مباشرة بعد اختتام لقاء المصالحة الذي جمع الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، والملك السعودي فهد بن عبد العزيز رحمهم الله، تقرر أن نعود إلى مقر القمة.
لم يتبق في مكان اللقاء سوى الخيمة التي احتضنت الحدث التاريخي، لذا كنت مطالبا بالعودة إلى المعبر الحدودي للوقوف على ترتيبات إخلاء المكان من خيمة جمعت، قبل ساعات قليلة، قادة ثلاث دول.
توجهت إلى موقع الحدث بعد أن أسدل الليل ستائره، كنت أسعى أيضا إلى أخذ مقاييس الزرابي الرباطية التي كانت في بساط الخيمة، بعد أن أبدى العاهل السعودي إعجابه بها، وقرر الملك الحسن الثاني إهداءه زرابي «رباطية».
من أجل هذه المهمة، كنت مجبرا على التوجه إلى النقطة الحدودية، رفقة زميلي محمد قريب، لاحظنا أن مكان المعبر شبه مظلم، وكلما اقتربنا من النقطة الحدودية تساءلنا عمن سنقابل من أجل إخباره بهويتنا ومهمتنا.
تزاحمت الأسئلة في ذهنينا، وزاد الظلام الدامس الذي يجثم على المكان والصمت البهيم الذي يزيد المكان عزلة. فجأة قررنا أن نوقف محرك السيارة على بعد أمتار من الحدود المظلمة، على أن نواصل التقدم نحو خيمة القمة المنتصبة في منتصف المعبر الحدودي مشيا.
بعد دقائق حصل ما لم يكن متوقعا، داهمت وجوهنا أضواء كاشفة، تخللها صوت جهوري يردد عبارة تحذيرية:
«توقفا وإلا سأطلق النار».
رافق هذا التحذير العسكري الصارم، صوت تعبئة شحنة سلاح من نوع «كلاشنيكوف»، في حالة تأهب.
أمام هول المشهد تراجعنا خطوات إلى الوراء، ونحن نتبادل النظرات دون أن نجرؤ على الكلام، محافظين على هدوئنا ساعيين إلى تجنب فوهات السلاح الموجه نحونا، خاصة وأنني أعلم بأن حرس الحدود لهم قابلية غريبة لإطلاق النار صوب أي كائن متحرك أكان من فصيلة البشر أم من الحيوانات.
شعرت بسيول عرق بارد يتسلل في جسدي، ونحن نعيش موقفا يجعلنا في مواجهة الموت، تسارعت نبضات قلبي والتفتُّ إلى زميلي محمد وهو ينسل نحو السيارة: يا إلهي لقد تركني وحيدا في مواجهة «الكلاشنيكوف»، لا تفصلني عن الموت إلا حركة تلامس الزناد.
تعاملت بهدوء مع هذا الموقف المرعب، حاولت جهد الإمكان ألا أرفع مؤشر الأدرينالين لدى حرس الحدود الجزائريين، فتجاوزت هذا الموقف بأعجوبة وقفلت عائدا إلى سيارتي مؤجلا المهمة إلى الصبح.
في اليوم الموالي عدنا إلى المكان ذاته، لاستكمال المهمة ونحن نستحضر سيناريو الرعب الذي لاحقنا في الليلة الظلماء، والذي لولا الألطاف الربانية لكنا في خبر كان.
على امتداد مهامي في دواليب الدولة، قمت بزيارات عديدة إلى الجزائر، اختلفت أسبابها ومسبباتها، منها زيارات قمت بها على انفراد وأخرى رفقة بعثات من وزارة الداخلية بالخصوص، ما مكنني من التعرف على شخصيات جزائرية، سياسية ودبلوماسية بارزة، تبادلنا معها الزيارات ووجهات النظر.
من بين الشخصيات التي سبق لي التعرف عليها في اللقاءات التي جمعتني بالمسؤولين الجزائريين، خلال المهام المتعددة التي قادتني إلى الجزائر، أذكر:
الحاج يعلى، وزير الداخلية الجزائري الأسبق، والذي شغل مهام وزارية أخرى، في عهد الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد.
الهادي الخضيري، وشغل منصبي وزير الداخلية ومدير للأمن الجزائري.
العربي بلخير السياسي والدبلوماسي الجزائري، شغل منصب مدير ديوان الرئاسة في الجمهورية الجزائرية، وقضى فترة في المغرب بصفته سفيرا للجزائر في الرباط.
كل هذه الشخصيات كانت ودودة ومتعاونة خلال اللقاءات التي جمعتنا بها سواء في الجزائر أو المغرب، خاصة خلال اللقاءات ذات الطابع الأمني.
في أعقاب كل اللقاءات التي جمعتنا بالمسؤولين الجزائريين، كانت تتولد لدي قناعة بأن التواصل والتشاور والتعاون في الميدان الأمني كفيل بتجاوز الخلافات التي تطفو على سطح العلاقات السياسية بين المغرب والجزائر.
هذه القناعة الشخصية تنسجم مع الخطب الملكية التي تجسد سياسة اليد الممدودة، التي تجعل المغرب والجزائر يدا في يد من أجل إقامة علاقات طبيعية، بين شعبين شقيقين تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية ومصير المشترك.
في الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالته يوم 29 يوليوز 2019، وفي خطاب يوم 30 يوليوز 2022، بمناسبة عيد العرش، كانت يد المغرب ممدودة لبناء جسور مستقبل المغرب والجزائر.
هذه الرؤية الملكية السديدة كانت حاضرة دوما في كل اللقاءات التي جمعتنا بالمسؤولين الجزائريين، بالرغم من المطبات التي عبرت منها العلاقات المغربية- الجزائرية.



