أخر المستجدات

الأكثر قراءة

الرئيسيةفن و ثقافةقراءة في كتاب: “البرهان في حاكمية القرآن: نسق ثالث في أصول الفقه”...

قراءة في كتاب: “البرهان في حاكمية القرآن: نسق ثالث في أصول الفقه” للدكتور عبد الرحمن القاطي

بقلم : ذ.حمزة الحساني

  • المبحث الأول: التعريف بالكتاب وصاحبه

 أولاً: التعريف بالمؤلف

الدكتور عبد الرحمن القاطي أستاذ جامعي بكلية أصول الدين-جامعة عبد المالك السعدي، باحث مغربي معاصر، ينتمي إلى جيل من الباحثين الذين سعوا إلى إعادة قراءة التراث الأصولي الإسلامي قراءة نقدية تجديدية، مستفيدين من أدوات المعرفة المعاصرة ومن التراكم المعرفي الذي أنتجته العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، مع الحرص على عدم الانفصال عن الجذور المعرفية الإسلامية. ويتميز القاطي بخلفية علمية تجمع بين التكوين الشرعي التقليدي والاطلاع على المناهج الحديثة في فلسفة القانون ونظرية المعرفة والمنطق واللسانيات، وهو ما انعكس بوضوح على مشروعه الذي يقدمه في هذا الكتاب.

ثانياً: التعريف بالكتاب

يُعدّ كتاب “البرهان في حاكمية القرآن” مشروعاً علمياً طموحاً يروم تأسيس ما أسماه المؤلف “النسق الثالث” في علم أصول الفقه، وهو نسق يتجاوز — في تصوره — النسقين التاريخيين المعروفين: (نسق الجمهور) ونسق (ابن حزم)، ليؤسس نسقاً جديداً يضع القرآن الكريم في موضع الحاكمية المطلقة على كل مصادر التشريع ومناهج الاستنباط، ويعيد بناء المنظومة الأصولية بأكملها انطلاقاً من هذا المبدأ المركزي.

والعنوان نفسه يحمل دلالات عميقة تستحق التأمل:

“البرهان”: استلهام واعٍ من “البرهان” لإمام الحرمين الجويني، مع إرادة التجاوز والتأسيس الجديد، وإشارة إلى المنهج البرهاني اليقيني في مقابل المنهج الجدلي أو الخطابي.

“حاكمية القرآن”: المبدأ المركزي الذي يقوم عليه الكتاب كله، وهو أن القرآن حاكم على ما سواه من المصادر لا محكوم بها.

“نسق ثالث”: الإعلان الصريح عن إرادة التجاوز وبناء بديل معرفي جديد.

  • المبحث الثاني: الإشكالية المركزية والسياق المعرفي

أولاً: الإشكالية المركزية

ينطلق الدكتور القاطي من إشكالية مركزية مفادها: أن علم أصول الفقه، كما تبلور تاريخياً في النسقين المعروفين (نسق الجمهور ونسق ابن حزم)، لم يمنح القرآن الكريم المكانة الحاكمة التي يستحقها بوصفه كلام الله المنزّل والمصدر الأعلى للتشريع، بل إن الممارسة الأصولية التاريخية — في نظره — قد أدت عملياً إلى ما يمكن تسميته بـ”تهميش فعلي” للقرآن لصالح مصادر أخرى، وخاصة السنة النبوية كما تم تدوينها وتصنيفها، وكذلك لصالح آليات اجتهادية (كالقياس والإجماع والاستحسان وغيرها) اكتسبت استقلالية عملية عن النص القرآني.

ويُفصّل أستاذنا القاطي هذه الإشكالية في عدة مستويات:

  • المستوى الأول: مستوى الترتيب النظري للأدلة

يرى القاطي أن الأصوليين، وإن رتّبوا الأدلة نظرياً بوضع القرآن في المرتبة الأولى، إلا أن هذا الترتيب ظل في كثير من الأحيان ترتيباً شكلياً لا يُترجم إلى ممارسة منهجية فعلية، إذ سرعان ما تتقدم أدلة أخرى على القرآن في مواضع كثيرة من الاستنباط الفعلي.

