في السياسة، لا توجد قطيعة دائمة ولا مصالحة نهائية، فالتوقيت والسياق هما من يقرران مصير العلاقات داخل الأحزاب، خصوصا عندما تكون محكومة بطابع شخصي كما هو حال علاقة القياديان البارزان في حزب العدالة والتنمية: مصطفى الرميد وعبد الإله ابن كيران.
بعد انتخاب هذا الأخير لولاية جديدة على رأس “العدالة والتنمية”، نهاية الأسبوع الماضي، صدرت عنه إشارات مصالحة تجاه خصومه داخل الحزب، كانت أبرزها مصافحته لمحمد أمحجور أحد أبرز معارضيه، واقتراحه أسماء كانت على خلاف معه للانضمام إلى الأمانة العامة. لكنها رغم ذلك، تبدو مصالحة رمزية أكثر منها سياسية، والرميد تحديدا ليس من النوع الذي يتراجع بمجرد إشارة.
لقد بدا ابن كيران الذي اعتاد أن يواجه خصومه بالمباشر وبالعبارات النارية، هذه المرة أكثر مرونة، خاصة وهو يرى أن الحزب في مرحلة استشفاء من جراح انتخابات 8 شتنبر 2021 التي ما تزال تنزف، حيث “لا مكان الآن لمزيد من الانقسام!”…
وربما من هنا جاءت خطواته مدروسة، أو لنقل “محسوبة العاطفة”، من خلال محاولة إعادة توزيع وتنويع القيادات داخل أمانة البيت الإسلامي. لكنه لم يذهب إلى حيث ينتظر الرميد: الاعتذار.. ذاك الذي قال عنه مصدر مقرب من الرميد إنه “شرط أساسي للصلح”، ليس لأنه مجرد كلمة، بل لأنه يعيد التوازن لعلاقة اختلت بسبب ما يعتبره وزير العدل السابق “إهانة ومسا بالكبرياء”.
الرميد، من جهته، بدا كمن حسم أمره، ففي كل إطلالة إعلامية له، يؤكد أنه غادر السياسة، وأنه خاض معركتين مع المرض، وأنه اختار أن يكون “مواطنا عاديا”. لكنه لا يقولها بنبرة القطيعة الجذرية، بل بكلمات موزونة تحفظ له ممرات العودة في حال تغير شيء في المزاج أو في السياق…
في قلب هذا المشهد، يبدو ابن كيران الأمين العام المعاد انتخابه على رأس الحزب، أنه يعي جيدا أن استعادة التنظيم لجزء مهم من عمقه العلاقاتي والتنظيمي قد يكون على يد الرميد، الذي رغم اعتزاله، لا يزال رمزا يثير الاحترام داخل القواعد، خصوصا ممن يعتبرونه امتدادا للمرحلة النضالية قبل السقوط في فخ السلطة وبراثن التدبير. لكن ما يعقد العملية هو أن القرينين (ابن كيران والرميد) لا أحد منهما مستعد لأن “يركع” للآخر أو يتنازل بلا مقابل، خاصة وأن كل واحد منهما يرى نفسه “المظلوم” في الحكاية…
هل يعود الرميد إلى بيته القديم؟ ربما!.. لكن عودته لن تكون تحت أقدام الزعامة، بل على طاولة ندية، يتبادل فيها الرجلان نظرات لا تخلو من حسابات قديمة.. وإن لم يعد، فسيبقى ظله جاثما في قلب البيجيدي، يذكرهم أن الانقسام ليس فقط اختلافا في الرأي، بل فقدان للثقة وجروح غائرة لم تندمل.. وحين ذاك، لا يكفي أن تلوّح بغصن زيتون بل عليك أن تزرعه من جديد…