تمكن برونو روتايو وزير الداخلية الفرنسي، من تحقيق فوز ساحق في انتخابات رئاسة حزبه “الجمهوريين” المحسوب على تيار اليمين التقليدي، ليضع بذلك اسمه على قائمة المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة سنة 2027.
ويربط متتبعون بين ارتفاع أسهم روتايو وتعيينه على رأس وزارة الداخلية في أكتوبر 2024 بعد الاضطراب السياسي الكبير الذي خلّفه قرار الرئيس إيمانويل ماكرون حلّ البرلمان وما أفرزه ذلك من غياب أغلبية واضحة تسمح له بتعيين حكومة موالية له.
وانطلاقا من هذا المنصب، وجد وزير الداخلية الجديد منبرا قويا للتعبير عن مواقفه المتشددة في قضايا الهجرة والأمن والإسلام وخاصة إدارة الأزمة مع الجزائر، وهو ما سمح له باستعادة جمهور اليمين المتشدد الذي رحل لمارين لوبان منذ سنوات طويلة.
ولا يخفي روتايو أن سياسته الهجومية ضد الجزائر خدمته بشكل لافت، حيث قال في تجمع له نهاية شهر مارس الماضي أمام أنصاره: “كلّ جدل يخدمني. لقد سمحت لي هذه القضايا بتجاوز النخبة الإعلامية والسياسية والتوجه مباشرة إلى الفرنسيين”.
وتحدث عن قناعته بأن الفرنسيين يؤيدون موقفه المتشدد تجاه الجزائر، قائلا: “لا أعترف لأي دولة بحق الوصاية على الذاكرة”، في إشارة مباشرة إلى ملف الذاكرة الاستعمارية الذي لا يزال يسمم العلاقات الثنائية.
وما دام الحديث عن الجزائر يحقق مكسبا انتخابيا، واصل روتايو في كل خرجاته هذا النهج متحدثا عن الإجراءات العقابية التي يجب أن تتخذ في حقها، حتى أنه دفع ساسة اليسار الفرنسي إلى التساؤل إن كان فعلا وزيرا للداخلية أم للخارجية، حيث بات يتدخل حسبهم بشكل كبير في ملف يفترض أن يعالج بشكل دبلوماسي بين الرئيس ماكرون ووزير خارجيته.
بل أكثر من ذلك، ذهب روتايو، إلى حد التهديد بتقديم استقالته إذا طُلب منه “التنازل” بشأن الملف الجزائري، مؤكدا أنه لن يتراجع عن موقفه الصارم تجاه هذه القضية.
وقال في مقابلة مع صحيفة “لو باريزيان”، إن “فرنسا مستعدة لخوض هذا الصراع.. أنا لست هنا لمجرد شغل منصب، بل لتنفيذ مهمة وهي حماية الفرنسيين. طالما لدي قناعة بأنني مفيد وأملك الوسائل اللازمة لذلك، فسأظل ملتزما بمهمتي. لكن إذا طُلب مني التنازل في هذا الملف الذي يُعتبر حيويًا لأمن الفرنسيين، فإنني بالطبع سأرفض ذلك”.
وتابع أنه “إذا لم تستقبل الجزائر مواطنيها الخطرين الذين ترغب فرنسا في ترحيلهم، فسنتخذ إجراءات انتقامية تدريجية. لكن إذا احترمت الجزائر اتفاقيات 1994، التي تُعتبر تعديلا للاتفاق الأصلي لعام 1968، فسيتم حل المشكلة”.
وأكد روتايو أن الاتفاق الفرنسي الجزائري لعام 1968 سيكون موضع “إعادة نظر” في حال عدم استجابة الجزائر لمطالب فرنسا. وكانت هذه التصريحات بمثابة رسالة واضحة ومباشرة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي حاول سابقا توجيه وزير داخليته نحو نهج مختلف في التعامل مع الملف الجزائري دون جدوى.
وفي الجزائر، يميل التحليل الرسمي منذ مجيء روتايو، إلى وجود انقسامات حادة في السلطة الحاكمة بفرنسا حول الملف الجزائري.
وسبق لوكالة الأنباء الجزائرية أن ذكرت أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، حاول التهدئة وتقليص حدة الخلافات عقب التهديدات والإنذارات التي أطلقها رئيس وزرائه تجاه الجزائر، إلا أن محاولات التخفيف من الأزمة لم تُجدِ نفعًا، حيث استمرت التصريحات العدائية من وزير داخليته برونو روتايو، الذي جعل من عدائه تجاه الجزائر عنوانا لحساباته السياسية.
وفي قراءتها، تؤكد الوكالة الرسمية في الجزائر أن “روتايو لا يملك أي مشروع سياسي وليس لديه أدنى فكرة أو رؤية لصالح فرنسا، باستثناء التنكر لمبادئها وتقزيمها. فحساباته هي حسابات صاحب دكان لا يتعدى أفقه المحدود استطلاعات الرأي التي يتابع بشغف كل توجهاتها والوعود السياسية حول مستقبل هو الوحيد الذي يؤمن به”، وذلك في إشارة إلى ممارسته التصعيد ضد الجزائر لدوافع انتخابية.
وزادت الأزمة الأخيرة داخل الأزمة بين البلدين، من حدة الهجوم على روتايو في الجزائر، فهو متهم بالوقوف وراء اعتقال الموظف القنصلي في باريس فيما يعرف بقضية “أمير ديزاد”، وهو ملف طرأ في وقت كانت العلاقات الجزائرية الفرنسية تنحو نحو التهدئة بعد مكالمة الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون نهاية شهر أبريل الماضي، وهو الأمر الذي تنفيه حكومة باريس على اعتبار أن القضاء هو من يقرر في هذه المسائل وليس وزير الداخلية.
وفي ظل استمرار روتايو في وزارة الداخلية وتثبيت أقدامه في المشهد السياسي الفرنسي كمرشح محتمل للرئاسيات، تبدو العلاقات سائرة نحو المجهول، فالبلدان حاليا يكتفيان بالحد الأدنى من التبادل الدبلوماسي مع تراجع واضح في العلاقات الاقتصادية، وهو ما يدفع للاعتقاد بأن الجزائر وفرنسا على أعتاب قطيعة، في حال تقلد اليمين زمام الأمور في باريس خلال الفترة المقبلة.