  • المستوى الثاني: مستوى العلاقة بين القرآن والسنة

يرى أن نظرية “النسخ” و”التخصيص” و”التقييد” كما طُبّقت تاريخياً أدت إلى أن تصبح السنة — في مواضع كثيرة — حاكمة على القرآن لا محكومة به، وهو ما يُخالف — في نظره — المبدأ القرآني الذي يجعل الكتاب “مهيمناً” على ما سواه.

  • المستوى الثالث: مستوى البنية المنهجية

يرى أن البنية المنهجية لعلم الأصول تأثرت بالمنطق الأرسطي والكلام الاعتزالي والأشعري أكثر مما تأثرت بالمنهج القرآني نفسه في بناء الأحكام وتقريرها.

ثانياً: السياق المعرفي للكتاب

لا يمكن فهم مشروع الأستاذ القاطي بمعزل عن السياق الفكري والمعرفي الذي يندرج فيه، وهو سياق متعدد الأبعاد:

  • سياق المراجعات الأصولية المعاصرة:

ظهرت في العقود الأخيرة محاولات متعددة لمراجعة علم أصول الفقه وتجديده، تتراوح بين الإصلاح من الداخل (كمحاولات الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في “مقاصد الشريعة”، وعلال الفاسي، وأحمد الريسوني) والنقد الجذري من الخارج (كمحاولات محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وعبد المجيد الشرفي). ويبدو أن القاطي يحاول أن يشق طريقاً ثالثاً بين هذين الاتجاهين: تجديد جذري لكنه من داخل المنظومة الإسلامية لا من خارجها.

  • سياق الدراسات القرآنية المعاصرة:

شهد الفكر الإسلامي المعاصر اهتماماً متزايداً بإعادة اكتشاف “المنهج القرآني” بوصفه منهجاً معرفياً مستقلاً، كما في أعمال الشهيد محمد باقر الصدر (المدرسة القرآنية)، وطه عبد الرحمن (روح الحداثة)، وفريد الأنصاري (المصطلح الأصولي)، وغيرهم.

  • سياق فلسفة القانون المعاصرة:

تستفيد بعض أدوات التحليل التي يستخدمها القاطي من نظريات فلسفة القانون المعاصرة، وخاصة نظريات التدرج التشريعي (كنظرية هانس كلسن في تدرج القواعد القانونية) التي تضع “القاعدة الأساسية” (Grundnorm) في قمة الهرم التشريعي بوصفها حاكمة على ما دونها.

  • المبحث الثالث: البنية العامة للكتاب ومحتوياته

 أولاً: المقدمات التأسيسية

يُخصص القاطي جزءاً مهماً من كتابه للمقدمات التأسيسية التي يُؤسس عليها مشروعه، وهي مقدمات ذات طبيعة إبستمولوجية (معرفية) أكثر منها فقهية بالمعنى التقليدي. ويمكن إجمال أهم هذه المقدمات فيما يلي:

المقدمة الأولى: في طبيعة القرآن ومرجعيته

يؤسس القاطي لمفهوم “الحاكمية القرآنية” من خلال استقراء الآيات التي تصف القرآن بأوصاف تدل على علوه وهيمنته على ما سواه، من مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]، وقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89].

ويخلص من هذا الاستقراء إلى أن القرآن يُقدم نفسه بوصفه المرجعية العليا والحاكمة التي لا يصح أن تُحكم بغيرها أو أن تُعارَض أو تُنسخ بما هو دونها.

المقدمة الثانية: في نقد النسقين التاريخيين

يقدم المؤلف الدكتور القاطي قراءة نقدية مفصلة للنسقين الأصوليين المعروفين:

  • نسق الجمهور.
  • نسق ابن حزم.

إذ يقول: “أقصد بالنسقين؛ نسق الجمهور (يضم الشافعية والحنفية حين ربطا الوجوب بدلالة الإشارة ) ونسق ابن حزم  حين توسع في الإيجاب من باب الرواية، أي باعتماد القول خارج القرآن بحيث كان حريصا على أن يكون برهانيا في الدلالة لكن لم يكن كذلك في الأدلة (أخبار الآحاد ليس لأنها ظنية فحسب؛ وإنما لأنها قول خارج القرآن لا يحتاج اليه في الوجوب الديني أصلا ).

