بقلم: محمد اعويفية
لم يبقَ أمام نساء ورجال التعليم، الممثلين نقابيًّا وغيرهم من المستقلين، خيارٌ آخر غير الإضراب، الذي اختلف هذه المرة في دوافعه وأسبابه. فبعد أن كان في معظمه يتعلق بالزيادة في الأجور، وتحسين ظروف العمل، وأمور أخرى تقنية، تحوّل اليوم، في 16 من أبريل الجاري، ليأخذ صبغة الاحتجاج على تنامي ظاهرة العنف ضد الأساتذة، خصوصًا بعد الجريمة البشعة التي هزت المغرب كله، لا قطاع التعليم وحده، والتي تُعد الأعنف والأفظع على الإطلاق: جريمة أرفود، التي راحت ضحيتها الأستاذة هاجر، المنحدرة من العاصمة الإسماعيلية مكناس.
ببشاعتها وهولها، استطاعت هذه الجريمة أن تلقي بظلالها على الساحة التعليمية كعنوان بارز لعنف لم يُفكّر فيه أحد قبل اليوم، والذي أجمع الكل على أنه كان من الأجدر فيه أن يُشيّع وزير القطاع بنفسه الفقيدةَ في جنازة مهيبة، وتُنكس الأعلام فوق مباني وزارة التربية والتعليم الأولي والرياضة، إدانةً منه للفعل الإجرامي المقترف، وعربونَ تضامن مع هيئة التدريس، وتكريمًا لروح هاجر الطاهرة قبل كل شيء، عوض صمّ الآذان ودفن الرأس في الرمال دون ردة فعل حتى تمرّ العاصفة بسلام.
ظاهرة العنف في المدارس مشكلة عالمية ضخمة، لا يمكن تحديد طبيعتها وحدود اتجاهاتها وآثارها على أي مجتمع، كيفما كان بنيانه ونسيجه، إلا بإجراء دراسات استقصائية دقيقة وشاملة على المستوى المحلي والوطني. فمن أجل إحراز أي تقدم يروم الحد من هذه الظاهرة واحتواءها ومعالجتها، لا بد أولًا من البدء برصد السلوكات المنحرفة والتبليغ عنها لحصرها، بقصد تعزيز الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، مع تكوين الأساتذة، وتوفير الحماية الكاملة لهم، ودعمهم نفسيًا وماديًا في كل الحالات.
بالإضافة إلى ذلك، يجب خلق بيئة تعليمية محفزة وآمنة، بلا خوف أو اضطهاد، تتوفر فيها عوامل النجاح الكاملة والحقيقية، المفضية إلى الانتفاع بتعليم منفتح يرقى بالفرد ويحقق أحلامه؛ مثل النهوض بأنشطة الحياة المدرسية كالرسم، والمسرح، والمسابقات الرياضية، والمخيمات المؤطَّرة تأطيرًا تربويًا سليمًا، يعمل على زرع الثقة بالنفس وبالآخر، ويُبعد المشاعر غير المفهومة كالإحساس بالرفض، والتوتر، والعزلة، كما يحارب الاكتئاب وكل أنواع الانحرافات التي يمكن أن يسقط فيها المتعلم.
رغم المخاوف الكثيرة التي تنتابنا جميعًا بشأن مستقبل التعليم في البلاد، إلا أنه لا زال يحدونا قدر كبير من الأمل والتفاؤل في أن تتظافر جهود كل مكونات المجتمع، أسرةً، ومدرسةً، ودولةً، من أجل اتخاذ إجراءات وتدابير تثبت فعاليتها ونجاعتها في ردع كل أشكال العنف، والحد من مسبباته وتأثيراته السلبية على الأجيال القادمة .
رحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جناته إنا لله وإنا إليه راجعون
Tags :تنكيس الأعلامهيئة التحرير17 أبريل، 2025
إقرأ الخبر من مصدره