الأحداثبقلم: محمد اعويفية
الكل بدأ يفزع من ظاهرة العنف في الشوارع، التي تحولت بعد رمضان في أغلب المدن إلى ما يشبه المرض الجماعي، الذي على ما يبدو لن يوقفه شيء سوى رصاص الشرطة كآخر مقاربة يُرتكن إليها على أساس الحماية. إلا أنها مقاربة تعبر بقوة عن ضعف حيلة من سياسيين بلا أفق أو تجربة في إيجاد حلول أخرى أكثر نجاعة وأقل ضررًا.
لا أحد ينكر أن حياتنا اعوجت وانحرفت، وضاع منها كل شيء جميل. حياة تهرب منا وتعود رويدًا القهقرى إلى الوراء. شبابنا ما أقل ما عاشوه، إن كانوا فعلاً قد عاشوا. نفوسهم تيبست، فلا متعة ترويها، ولا حتى حلم خفيف هفهاف يسقيها. أيامهم متشابهة، مملة، بركام من المشاكل والأهوال، ولا بدرة أمل أو برعم واحد منه يلوح في الأفق وينبت.
صاروا يضجون كرهًا وعنفًا، يخرجون أبشع ما فيهم بعد أن استوى عليهم اليأس واللوعة، وتسرب الإحباط والأسى إلى نفوسهم واحتلها دون مقاومة تذكر في زمن مطاطي، غادر، أجوف، بلا شغل، في مدينة سوادها يشتد، يقسو، ويتجبر على الكل.
مدينة تتداعى وتنهار، تتآكل واجهتها وأحشاؤها كل يوم أمام مرآى ومسمع ممن يلعبون بنا وبها على الدوام. أولئك الذين بنوازعهم الصغيرة ومصالحهم الضيقة، رمونا ذات زمن بنعيقهم السمج بأروع وأمجد شعارات الإصلاح والتنمية، فأحالوها بعد أن أحكموا قبضتهم عليها، إلى قفص كبير، بقضبان حديدية من بطالة، وقيود فولاذية سميكة من تهميش وفقر وضياع، حتى بات كل بيت فيها اليوم يسكنه الخوف والرعب مما يقع.
ما يحدث الآن حرب لا معنى لها، نحن الخاسر فيها الأول والأخير. حقيقة لا نملك شيئًا حيالها، لأنها حرب هدفها ومرماها خاطئ: الجار للجار عدو، الأخ بالأخ متربص، والإبن للأب والأم كاره. هي حرب الأحبة المصابون بلوثة المخدرات، النشوة الوحيدة المتبقية، التي تجعل الكل ضحايا وجناة بتخديرها ومتعتها العمياء، التي لا تبصر سوى العنف والرعب، تريد فقط السجن والموت وتطلبهما بشغف.
“بيعوا السقف فليس هناك فقير إلا بفعل فاعل” ،قالها الأسطورة مارادونا وصدق ،ونحن هنا لا نشجع على العنف والإجرام، ولكننا ننظر للمستقبل بعين خائفة متوجسة، لأن ما يقع يعد نتائج عكسية و دليل قاطع على ضعف وفشل سياسات متبعة في بعض القطاعات مثل التعليم، الشغيل، الإسكان، الصحة ، الثقافة والإعلام.
كما أنه إشارة بليغة على أن الكيل طفح عند شباب قست عليهم الأوضاع وتكالبت، شباب لا يحبون أن يبقوا رهينة لأوضاعهم الإجتماعية الهشة، سجناء لأحزانهم التي ولدوا بها وتحيا في دواخلهم وتتكاثر. فهم يريدون أن يعملوا، يَسعدوا، ويُسعدوا، ويستمتعوا بالحياة، حتى لا تبقى هذه الأحزان خالدة سرمدية، تورث لمن سيخلفهم ويأتي بعدهم.
هيئة التحرير8 أبريل، 2025
إقرأ الخبر من مصدره