المقدمة الثالثة: في ضرورة النسق الثالث

يُبرر أستاذنا القاطي الحاجة إلى نسق ثالث بأن النسقين التاريخيين، رغم إسهاماتهما الكبرى، قد استنفدا طاقتهما التجديدية، وأن الإصلاح الجزئي من داخلهما لم يعد كافياً لمعالجة الإشكاليات الكبرى التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر، وأن المطلوب هو إعادة بناء شاملة للمنظومة الأصولية من أساسها، وأن هذا الأساس لا يمكن أن يكون إلا القرآن الكريم نفسه.

 ثانياً: الأسس النظرية للنسق الثالث

يُقدم الدكتور القاطي مجموعة من الأسس النظرية التي يقوم عليها نسقه المقترح، ويمكن إجمالها في المحاور التالية:

  • مبدأ الحاكمية القرآنية المطلقة:

وهو المبدأ الذي يعني أن القرآن الكريم هو المصدر الأعلى والحاكم على جميع المصادر الأخرى بلا استثناء. وينتج عن هذا المبدأ عدة نتائج منهجية:

– لا يجوز نسخ القرآن بالسنة الآحادية ولا بالإجماع.

–  لا يجوز تخصيص القرآن بما يُفضي إلى تعطيل مقاصده.

–  يجب عرض جميع الأحاديث والأخبار على القرآن، فما وافقه قُبل وما خالفه رُدّ أو أُوّل.

–  الإجماع والقياس والاستحسان وسائر الأدلة التبعية يجب أن تُقيّد بالإطار القرآني ولا تخرج عنه.

  • مبدأ الاستقلال المنهجي للقرآن:

يرى الدكتور القاطي أن القرآن يحمل منهجه الخاص في البيان والتشريع والاستدلال، وأن هذا المنهج يختلف جوهرياً عن المنهج الأرسطي الذي تأثر به الأصوليون القدامى. ومن خصائص هذا المنهج القرآني:

– الشمولية: القرآن يتعامل مع الإنسان بوصفه كلاً متكاملاً (عقلاً وقلباً وسلوكاً)، ولا يفصل بين الأبعاد المختلفة كما يفعل المنطق الصوري.

– التدرج: القرآن يُشرّع بالتدرج ويراعي السياقات والظروف.

– المقاصدية: القرآن يربط الأحكام بعللها ومقاصدها ربطاً وثيقاً.

– الواقعية: القرآن يُراعي الواقع الإنساني ولا يُغفله.

  • مبدأ إعادة ترتيب الأدلة:

يقترح القاطي إعادة ترتيب الأدلة الشرعية وفق مبدأ الحاكمية القرآنية، بحيث يكون الترتيب كالتالي:

–  القرآن الكريم: المرجعية العليا والحاكمة.

–  السنة النبوية المتواترة: بوصفها بياناً عمليا قطعياً للقرآن.

–  السنة النبوية الصحيحة غير المتواترة: بوصفها بياناً ظنياً يُقبل ما وافق القرآن منه.

– المقاصد القرآنية الكلية: بوصفها إطاراً حاكماً على الاجتهاد.

–  الإجماع والقياس وسائر الأدلة: بوصفها أدوات اجتهادية مقيدة بالإطار القرآني.

ثالثاً: التطبيقات والنماذج

لا يكتفي القاطي بالتنظير المجرد، بل يُقدم مجموعة من التطبيقات العملية التي يُوظّف فيها نسقه المقترح في معالجة قضايا أصولية وفقهية، ومن أبرز هذه التطبيقات:

  • مسألة نسخ القرآن بالسنة:

يُعيد القاطي النظر في هذه المسألة من أساسها، ويرفض القول بجواز نسخ القرآن بالسنة (سواء المتواترة أو الآحادية)، مستنداً إلى مبدأ الحاكمية القرآنية، ويُعيد قراءة الأمثلة التي استُدل بها تاريخياً على وقوع هذا النسخ (كمسألة الرجم ومسألة الوصية للوارث وغيرها)، ويقترح تفسيرات بديلة لها لا تستلزم القول بالنسخ.

