم طرق النشر في التاريخ وليس وليد اليوم. بالنسبة لي النشر الذاتي جاء بناء على إكراهات واقع النشر ومشاكله الكثيرة التي تحد من انتشار الكتاب وتداوله بسبب مجموعة من العوامل البنيوية التي تعوق واقع النشر وتحول دون بروز ناشر محترف وذو مشروع ثقافي محدد المعالم والرؤى والأهداف يتبنى كل الأصوات دون زبونية أو محسوبية وبعيدا عن الريع. لذلك لم يأت الخيار إلا بعد انتفاء كل الخيارات وبعد تجميع للمعطيات والمعلومات امتد لسنوات ومعاينة وملاحظة للتجارب الناجحة والفاشلة معا. لست أول من خاض هذه التجربة بهذا الشكل وطبعا لن أكون الأخير مادامت ظروف النشر تتعقد وتستشكل. فرغم إكراهاتها وما يرافقها من تعب في واقع لا يقرأ ويعج بالعته والتفاهة. لكن لها إيجابيات كثيرة لأنها تجعل الكاتب يقف وجها لوجه أمام القارئ وعلى تواصل مباشر معه بعيدا عن كل وساطة يمكن أن تشوش على العلاقة بين الكاتب والقارئ.

8- كتبت كتابا بعنوان “الرقية النقدية”، فيه مقالات نقدية فيما يخص النقد في الواقع الثقافي المغربي. حيث الناقد لم يعد له أي دور، وربما دوره سلبي، يمجد النصوص الرديئة ولا يقول سوى المدح المبجل. هل أنت مع نزار قباني الذي قال : الإبداع فوق فوق.. والنقد تحت تحت ؟.. ثم لماذا تراجع النقد البناء والحقيقي ؟

● في كتابي الرقية النقدية وصرع النصوص انتقدت سلوكيات وليس نصوص والكتاب في بنيته مقالات رأي ثقافية وشذرات أعبر فيها عن أراء تهم الكتابة والشعر والثقافة والمثقف وغيرها من المواضيع وليس كتابا نقديا بالمفهوم الدقيق للنقد لأن النقد يحتاج إلى رؤية ومنهج واضحين للنقد وطبعا نصوص وتجارب تستحق أن توضع على ميزان النقد لأن نقد ومجاملة النصوص التافهة والرديئة بتعازيم من كلمات تافهة لا يمكن إلا أن نعتبرها مجرد رقية ودجل يمارسان على النصوص وبيع الوهم لأصحابها، لا وجود لتراجع النقد لأن النقد لا تمارسه إلا قلة والنقد لا يمكن أن يواكب كل شيء في واقع ثقافي معطوب مبني على أسس غير ثقافية وكذلك يجب أن يتجاهل النقد الرداءة والتفاهة بأن لا يلتفت إلا للنصوص التي تستطيع الصمود في الزمن لأن الكثير من النصوص التي تم النفخ فيها لسبب من الأسباب ظهرت في النهاية نصوصا ضعيفة لأنها تم حقنها بمنشطات من خارج النص لعدة اعتبارات منها ما هو موضوعي مرتبط بالسياق التي ولدت فيه والذي لم يكن سياقيا ثقافيا صحيا ويبقى في النهاية النص الحقيقي هو النص الذي يستطيع الصمود في حتى بمعزل عن كاتبه ومنتجه وظروف إنتاجه .

9- دور الفنان هو أن يحيي الأمل في النفوس. فيما مضى  المثقف كان له دور مهم في الواقع المجتمعي والسياسي. كان ديناميا .. يكتب ثم يناضل ويحذر من بعض السياسات ومن الأخطار القادمة مهما كانت. إلى حد ما كان سباقا في كل شيء، ودوره كان حيوي بامتياز. لكن اليوم نلاحظ العكس. وكأن المثقف أو الفنان صار ماديا لا يفكر سوى في المال.. وحتى ما يبدعه يكون رديئا ثم المثقف أيضا لم يعد يتكلم في الشؤون التي كان يتحدث فيها وكانت ملتصقة به. لماذا هذا التراجع ؟

● دينامية الواقع في الماضي فيها نظر. لأن الواقع عكس ما سوق ويسوق في الإعلام وحتى دور المثقف في الماضي فيه نظر كذلك حتى هو. لأننا نوجد في مجتمعات تسحق الفرد المستقل والمتفرد والمثقف ولا وجود لواقع صحي يسمح ببروز أصوات نقدية تغرد خارج السرب. كل ما وجد في الماضي هي أبواق كانت تصدح بأصوات الأحزاب المعارضة أو السلطة مع تحصيل بعض المغانم من حضوة وامتيازات وغيرها عند هذا أو ذاك نظير هذه الخدمات المقدمة يجب التفريق بين الجانب الإنتهازي الذي يركب على الثقافة والأدب وغيره من الفنون لتحقيق مكاسب انتهازية وبين الجانب المادي كتقدير للفن والكتابة وغيرهم. فليس أخلاقيا أن تحصل أرباح من طرف أخرى على حساب جهد ممارسي الإبداع والفن ويطالب المعنيون بإنتاجها بالنضال تحت مبرر أن لا يجب أن يكون المبدع ماديا.

10- هل هناك أعمالا أخرى لك قادمة في الطريق ؟

● هناك العشرات من المسودات الجاهزة التي تنتظر منذ سنوات. أغلبها في الشعر. أفكر في إصدارها إذا سمحت بذلك الظروف، وهناك مشاريع أخرى قيد الإنجاز.

هيئة التحرير27 مارس، 2025

إقرأ الخبر من مصدره