الكاتب: العمق

  • جماعة سلا تفرض رسوما “خيالية” على ولوج سوق الماشية.. والقرار يهدد بإشعال الأسعار

    إسماعيل الأداريسي

    أثارت لائحة الرسوم الجديدة الخاصة بولوج البهائم ووسائل النقل إلى سوق الماشية بمدينة سلا موجة استياء واسعة في صفوف المهنيين والمواطنين، بعد تداول وثيقة رسمية صادرة عن جماعة سلا تتضمن زيادات وصفت بـ”المبالغ فيها” و”المرهقة” للقدرة الشرائية، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى.

    وبحسب الوثيقة المتداولة، فقد جرى تحديد واجبات مالية تصل إلى 25 درهما عن كل رأس من الأبقار والعجول والإبل غير المحمولة، و20 درهما عن كل رأس من الغنم والماعز، و10 دراهم عن الخرفان والجديان، إضافة إلى رسوم مرتفعة على وسائل النقل تبلغ 1000 درهم للشاحنات الكبيرة الفارغة، و600 درهم للشاحنات الصغيرة، فضلا عن 30 درهما للمتر المربع مقابل استغلال فضاءات البيع طوال مدة السوق.

    واعتبر مواطنون أن هذه الرسوم ستنعكس بشكل مباشر على أسعار الأضاحي، حيث سيعمد “الشناقة” والوسطاء إلى تحميل التكاليف الإضافية للمستهلك النهائي، ما يعني ارتفاعا جديدا في أثمان الأضاحي داخل سوق يعرف أصلا مستويات قياسية من الغلاء خلال السنوات الأخيرة.

    وأكد هؤلاء في تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن فرض هذه الرسوم في الظرفية الحالية يفتقد إلى الحس الاجتماعي، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر المغربية، مؤكدين أن مثل هذه القرارات من شأنها تعميق معاناة المواطنين بدل التخفيف عنها.

    وكتب أحد المعلقين: “كلشي غادي يخرج من ظهر الدرويش”، فيما اعتبر آخر أن “الشناقة والكسابة غادي يطلعو الثمن حيث المصاريف تزادت عليهم”، بينما ذهب آخرون إلى القول إن “الحولي أصبح مطمعا للجميع من جماعات ووسطاء وناقلين”.

    كما أثار إدراج رسوم تصل إلى 400 درهم على سيارات “البيكوب” و500 درهم على “الساطافيطات” استغرابا واسعا، بالنظر إلى أن هذه الفئات تشكل الوسيلة الأساسية لنقل الماشية بالنسبة لصغار الكسابة والتجار، ما قد يدفع الكثير منهم إلى رفع الأسعار لتغطية المصاريف الإضافية.

    ويحذر فاعلون محليون من أن استمرار هذا النوع من الرسوم المرتفعة قد يساهم في تقليص الإقبال على الأسواق المنظمة، ويفتح الباب أمام تنامي الأسواق العشوائية والبيع غير المهيكل، في وقت يفترض فيه أن تعمل الجماعات الترابية على تشجيع التنظيم دون إثقال كاهل المهنيين والمستهلكين برسوم جديدة.

    إلى ذلك، قدم عمر السنتيسي، رئيس جماعة سلا، توضيحات بشأن الجدل الذي رافق الرسوم المفروضة على ولوج البهائم ووسائل النقل إلى سوق الماشية بسلا، نافيا أن يكون الأمر يتعلق بقرار جديد أو بزيادات استثنائية مرتبطة بعيد الأضحى.

    وأكد السنتيسي في تصريح لجريدة “العمق”، أن القرار الجبائي المعتمد “قديم وتمت المصادقة عليه داخل المجلس الجماعي بتأشير من الوزارة الوصية”، مشيرا إلى أن نفس التسعيرة كانت مطبقة أيضا خلال السنة الماضية، ولا تتضمن أي مستجدات مقارنة بالمواسم السابقة.

    وأوضح رئيس الجماعة أن التدبير الحالي للسوق ساهم، بحسب تعبيره، في تخفيض الرسوم مقارنة بالفترة التي كان فيها السوق مفوضا لشركة خاصة، مبرزا أن هذه الأخيرة كانت تفرض سابقا ما يصل إلى 50 درهما عن كل رأس، مقابل الرسوم الحالية المحددة في مستويات أقل.