  • مسألة العلاقة بين المحكم والمتشابه:

يقترح القاطي فهماً جديداً للعلاقة بين المحكم والمتشابه في القرآن، يرى فيه أن “المحكم” هو الإطار المرجعي الكلي الذي يُرد إليه “المتشابه”، وأن هذا المبدأ ينبغي أن يُطبق ليس فقط في التفسير بل أيضاً في الاستنباط الأصولي.

  • مسائل فقهية معاصرة:

يُقدم القاطي نماذج من معالجة بعض المسائل الفقهية المعاصرة (في مجالات الأحوال الشخصية والمعاملات المالية وغيرها) وفق منهجه المقترح، ليُبين كيف يمكن أن يُفضي النسق الثالث إلى نتائج مختلفة عن تلك التي أفضى إليها النسقان التاريخيان.

  • المبحث الرابع: المنهج المتبع في الكتاب

أولاً: المنهج الاستقرائي النقدي

يعتمد القاطي منهجاً استقرائياً نقدياً يقوم على:

  • استقراء النصوص القرآنية:

يقوم باستقراء واسع للآيات القرآنية المتعلقة بموضوعات أصولية مركزية (كالتشريع والاجتهاد والاتباع والحكم والفتوى)، ويُحلل هذه الآيات تحليلاً دقيقاً للوصول إلى “المنهج القرآني” في هذه الموضوعات.

  • استقراء التراث الأصولي:

يقوم باستقراء واسع للمدونة الأصولية التراثية، مستعرضاً أقوال الأصوليين من مختلف المذاهب والاتجاهات، ومُبيناً مواطن الاتفاق والاختلاف بينهم، ومُقيّماً مدى اتساق كل قول مع المبدأ القرآني كما يفهمه.

  • النقد المنهجي:

يُمارس نقداً منهجياً للتراث الأصولي، لا بالرفض المطلق ولا بالقبول المطلق، بل بالتمييز بين ما هو متسق مع الحاكمية القرآنية وما ليس كذلك.

ثانياً: المنهج المقارن

يستخدم القاطي المنهج المقارن على مستويات متعددة:

–  المقارنة بين النسقين التاريخيين (نسق ابن حزم ونسق الجمهور).

–  المقارنة بين النسقين التاريخيين والنسق المقترح.

–  المقارنة بين المنهج القرآني والمناهج المعرفية الأخرى (المنطق الأرسطي، المنهج الكلامي، المنهج الصوفي).

ثالثاً: المنهج التحليلي البنيوي

يتعامل القاطي مع النسق الأصولي بوصفه بنية متكاملة ذات عناصر مترابطة، ويُحلل العلاقات بين هذه العناصر ويُبين كيف أن تغيير عنصر واحد (كمبدأ الحاكمية) يؤدي بالضرورة إلى تغيير البنية كلها.

  • المبحث الخامس: الإضافات العلمية والمزايا

أولاً: على مستوى الإشكالية

  • طرح إشكالية أصيلة:

يتميز الكتاب بطرح إشكالية أصيلة وجريئة، وهي مسألة العلاقة بين القرآن وعلم الأصول من حيث الحاكمية والمرجعية. وهذه الإشكالية، وإن كانت لها جذور في التراث (كما عند ابن حزم والشاطبي وابن تيمية وغيرهم)، إلا أن القاطي يُقدمها بصياغة جديدة ومنهجية أكثر تماسكاً وشمولاً.

  • تجاوز ثنائية التقليد والتغريب:

يتميز الكتاب بمحاولة تجاوز الثنائية المعهودة في الفكر الإسلامي المعاصر بين “التقليد” (أي القبول غير النقدي للتراث) و”التغريب” (أي استيراد المناهج الغربية وتطبيقها على التراث الإسلامي)، وذلك من خلال تقديم بديل ينطلق من القرآن نفسه بوصفه مصدراً منهجياً وليس مجرد مصدر تشريعي.

ثانياً: على مستوى المنهج

  • المنهجية النسقية:

يتميز الكتاب بمحاولة بناء “نسق” متكامل لا مجرد ملاحظات متفرقة أو إصلاحات جزئية. وهذه المنهجية النسقية تُعطي المشروع قوة نظرية وتماسكاً داخلياً يفتقر إليهما كثير من المحاولات التجديدية المعاصرة التي تبقى في حدود المعالجات الجزئية.

