Auteur/autrice : العمق

  • الصحة العامّة بين المصائب الصامتة والكوارث الصائتة

    عبد العزيز غياتي

    غداة كلّ حادثة سير طرقية دوّى صداها ألما، و أسالت الغزير من المداد كمدا، وخلّفت عددا كبيرا من القتلى والجرحى والمعاقين، يخطر ببالي ما لا أستطيع له دفعا مشهد أمراض العصر المزمنة من قبيل السكري وارتفاع الضغط الدموي، والقصور الكلوي المزمن، والسرطان والأمراض العقليّة ومرض السمنة التي تخلّف بدورها ضحايا، وفيات ومعاقين، فدعوني أشارككم هذه الخاطرة مكتوبة أسود على أبيض، ولنحاول مقاربة الموضوع ومقارنة الصورتين من حيث الأسباب والتكلفة الاقتصادية والاجتماعيّة، والصدى الإعلامي وتفاعل الرأي العام وفعل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

    إذا كانت حوادث السّير تخلّف سنويا 3500 وفاة و 10000 إصابة خطيرة وتكلّف البلاد 19,5 مليار درهم فإن عدد الوفيات التي يكون فيها مرض السكري سببا مباشرا يصل إلى 12 ألف سنويا، بالإضافة إلى 32 ألف حالة وفاة بمضاعفات السكري أو بعوامل مصاحبة له، مع العلم أنّ داء السكري هو المسبّب الأول للقصور الكلوي والمسبّب الأول لأمراض القلب والشرايين والمسبّب الأول للعمى والمسبّب الأول لبتر الأطراف السفلية، والطامّة الكبرى هي أنّ نصف المصابين بهذا الداء يجهلون أنّهم مصابون به، أمّا القاتل الصامت وهو الإسم الذي يطلق على ارتفاع الضغط الدموي فيعدّ من الأسباب الرئيسية لأمراض القلب والشرايين، والسبب الأول للوفيات في العالم بنسبة 16.5٪، وتصل نسبة انتشاره في المغرب بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 18 سنة إلى 29.3٪، و 69.3٪ لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 70 سنة، في حين تبلغ نسبة المصابين بأمراض الكلي المزمنة 2.9٪ من السكان البالغين، وأسبابه الرئيسية هي مرض السكري، وارتفاع ضغط الدموي، إساءة استخدام النباتات الطبية، الإفراط في استخدام الأدوية المسكنة، والتدخين، كما يشار إلى السمنة كأحد عوامل الخطر الرئيسية لظهور مرض الكلى المزمن بنسبة 23.2٪، ويلاحظ أنّ عدد مرضى الكلى المزمن يزداد كل سنة وكذلك عدد الوفيات المرتبطة به، حيث سيصبح السبب الرئيسي الخامس للوفاة بحلول عام 2040، وقد تبلغ التكلفة السنوية للمريض الواحد 122400 درهم.

    حسب منظمة الصحة العالمية يخلّف مرض السرطان 32962 وفاة، ويسجّل 40.000 إصابة جديدة كلّ سنة، ومن بين أهمّ أسبابه يمكن ذكر: تناول الكحول، التدخين؛ حيث تحتوي السيجارة الواحدة على أكثر من 60 مادة مسرطنة، تلوث الهواء بالمواد المنبعثة من المصانع، العيش أو العمل في بيئة ملوثة بالمواد الكيميائية، السمنة والخمول، و وفقا لمعطيات رسمية يعاني 40% من المغاربة الذين تفوق أعمارهم 15 عاما من أمراض نفسية وعقلية، أي أكثر من 9 ملايين ونصف، ويضطر أغلب المرضى إلى متابعة العلاج لدى طبيب نفسي خاص، على الرغم من قلتهم وتمركزهم في المدن الكبيرة، بسبب النقص الكبير الذي يعاني منه القطاع العام، الأمر الذي يثقل كاهله بتكلفة ثقيلة وبالتالي يكلّف البلاد ثمنا باهضا سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي، أما بخصوص السمنة فقد كشفت معطيات صادرة عن وزارة الصحة أن 20% من المغاربة يعانون من السمنة المفرطة، وترتبط بعدّة أسباب أهمها العادات الغذائية السيئة والإفراط في تناول الوجبات السريعة والمشروبات الغازية، التدخين، إدمان الكحول، نمط الحياة الخامل وقلة ممارسة الرياضة، ويمكن أن تتسبّب السمنة في عدّة أمراض أهمّها؛ ارتفاع الضغط الدموي وأمراض القلب والشرايين، داء السكري، السكتة الدماغية والاكتئاب.

    هكذا يتضح أن سداسي الأمراض المزمنة يخلّف من الوفيات والمعطوبين والتكاليف الاقتصادية والاجتماعية أضعاف ما تخلّفه حوادث السير، وعلى الرغم من ذلك يحظى باهتمام رسمي وجمعوي وإعلامي وشعبي أقلّ، بل يحظى بتدابير وقائيّة وعقوبات زجرية أخف وأوهن، فالسير والجولان مترّس بقانون السير الصّارم يحرسه ويحرص على حسن تطبيقه الدرك الملكي والشرطة ورجال مراقبة الطرق، ويؤازره الحسّ المجتمعي المرهف أمام الصورة الإعلامية التي تستثمر لون الدم الأحمر القاني وعدد الضحايا المرتفع في لحظة ما وفي مكان معيّن، وقد يصل المخالفون إلى درجة الزجر بواسطة المحاكم، أما الصّحة العامة فتشوبها عدّة شوائب على الرغم من المجهود التي تبذله السلطات المختصّة والمجتمع المدني، هذه الشّوائب يمكن اختصارها في ما يرتبط بالثلاثي؛ الغذاء – الدواء – التلوث، المشترك بين كلّ مسبّبات الأمراض، ويمكن التقاطها كصور لا تخطئها العين المجرّدة، وذلك من خلال جولة سريعة في المجتمع.

    ففي السوق الأسبوعي؛ خضر وفواكه تُرى على وجهها المبيدات ظاهرة، حلويات عسلية معروضة في الهواء الطلق، لحوم الخرفان والدجاج والديك الرومي تحت الشمس والحرارة والغبار تقطّع على طاولات خشبية متّسخة، أسماك مقلية ولحوم مشوية و وجبات سريعة معدّة للاستهلاك يُجهل مصدرها وأين خزّنت وكيف أعدّت، تُعرض بدون حائل يحميها من الغبار والحشرات، معالج يدّعي مهارات أو كرامات كلّ أسبوع وبمكبّر الصّوت لعلاج العمى والصمم والروماتيزم وأمراض الكلى والأمراض الجلديّة والعقم والبواسير والبرص، ويبيع أدوية يعترف أمام الملأ أنّها دخلت من الخارج عن طريق دولة شقيقة، وآخر يبيع خلطة أعشاب جاهزة لعلاج غازات الأمعاء وحرقة المعدة، وآخر يعالج ويقتلع الأسنان في عين المكان، وبالتالي فقد تُرك لهذه الفئة من رواد الأسواق الحبل على الغارب، وأمام المؤسسات التعليمية عربات تبيع المقليات المعلبة والمشروبات غير الغازية المعلبة في عبوات من البلاستيك، وتبيع حلويات وسجائر بالتقسيط وربما مخدرات، وعربات خاصة بالحلويات والمثلجات يُجهل مصدرها ولا أين وبماذا وكيف أعدّت معرضة لدخان السيارات وغبار الشوارع وأيدي الزبائن والفضوليين، أمّا التربية البدنية فتسائل الدولة عن مدى الاهتمام الذي توليه لها سواء في إطار منظومة التعليم أوخارجها، وبالتالي كم عدد الأحياء السكنية والمؤسسات التعليمية الخاصّة التي تتوفر على فضاء مناسب لممارسة التربية البدنية؟

    أمام المقاهي وفي زوايا الشوارع عربات تبيع أكلات خفيفة من النقانق والدجاج المشوي والحلزون و(صيكوك) بدون أدنى شروط الصحة والسلامة، ولا أدري كيف يستطيع البائع أن يعدّ الطعام ويصافح من أجل السلام ويأخذ ويعيد ماتبقى من دراهم للزبائن الكرام ويذهب لقضاء حاجته خلف الحيطان دون أن يكون في حاجة إلى كمية كبيرة من الماء لغسل يديه باستمرار وبصفة متكررة؟ وأمام الملأ تُباع الخمور للمسلمين في خرق سافر للقانون من قبل محلّات مرخّصة تتواجد بوسط سكني يطرح التساؤل حول نسبة غير المسلمين به، ومياه عادمة وصناعية ملوثة تجري لتصب في الأنهار أو في الخلاء الطلق بالقرب من الساكنة بكلّ أريحية، وقد يستعملها البعض لريّ الحقول بكلّ حرية، و أزبال تُطرح بمطارح تقض مضجع المواطنين خاصة حين تشتعل فيها النيران بالليل، فكم نسبة التلوث التي تسري في الماء والتربة والهواء بالمجان والتي يمكن تجنبها بإرادة متواضعة وإمكانيات متوفرة؟

    من خلال هذه الصور المزمنة والمتكررة لعشرات السنين يستطيع المرء الجزم أن الدولة لا تهتم كما ينبغي بنمط عيش المواطن ولا بكلّ ما يستهلكه وبذلك تتسرب إلى مائدته المسمّمات البطيئة والمسرطنات الملونة والدّهون الزائدة، وتلكم مصائب صامتة تنخر جسم الصحة العامة وتستنفد مقدرات البلاد على مهل وبدون ضجيج.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مراقبة تصدير واستيراد السلع دات الاستعمال المزدوج

    خالد شهيم

    صدر حديثا المرسوم رقم 2.21.346 بتاريخ 21 يوليوز 2022 بتطبيق القانون رقم 42.18 المتعلق بمراقبة تصدير واستيراد السلع ذات الاستعمال المزدوج المدني والعسكري والخدمات المتصلة بها.

    ورغم أن هذا المرسوم قد صدر حديثا، إلا أنه لم ينتبه إلى ضرورة تعديل عبارة “المناطق الحرة” التي ظلت واردة في التعريف المشار إليه عند النقطة الخامسة من المادة الثانية من القانون رقم 42.18 والذي لم ينتبه بدوره هو الآخر لهذا الأمر المستجد بموجب مقتضيات قانون المالية لسنة 2020 اعتبارا لكون قانون المالية رقم 70.19 للسنة المالية 2020 الذي جاء بالتعديلات قد حُرر بتاريخ 13 ديسمبر 2019 ونُشر في اليوم الموالي بالجريدة الرسمية عدد 6838 مكرر، بينما تم تحرير الظهير بتنفيذ القانون رقم 42.18 المتعلق بمراقبة تصدير واستيراد السلع المذكور بتاريخ لاحق وهو 19 نوفمبر 2020 وتم نشره بالجريدة الرسمية عدد 6944 بتاريخ 17 ديسمبر 2020.

    وهكذا فإن المشرع عند صياغته لقانون مراقبة تصدير واستيراد السلع ذات الاستعمال المزدوج لم يطلع على قانون مالية 2020 بما استحدثه من تغيير، والذي نص في مادته الثالثة على ما يلي: “IIـ يراد بمناطق التسريع الصناعي حسب مدلول مدونة الجمارك، المناطق الخاضعة للقانون رقم 19.94 المتعلق بالمناطق الحرة للتصدير، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.95.1 بتاريخ 24 من شعبان 1415 (26 يناير 1995).

    تحل عبارة «مناطق التسريع الصناعي» محل عبارة «المناطق الحرة للتصدير» وعبارة «المناطق الحرة» في هذه المدونة وفي النصوص المتخذة لتطبيقها.”

    وبالتالي يكون لزاما على المشرع استدراك هذه الهفوة من القانون 42.18 الذي لازالت مادته الثانية تقول: “يراد بما يلي في مدلول هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه:

    ………..

    5ـ «التصدير/الاستيراد»: خروج أو دخول البضائع من التراب الخاضع، كما تم تعريفه في مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة، ومن وإلى المناطق الحرة للتصدير، وكذا نقل البرمجيات أو التكنولوجيا أو المساعدة التقنية بأي وسيلة من الوسائل، بما في ذلك نقلها إلكترونيا.”

