عبد الحي السملالي
تتشكل الهويات في المغرب الكبير عبر تراكمات طويلة، تتداخل فيها الجغرافيا بالثقافة، والدولة بالمجتمع، والذاكرة بالتحولات السياسية. وعلى امتداد قرون، كان المغرب هو المركز الطبيعي لهذا المجال، لا فقط بفضل استمرارية دولته، بل أيضًا بفضل شبكات العلماء والزوايا والتجارة واللغة والفقه التي ربطت الصحراء وموريتانيا والغرب الجزائري بالمغرب ربطًا عضويًا. كانت الهوية المغربية، بهذا المعنى، هوية مؤسسة للمجال المغاربي، وليست مجرد عنصر ضمن عناصره.
لكن القرن العشرين حمل تحولات عميقة أعادت رسم الخريطة الثقافية والسياسية. فقد ترك الاستعمار الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، أثرًا بالغًا في الجزائر، لم يكن أثرًا سياسيًا فحسب، بل أعاد تشكيل المدرسة والإدارة واللغة والذوق العام والعمران وأنماط العيش. ورغم محاولات السلطة الجزائرية لاحقًا تقديم خطاب ثوري يطمس هذا الإرث، فإن الواقع يكشف أن الفرنسية لم تكن مجرد لغة، بل بنية ذهنية وثقافية تشكّلت عليها أجيال كاملة، وأن جزءًا مهمًا من الهوية الحديثة في الجزائر هو نتاج هذا الحضور الطويل.
ولفهم هذا التحول، لا بد من التذكير بأن الجزائر، بخلاف المغرب، لم تعرف دولة وطنية مستقلة بصيغتها الحديثة قبل 1962. فعلى مدى أكثر من ألفي عام، انتقلت من سلطة إلى أخرى: من الوندال إلى البيزنطيين، ثم إلى الحكم العثماني، ثم إلى الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عامًا. وبذلك لم تتوارث الجزائر مؤسسات وطنية مستقرة، ولا نموذجًا سياسيًا محليًا يمكن البناء عليه. وحين خرجت فرنسا، وجدت البلاد نفسها أمام فراغ مؤسساتي وثقافي كبير، وكانت الحاجة إلى نموذج جاهز ملحّة.
في تلك اللحظة، كان النموذج المصري الناصري هو الأقرب إلى النخب التي تولّت الحكم: نموذج جمهوري، تعبوي، معادٍ للملَكيات، يملك ماكينة إعلامية ضخمة قادرة على تصدير رموزه وخطابه. لذلك تبنّت الجزائر في خطابها السياسي ورموزها الوطنية كثيرًا من عناصر هذا النموذج، حتى أصبح شعار «المليون شهيد» — الذي صاغه جمال عبد الناصر — جزءًا من السردية الوطنية الجزائرية. وقد شكّل الخطاب الناصري، في مرحلة تاريخية محددة، أحد المكونات المؤثرة في الخيال السياسي الجزائري.
وفي موريتانيا، كان التأثير المصري واضحًا في المناهج التعليمية والإعلام والخطاب السياسي خلال مرحلة التأسيس، مما خلق مسافة ثقافية ونفسية بينها وبين امتدادها التاريخي المغربي، رغم أن الروابط القبلية والروحية والجغرافية كانت تشير إلى مجال واحد لا مجالين. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه التأثيرات الخارجية — الفرنسية والناصرية — جزءًا من الهوية الرسمية في الجزائر وموريتانيا، رغم أنها ليست نابعة من الجذور المغاربية العميقة.
هذا ما يفسر المفارقة التي نراها اليوم: ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الخطابات إعادة تعريف التراث أو نسب عناصر منه إلى نفسها، تكشف البنية الثقافية التي تربّت عليها الأجيال أن جزءًا كبيرًا من الهوية الحديثة مستعار من الخارج. ولا يتوقف أثر الهجنة الثقافية عند حدود الخطاب السياسي أو الرموز الوطنية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ففي الوقت الذي حافظ فيه المغرب على تراكمات عريقة في اللباس والعمارة والصناعات التقليدية، ظل هذا الإرث غائبًا أو هشًا في مناطق أخرى من المغرب الكبير. فالمرأة المغربية ما تزال ترتدي القفطان الذي تطوّر عبر قرون، والرجل المغربي ما يزال يرتدي الجلباب والبلغة، وهي عناصر ليست مجرد لباس، بل منظومة جمالية وصناعية متوارثة. وفي العمارة، يظل الزليج المغربي، والنقش، والجبص، والخشب المنقوش مدارس قائمة بذاتها، تحتاج إلى خبرة ومهارات لا تُكتسب في جيل أو جيلين، بل تتطلب تراكمًا حضاريًا طويلًا.
ورغم محاولات بعض الخطابات في الجزائر نسب هذه العناصر إلى نفسها — من القفطان إلى الزليج إلى بعض أطباق المطبخ المغربي — فإن غياب الصناعة التقليدية المحلية، وضعف التراكم التاريخي، وغياب الحرفيين المتجذّرين، يجعل هذه المحاولات أقرب إلى استعارة شكلية لا تصمد أمام اختبار العمق. فالتراث ليس صورة تُلتقط، ولا قطعة تُستورد، ولا لباسًا يُقلَّد، بل هو نَفَس حضاري يتكوّن عبر الزمن، ويحتاج إلى بيئة ثقافية مستقرة، وإلى دولة متواصلة، وإلى ذاكرة جماعية متماسكة.
أما المغرب، فقد حافظ على قدر كبير من استمراريته التاريخية. فالبنية الثقافية المغربية، القائمة على تراكم طويل للدولة والمجتمع، أظهرت قدرة لافتة على الصمود أمام التدفقات الخارجية. وحتى في سياقات الهجرة، ظل المغاربة مرتبطين بهويتهم الأصلية، بينما تلاشت تأثيرات أخرى كانت تبدو قوية في لحظتها لكنها لم تصمد أمام الزمن.
هذا التباين بين الهويات المتجذّرة وتلك التي تشكّلت في لحظات تاريخية مضطربة يفسّر كثيرًا من التوترات الثقافية في المنطقة. فحين تحاول بعض الخطابات إعادة تعريف التراث أو نسب عناصر منه إلى نفسها، تصطدم بالبنى العميقة التي تشكّلت عبر قرون، وبالذاكرة الجماعية التي لا تُمحى بسهولة. كما أن التداخل بين التأثيرات الاستعمارية والوافدة يجعل من الصعب بناء سردية ثقافية متماسكة دون العودة إلى الجذور التاريخية للمجال المغاربي.
في النهاية، يظهر أن الهويات التي تتأسس على تراكم تاريخي طويل تكون أكثر قدرة على الصمود، بينما الهويات التي تتشكل تحت ضغط اللحظة أو بفعل التدفقات الخارجية تكون أكثر عرضة للتبدل. وهذا ما يجعل دراسة تاريخ المنطقة ضرورة لفهم حاضرها، ولإدراك أن الهوية ليست خطابًا يُصنع، بل بنية تتراكم عبر الزمن.
إقرأ الخبر من مصدره