  • الجمع بين النظري والتطبيقي:

لا يكتفي الكتاب بالتنظير المجرد بل يُقدم تطبيقات عملية تُوضح كيفية عمل النسق المقترح في معالجة القضايا الفقهية، وهذا يُكسب المشروع مصداقية عملية إلى جانب القوة النظرية.

  • العمق المعرفي:

يتميز الكتاب بعمق معرفي واضح، حيث يكشف عن اطلاع واسع على التراث الأصولي بمختلف مدارسه ومذاهبه، وعلى الدراسات المعاصرة في مجالات متعددة (أصول الفقه، علوم القرآن، الفلسفة، المنطق، اللسانيات، فلسفة القانون).

ثالثاً: على مستوى المضمون

  • إعادة تأصيل مفهوم الحاكمية:

يُقدم الكتاب مفهوماً جديداً ومنضبطاً للحاكمية، يختلف عن المفهوم السياسي الذي شاع في الأدبيات الإسلامية المعاصرة (خاصة عند أبي الأعلى المودودي وسيد قطب). فالحاكمية عند القاطي حاكمية معرفية ومنهجية، تتعلق بمرجعية القرآن في بناء المنظومة الأصولية والفقهية، وليست حاكمية سياسية بالمعنى الذي شاع في الأدبيات الحركية.

  • نقد مفهوم النسخ:

يُقدم الكتاب مراجعة نقدية معمقة لمفهوم النسخ في التراث الأصولي، وخاصة مسألة نسخ القرآن بالسنة، ويُبين التناقضات والإشكاليات التي يُثيرها هذا المفهوم في ضوء مبدأ الحاكمية القرآنية. وهذه المراجعة تستفيد من جهود سابقة (كجهود الشيخ محمد الغزالي وأحمد حجازي السقا وغيرهما) لكنها تتجاوزها بوضعها في إطار نسقي أشمل.

  • إعادة بناء العلاقة بين القرآن والسنة:

يُقدم الكتاب تصوراً جديداً للعلاقة بين القرآن والسنة، يقوم على مبدأ “البيان” لا “الاستقلال”، بمعنى أن السنة بيان للقرآن وتفصيل لمجمله وتطبيق لكلياته، وليست مصدراً مستقلاً يمكن أن يُعارض القرآن أو يُقيّده أو يُنسخه. وهذا التصور، وإن كان له جذور في التراث (خاصة عند الشافعي نفسه في “الرسالة”)، إلا أن القاطي يُطوره ويُعمّقه ويستخلص منه نتائج منهجية جديدة.

  • اقتراح قواعد أصولية جديدة:

يقترح القاطي مجموعة من القواعد الأصولية الجديدة المستمدة من القرآن مباشرة، والتي تُكمّل أو تُعدّل القواعد التقليدية. ومن أبرز هذه القواعد:

  • “ما خالف القرآن فهو مردود” (وهي توسيع لحديث “ما بلغكم عني فاعرضوه على كتاب الله”).
  • “المحكم أصل والمتشابه فرع، والفرع يُرد إلى الأصل لا العكس”
  • “الكليات القرآنية حاكمة على الجزئيات المروية”
  • “الأصل في القرآن العموم والإحكام حتى يثبت التخصيص بدليل قطعي”
  • المبحث السادس: موقع الكتاب في خريطة التجديد الأصولي المعاصر

أولاً: مقارنة مع المشاريع التجديدية الأخرى

يتميز مشروع القاطي عن المشاريع التجديدية الأصولية الأخرى في عدة نقاط:

  • بالمقارنة مع المشروع المقاصدي (ابن عاشور، الريسوني، وغيرهما):

يتفق القاطي مع المقاصديين في التأكيد على أهمية المقاصد في فهم التشريع الإسلامي، لكنه يختلف عنهم في أنه يجعل المقاصد تابعة للقرآن ومستمدة منه مباشرة، في حين أن المقاصديين يستمدون المقاصد من مجموع النصوص الشرعية (قرآناً وسنة) بل ومن الاستقراء العقلي أيضاً. كما أن مشروع القاطي أوسع من المشروع المقاصدي لأنه يُعيد بناء المنظومة الأصولية كلها لا مجرد إضافة البعد المقاصدي إليها.