    وإذا كانت المادة الثالثة من القانون 42.18 قد استثنت من نطاق التطبيق المواد النووية لوجود قانون ينظمها وهو القانون رقم 142.12 المتعلق بالأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي، فإنها بالمقابل لم يكن لها أن تستثني مسافنة السلع ذات الاستعمال المزدوج على اعتبار الصلاحية المخولة لموظفي الجمارك في مراقبة هذه السلع التي يقصد بها نقل البضاعة من سفينة إلى أخرى، وذلك بحسب مدلول الفقرة الثانية من الفصل 52 من مدونة الجمارك التي تقول: «لا يمكن أن تفرغ أية بضاعة أو تنقل إلى باخرة أخرى إلا بإذن كتابي من أعوان الإدارة وحضورهم. وتتم عمليات التفريغ والمسافنة خلال الساعات وطبق الشروط المحددة بمقررات لمدير الإدارة.»

    وبالتالي فإن الترخيص للسلع موضوع المسافنة غير المشروعة يظل متطلبا في هذا الإطار، مادام أن الشحن والتفريغ والنقل من سفينة إلى أخرى أو من طائرة إلى أخرى خارج نطاق الموانئ والمطارات يدخل في حكم التهريب الذي تسمح في إطاره التسوية بطريق الصلح برد البضاعة إلى مالكها وفق استكمال شروط التراخيص المتطلبة إذا ما تقرر عرضها للاستهلاك في السوق الداخلي بعد أداء مبلغ الغرامة بالطبع المقرر وديا في نسبة 150% من مبلغ الرسوم والمكوس.

    أما المادة 15 من القانون 42.18 فلم توافق هي الأخرى مدونة الجمارك بخصوص أجل الاحتفاظ بالوثائق أو الأرشيف حيث قالت: “دون الإخلال بأحكام مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة، يجب على المستفيد من ترخيص تصدير أن يحتفظ بهذا الترخيص وكذا الوثائق المرتبطة به لمدة خمس (5) سنوات على الأقل ابتداء من تاريخ نهاية مدة صلاحيته.” بينما نص الفصل 72 مثلا من مدونة الجمارك على أنه: “يجب على كل شخص ذاتي أو اعتباري يقوم لفائدة الغير بعمليات جمركية أن يحفظ المراسلات والوثائق المتعلقة بالعمليات الجمركية لمدة أربع (4) سنوات تبتدئ من تاريخ تسجيل التصريحات الجمركية المقدمة بشأنها.” أو مثل الفصل 99 مكرر الذي تتقادم فيه المطالبة باستيفاء مبلغ الرسوم بمرور أربع (4) سنوات من تاريخ إصدار سند التحصيل، إلى غير ذلك.

    كما وجبت الإشارة إلى أن القانون 42.18 قد أحدث بعض العقوبات عن المخالفات المرتكبة في هدا الإطار بدل دمجها ضمن بنود مدونة الجمارك، كما أنه لم يحدد تعريفا للإدارة المقصودة عندما قال في المادة 23: “علاوة على ضباط الشرطة القضائية وأعوان إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، يعهد بالبحث عن المخالفات لأحكام هذا القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه ومعاينتها، إلى الأعوان المؤهلين، لهذا الغرض، من لدن الإدارة ….” وإن كان الأمر يتعلق في حقيقته بوزارة التجارة الخارجية حسب ما يستفاد من المادة الأولى من المرسوم بتطبيق قانون 42.18 والتي جاء فيها: “تطبيقا لأحكام المادة 5 من القانون المشار إليه أعلاه رقم 42.18 ترأس السلطة الحكومية المكلفة بالتجارة الخارجية أو من تفوضه لهذا الغرض لجنة السلع ذات الاستعمال المزدوج والخدمات المتصلة بها ….”

    على أن هذا التدخل من طرف إدارة التجارة الخارجية في زجر المخالفات لا يخلو من وجهة نظرنا من عيوب، حيث مادام الأمر يتعلق بمراقبة السلع عند التصدير والاستيراد فإن الاختصاص ينبغي أن ينعقد حصريا لموظفي الجمارك بالنظر إلى المراقبة التي يمارسونها نيابة عن كافة المصالح الوزارية، وبالتالي فإن التسليم بالوضع يقتضي تولي مصالح وزارية أخرى زجر المخالفات الخاصة بها عند الاستيراد أو التصدير مثل المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية فيما يخص البضائع المقلدة، والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات فيما يخص المواصفات التقنية للأجهزة التواصل، والمكتب الوطني للحبوب والقطاني إلى آخره.

    ولعل كثرة التدخلات على مشارف التصدير والاستيراد إنما تُعزى لضعف المسؤولية على مستوى الإدارة الجمركية التي ربما تفتقر للكاريزما المتمكنة قانونيا على مستوى القيادة، كما إن الأمر يتطلب من وجهة نظرنا إما استقلالية تامة بتأسيس مجلس أعلى للسلطة الجمركية يكون على رأسه شخصية بارزة على غرار القيادة في الإدارات الأمنية، أو إلحاق الإدارة الجمركية بوزارة من وزارات السيادة كوزارة الداخلية على غرار ما هو قائم في بعض الدول مثل البحرين دون الحديث عن النموذج الأمريكي الذي يضم الجمارك ومراقبة الحدود Customs and Border Protection (CBP) ، كوكالة لقسم الأمن الداخلي تابعة للسكريتارية الداخلية للولايات المتحدة التي يُعتبر السكرتير المشرف عليها عضواً بديوان الرئيس الأمريكي.

    وبالتالي فإن تدبير الشأن الجمركي بالمغرب لازال ضعيفا سواء على المستوى الخارجي بالمقارنة مع المصالح الحكومية الأخرى، أو على المستوى الداخلي بما نلاحظه من احتقان قد يصل حد الإقدام على الانتحار مثلما وقع لأحد الجمركيين الذي أطلعتنا عنه بعض المنابر الإعلامية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عقدة المغرب أحالت الإعلام الجزائري إلي مارستان للعاهات النفسية   

    محمد إنفي

    هذا المارستان الإعلامي الجزائري يحتاج إلى متخصصين في علاج الخبل والهبل، العته والحمق، الانفصام وغيره من أنواع الاضطرابات السلوكية؛ ذلك أن الإعلام الجزائري يعج بهذه الظواهر المرضية البادية للعيان. ويتساوى في هذا الأمر الإعلام الرياضي والسياسي والثقافي، الرسمي والشبه الرسمي، سواء منه المكتوب أو الإليكتروني أو السمعي البصري. ويكفي أن تتابع برنامجا على الهواء أو تشاهد حلقة نقاش على إحدى القنوات التليفزيونية الجزائرية (باستثناء المغاربية، إلا ما كان من بعض المتصلين عبر الهاتف الذين يرددون نفس ترهات الإعلام الرسمي المريض) أو على إحدى قنوات اليوتيوب، أو تقرأ تدوينات على صفحات التواصل الاجتماعي، أو ما تكتبه بعض الجرائد الورقية والإليكترونية، أو حتى ما يصدر عن الوكالة الجزائرية للأنباء (الوكالة الرسمية)، لتجد نفسك أمام أناس غير طبيعيين وغير أسوياء في تفكيرهم.

    وهكذا، تدرك أنهم يعانون من اضطرابات نفسية متعددة ومن درجات مختلفة ومتفاوتة؛ إذ منها الخفيف والعنيف والمعتدل والقاسي والمفهوم وغير المفهوم. وتعبر هذه الاضطرابات عن نقسها بصيغ متباينة بحسب الحالات. فمنهم من يجد راحته في سب وشتم “المروك”؛ ومنهم من تدفعه عقدته إلى اعتماد العنف اللفظي؛ ومنهم من يذهب إلى التهديد بالحرب وادعاء تفوق الجزائر في كل شيء (القوة الضاربة، القوة القاهرة، القوة العظمى، القوة الإقليمية، القارة، وغير ذلك من سفاسف “تبون” و”شنقريحة” وغيرهما: أليس هذا هو الزلط والتفرعين الذي تحدث عنه بوتفليقة؟)؛ ومنهم من يخفف على نفسه برمي المغرب بالعاهات الاجتماعية السائدة في الجزائر من قبيل الطوابير الطويلة أمام المحلات التجارية للحصول على شيء من المواد الغذائية الأساسية؛ ومنهم من يروج لانتفاضات وهمية في “المروك” ضد “المخزن”، وغير ذلك من الأوهام والخرافات التي تعشش في أذهان الإعلاميين والسياسيين الجزائريين.

    في الإعلام الرياضي، مثلا، كل حديث عن “الكاف” (الاتحاد الأفريقي لكرة القدم) يقود، بالضرورة، إلى الحديث عن رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فتسمع كلاما عن فوزي لقجع وعن المغرب لا يمكن أن يصدر إلا عن مخبولين ومعتوهين، الفاقدين لميزان العقل والأهلية الفكرية؛ كلام لا فيه منطق، ولا فيه تحليل، ولا تسنده أية معطيات؛ كل ما فيه افتراء وسب وشتم وقذف، وكأن الجزائر خلت من العقلاء ومن الأسوياء.

    لن أعود بتفضيل إلى ما روجه هذا الصنف من الإعلاميين في أوساط الشعب الجزائري من هراء وسفاسف، وما مارسوه من دغدغة عواطف الجمهور الرياضي الجزائري، موهمين إياه بأن مباراة الجزائر والكاميرون، إما ستعاد أو سيؤهل الفريق الجزائري مباشرة، مختلقين مبررات لا يقبلها منطق ولا يصدقها إلا عقل مخبول ومهتوك. وإمعانا في الخبل والهبل، اختلقوا حكايات حول ضلوع فوزي لقجع وأشرف حكيمي وجمال الدبوز في التآمر مع الحكم الغامبي بكاري غاساما لإقصاء الجزائر، وكأن هؤلاء المغاربة والحكم هم من سجلوا الهدف الذي أهَّل الكاميرون لكأس العالم المقبل في دولة قطر.

    ولن أطيل في الحديث عن فضيحة رئيس “الفاف” الجديد (جهيد زفزاف) الذي فضح نفسه وفضح الجنيرالات الذين وضعوه على رأس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم. لن أتحدث عن رداءة خطابه أمام الجمع العام للكاف في تانزانيا. ويكفي أن أشير إلى أن الرجل، لغبائه، عرَّى النظام الجزائري في المحفل الكروي الأفريقي؛ إذ أبان، في أول حضور له في هذا المحفل، أن ما ينتظره النظام الجزائري من الاتحادية الجزائرية لكرة القدم ليس هو المساهمة في تطوير كرة القدم بأفريقيا وفي الجزائر؛ بل هو إقحام البوليساريو في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، حتى وإن كان هذا الكيان “الصحراوي” الوهمي لا يتوفر عن أية مقومات لذلك.

    المهم، أن زهيد زفزاف عاد من تانزانيا يجر أذيال الخيبة بعد أن رفض الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بالإجماع طلب رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم. لذلك لن يستغرب المغاربة أن يزيد السعار في الأوساط الرسمية الجزائرية ولدى أبواقها في إعلام الصرف الصحي الجزائري، وكذا لدى الذباب الإليكتروني المعبأ لمهاجمة المغرب.

    لقد سبق لي أن خصصت مقالات عن غباء الدولة الجزائرية وإعلامها ونخبها. والعاهات النفسية المشار إليها أعلاه يزيدها الغباء حدة وقوة وانتشارا حتى لتظن، وأنت تتابع ما ينشر وما يقال في الإعلام الجزائري، أنك بالفعل داخل مرستان حقيقي، رواده يعانون من كل أنواع الاضطرابات النفسية والسلوكية، لدرجة أن البعض منهم ينسون أو يتناسون أنفسهم وواقع بلادهم، فيقسمون بأغلظ الأيمان – في هيستيرية تتجاوز كل حدود الانفعال، وعلى الهواء – بأن الجيش الجزائري قادر على دخول الرباط في ساعات، إذا ما تلقى الأمر بذلك. فهل هناك غباء وحمق أقوى من هذا؟ أليس هذا هو الزلط والتفرعين بعينه؟

    لقد عن لي، وأنا أفكر في ختم هذا المقال المتواضع، أن أعدل عن الكتابة حول الجزائر نظاما وإعلاما ونخبا، للتفرغ لما هو أهم من قبيل الاهتمام بتاريخ الصحراء الشرقية المغربية بدل إضاعة الوقت في الكتابة عن أغبي خلق الله (وقد سبق لي أن قررت التوقف عن مخاطبة أغبى نظام في العالم بواسطة الرسائل المفتوحة). فالحديث عن النظام وإعلامه ونخبه مضيعة للوقت وإهدار لمجهود يمكن استثماره فيما ينفع بدل مخاطبة البُلهاء والأغبياء الذين لا يرون أبعد من أنوفهم. وأرى أنه لا بأس من أن أُحيل، في هذه الخاتمة، عن المقالات المشار إليها في الفقرة أعلاه؛ وهي على التوالي: L’idiotie d’un Etat (Libération, 8 Mai 2022) ; La bêtise est l’honneur en Algérie (OujdaCity, 8 Août 2022) ؛ “الغباء عاهة تشل تفكير نخب النظام الجزائري”، مقال في جزئين بتاريخ 19 و21 يونيو 2022 (انظر “الحوار المتمدن”، الموقع الفرعي باسم محمد إنفي).

