الأحداث
قدرتها على التحكم في جسدها غريبة، لدرجة أنها لا يمكن أن تكون مخلوقا عاديا وطبيعيا. عنوة تكتسح الحفل وتسيطر عليه بإثارة فاقعة، كاملة الغنج، تستولي على المتفرج وتسلبه نفسه. تأخذه في رحلة شيقة تجعله ينجذب، يفرح، يسعد، يتفاعل، ويستجيب، يفقد الإحساس بكل الأشياء المحيطة به، ليغدق العطاء ويعبّر لها عن حبه جهارا.
تتلوى هدى دون أن تتعثر في خجل، كمادة رخوة تنساب مع أنغام أطلسية جيدة السبك واللحن. تترك القاسية جسدها حرّا طليقا يعبر عن نفسه، ليرفه بسخاء عن الناس ويحمسهم ، موزعة ابتسامات عذبة مؤدبة بلا تشنج أو عصبية ، ابتسامات تخطف الوعي، ونظرات تشع عواطف خاصة تسلب بها العقول، هدى تستدر الإعجاب بمؤهلات تختلف عن غيرها، كلها أنوثة وجمال ، واعية كل الوعي بما تفعله بجسدها الآسر، وما تفعله بالناس، دون شفقة أو رحمة.
بين الإشادة بموهبة هدى الاستثنائية وبين ما صار عليه الوضع بعد الزحف الرقمي الكاسح، و إغراءات الشهرة والمال، بات الرقص يتأرجح بين ما هو فلكلوري تراثي، وآخر استعراضي مخل، له طابع الربح و تجارة، يعدٌه البعض مظهرا للانحراف الأخلاقي والقيمي خصوصا بعد تحول بعض الأفراد بلاشروط و من كل الأعمار إلى صناع محتوى ،يصلون بسهولة كبيرة إلى الآلاف من المتابعين .
لا يمكن أبدا إنكار أن الرقص جزء أصيل من ذاكرتنا الجماعية الثقافية، على اعتبار امتداده لتقاليد فنية تراثية ذات دلالات رمزية واجتماعية عميقة، يمارس في كل المناسبات والأفراح.
لكن المشهد اليوم تغير كثيرا. فالرقص الذي يمارس وينتشر عبر التطبيقات المتاحة لم يعد فنا بمعناه الكامل، بل تحول إلى أداء الغرض منه جذب الانتباه وتحقيق أرباح مالية بأكبر نسبة من المشاهدة، والتقاسم، والإعجاب، في غياب شبه تام لأي رقابة أو محاسبة ممكنة.
بشكل استفزازي، يتجاوز في الكثير من الأحيان كل القيم، وعلى حساب الذوق العام، تُروَّج اليوم عبر الفضاء الرقمي صور مبتذلة عن جسد المرأة والرجل معا، من خلال فيديوهات رقص خليع تحصد ملايين المشاهدات .
رقص المحتوى هذا تسليع للجسد، وتكريس لفكرة أن الشهرة والمال، والنجاح عموما، لا يأتيان بالاجتهاد أو الإبداع، بل يحققان من خلال الاستعراض الفاضح، والإثارة التي لا تستحضر أي وازع قيمي أو أخلاقية أمامها.
احترام الحرية الشخصية يكون في إطار القانون، وما ينشر لا يرقى إطلاقًا إلى مستوى الفن، بل يروج لانفلات أخلاقي مدمر، وفوضى قيمية مقنعة تحت شعار حرية التعبير.
الواقع أن الرقص فن كغيره من الفنون، لكن ليس كل رقص فنا يليق أن يعرض أمام الناس. لذا، وجب في ظل هذه التحولات الرقمية المتسارعة، فرض رقابة مشددة، وتقنين المحتويات، وتحديد المعايير الأخلاقية لها، ولما ينشر فيها وعبرها، دون المساس بجوهر حرية التعبير مع منح الأولوية للرقي بالذوق واحترام الهوية الثقافية للبلاد.
Tags :الرقصحرية التعبيرهيئة التحرير17 يونيو، 2025
إقرأ الخبر من مصدره