  • بالمقارنة مع المشروع النقدي (أركون، أبو زيد، وغيرهما):

يختلف القاطي جذرياً عن أصحاب المشروع النقدي الحداثي في أنه ينطلق من الإيمان بقداسة القرآن وحاكميته، في حين ينطلق هؤلاء من مناهج مباينة تتعامل مع النص القرآني بوصفه نصاً تاريخياً خاضعاً للنقد. كما يختلف عنهم في الأدوات المنهجية المستخدمة وفي الغايات المتوخاة.

  • بالمقارنة مع المشروع الإحيائي التراثي (الألباني، ابن باز، وغيرهما):

يختلف القاطي عن أصحاب الاتجاه السلفي التقليدي في أنه لا يكتفي بالعودة إلى التراث كما هو بل يُعيد قراءته وبناءه، وفي أنه يُخضع السنة والتراث الأصولي لمعيار الحاكمية القرآنية الذي قد يُؤدي إلى رفض بعض ما قبله هؤلاء.

  • بالمقارنة مع مشروع طه عبد الرحمن:

ثمة تقاطعات مهمة بين مشروع القاطي ومشروع طه عبد الرحمن، خاصة في التأكيد على استقلالية المنهج الإسلامي عن المنهج الغربي، وفي السعي إلى بناء نسق معرفي إسلامي أصيل. لكن القاطي أكثر تركيزاً على الجانب الأصولي الفقهي، في حين أن طه عبد الرحمن أكثر اهتماماً بالجانب الفلسفي والأخلاقي.

ثانياً: الأثر والاستقبال

يُعد كتاب “البرهان في حاكمية القرآن” من الكتب التي أثارت نقاشاً علمياً في الأوساط الأكاديمية، خاصة في المغرب العربي، حيث حظي باهتمام من المشتغلين بالدراسات الأصولية والقرآنية. وقد تراوحت ردود الفعل بين الإعجاب بجرأة المشروع وأصالته، والتحفظ على بعض نتائجه ومقدماته. وتبقى قيمة الكتاب — بصرف النظر عن الموافقة أو المخالفة — في أنه يطرح أسئلة جوهرية تستحق النقاش العلمي الجاد.

  • المبحث السابع: تقييم شامل وخلاصات

نقاط القوة بالكتاب التي تعطيه حظوة الصدارة:

  • الأصالة والجرأة: يُقدم الكتاب مشروعاً أصيلاً وجريئاً يتجاوز الترقيع والإصلاح الجزئي إلى محاولة إعادة بناء شاملة.
  • العمق المعرفي: يكشف الكتاب عن ثقافة واسعة ومتنوعة واطلاع معمق على التراث الأصولي والدراسات المعاصرة.
  • المنهجية النسقية: محاولة بناء نسق متكامل تُعطي المشروع قوة نظرية وتماسكاً.
  • الالتزام بالمرجعية القرآنية: ينطلق المشروع من القرآن نفسه ويعود إليه، وهو ما يُعطيه شرعية دينية ومعرفية.
  • إثارة أسئلة جوهرية: حتى من لا يتفق مع نتائج الكتاب لا بد أن يعترف بأهمية الأسئلة التي يطرحها.
  • التوازن بين النقد والبناء: لا يكتفي الكتاب بنقد التراث بل يُقدم بديلاً بنائياً.