    لم يطاوعني قلبي الذي أدْمته أخبار الحرائق وضحاياها في الجارة الشرقية، أن أضع نقطة النهاية دون أن أعبر عن تعاطفي مع العائلات المكلومة وأقدم لهم أحر التعازي وصادق المواساة في أقاربهم الذين ماتوا حرقا بسبب إهمال النظام وعجزه عن توفير طائرات لإطفاء الحرائق، رغم ما تتمتع به البلاد من ثروات تهدر فيما لا يعود بأي نفع على الشعب الجزائري؛ بينما لا يعدم هذا النظام الإمكانيات في توفير طائرة رئاسية لـ”بن بطوش” للاستشفاء بالخارج وتوفير الأموال للتمثيليات “الديبلوماسية” لدولة الوهم ومسؤوليها بتندوف.

    رحم الله الضحايا وأكرم مثواهم ورزق أهاليهم جميل الصبر والسلوان، وكل الأمل أن ينتقم العزيز الجبار من هذا النظام الغبي شر انتقام وييسر للشعب الجزائري الشقيق استعادة حريته والتصرف في خيرات بلاده. إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • معالم استنهاض الأمة المغربية ضد المستعمر من خلال خطب الملك محمد الخامس

    محمد أكعبور

    معالم استنهاض الأمة المغربية ضد المستعمر من خلال خطب الملك محمد الخامس:

    خطبة الجمعة بـــــ “المسجد الأعظم” بمدينة تطوان أواخر عام 1957.

    تقديم:

    الحمد لله نعم المولى والشكر له على ما أولى عِياذا بالله ممن أدبر وتولَّى وأصلي وأسلم على من كشف الله به عنا الغُمة مُترحما على أب الأمة المغفورِ له الملكِ محمدٍ الخامس وكذا على روح قائد اللَّمة المغفورِ له الملكِ الحسن الثاني داعيا بالحفظ للنجل والحفيد الملكِ محمدٍ السادس بالسبع المثاني وله بالنصر المكين على ما ولي من أمر هذا الدين بما جاء في حديث النبي الأمين وكتاب الله رب العالمين .

    خلال إعداد هذا العرض اخترت الوقوف للاشتغال على وثيقة فريدة لما تتضمنه من فوائدَ جليلة وفرائدَ عديدة تلكم هي:

    خطبة الجمعة التاريخية لجلالة السلطان الإمامِ الهُمامِ المغفورِ له محمدٍ الخامس والتي ألقاها ب “المسجد الأعظم” بمدينة تطوان أواخر عام 1957.

    هذا وقد قسَمت العرض الموسوم بالعنوان أعلاه إلى أربعة معالم:

    1 ـ المعلم التاريخي :

    حيث إن المغرب لم يكن يوما مستعمَرا ولم يكن غازيا ولا عَرف غزوا فأهل المغرب يجنحون إلى السلم وإلى أخذ العلم وهم أهل الحلم وأهل الحق والشريعة الإسلامية السنية العملية يصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة .

    والمغرب مأوى الخائفين من البطش والطغيان وهو إليهم منجى وملجى والذاكرة التاريخية للخزانة المغربية مليئة بشواهد جُلَّى عن أحداث وسير فضلى.

    وبناء على هذا التقرير، فقد قدَّم شهداءَ الدين والوطن في فترة عصيبة كانت عليه نِعْم القدر باختبار حقيقي أمام الله في مدى الحفاظ على الأمانات التي طوق الله بها أعناق أولياءَ أولي أمرِ هذه الأمة في السياسة الدينية والدنيوية.

    قال الله تعالى: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

    يقول المغفورُ له الملك محمدٌ الخامس تذكيرا للمؤمنين من على المنبر باستحضار روح الشهداء الأبرار والوطنيين الأخيار ممن فضلوا قبض الأرواح استشهادا على المكوث والرواح في سبيل الدين والوطن والسلطان ” ولْنذكر دائما أن شهداءنا الأبرار، الغُير الأحرار، إنما ماتوا ليحيى المغرب عزيزا مكرَّما، وفيّا محترما وقد خلفوا لنا تراثهم الكريم ومجدهم العظيم “.

    كما يرد من كلام جلالة السلطان ناصرِ الأديان ومحرِّرِ الأوطان ما يجمل بنا إيراده ” وإن وطننا لينادينا لإتمام تحريره وتوحيده وحماية مجده وتخليده” وما يزال هذا المجد يخلًّد حتى الساعة في كل موقع وساحة وهذه الندوة العلمية تجلٍّ من ذلكم التخليد الذي أصبح اليوم أقوم التقليد.

    2 ـ المعلم السياسي :

    الوضع الذي يعيشه المغرب والعالم حيث بوادر الأطماع هو عنوان المرحلة في كل الأصقاع.

    الوضع الذي تعيشه مناطق الشمال المغربي من جعل طنجة العلوية طنجة دولية بتمركز التمثيليات الديبلوماسية بها وفي هذا الوضع سيدخلها جلالة السلطان مخاطبا في الساحة وفي الجامع الأعظم بها عل التوالي:

    يوم 10 أبريل1947 بخطاب سياسي بحضور الوفود الدولية القائمة بأعمال السياسة والدبلوماسية بالمنطقة الشمالية للمغرب وفي يوم 11 أبريل من نفس العام من غير فاصل زمني سيصعد السلطانُ الإمامُ المنبرَ بالجامع الأعظم هناك خطيبا في الأمة آمّا إيها في الفريضة الأسبوعية؛ صلاةِ الجمعة.

    كما سيخطب السلطانُ العالمُ من على منبر تطوان موضوعَ ورقة الاشتغال لدينا مذكرا في الخطاب الديني الجامع بالمسجد الجامع في الأمة ضد الاستعمار الجامح بأن ” الاستقلال لا يدوم إلا بصالح الأعمال والاستقرار وكذا الاستقامة على الفضيلة والأخلاق النبيلة.

    موردا في الختم ” اللهم كما قلدتني أمر هذه الأمة فوفقني لإعلاء شأنها وتوحيد شملها واجعلني عند حسن ظنها بي وثقتها في.

    اللهم اجعل دعوة جدي الحسن حين دعاك في هذا المكان بعد أن عمل على تعزيز الوحدة في كل مكان…..واشدد أزري بولي عهدي في كل حين….

    3 ـ المعلم الاجتماعي :

    التركيز على الجوامع/ القواسم الثقافية والحضارية للمجتمع المغربي.

    استعمال ضمير “الأنا” الجمعية في التخاطب في المناسبات الدينية – كالجمعة -والوطنية – كعيد العرش أو العيد الفضي.

    “فلْنوطد العزم على تنوير بصائرنا ولْنسدد السير في إصلاح شؤوننا …..فلْنواصل العمل لخير الوطن والدين …..ولْنُقم من الحكم أعدلَه ومن النظام أفضلَه مستشهدا بقول ربنا سبحانه “إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين: ؛ مسترشدا بحديث سيدنا رسول الله عليه صلوات الخلق أجمعين مما رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالسَ يوم القيامة أحاسنُكم أخلاقا ، الموطؤون أكنافا ، الذين يألفون ويُؤلفون.

    فلما تحققت تلكم اللحمة الضامنة لتكم الألفة ، صار الشعب المغربي أمة واحدة فاصطفت خلف إمامها والتفت حوله بتأطير علمائها وفقهائها وأئمتها الذين هم على ملة إمامهم الأعظم وإنما العلماءُ الأساطينُ على مذهب الأمراء والسلاطين؛ الحماة للسياسة والدين على المنهج الذي ورثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، مبايعة في المنشط والمكره وهو ما عليه ببلادنا العملُ ومعقود عليه مزيدٌ من الأمل لا يضرهم من خالفهم ولا يضر إلا نفسه بخروجه عن الجماعة .

    إن تلكم العبارات التي أوردها المغفورُ له، السلطانُ الخطيبُ تجسد لنا الامتزاج بين الروح الدينية والوطنية وهو عصب الخطاب الديني بالمملكة المغربية تأسس اليوم بالمؤسسات وتقوى بالتشريعات والقوانين التنظيمية الصادرة في شأن المنظومة الدينية المغربية الوفية للثوابت الدينية في الأداءات الشعائرية :

    والعقيدة السنية: العقيدة الأشعرية.

    والسلوك السني: التصوف السني على طريقة الجنيد.

    والسياسة الشرعية في تدبير أمر الرعية في الدين والدنيا: إمارة المؤمنين.

    وكذا؛ الوطنية بالاختيارات الديموقراطية للمملكة المغربية والانفتاح على المحيط الجهوي والقاري والدولي على الدوام.

    فالعرش العلوي المجيد يقوم على وحدة دينه وعرشه وأرضه في طوله وعرضه، لذلكم واجه ما حل به بعزم وحزم مما لم يرضه.

    4 ـ المعلم الديني :

    إن محمداً الخامسَ الملكَ السطانَ والعالمَ الإمامَ، لَيُتعبر بحق أبَ الأمة وزعيمَ المقاومة، بالعلم والحلم رفض كل مساومة فواجه المستعمر وكافح من أجل الاستقلال، رافضا في الوطن الاستغلال، مواجها سبل وخطط التغرير مما أقدم عليه من جميل التقرير.

    ولنستمع إلى هذا المعجم الوارد في تلكم الخطبة وهو فريد في المبنى حافل بالمعنى:

    البعث والإحياء والأمة والإيمان والعمل والاستقامة والإحسان والخير والشر والمسؤولية والتكليف والفضائل وشكر النعم وكفرانها.

    ومن خلال تلاوة تلكم الخطبة التأصيلية نستفهم:

    · التأسيس للخطاب الديني الذي يمزج القضية الوطنية والدينية وما أحوجنا اليوم إلى سماع وإسماع هذا الخطاب.

    · التأسيس للإعلام الديني من خلال مشروع مجلة علمية كانت وما تزال أس الإعلام الديني بالمغرب الحديث واعتبرت مأوى الباحثين المختصين في الدراسات الأكاديمية الرصينة– هي مجلة “دعوة الحق” لإقامة الحق والتي حدد لها جلالةُ المغفورُ له جهةَ الإصدار وخَطها التحريري داعيّا لها بتحقيق سبل النجاح والتوفيق.

    وهنا نورد اقتضاء وليس قضاء كلامَ جلالته طيّب الله روحَه إلى تلكم المجلة الرائدة في مجال ضبط السطر مما انضبط له الصدر مما يحفظ الشريعة الإسلامية بالمغرب في إطار الثوابت الدينية والوطنية به من كل ميل وشرِّ نيل.

    يقول جلالةُ السلطان: …ولذلك سرَّنا أن تتولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إصدار مجلة جامعة تُعنى بصفة خاصة بالإصلاح الديني كما تعالج مختلِف الشؤون الاجتماعية والثقافية.

    ولنا وطيدُ الأمل في أن يلتف حولها دعاة الفكر والثقافة والإصلاح في هذه البلاد وغيرها لتؤدي مهمتها خيَر أداء.

    وعسى أن تسلك مجلةُ “دعوة الحق” سبلَ النجاح والتوفيق “يوليوز 1957

    وإن مما اهتديتُ إليه وهُديت وأنا مشرف على الإقفال على أن في البال العودةَ والإقبالَ خصائص تمايز خطابَ جلالةِ السلطان ما يلي:

    · الفصاحة والبلاغة والاقتباس من الوحي والاستشهاد بنصوصه مركزا على القيم الدينية والوطنية والفضائل المثلى والأخلاق العلى مختتما بإقامة الأركان والفرائض مع محاكاة النصوص الدينية مذكرا الأمة – في لقاء خطابي داخل المسجد وخارجه بل وفي كل المنتديات – بماضيها وأمجادها المبنية من لدن أجدادها.

