بنكيران سياسي لا يُستساغ..!!

Écrit par

dans

الأحداثمحمد اعويفية

بعد سنوات من الغياب، أو ربما التغييب، عن المشهد السياسي، عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية، إلى الواجهة من جديد. عودة على ما يبدو، من خلال خرجاته الأخيرة المتكررة، تحمل في طياتها إثباتا للكثير من التحدي وتكذيبا لكل التوقعات التي رأت في هزيمة حزبه سنة 2021 نهاية لمشواره السياسي أولًا، ونهاية لمرحلة “الإخوان” بالمغرب ثانيا .

شكّلت الإنتخابات الأخيرة صدمة كبيرة للعدالة والتنمية، الذي مُني بهزيمة تاريخية نكراء بعد ولايتين متتاليتين على رأس الحكومة. بنكيران، الذي كان قد ابتعد مندحرا عن القيادة منذ إعفائه من تشكيل الحكومة عام 2017، اكتفى بالمتابعة من صالون بيته للمسار الذي سار فيه خليفته سعد الدين العثماني، وأنصار الاستوزار – كما وُصفوا – ممن دُوّنت أسماؤهم على ورق الزبدة. إشارة قوية منه على هشاشة مرحلتهم ، المسألة التي اعتبرها بعضهم إهانة لا يمكن القبول بها إطلاقا ،دون أن يُخفي “الزعيم” انتقاداته لبعض توجهاتهم، خاصة تلك التي رأى فيها تخلّيًا وانحرافًا عن المبادئ الأساسية التي بُني عليها الحزب، في نفس الوقت مُباركا ،مدافعا، وراضيا كل الرضا عن توقيعهم لمعاهدة التطبيع مع دولة إسرائيل التي أثارت ولازالت الكثير من الجدل.

لكن الذي ظهر عند ذاك هو استقالة صامتة وتنحٍ كامل عن السياسة، تحوّل بإصرار إلى عودة فعلية أواخر عام 2021، حين انتُخب بنكيران مرة أخرى أمينًا عامًا للحزب. عودته هذه لم تكن مجرد استعادة لمنصب الأمين العام، بل كانت بمثابة محاولة لإعادة بناء هوية الحزب المتهالكة، واستعادة ثقة القواعد، خصوصًا بعد تنحي أغلب كوادره الوازنة، وبعد انهيار شعبيته جراء الإجراءات الكثيرة التي أُقدم عليها خلال الفترة الأولى، والتي أضرت كثيرا بالطبقة الوسطى وأنهكتها بالسرقة من أعمارها وأرزاقها، كما فتحت أبواب الغلاء على مصراعيها لتنهش جيوب المستضعفين بلا رحمة.

بنكيران، كي يعيد للحزب حيويته وعافيته، عاد إلى خطابه الشعبوي المألوف، الذي يعطي صورة غير متكاملة للحقائق التي عرفتها البلاد عهدَ ولايته، محاولا التأثير مرة أخرى على عواطف المواطنين البسطاء فكريا، ودغدغة مشاعرهم من أجل استمالتهم وحشد تأييدهم في الإستحقاقات القادمة، معتمدًا في نفس الوقت على المعارضة في البرلمان، بزعامة عبدالله بوانو، كمنصة أخرى لإبراز مواقفه ولعب دور المدافع المنتقد للسياسات الحكومية المتبعة في الكثير من القطاعات، خاصة فيما يتعلق بالغلاء وارتفاع مستوى العيش،وارتباطهما بتحرير سوق المحروقات ، الذي زاد من تدهور الأوضاع الإجتماعية واستفحالها.

هناك في الحقيقة، تحديات كبيرة تواجه “الزعيم”، سواء داخل الحزب أو خارجه، غير أن فراغ الساحة من مقارع قوي، بالإضافة إلى حضوره الإعلامي وقدرته على التأثير في الرأي العام وتوجيهه، جعل من بنكيران فاعلا سياسيا لا يمكن إطلاقا تجاهله.

عودة بنكيران، خصوصا في سنّه هذا، تظهر بجلاء أن الساحة السياسية لا تخلو من مفاجآت غريبة، وأن الشخصيات المهووسة بالسلطة، حتى دون أن تملك مشروعا سياسيا متكاملا، وخطابا متجددا يتجاوز استغلال الدين وقضايا القومية والوطنية، قادرة بشكل غريب على النهوض من كبواتها وتنبعث من جديد في بيئة تشهد ضعف الأحزاب السياسية، وتراجعا مهول للوعي السياسي وللثقافة النقدية. ومع ذلك، يجب الإقرار بأن بنكيران، بكاريزميته الاستثنائية، يبقى رقما صعبا لا يُستساغ في معادلة السياسة المغربية، شاء من شاء وكره من كره.

Tags :بنكيرانسياسيهيئة التحرير12 مايو، 2025

إقرأ الخبر من مصدره