خلاصات عامة:

  • كتاب “البرهان في حاكمية القرآن” يُمثل إضافة علمية مهمة إلى المكتبة الأصولية المعاصرة، ومحاولة جادة لتجديد علم أصول الفقه من داخل المنظومة الإسلامية.
  • المشروع الذي يُقدمه القاطي مشروع طموح وأصيل، لكنه يحتاج إلى مزيد من التطوير والتعميق والتطبيق ليكتمل ويُقنع، ولعل ذلك يقع بنجل الكتاب: الحركة الإسلامية وحتمية المراجعات الكبرى.
  • الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب — وهي مسألة العلاقة بين القرآن وعلم الأصول من حيث الحاكمية والمرجعية — هي إشكالية حقيقية وجوهرية تستحق اهتمام الباحثين والدارسين.
  • الكتاب يفتح آفاقاً بحثية واسعة ويطرح أسئلة تستحق مزيداً من البحث والدراسة، سواء في مجال أصول الفقه أو في مجال الدراسات القرآنية أو في مجال الفكر الإسلامي المعاصر عموماً.
  • القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في الإجابات التي يُقدمها، بل أيضاً — وربما بشكل أكبر — في الأسئلة التي يطرحها والنقاشات التي يُثيرها. فكل مشروع فكري جاد يُقاس بمدى قدرته على تحريك الماء الراكد وإثارة التفكير والنقاش، وكتاب أستاذنا القاطي ينجح في ذلك إلى حد كبير.
  • المبحث الثامن: آفاق بحثية مفتوحة

يفتح كتاب القاطي عدة آفاق بحثية تستحق الاستكمال والتعميق:

  • دراسة تفصيلية للقواعد الأصولية في ضوء الحاكمية القرآنية: أي مراجعة كل قاعدة أصولية على حدة في ضوء المبدأ الذي يقترحه القاطي، وبيان ما يُقبل منها وما يُعدّل وما يُرفض.
  • تطبيقات فقهية موسعة: تطبيق النسق المقترح على مختلف أبواب الفقه الإسلامي لبيان النتائج العملية التي يُفضي إليها.
  • دراسة مقارنة مع المشاريع التجديدية الأخرى: دراسة أكاديمية معمقة تُقارن بين مشروع القاطي والمشاريع التجديدية الأخرى في مجال أصول الفقه.
  • دراسة في المنهج القرآني: بحث تفصيلي في خصائص “المنهج القرآني” كما يراه القاطي، مع تحديد دقيق لقواعده وآلياته وإجراءاته.
  • دراسة في تاريخ العلاقة بين القرآن وعلم الأصول: بحث تاريخي يتتبع تطور مكانة القرآن في المنظومة الأصولية عبر القرون، ويُبين العوامل التي أدت إلى تقوية هذه المكانة أو إضعافها.
  • دراسة في إشكالية النسخ: بحث معمق في مفهوم النسخ في ضوء الحاكمية القرآنية، مع معالجة تفصيلية لجميع الأمثلة المعروفة.
  • الحوار مع العلوم الإنسانية المعاصرة: استكشاف إمكانيات الحوار بين النسق الأصولي الذي يقترحه القاطي والنظريات المعاصرة في فلسفة القانون واللسانيات والتأويلية وغيرها.
  • خاتمة

إن كتاب “البرهان في حاكمية القرآن: نسق ثالث في أصول الفقه” للدكتور عبد الرحمن القاطي يُمثل مساهمة فكرية جادة في حقل الدراسات الأصولية المعاصرة. وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحته المركزية ونتائجها التفصيلية، فإن الكتاب يستحق القراءة المتأنية والنقاش العلمي الجاد، لأنه يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل علم أصول الفقه ومدى قدرته على الاستجابة لتحديات العصر مع البقاء وفياً لمرجعيته القرآنية العليا.

والكتاب — في نهاية المطاف — دعوة مفتوحة للحوار العلمي الرصين حول واحدة من أهم القضايا المعرفية في الفكر الإسلامي المعاصر: كيف نُعيد بناء علاقتنا بالقرآن الكريم بوصفه مصدراً معرفياً ومنهجياً وتشريعياً، لا مجرد مصدر تبركي أو ترتيلي؟ وهو سؤال يستحق أن يُفرد له من الجهد البحثي والعلمي ما يتناسب مع خطورته وأهميته.

والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل: ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن یُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصۡدِیقَ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَتَفۡصِیلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا رَیۡبَ فِیهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [يونس 37]

***

ظهرت المقالة قراءة في كتاب: “البرهان في حاكمية القرآن: نسق ثالث في أصول الفقه” للدكتور عبد الرحمن القاطي أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.

إقرأ الخبر من مصدره

مقالات ذات صلة