    وختاما كنت في خيارات كثيرة للختم فاخترت واسطة العقد الفريد من افتتاحية “مجلة دعوة الحق “عدد : 50 من سنة 2008 للدكتور أحمد التوفيق الأستاذ المؤرخ ومعالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إذ يقول ” فبرفض الملك المناضل كل مساومة على مؤسسات البلاد واستقلالها تجددت المشروعية النضالية التحريرية التي تكرست وتقوت في سجل الملكية منذ تأسيس الدولة العلوية قبل ثلاثة قرون خلت في وقت كانت فيه أجزاء من الوطن تنتظر التحرير” إلى هنا ينتهي يا سادة هذا التقرير والسلام على الشهداء البررة والرحمة على أب الأمة محررِ الأوطان جلالةِ السلطانِ محمدٍ الخامسِ ومستكملِ البنيان جلالةِ الملكِ الحسن الثاني وبالرفعة والنصر والتمكين لمواصلة العمران جلالةِ الملكِ محمدٍ السادس .

    وصدق الله العظيم إذ يقول: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور.

    صدق الله العظيم والحمد لله ربنا الكريم.

     

    * محمد أكعبور، مرشد ديني بإقليم الصويرة، باحث في الخطاب والإعلام الديني

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اِسْتِفْزَازُ التَّفَاهَةِ .. !

    صالح أيت خزانة

    تعيش بعض الصالونات الفكرانية، في هذه الأيام، على هامش اهتمامات المغاربة، وانشغالاتهم، بل على هامش التاريخ، والجغرافيا، والحياة. فقد انبرت أصوات من داخل الفكر(السوسيولوجيا)، تعالج انتظارات المغاربة من زاوية “اللامفكر فيه”، لتوهمنا بأن مشاكل المغاربة، ليست مع الشغل، أو الخبز، أو الصحة، ولا حتى مع الديمقراطية، وحقوق الإنسان،… ولكن مشاكل المغاربة مع فروجهم. ولا بد من إيجاد حلول لها، ولكن ليس من خلال مشاريع للتنمية، أو من خلال رؤى استراتيجية، اقتصادية واجتماعية، ولكن من خلال تحرير علاقاتهم الجنسانية، وتمكينهم من استراق المتعة المتاحة، من المثلية، ومن العلاقات الرضائية بين الذكور والإناث،…. فهذا ما سيحقق خبزهم، وشغلهم، وصحتهم، ويقيهم من أمراض الكبت، والتطرف، والظلامية التي يٌشَرْعِنُ لها الدين حينما يحرم العلاقات الرضائية، خارج مؤسسة الزواج، ويشرعن لها القانون حينما يجرم هكذا علاقات، ويعاقب عليها!.

    إذن، مشكلتكم أيها المغاربة، وجدناها. تحرروا من مكبوتاتكم الجنسية، وناضلوا من أجل إسقاط عصا الدين والقانون؛ ستتحرر حياتكم، وتتحقق انتظاراتكم في الصحة، والشغل، والتنمية، والديمقراطية،.. يقول لكم السياسي التائه، والسوسيولوجي التافه !! .

    ليس غرضنا، هاهنا، أن نرد بالدين والقانون، ولا حتى بالعقل والمنطق، على تفاهات، لأسماء مغمورة في سجل معارف المغاربة؛ فنقيم لها وزنا، ونحن نعلم أنها من أجل “البوز” انبرت تخالف دين المغاربة، وحضارتهم، وتقاليدهم، والتزاماتهم الاجتماعية، وقوانين بلادهم، بعد أن فشلت في تدبير ما أُؤْتُمِنت عليه. فكان السهل عندها هو الإثارة، للفت الأنظار، وإيجاد مواقع ذكر وسط الناس، ولوعن طريق اللعنات. ولكن غرضنا أن ننعى على من تساقط على عقبه يرد في حماسة منقطعة النظير على من ضل به سبيل الحق، وظن أن في مخالفة نواميس الكون، وسنن الله في خلقه، خلاصا لهذه الأمة؛ فانطلق يرد بشراسة، وكأن دين الأمة، وقانون البلاد سيتبخران  بصيحة خرقاء من تافهين وتافهات، غايتهم إثارة الانتباه، لكسب شيء من الاعتبار، بعد أن فقدوه في سوق المدافعة والتدافع من أجل الانعتاق، والتنمية، والكرامة.

    لقد قرأنا ردودا على هذه الإثارات، فكانت عبارة عن صواعق من لُعَب عاشوراء، تتساقط لتحدث أصواتا دون آثار، مما زاد في الهياج الفارغ للمُدَّعين، وأعطاهم ذكرا بعد غمور، وتحول الرد إلى ظلم مبين، وهجوم على الحريات الفردية التي كفلها الدستور، والقانون، بل والدين،… وأصبح من استفز أخلاق المغاربة، ووعيهم الجمعي الديني، معتدىً على حقه في التعبير، وعلى حرية الناس في العيش كما يرغبون، ولو على خلاف ما تواضع عليه المغاربة، في علاقاتهم الاجتماعية التي ينظمها القانون، ويؤطر روحها الدين. فكانت زوبعة مقصودة الإثارة، وكان لهم ما أرادوا بعد أن التقطت مصيدتهم (الإثارة)، جماعة من متعصبي الفكر، و حراس المعبد، يردون، في بلاهة، بثمار على حجارة، كما القرود على أغصان الأشجار المثمرة؛ سواء بسواء !!.

    فلا الذين استفَزُّوا وأثاروا الخصوم بلغوا شيئا مما أمِلوا، ولا الذين استُفِزُّوا وانبرَوا يردون، في جوقة طفولية، على تفاهات ، هي  لدى أصحاب العقول، مرثية ضائعة، ما استطاعوا أن يحركوا من راكد الهوس العلماني شيئا . فكلا الفريقان سقط في فخ الشرود، والتهافت،  في وقتٍ حاجة المغاربة إلى الأهم، والأنفع؛ أبلغُ، وألحُّ.

    لقد ران زمانٌ على الصراع الإيديولوجي بين خصوم اللعبة السياسية، ظننا أنه قد انتهى إلى الأبد، وحسبنا، في بلاهة سياسية، ربما، أن القوم قد ترفَّعوا عن مواطن الخلاف غير المنضبط إلى عقل وسياسة واجتماع، وقد استقر الصراع على أرض المشاريع والبرامج، والعقبى لمن يقدم أحسن، ويقترح أفضل، من أجل حياة المغاربة المعيشية؛ صحة، وتعليما، وشغلا، وحقوقا سياسية واقتصادية،… لكن يظهر أننا نعيش الوهم. فلا زال البعض يحنون إلى الصراع البائد، ويستدعونه كلما أعوزتهم ساحة العطاء المفيد، أن يقدموا شيئا للمغاربة، ينتشل انتظاراتهم من درك الملل، إلى فضاء الأمل.

    فكلما تحرك الخصم الأيديولوجي نحو ساحة العطاء المفيد، كلما أثار خصمُه “ما لا علاقة”، وأحدث حَواليْهِ ضجيجا، ليُلفت الانتباه، ويشغل القوم بالتفاهة، ويكسب من الناس ما قد يفرمل اندفاع الطيبين نحو العُلى، والتَّمَكُّن. وقد يحدث أن تُجارَى تفاهاتهم، وتشغل بعض الطيبين العقلاء، إلى حين. ليتحقق المقصود الخبيث لإياهم. وهو ما يحدث هذه الأيام.

    أجل، سيخطئ كل من جارى هذه التفاهات، وظن أن الحق الذي معه، كفيل بأن يَتَلَقَّفَ باطل ما عندهم، في مجالٍ الصوابُ فيه حق، والخطأ فيه باطل. وقد نبهنا، في أكثر من مقال سابق، إلى أهداف هذا الفريق، و أرشدنا إلى عدم الالتفات إليه، وعدم إعياء النفس والعقل بالنبش في خلفياته، والبحث عن قواصم للرد عليه، فإن الباطل (ونقصد به، هاهنا، ما خالف إجماع الأمة، وما قره الدين والقانون )، لا أخلاق تؤسس له، ولا منطق يصلح لحواره ومحاججته، لأنه، بكل بساطة، باطل وكفى!!.

    لو كلُّ كلبٍ عوى ألقمتُه حجرًا   ==  لأصبح الصخرُ مثقالاً بدينارِ

    دمتم على وطن.. !!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابنتك في المخيم.. قضايا ووصايا

    الحبيب عكي

    صحيح أن أفضل المخيم ما اجتازه الطفل (ة) على السجية.. دون برمجة (Programmation) ولا وصاية (tutelle) إلا ما كان من رغبته وقناعته، وتلك هي الطريقة المثلى لتكوين شخصيته المتميزة وتفعيل فرادتها عند اتخاذ قراراتها. لكن، وباعتبار الطفل (ة) لا يزال في مرحلة النمو.. واستكمال شخصيته.. وبناء تصوراته وتصرفاته، وباعتبار تعدد المرجعيات التي تقتحم عليه حياته دون استئذان، وهي لا تفتىء تؤثر على اختياراته وتحسم في قراراته، بالإيجاب أو بالسلب أحيانا.. سواء ما كان من المدرسة والشارع والأصدقاء.. أو من الإعلام.. وبعض الثقافة المكتسبة هنا وهناك.. أو من الأقرباء من الكبار والأقران من الصغار، فيستحسن أن يكون للطفل(ة) تفكير مسبق في بعض الأمور والقضايا، وبناء رؤيته المسبقة اتجاهها رفقة الآباء باعتبار مسؤوليتهم التربوية والاستشارية والحمائية اتجاه الأبناء، ودون فرض رأي ولا مصادرة صغر؟.

    ليكن إعدادك لابنتك للمخيم إذن، في إطار مساعدتها على اجتياز مرحلة تخييمية مريحة، لا تشعر فيها بالاضطراب ولا بتضارب المرجعيات وتنازع الوجهات فيما تتعرض له من وضعيات ومواقف، وخير إعدادك لها هو تركيزك معها على المرجعية الفكرية العامة لفهم قضاياها وتحليلها.. فهم وضعياتها واستلهام حلولها، وكذلك على منهجية التفكير السليم والمنطقي للوصول إلى هذه الحلول، وضمن ذلك في مرتبة معينة إمكانية عرض الأمر على المربية في المخيم قصد التشاور والتداول فيه بقدر ما يحصل بينها وبين الطفلة من ثقة؟. أمر آخر أساسي هو إشعار البنت وإفهامها على أنها عند مغادرة البيت فهي حرة في اختياراتها ومسؤولة عن قراراتها، وأنه بقدر ما الصواب يؤدي إلى الخير فإن الخطأ يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وعندها فإن الآخرين لن يتحملوا معنا نتيجة أخطائنا، فلنبتعد عن تقليدهم وعن إدخالهم في قضايانا ما أمكن؟.

    وعموما، فتأطير البنات في المخيم لا يطرح في الغالب إشكالات كبيرة، ولكن بعض الوضعيات تجعلهن ربما كبعض أمهاتهن مغلوبات على أمرهن فلا يدرين كيف يتصرفن أو يتصرفن بعفوية وعاطفة غير محسوبة الخطوات ولا مضمونة المآلات، ومن ذلك بعض القضايا التي رأيتهن يتخبطن فيها وتفقدهن تدبيراتها بعض توازن الشخصية التي جئن إلى المخيم بحثا عن تقويتها، فمثلا:

    هناك حمولة الثقافة الأسرية الثقيلة من عادات وتقاليد.. يصعب فهمها.. قبولها.. فبالأحرى تجاوزها.. والواقع أن في أسرنا الصائب ينبغي تثبيته وغير الصائب وينبغي تغييره بالعودة إلى المرجعيات العقدية والحقوقية السليمة.

    اضطراب بعض المفاهيم الأساسية في حياة الطفل(ة) وبالتالي اضطراب تعامله مع الآخرين.. كالخلط بين الحياء والخجل.. والحق والواجب. والجرأة والوقاحة.. والحيلة والخبث.. والضعف والصبر..، وخير الأمور أوسطها: ” لا صلبا فيكسر المرء ولا رطبا فيعصر”؟.

    ظهور العديد من مظاهر الفقر العاطفي الذي يعاني منه الأطفال بشكل عام وبشكل مهول، فيتمظهر بالتباهي وتحسيس الآخرين بالدونية.. والأنانية وحب السيطرة على كل شيء.. والتطلع المبكر إلى عالم الكبيرات واختصار الأنوثة والقبول في كل ذلك.. اللباس.. الموضة.. التزين(ماكياج).. التسريحات.. آخر صيحات الهواتف وأبهضها؟.

    إتقان الأعمال المنزلية والأعمال الفنية.. وهذا أمر طبيعي، ربما بحكم الاستئناس بالأمهات وما حبا الله بناتهن من أصوات جميلة ومشاعر مرهفة.. ولكن في المخيم هناك أشياء كثيرة وأهم لا بد أن يسجلن فيها تفوقهن كذلك، وقد لا يفعلن؟.

    بعض الإناث وكأنهن مثل بعض الذكور.. ليس في طريقة اللباس والكلام والعادات والاهتمام فحسب، ولكن أيضا في عدم الحرص على الممتلكات الخاصة.. ولا ترتيبها.. ولا الحفاظ عليها.. مما قد يسبب في ضياعها أو سرقتها، وإن بشكل غير مقصود؟.

    وضعيات محرجة وغريبة:
    هناك بنات يسبحن بلباس السباحة.. وبنات يسبحن بلباسهن.. وبنات لا يسبحن إطلاقا ولو مرة واحدة خلال المرحلة التخييمية ككل، تعلق الأمر بالشاطئ أو بالمسبح؟.
    بنات محجبات وغير محجبات، يسرحن شعرهن بأنفسهن.. وأخريات بمساعدة زميلاتهن و مؤطراتهن.. وأخريات لم يحللن شعرهن المخبل ولو مرة واحدة طيلة المرحلة.. وقيل ربما بوصية من أمهاتهن؟.
    بنات يحافظن على الصلاة في وقتها ومع الجماعة.. وبنات يبقين يجمعنها إلى الليل كأنهن في الدراسة.. وبنات لا يصلين ولو ركعة واحدة طيلة المرحلة.. ولو حتى صلاة الجمعة؟.
    بنات يحترمن المرافق الصحية الخاصة بهن والخاصة بالذكور.. ولكن يفتقدن إلى آداب الاستئذان والمرافقة عند الذهاب إلى مراقد الذكور وخيامهم لقضاء غرض ما، أو ربما لأن الأمر عندهن يتم جهارا نهارا، فلا داعي؟.
    بنات بقدر ما يكون لديهن إقبال وانشراح في الأعمال والورشات المشتركة، بقدر ما يتركن كل ذلك في الورشات فحسب، ولا يجعلن له امتدادا خارجها مهما كانت الظروف والدواعي؟.
    بنات يخرجن بصداقات مختلطة.. وبنات بصداقات من جنسهن.. وبنات بصفر صداقة ذكور، ويعتبرن ذلك تحرشا قد يستمر ما بعد المخيم، على شكل مكالمات ودردشات وتبادل زيارات وخدمات؟.
    بنات يأكلن كل شيء في المخيم.. وبنات يعفن ويمتنعن عن بعض المأكولات.. وبنات لا يكدن يأكلن أي شيء غير “السقاطة” رغم محاولات المؤطرين و المؤطرات إثنائهن عن ذلك دون جدوى؟.
    بنات وكأنهن مقاولات ورجالات أعمال.. لا يتوقفن من المكالمات مع أسرهن وكأنهن لسن في المخيم.. (رغم جمع الهواتف عموما)، وبنات لا يهاتفنها إلا لماما وكأنهن معهن في المنزل ولم يغادرنه إلى أي شيء؟.
    بنات يشتكين من كل شيء إلى مربياتهن وربما إلى رئيس الجماعة أو مدير المخيم، ولا يقبلن من التأديب ما يستحقن، وبنات لا يشتكين من أي شيء، وإذا ما حدث لهن شيء فسرعان ما يتمكن من حله وتجاوزه بأنفسهن؟.
    بنات يكدن يأتين على مصروف جيبهن من الأيام الأولى للمخيم فيفلسن أخره، وبنات يقتصدن بجد ويوفرن الكثير لخرجة التسوق وشراء الهدايا، وربما يوفرن أو يقرضن غيرهن؟.
    بنات لدهين وعي بحيضهن وطوارئهن وخاصة اليافعات.. وبنات ليس لديهن أي وعي بذلك، ويصدمن إذا ما صادفنه، وبعد الاستئناس وتجاوز الصدمة، قد لا يمنعهن ذلك الطارئ من ممارسة أي نشاط حتى الصلاة؟.
    بنات يفزن بجوائز التشجيع والاستحقاق في المسابقات والابداعات.. وأخرى في السلوكيات والشخصيات المثالية ويفتخرن، فبأي جائزة تريد أنت أن تفوز ابنتك، ولأي جائزة ساهمت في إعدادها وكسبها؟.

    هذه بعض دواخل المجتمع التخييمي، تظل العديد من إشكالاته محط برنامج الجماعة المخيمة ككل، تسدد وتقارب نحو أوسط الأمور وأصوبها، ويبقى من مسؤولية المربي والمربية – بالدرجة الأولى – ضرورة الوعي بها.. والاجتهاد في مواكبتها وحلها.. بمشاركة زملائه وأبناء فرقته طبعا، هؤلاء الأبناء الذين كلما سبق إليهم بعض الوعي بمثل هذه الوضعيات.. كان العمل على حلها سهلا وتجاوزها ممكنا.. وفي مصلحتهم قبل غيرهم ثم في مصلحة المخيم والجماعة كلها؟. وهذا الوعي أرى أن للآباء والأمهات دور كبير في غرسه وتحسيس أبنائهم وبناتهم به، ليس تحملا لمسؤوليتهم وإعدادا لأبنائهم لمخيم ناجح فقط، بل كأسلوب حياة حواري دائم يمنحهم النضج المطلوب والشخصية المندمجة بشكل أفضل؟.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التعديل الحكومي بين تنبؤات الصحافة الفرنسية وتقاليد الدولة المغربية

    عبد العالي عبد ربي

    منذ أن تنبأت مجلة جون أفريك الفرنسية بتعديل وزاري قريب، حددت المستهدفين منه في كل من وزير العدل ووزير التعليم العالي المنتميان لحزب الأصالة والمعاصرة، أصبح الشغل الشاغل الوحيد الأوحد لوسائل الإعلام عندنا، بمختلف تلاوينها وأشكالها وانتماءاتها، مهللة بهذا الصيد الثمين الذي صادته صحافة ماما فرنسا. فأصبح هم المتدخلين والمحللين؛ وما أكثرهم، هو الكشف عن خبايا مزعومة في الخبر، والغوص في تفاصيله، وتفسيره وتأويله، وربما التنبؤ بمزيد من ضحايا هذا التعديل المنتظر. وأصبح الكل لا ينتظر سوى التوقيت الذي سيتم به تنزيله. بل منهم اعتمادا على ما تم نشره، وضع سيناريوهات باحتمال سقوط وجوه أخرى، والأنكى من ذلك في السيناريوهات التي تنبأت بدخول أطراف أخرى الحكومة لم تمنحها صناديق الاقتراع تلك الإمكانية.

    وهكذا فقد ربط البعض التعديل بغضبة ملكية محتملة نزلت على رأس الوزيرين المستهدفين. وهو ما جعل معاول التنقيب والبحث تغوص في أعماق التاريخ البعيد للرجلين، متحدثة مرة عن تسريب تسجيل صوتي للأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وزير العدل انتقص فيه من قيمة العدالة باحتمال معالجة قضايا بطرق غير تلك المتعارف عليها، كما لم يسلم زميله في الحزب من الإشارة إلى ملفات فساد محتملة سبق أن أثارتها بعض المنابر الإعلامية. لكن الغريب في كل هذا وذاك أن لا أحد من المحللين والمفسرين والمهللين والمتحدثين المفوهين تساءل عن صحة الخبر ومصداقيته، في وقته ردده الجميع على أنه الكلام الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، لم لا؟ والخبر نشرته صحافة ماما فرنسا، دون استحضار لا صيغته التي ورد عليها الخبر في المجلة المذكورة، ولا سوابق الصحافة الفرنسية في إخلافها الموعد في مناسبات مماثلة سابقة، ولا حتى الظرفية المطبوعة بتوتر العلاقات بعد إصرار فرنسا على رفض منح التأشيرات لعدد من المغاربة. هذه الأمور، وغيرها جعلنا نخرج ببعض الملاحظات، نجملها في الآتي:

    غلب النقل على تناول الصحافة المغربية لهذا الخبر، وذلك بالاكتفاء بما أوردته المجلة من معطيات، دون التساؤل عن صحة ما تم نشره، علما أن من أهم مبادئ العمل الصحفي، التأكد بما وصل الإعلامي من أخبار من مصادرها الطبيعية، وهو أمر إن تم، كان سيغني الخبر بمعطيات لم يوردها المصدر الأول. ولعل ما يدفع إلى هذا الاتجاه، هو الصيغة التي أوردته المجلة الفرنسية من إغفال للإشارة لمصدر الخبر، والاكتفاء بالإشارة إلى “معلوماتنا” وهي صيغة أبعد ما تكون من المهنية، أو على الأقل، تدفع إلى الشك في صحة الخبر.

    ومما يدفع إلى التشكيك في محتوى الخبر، ربطه باجتماع سري جمع رئيس الحكومة بمستشار الملك. فكيف نتحدث عن اجتماع سري سُربت نتائجه؟ فعن أية سرية تتحدث المجلة؟ إلا إذا كان الأمر يتعلق إما بضرب في مصداقية الرجلين وهما رجلي دولة يحترمان تقاليد التعاطي مع اللقاءات التي تُعقد بعيدا عن أعين الكاميرات، أو بضرب من تحت الحزام؟

    التجربة أبانت أن مثل هذه القضايا المرتبط بالسيادة الوطنية، لا يتم الإخبار بها إلا عبر وسائل الإعلام الرسمية. فحين تجد غيابا تاما لخبر التعديل المحتمل في قصاصات وكالة المغرب العربي للأنباء، ولا في الإذاعة الوطنية ولا على شاشة الأولى، فلا يمكن التعامل مع الخبر على أنه صحيح. وقد يقول قائل إن وسائل الإعلام الرسمية تقدم الخبر بعد وقوعه، وأن باقي الوسائل اعتماد على وسائلها الخاصة وقربها من مطبخ القرارات يجعلها تتنبأ بالأمر قبل حدوثه، لهؤلاء نشير إلى سوابق نفس المجلة حين تنبأت بتعديلين في عهد حكومة بنكيران، ومن بعده العثماني، فأخلفت موعدها بتحقيق سبق صحفي، وذلك أنها لم تدرك أن “الدولة المغربية لها منطقها وتقاليدها في تدبير التعديلات الحكومية… التي … قد يتم التراجع عنها حين يتوقع الإعلام حدوثها بالتفاصيل” كما أشار المحلل عمر الشرقاوي في تدوينة له..

    إقرأ الخبر من مصدره

  • البوليس بين “الهيبة” و”السيبة”

    عزيز لعويسي

    لايمكن مهما تعمقت بؤرة الاختلاف، إلا الاتفاق أن العبث بلغ مداه والتهور تجاوز منتهاه، في ظل ما وصلت إليه منظومة القيم والأخلاق من تراجع يدور في فلك الإفلاس، وفي هذا الصدد، لسنا ملزمين لفض بكرة هذا العبث أو اقتحام خلوة ذاك التهور، مادامت مشاهد الانحطاط بكل تمظهراته، باتت الطابع المميز لواقع اجتماعي لم يعد بيته يسر الناظرين.

    وإذا كان لامفر من إعطاء المثال وإثبات الدليل، فيكفي قولا أن الشرطة التي يفترض أن توفر الحماية للمواطنين وتقوي فيهم الإحساس بالأمن والاستقرار والطمأنينة، لم تعد عناصرها تسلم من نيران الوقاحة وأيادي العنف والانفلات، وسط حالة من الفرجة، لا تغيب فيها فقط، الحلول الناجعة من جانب صناع القرار السياسي والقضائي والأمني والحقوقي، حماية لموظفي الشرطة مما بات يطالهم من تجاوزات واعتداءات بمناسبة ممارسة واجبهم المهني، بل وتشجع “الصعاليك” والخارجين عن سلطة القانون، على التمادي في إنتاج المزيد من العبث وإفراز ما هو متاح وممكن من التهور والتفسخ والانحلال.

    مناسبة هذا الكلام، العنف الذي طال قبل أيام، شرطي مرور بالدار البيضاء أثناء مزاولة مهامه الاعتيادية بالشارع العام، من قبل شخص “صعلوك”، لم يجد حرجا أو حياء في محاولة تعريض الشرطي للضرب والجرح باستعمال عصا طويلة، وقد وثق هذا الحادث من خلال شريط فيديو قصير تم تداوله على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، يظهر شخصين، أحدهما يمتطي دراجة نارية مشكوك في أمرها، والثاني يواجه شرطي مرور بزيه الرسمي بواسطة عصا، في الوقت الذي اكتفى فيه الشرطي “المغلوب على أمره” بالمرواغة، تفاديا لإصابته.

    المشهد الدرامي الذي كانت الدارالبيضاء مسرحا له، تزامن تقريبا مع حادث مماثل بمدينة الحسيمة، وبين المشهدين المؤلمين، تم التموقع في صلب واقع سوسيومجالي “مأسوف عليه”، يفرض دق جرس الإنذار أكثر من أي وقت مضى، لأن شيوع ثقافة تحدي الشرطة والجرأة في تعريض موظفاتها وموظفيها إلى الاعتداءات اللفظية والجسدية أثناء ممارسة وظائفهم الاعتيادية بالشارع العام بدون خجل أو حياء أو خوف، معناه أن سيل “السيبة” بلغ الزبى، وجليد “الهيبة” آخذ في الذوبان الصامت، في ظل الارتفاع المقلق لحرارة التهور والعبث والانفلات.

    واقع لايفرض فقط، دق جرس الإنذار، بل والتنديد العلني بكل الممارسات “اللامسؤولة” أو “الهمجية” على الأصح، التي تستهدف الشرطيين بمناسبة ممارسة مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، لما لها من مساس جسيم بصورة الأمن الوطني ومن تأثير على صورة المؤسسة الشرطية في المجتمع، ومن تبخيس واضح لما تضطلع به من مهام جسام، في سبيل فرض النظام العام وما يرتبط به من أمن وصحة وسكينة، ومن تكريس لثقافة الإحساس بانعدام الأمن لدى المواطنات والمواطنين، وهذه الممارسات لابد من التصدي لها بما يلزم من الجدية والحزم، لكبح جماح ما تنتجه شوارعنا من “متهورين” و”صعاليك” و”خارجين عن القانون”، حرصا على قوة الدولة ومكانة ورمزية أجهزتها ومؤسساتها.

    وإذا كانت مسؤولية الحرص على “الهيبة” ملقاة على المؤسسة الشرطية ذاتها، التي لابد لها من المضي قدما في اتجاه حماية أمن وسلامة منتسبيها بمناسبة ممارسة مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، عبر آليات “الجدية” و”الصرامة” في التصدي لكل التجاوزات والاعتداءات احتراما لسلطة القانون، فهي أيضا مسؤولية السلطة المعنية بأمر التشريع، التي لابد لها أن تجتهد في تقديم حلول تشريعية “مبتكرة”، قادرة على إنتاج قواعد قانونية صارمة “تحمي” الشرطيين في الشارع العام في ظل اشتداد درجة حرارة “السيبة”، وتوفر لهم مناخا مهنيا ملائما، يسمح بتحمل المسؤوليات الأمنية كاملة، بعيدا عن مفردات “الخوف” أو “التردد” أو “التراجع” .

    بالعودة إلى ما وقع لشرطي الدار البيضاء وزميله بالحسيمة، قد يقول قائل أن الشرطيين كان لهما أن ينتقلا إلى مستوى الصرامة والقوة دفاعا عن النفس ولو تطلب ذلك إشهار السلاح الوظيفي أو استعماله عند الاقتضاء، بدل التعامل مع الموقف بطريقة سلبية حاملة لمشاعر الخوف والتردد، بكل ما لذلك من مساس بصورة الشرطة ورمزيتها، ومن تبنى أو يتبنى هذا الطرح، نثير انتباهه أن الكثير من الشرطيين، تنتابهم مشاعر القلق والتوجس والتردد والحيطة والحذر أثناء التدخلات، خاصة في الحالات التي تكون مقرونة بنوع من التحدي والمقاومة والعنف وعدم الامتثال من جانب بعض الأشخاص المشتبه في ارتكابهم لأعمال إجرامية، حيث يحسبون ألف حساب، قبل الإقدام على أي تدخل، قد ينتهي وراء القضبان أو بالعقوبة الإدارية، في ظل التعقيدات التي تعتري عملية استعمال السلاح الوظيفي في حالة الدفاع الشرعي، والضبابية التي تحوم حول المطاردة البوليسية بالشارع العام، وهذا الواقع المهني، يقتضي كما تمت الإشارة إلى ذلك، الرهان على “التشريع”، من أجل تنزيل جيل جديد من القوانين الشرطية، قادرة على توفير الحماية اللازمة للشرطيين، تقطع مع مشاعر التردد أو الخوف أو التراجع أو الخضوع، في ظل شيوع ثقافة “السيبة” وما يرتبط بها من عبث وتهور وانحراف.

    وإذا كان الشق التشريعي أمرا لا محيد عنه، فإن الرهان على الوسائل والتقنيات الحديثة والبديلة، بات ضرورة ملحة أمام جائحة السيبة الآخذة في التمدد والانتشار، وفي هذه الإطار، فإذا كانت المديرية العامة للأمن الوطني، قد بادرت قبل أسابيع، إلى اعتماد منظومة جديدة ومتطورة من الأسلحة والمعدات الوظيفية، موجهة للاستعمال من قبل موظفي الشرطة في حالات التوقيف المقرونة بالمقاومة وعدم الامتثال من قبل المشتبه في تورطهم في اقتراف جرائم، فإنها مطالبة باستعجال تعميم هذه المنظومة الجديدة على جميع الفرق والدوريات العاملة بالشارع العام، لما لها من دور في التقليل من حالات استعمال السلاح الوظيفي، وإتاحة وسائل بديلة، من شأنها تمكين الشرطيين من التوقيع على تدخلات أمنية ناجعة وفاعلة، في الحالات الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، وضمان المحافظة على سلامة الشرطة والمواطنين على حد سواء.

    وعلى غرار السلاح الوظيفي، فإن “الوسائل البديلة” المعتمدة، لابد أن تكون مؤطرة قانونا، من حيث ظروف وحالات الاستعمال، حتى لا تتحول إلى وسائل بديلة للتجاوز أو الشطط أو المساس بالحريات، وإذ نثمن النفس الإصلاحي والتحديثي للمديرية العامة للأمن الوطني وما وصلت إليه من إشعاع إقليمي ودولي، نثير الانتباه، إلى أن موظفي الشرطة، بقدر ما هم في حاجة إلى الحماية على مستوى القوانين والوسائل والمعدات الحديثة والتكوينات المستمرة، فهم أيضا في حاجة إلى الحماية الاجتماعية والنفسية والمادية، لأن القوانين والوسائل والمعدات وحدها لاتكفي، ما لم يحضر الاستقرار الاجتماعي والنفسي والمادي والوظيفي، في ظل منظومة أمنية، مبنية على قواعد الحكامة الأمنية الجيدة.

    مع الإشارة في خاتمة المقال، أن ما بات يطال الشرطيين من تجاوز بمناسبة ممارسة مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، ما هو إلا جزء لايتجزأ من منظومة مجتمعية متناقضة، تعيش أزمة قيم وأخلاق، أطلقت وتطلق العنان لممارسات العبث والتفاهة والسخافة والانحطاط والانحراف والعنف والجريمة، وإذا كانت الحلول الممكنة تمر عبر تجويد القوانين والنهوض بالأوضاع الوظيفية والاجتماعية والنفسية لموظفي الشرطة، فهذا المرور وحده، لن يكبح جماح العبث والتهور والانحطاط، ما لم تحضر إرادة سياسية حقيقية، تروم النهوض بأوضاع منظومة التربية والتكوين وإعادة الاعتبار للأطر الإدارية والتربوية بعيدا عن إصلاح “المساحيق”، وما لم تتحمل مؤسسات التنشئة الاجتماعية أدوارها كاملة، في التربية والتأطير والتوجيه وغرس قيم المواطنة الحقة وما يرتبط بها من مسؤولية وانضباط والتزام ونكران للذات.

    ولايمكن أن نختم، دون توجيه البوصلة نحو “المواطنين” الذين يكتفون بلعب دور “الكومبارس” في الحالات التي يتعرض فيها موظفو الشرطة إلى خطر المواجهة والاعتداء أثناء التدخلات بالشارع العام، وهذا الموقف السلبي غير مقبول إطلاقا، لأن “الشرطة المواطنة” لايمكن البتة بلوغها، إلا بوجود مواطنين “متضامنين” و”متعاونين”، بل و”شركاء” في “أمن” يعد شأنا مجتمعيا ومسؤولية أفراد وجماعات، أما بعض الجمعيات المدافعة عن “حقوق الإنسان” والتي غالبا ما تستعرض العضلات في قضايا الحريات الفردية، وتوزع صكوك التنديد في الحالات التي يقع فيها “الشرطيون” في خانة “التجاوز” بمناسبة أداء مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، فنراها تبلع اللسان وتتوارى عن الأنظار في حالات العنف الذي يطال الشرطيين شأنهم في ذلك شأن المدرسين، وبازدواجية مواقفها، فهذه الجمعيات تساهم بقصد أو بدونه، في التطبيع مع بات يهدد لحمتنا الوطنية من عبث وتفاهة وسخافة وانحطاط، وتكرس مفهوما لحقوق الإنسان، مقرونا بالاسترزاق والمصالح والمنافع والمكاسب، عسى أن تتحمل هذه الجمعيات مسؤولياتها المواطنة في النهوض الحقيقي بثقافة حقوق الإنسان، والارتقاء بثقافة الالتزام والنظام والاحترام …

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شريط “ستة أشهر ويوم”.. فصاحة الصورة وبلاغة التقنية 

    الكبير الداديسي

    عدت في تلك الليلة من رمضان إلى البيت استلقيت أمام التلفاز أبحث عن لحظة استمتاع وإفادة … شدني شريط تلفزي مغربي بالقناة الثانية، وقفتْ فيه البطلة تعترف لثلاثة أشخاص أمامها قائلة (عندي سرطان في مراحله النهائية تعبت من الأدوية وهذا الداء الخبيث لا يزيد إلا انتشارا بذاتي … الطبيب أخبرني أنني لن أعيش إلا ستة أشهر وها أنذا أعيش يوما بعدها… زياد خديجة أتوسل إليكم إن حصل لي مكروه اعتنوا بإبراهيم عاملوه كأخ لكم … هيا ساعدوني على وضع الأواني بالسيارة) وما كدت أعدل جلستي لمتابعة باقي الأحداث حتى فاجأني آخر مشهد في الشريط يُظهر البطلين والطفل زياد داخل سيارة في جو عائلي مع بزوغ أشعة شمس تزرع أملا في طريق هذه العائلة… عرفت من جينيريك النهاية أن الأمر يتعلق بشريط (ستة أشهر ويوم) للمخرج عبد السلام الكلاعي… من يومها لم يغب عن ذهني ذلك المشهد وعشت أمنّـي النفس بفرصة تتيح لي مشاهدة الشريط كاملا ولي قناعة أنه سيحتفي باللغة ما دام اختيار كلمة “أشهر” في العنوان بدل “شهور” تنم عن اختيار واع بأهمية التمييز بين جمع القلة (أشهر) وبين جمع الكثرة (شهور)…  وكبرت الأمنية أكثر لما عرفت في ما بعد أن الشريط حصد ثلاث جوائز هي الجائزة الكبرى وجائزة الإخراج وجائزة التشخيص ذكورا في مسابقة مهرجان مكناس للدراما التلفزية…

    وتحققت تلك الأمنية لما أعادت القناة الثانية عرض الشريط ليلة السبت 14 غشت 2022، وأسعفني الوقت لأنقطع عن العالم زهاء ساعة ونصف حملني فيها الشريط إلى عوالمه، وما أن طلع جينيريك النهاية أمامي من جديد حتى وجدتني أنزوي إلى حاسوبي الشخصي أدون ملاحظات عسى أشارك القراء والمهتمين بالسينما والدراما المغربية بعض من تلك الملاحظات في هذا المقال….

    “ستة أشهر ويوم” تحفة تلفزية للمخرج المغربي عبد السلام الكلاعي صدرت سنة 2021 إنتاج القناة الثانية، بعد عدد من الأعمال تشكل ريبرتوارا متنوعا  لهذا المخرج  يجمع بين المسرح والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأشرطة التلفزية والمسلسلات، مما بوّأته لأن يكون فاعلا سينيماتوعرافيا له وزنه بالمغرب…

    يحكي شريط “ستة أشهر ويوم”  حكاية مركزية تحوم حولها حكايات فرعية تكملها، تتلخص الحكاية البؤرية في قصة شابين خريجي مدرسة الفنون الجميلة بتطوان  تزوجا عن حب، استقرا بمدينة العرائش يعيشان من مشروعهما الشخصي يبيعان فيه ما ينتجانه من أوان خزفية ولوحات تشكيلية، وقبل أن يرزقا بأبناء، تكتشف هدى إصابتها بداء السرطان وقد استشرى في جسدها، ليحدد لها الطبيب أمد حياة لا يتجاوز ستة أشهر كأقصى، تعيش خلاها معاناة أمام استحالة إجراء  عملية جراحية بعد أن تفشى الداء في الجسد، وصعوبة الاعتماد على العلاج الكيماوي لتكاليفه الباهظة بالنسبة لسيدة لا تسفيد من أي تغطية صحية وترفض بيع منزلها خوفا من تشريد زوجها إبراهيم، ورغم ما تعانيه من ألم  أصبح همّها الأول التفكير في كيف سيعيش هذا الزوج بعد وفاتها وهو الآخر  يعاني اضطراب التوحد…

    تداري هدى ألمها وتسعى عبر كل السبل الممكنة عسى تضمن لإبراهيم حياة مستقرة قبل رحيلها… ولما باءت كل محاولاتها بالفشل تسلحت بالأمل واستطاعت رغم كل المصاعب والآلام والعراقيل أن تعيش يوما إضافيا بعد تلك المدة التي حددها لها الطبيب كحد أقصى. خلال هذه الرحلة نسج المؤلف والمخرج لهذين الزوجين علاقات متباينة بين السلب والإيجاب مع شخصيات وأسر ومؤسسات نجحت في تشخيص الأحداث وتوهيم المتلقي بواقعيتها، وقد شخصت أحداث هذا الشريط ثلة من الممثلين على رأسهم أمين الناجي في دور إبراهيم، جليلة التلمسي في دور هدى، نسرين الراضي في دورة خديجة، الخنساء الشهموني في دورة صفية مراد حميمو في دور الدركي، زكرياء عاطفي في دور الجار السكير، سامي الكلاعي في دور الطفل زياد إضافة إلى ممثلين آخرين…

    ومن تلك العلاقات التي ربطت هدى وإبراهيم بالآخرين نكتفي بالإشارة إلى:

    – العلاقة بأسرة صفية زوجة والد إبراهيم الشيخ الكسيح المريض الذي لا يغادر فراشه تزوحها وهو في الخمسينيات من عمره ابنةَ 18 سنة، وها هو قد تجاوز السبعين وهي في منتصف الثلاثينيات من عمرها لم يعد لها من هدف سوى انتظار وفاته لترث شيئا يعوضها تضحيتها بشبابها معه… وهو مما خيب أمل هدى في الاطمئنان على إبراهيم إن هي أوكلت لصفية أمر رعايته.

    – العلاقة مع خديجة الشابة ابنة32 سنة عازبة تشتغل في ورشة البطلين اقترحت عليها هدى الزواج من إبراهيم لتطمئن عليه وتضمن له من يرعاه لكن خديجة هي الأخرى خيبت أفق انتظار هدى…

    – العلاقة بعائلة الطفل زياد حيث رب الأسرة سكير يعنف الطفل، ولا يحترم حرمة الأسرة مما أجبر الأم على الهروب مع عشيقها وترك الطفل فريسة عدوانية الأب، لم يجد من يخفف من معاناته سوى حضن أسرة هدى وزوجها اللذان كانا يشجعانه على الدراسة ويصقلان موهبته في الرسم…

    – العلاقة مع مؤسسة الرعاية الاجتماعية، ذهبت إليها هدى عسى تضمن سريرا يستقبل زوجها بعد وفاتها، لتعود منها خائبة بعدما كشفت الكاميرا ما يعاينه نزلاء هذه المؤسسة من إهمال ومن لا مبالاة المشرفين على تدبير أمورها…

    وعلى الرغم من كل تلك الخيبات التي صفعت البطلة وكادت تفقدها الثقة في كل من وما يحيط بها، فللشريط رسالة أمل  تنقل المتفرج من واقع متعفن مرفوض لتبشره بغد مشرق منشود (افتتح الشريط بمشهد جنائزي وانتهى بسفر مع بزوغ شمس الصباح وتطلع لغد أفضل)

    أما من الناحية التقنية فالشريط يقوم على تقنيات سينيماتوغرافية وأليات تفهم جيدا دلالة حركة الصورة، وصورة الحركة مما جعل منه شريطا مشحونا يتجاوز دور الوسيط البصري، إلى نظام تواصلي يفرض على المتلقي التفاعل معه، لما  يحمله من رسائل، وما يثيره من مشاعر، حيث الصورة تخاطبنا كلغة تحتم على المتلقي الرقي لفهم لغة التصوير -التي تتجاوز العلامة الكلمية اللفظية – لما لها من قدرة على الإيهام البليغ بالواقع، وخلق علاقة مباشرة مع المتلقي ما دامت تخاطب العين، تؤثر فيه وينسى الشاشة أمامه فيلج بطواعية عالمَ أحلام ، وينخرط في كذبة فنية متفق عليها تفقده ذاته وتحرر لا شعوره من الكوابح العرفية، فيتعاطف ويشفق ويبكي… مع شخصيات يعرف جيدا أنها تمثل…

    إن شريط ستة أشهر ويوم” للمخرج عبد السلام الكلاعي وإن كان يتناص مع عدد من الأشرطة، ويتقاطع معها في بعض الأحداث والرسائل، فلمشروع الكلاعي من خلال ها الشريط خصائص كثيرة تفرده  سنكتفي في ها المقال بعشر ملاحظات سريعة عسى يغنيها من تابع الشريط:

    1 – الارتباط الوثيق بمدينة العرائش، وهي خاصية تميز عددا من أعماله الفنية، فقد نجح  في هذا الشريط بواسطة الكاميرا الترويج للمنتوج المحلي  في الصناعة التقليدية (الخزف ) والصناعة الميكانيكية (سيارة داسيا لودجي)  وتسويق جمالية مدينة العرائش كقبلة سياحية من حيث ثقافتها كرأسمال لا مادي (الخزف، سلوك أهلها وتضامنهم في السراء والضراء، التكافل في العزاء، الفروسية…) أو من حيث حضارتها المادية (الأقواس ،الأبواب ،النوافذ ،الحدائق، المقابر، المقاهي، الكورنيش…) وغير ذلك من المظاهر الحضارية والثقافية  التي تنماز بها العرائش فكان الشريط على ما يتضمنه من مآسي فسحة سياحية ماتعة بجمالية مدينة ضاربة في القدم تقدم لوحة تختزل ثقافة وحضارة الغرب الإسلامي (الأندلس والمغرب) …

    2 –  تسليط الضوء على اضطراب نفسي قلما وقفت عليه السينما، نقصد  التوحد كاضطراب نفسي تُؤثر على قدرة الفرد في الاتصال مع المحيطين به وفي تطوير علاقات متبادلة معهم، مما يفرض تعاملا خاص مع الشخص المصاب بهذا الاضطراب، وهو ما نجح الشريط في تشخيصه بمهنية عالية، إذ استطاع إبراهيم تحت إدارة المخرج ترجمتها بدوام الحركة والحركات المتكررة، والدوران في دوائر، والتلويح باليدين. مع إتقان تشخيص حساسيته المفرطة للصوت والضوء واللمس… وهو ما خلق متاعب لهدى التي كادت أن تفقده في إحدى نوباته لما هيجه صوت منبهات السيارات وسط المدينة… ورغم ما يبدو على صاحب هذا الاضطراب النفسي من هدوء فقد يخرج عن سكينته كلما حدث تغير في وثيرة حياته أو شعر باحتقار أو تهديد، كما حدث عند دفاع إبراهيم عن زوجته في حادثة كاد يقتل فيها جاره السكير لكماً… هذه المشاهد وغيرها تبين بجلاء إحاطة كاتب النص، المخرج والممثل بخصوصية هذا الاضطراب وإلا لما نجح الشريط في توصيل الرسالة …

    3 – التركيز على أهمية اليدين في تشخيص اضطراب التوحد، وقد تجلى هذا التركيز في مشاهد كثيرة تم ال(mooz) فيها على يدي إبراهيم  وهو يوظفهما في اللمس ، في الرسم، في التفتيش عن الأشياء، في ترتيب الأغراض في نظافة الجسد وتنظيف المحيط… ويكفي الوقوف عند مشهد ردة فعله إبراهيم تجاه صوت قطرات الصنبور التي أفقدته التركيز في إتمام إحدى اللوحات، لتتضح رمزية الصورة وبلاغتها وهي ترصد تفاعل يديه مع الصنبور رصد  يصعب تصويره باللغة مهما كانت بلاغتها….

    4 – هيمنة بلاغة الصمت وتعبيرية الإيجاز على لغة الحوار في الشريط، مما يعكس مهنية كاتب الحوار وسعيه إلى إثارة العقل وتحريك ذهن المتفرج، فكثيرة هي المشاهد التي كانت خالية من الكلام ودون حوار، ومشاهد أخرى كانت بها لغة مقتضبة وكلمات قليلة مشحونة بمعان كثيرة، مما أحال بعض الجمل التي تلفظ بها الممثلون إلى حِكم، أكيد سيظل رنينها يتكرر في أذن المتلقي بعد نهاية الشريط ويكفي أن نقدم هذه الأمثلة القليلة دليلا:  (وحدها أمي كانت تعرف الكلام معي وحدها) (اليد التي ترسم لا  تضرب) (الناس لا يحبون إلا الذين يشبهونهم) (الذي يضربك يا حفصة لا يستحقك) (ضوء الشمس يمنح الحياة للطبيعة) (الأشياء الجميلة يجب أن نراها بقلوبنا وليس بعيوننا فقط)…

    5  لعل من أهم العلامات الفارقة الدالة في هذا الشريط حضور الفنون التشكيلية  كفنون بصرية تستهدف إبداع أشكال مجسمة (الخزف) أو  صورا على سطح (الرسم) ، وعدم اعتبار تلك الفنون عناصر تكميلية للمادة التي يحكيها الشريط، إذ سعى شريط “ستة اشهر  ويوم” إلى جعل الرسم والخزف بؤرة مركزية في الشريط يولد أحداثا ويساهم في تطوير أحداث، يسمو بالبطلين عن مستنقعات الواقع،  وكأن الفنون التشكيلية هي أساس العلاقة القوية بين البطلين، فالزوجة تقدر موهبة زوجها وهو ما جعلها مستعدة لفعل المستحيل من أجل راحته، ويكون بذلك التشكيل وسيلة للترفع والتسامي، وتفجير الموهبة  والتخلص من الضغط الذي يمارس على الفنان، ويسمو به فوق قتامة الواقع وهو ما عبرت عنه هدى لما أهداها إبراهيم صورة لها : (دائما ترسمني أحسن من الواقع)

    6 –  كان تكرار بعض المشاهد بطرق مختلفة إحدى علامات الجمال في شريط (ستة أشهر ويوم) كما تجلى في تكرار الجنائز ، تكرار الذهاب إلى المخبزة ،تكرار الذهاب إلى ورشة الخزف، تكرار الدخول والخروج من الباب…. وكل ذلك من مظاهر الحياة تأكيدا على التعود، وخدمة لاضطراب التوحد الذي يعانيه البطل، دون أن يشعر المتلقي بأن هذا التكرار يفقد شيئا من تطور الأحداث أو من جمالية الشريط، فقد يتساءل المتفرج مثلا ما سر تكرار شراء الخبز من المخبزة، وتكرار الجنائز؟ لكن سرعان ما يتبدد هذا التساؤل عندما نرى العبرة من ذلك التكرار في اختفاء الرجل الذي اعتادت هدى رؤيته قرب المخبزة كل يوم وهي تنتظر أجلها… كما كان اختيار آخر مشهد حول جنازة للحديث عن جنازة زوج وزوجته كانا يحبان بعضهما وتوفيا في نفس اليوم بعد 65 سنة زواج وحب بحق أهمية رسالة يمكن أن يبلعها التكرار…

    7 –  وهناك نقطة أخرى مضيئة بقوة في الشريط لا يختلف حولها اثنان تتعلق بالكاستينغ واختيار الممثل الأكثر ملاءمة للدور، وهنا لا بد من الإشادة بالكاستينغ ديريكتور السيد سمير بوتكورة (وهو الدور الذي لا ينتبه له النقاد في العادة ) على الاختيار الجيد للممثلين الذين اندمجوا مع الأدوار المنسوبة مهما كان الدور ثانويا، لدرجة يعتقد المتابع للشريط أنه لا يمكن لغير هؤلاء الممثلين أداء تلك الأدوار، إذ كان كل ممثل يوحي بأن الدور من حياته ولا يمثله، يتجلى ذلك في ملامحه حركاته تصرفاته نظراته طريقة كلامه لم تترك إدارة المخرج شيئا للصدفة  كل شيء يدل في الشخصية يشد المتلقي إليه فيتعاطف معه أو يحقد عليه… فبالقدر الذي تعاطف به المتفرجون مع هدى حتى كاد أغلبهم يقتنع أنها فعلا مصابة بالسرطان، بنفس القدر تفاعلوا مع زكريا عاطفي وحقدوا عليه لما فعله بأسرته حتى اعتقدوا أنه سكير شرير ليس مجرد نشخص للدور…

    8 – كان للطبيعة حضور لافت في الشريط، طبعا لانقصد هنا الطبيعة بمعناها الفلسفي العام (كل ماهو غريزي وبيولوجي ومشترك بين الإنسان و الحيوان، والذي يقابل  مفهوم الثقافة الدال على ما هو مكتسب من معارف ومعتقدات و أنماط عيش مختلفة. وإنما نقتصر في الطبيعة على المناظر الطبيعة التي شكلت فضاء للتصوير الخارجي، (وإن كانت الطبيعة في الذات الإنسانية بالشريط تستحق دراسة خاصة) كما أننا سنتجنب الوقوف على فضاءات الطبيعية داخل المدينة (حدائق كورنيش..) لأن الإنسان تدخل فيها وهيئها وفق رغباته، ربما لذلك لم تثر شيئا في إبراهيم ولم تحرك مشاعره، مثل الطبيعة العذراء سواء بعناصرها الحية كما تجلى في تفاعله مع الحصان فما أن رأى الحصان بجانب نخلات باسقة يحرك رأسه صعودا وهبوطا حتى لبّـى النداء في تجاوب عاطفي بينهما، ليتم  تغيير الكادراج وتكيبر (mooz) الصورة في مشهد قائم على التوازي بين البطل والحصان لا يفسده إلا من لا يتوق الفن بتدخل صاحب الحصان… أو الطبيعة بعناصره الجامدة كالأشجار والغابات والشمس والبحر… وعلى الرغم من كون العرائش مدينة بحرية بامتياز ولأن البحر يصدر صوتا قد يكون  عنصر تشويش على المصاب باضطراب التوحد فقد شكلت الغابة متنفسا حقيقيا للبطل. هكذا كان من أطول مشاهد الشريط، مشهد يعكس حلول الذات الإنسانية في الطبيعة ومشاركتها الهموم والأحاسيس هو مشهد البطل والطفل في مشهد غابوي  (مشهد ممتد على أزيد من ثلاثة دقائق) يتم فيه المقارنة بين الإنسان والأشجار ، ويتم الاستماع لصوت الشجر ومخاطبته عندما لا يجد البشر من يستمع إليه…

    9 –  الجانب القيمي في شريط (ستة اشهر ويوم) حاضر بقوة من خلال عدد من القيم الإنسانية  التي لا مسها، حتى ليكاد كل مشهد يقارب قيمة إنسانية ما…  وتبقى قيمة الحق في الاختلاف والعيش المشترك، والتنازل عن الأنانية وقبول الآخر كما هو التيمة المهيمنة على ما يعالجه الشريط، بالتنصيص على حق أولئك الذين ينظر إليهم العقل الجمعي على أنهم مختلفون إما لإعاقة جسدية أو ذهنية فيهمشهم ليعيشوا عزلة أبدية مهما كانت مواهبهم وقدراتهم، ليضعنا الشريط أمام إشكالية واضحة : أين نحن من ذوي الهمم وكلٌ منا معاق من جانب ما؟

    فعلى الرغم من كون إبراهيم فنانا تشكيليا قليل الكلام لا ينطق إلا حكمة، يحب الحياة ويحب النظافة متفوق في دارسته وكان الأول على دفعته، يحب زوجته ولم يصدر منه أي فعل مشين ضد الإنسان أو ضد الطبيعة ولا أي سلوك عنيف إلا إذا كان دفاعا عن النفس… فإن الكل ينظر إليه نظرة احتقار فقط لأنه مختلف عن الجميع…

    لذلك كان يجد راحته في الطبيعة ويتمنى لو كان الإنسان مثل الأشجار يقول في إحدى حواراته: (لا شجرة تشبه الأخرى ، كل شجرة من نوع خاص… ومع ذلك الأشجار تتعايش مع بعضها ليس مثل الناس الذين لا يتعايشون إلا مع من يشبههم  ومن لا يشبههم يعيش حياته دون أصدقاء ) وفعلا عاش إبراهيم (ومثله في الواقع كثيرون) معزولا مهمشا، يقصد الطبيعة التي تفهمه يقول للطفل زياد ( الأشجار تتكلم… عندما كنت في مثل سنك، كنت كل يوم آتي إلى هنا وأسمع ما تقوله الأشجار …) (يحضن جذع شجرة ويطلب من الطفل فعل الشيء نفسه ويسأله هل تسمعها …) لعل أهم الرسائل التي تيغيى المخرج إيصالها للمتلقي هي الدعوة إلى الإيمان بالحق في الاختلاف وحق الآخرين في العيش المشترك ونبذ الظلم والكراهية والحقد عسى نعيش في مجتمع يتسع للجميع، وتتاح فيه  الفرص حسب الكفاءات مع الدعوة إلى تقدير من يحبنا قبل ضياعه منا كما فقدت حفصة زوجها الذي كانت تعيش معه على مضض وقبلت بزوج يعنفها

    10 –  نقطة أخيرة لا تخطئها العين، وهي إيجابية المرأة، فبخلاف عدد من الأشرطة التي  تقدم صورة سالبة عن المرأة (عاهرة، خادمة، معنفة، مطلقة ،أمية… ) إن شريط (ستة اشهر ويوم) يقدم صورة إيجابية عن المرأة الصبورة القانعة المضحية والفاعلة… هكذا قدم كل النساء إيجابيات: (صفية ضحت بشبابها مع مسن تعتني به لا تخونه قانعة بقدرها… خديجة شابة عاملة طموحة مخلصة لخطيبها  وعلى نفس الصورة قدم الشريط كل النساء من بائعات الخبز وزبائن الورشة التي كانت واحدة منهن خريجة مدرسة الفنون الجميلة تقدر الفن والفنانين…  وتبقى البطلة هدى نموذج للمرأة الإيجابية المتعلمة القوية العاملة القائدة… تحمل في حوانها جبالا من الهموم دون أن يؤثر ذلك على عملها ولا على علاقاتها الاجتماعية… تُوثِر زوجها على نفسها … وحتى في مقر رعاية المسنين ظهر كل الرجال بصورة سالبة  سواء كمرضى أو كمسؤولين لا يقدرون المسؤولية فيما كانت صورة المرأة بهذه المؤسسة الصورة الإيجابية الوحيدة تجيد الإنصات لا تتجاوز الصلاحيات المسموح بها…

    أمام هذه الصورة الإيجابية للمرأة ظهر الرجال وإن كانوا نماذج لما هو في المجتمع أقل إيجابية فتوزعوا في الشريط بين الرجل المتسلط الذي يضرب ابنه، والرجل المريض المقعد (والد إبراهيم، الشاف المدني بدار العجزة، الرجل المقعد أمام المخبزة … ليكون الرجل الإيجابي الوحيد إلى جانب البطل هو الطفل زياد الذي يعشق الرسم ويحب الحياة ولا يعرف قلبه حقدا أو ضعينة في إشارة إلى عقد الأمل على الأجيال القادمة لبناء مجتمع يتسع للجميع

    في الختام نقول إن شريط ستة أشهر ويوم شريط يتوفر على كل مقومات النجاح سواء في موضوعه وما يقاربه من تيمات اجتماعية، أو في جوانبه التقنية مما لا يتسع المجال للوقوف عندها كلها سواء على مستوى التصوير والإخراج والمونتاج الماكياج والملابس، والصوت دون نسيان مناسبة الموسيقى التصويرية للمشاهدة مما أضفى على الشريط مسحة رومانسية تحببه للنفوس، وتترك هامشا للمتلقي لبناء موقفه من القضايا المعروضة عليه مثل تعنيف الأطفال والنساء، تهميش ذوي الهمم… وهو ما يفسر نسب المشاهدة العالية التي حققها الشريط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جنيرالات الجزائر يستقبلون رئيسا شكك في وجود بلدهم 

    سعيد الغماز

    خلال ترشحه لرئاسة فرنسا عام 2017، قام ماكرون بزيارة للجزائر للظهور أمام الفرنسيين كرجل دولة قادر على رئاسة فرنسا. خلال هذه الزيارة قام ماكرون بتوزيع تصريحات جعلت جنيرالات الجزائر يعتقدون أن العلاقات الجزائرية الفرنسية ستدخل منعطفا جديدا، يصب في مصلحة الجزائر ويُقوي موقفها العدائي للوحدة الترابية للمملكة المغربية. لكن بعد انتخابه رئيسا لفرنسا، لم يقع شيء من هذا وحصد حكام الجزائر كل الخيبات بعد أن اكتشفوا أن ماكرون استغلهم فقط في حملته الانتخابية. الأمر الذي انعكس سلبا على العلاقات بين البلدين.

    وخلال حملته الانتخابية للظفر بولاية ثانية، استقبل ماكرون في خطوة استفزازية، الجنود الجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي في حرب التحرير. لم يكتف الرئيس الفرنسي بهذا الاستفزاز للجزائر، بل صرح خلال هذا اللقاء أن الجزائر لم تكن موجودة قبل الاستعمار الفرنسي لها سنة 1830. هكذا إذا، تجرأ ماكرون على استعمال الجزائر مرة أخرى وكيفما يحلو له في حملته الانتخابية لكسب أصوات اليمين المتطرف. وبعد انتخابه رئيسا لفرنسا لولاية ثانية، دأب الرئيس الفرنسي على توظيف علاقة بلاده مع الجزائر بما يخدم مصالح فرنسا على حساب مصالح الشعب الجزائري.

    بعد كل هذا الاستهتار بالنظام الجزائري، يقوم الرئيس الفرنسي بزيارة للجزائر من أجل تأمين الغاز للفرنسيين خلال فصل الشتاء علما أن فرنسا لم تقدم أي اعتذارا للشعب الجزائري على تصريحات رئيسها. هكذا إذا بدت فرنسا تتعامل مع نظام عسكري ضعيف لا يبحث سوى على زيارة رؤساء الدول ليثبت للجزائريين أنه نظام لا يعاني من عزلة إقليمية ودولية.

    لو تحلى جنيرالات الجزائر بحِكمة العاهل المغربي، وحَكَّموا لغة العقل التي دعاهم إليها ملك المغرب، لكانوا في أفضل حال ولكان موقعهم الإقليمي أكثر قوة، لا تستطيع معه فرنسا التطاول على الجزائر كما تفعل الآن. العداء المفرط لحكام الجزائر اتجاه المغرب لم يجني منه هؤلاء سوى خيبة الأمل التي أضعفت موقفهم إقليميا ودوليا، رغم الأموال الكثيرة التي يصرفونها وهي أموال يحتاجها الشعب الجزائري. إذا كانت استراتيجية العداء التي ينهجها حكام الجزائر لتصدير أزمتهم الداخلية قد أضعفت بلادهم إقليميا ودوليا، فإن استراتيجية اليد الممدودة، والاهتمام بالمشاكل الداخلية، قد جعلت من المغرب قوة إقليمية وديبلوماسية صاعدة دوليا. هذا الأمر يتجلى بكل وضوح في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 63 لثورة الملك والشعب والذي جاء فيه:” لذا ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن تُوضح مواقفها، وتُراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”.

    قوة الديبلوماسية المغربية المبنية على اليد الممدودة والبناء الداخلي، جعلت المغرب يسير نحو كسب رهان وحدته الترابية ويُقوي موقعه في المنتظم الدولي. لذلك نقول بأن جنيرالات الجزائر، لم يبق أمامهم من خيار سوى نهج ديبلوماسية جديدة ووضع يد الجزائر في يد المغرب لكسب رهان خدمة مصالح بلدهم. وإلا، فإن مُنحنى السقوط والمزيد من الضعف هو مآل الافراط في العدوانية ضد المغرب، وهو ما سيجعل حكام الجزائر في أسوء ضعف في تاريخ البلاد سيجعل من الجزائرلقمة سائغة في يد أصحاب المصالح.

    وما زيارة ماكرون المقبلة للجزائر رغم أنه شكك في وجودها قبل الاستعمار الفرنسي، واستغل الجزائر في حملاته الانتخابية، إلا بداية السقوط إن لم يتدارك حكام الجزائر الأمر قبل فوات الأوان.

    إقرأ الخبر من مصدره