    وشدد المسؤول الجماعي على أن تغيير القرار الجبائي لا يمكن أن يتم بشكل انفرادي أو فوري، بل يخضع لمساطر قانونية محددة ولمسطرة التشاور والمصادقة مع وزارة الداخلية والجهات الوصية، مبرزا أن الجماعة “لم تتوصل بأي شكايات في الموضوع”، مشددا على أن المقرر الجماعي غير مرتبط بارتفاع تكاليف الأضاحي والأسواق الموسمية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تداعيات القمة الإفريقية الفرنسية

    نورالدين قربال

    انعقدت القمة الإفريقية الفرنسية بالعاصمة الكينية نيروبي يومي 11و12 ماي 2026. كان الحضور وازنا يبرز الأبعاد الجيوسياسية لهذا اللقاء. حيث تمت مناقشة التحديات الأمنية، والتنمية الاقتصادية، وسبل جذب الاستثمارات، ومراجعة الديون السيادية. للإشارة فإن انعقاد القمة كان بدولة ناطقة بالإنجليزية لأول مرة، فهل هذا يعني أن فرنسا تخلت عن البعد الثقافي كأولوية، أم أن الأمر متعلق باختيارات جيوسياسية التي آمنت بأن الاختيار الاقتصادي والأمني مدخل للاختيارات الثقافية انطلاقا من دولة كانت مستعمرة من قبل المملكة المتحدة؟ أم أن فرنسا بعد العلاقات المضطربة مع غرب إفريقيا اقتحمت تجربة جديدة انطلاقا من دولة أنجلوسكسونية؟

    لقد حضر الأمين العام للأمم المتحدة والبنك الدولي، ليشهدوا خطابا جديدا من قبل كل الأطراف رافعين شعار “التمسك بالسيادة والتحرر من التبعية”. لأن إفريقيا تملك الثروات الطبيعية والبشرية خاصة الشبابية، وقادرة على ضمان التمويل المستدام، لكن للأسف أريد لها أن تعيش توترات جيوسياسية، وأزمات أيكولوجية، وتعثرات اجتماعية، فمن صنع كل هذا بإفريقيا؟ لقد ظهرت فرنسا في هذه الإطلالة الجديدة بوجه جديد يرصد 27 مليار دولار، مساهمتها تقدر ب 50 في المئة، من قبل القطاعين العام والخاص، من أجل بناء اقتصاد أزرق والصحة والتعليم، والزراعة والطاقة والرقمنة وغيرها من القطاعات، من تم عقدت القمة بعنوان كبير: إفريقيا إلى الأمام. بعد تعثر في اللقاءات السابقة التي انطلقت منذ 1973 والتي كانت تعقد إما بفرنسا أو بعض الدول الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية. فهل ستعرف هذه الشراكات والاتفاقيات طريقا إلى التنفيذ أم أنها ستظل حبرا على ورق؟

    لقد توافق الجميع على أن القمة انطلاقة جديدة، حسب الظاهر، وتموضع جديد لفرنسا بإفريقيا، وإعطاء الضوء الأخضر لكينيا بدعمها من أجل قيادة هذا الاختيار، ومواجهة التحديات العالمية خاصة ما هو صادر عن الولايات المتحدة والصين، مع تخفيف تكاليف الاقتراض وتسهيل الوصول للائتمان، والاعتماد على فرنسا في طرح قضايا إفريقيا على المجموعة السبع، التي تضم: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وإيطاليا. بهذا يعتقد الجميع أن إفريقيا تجاوزت المساعدات ودخلت في الاستثمارات المتوازنة والملموسة، من اجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030.

    بهذا النفس تتوق إفريقيا لتكون مساهمة في القرار الدولي وتضمن تمثيلية عادلة بالمنتديات الدولية، والمؤشر على ذلك ما أكد عليه البنك الإفريقي للتنمية أن 15 دولة إفريقية سجلت نموا اقتصاديا تجاوز 5 في المئة خلال سنة 2025. وتعتبر فرنسا الرابعة ضمن كبار المستثمرين داخل إفريقيا، أكثرمن 140 شركة فرنسية بنيروبي.

    ساهم المغرب بمداخلة في القمة، معلنا انخراطه في مخرجاتها، ومن أهم المضامين التي طرحت في الرسالة المغربية هو تركيزه على البعد الصناعي في الاقتصاد المغربي، خاصة السيارات والطيران، ثم الهيدروجين الأخضر، والهندسة المالية، باعتبار أن إفريقيا قارة للفرص والحلول والاستثمار، ومن آليات الاستفادة من هذه الفرص التبادل الحر، فلا يعقل أن تظل المبادلات التجارية داخل القارة الإفريقية لا تتجاوز 16 في المئة، في حين تتجاوز 60 في المئة بآسيا وأوربا، لذلك يجب تفعيل المنطقة التجارية الحرة القارية والإفريقية، كما دعا الوفد المغربي إلى مواءمة الإنتاج مع الموارد الطبيعية لكل بلد. فإفريقيا تملك 60 في المئة من أفضل الموارد الشمسية، في العالم، من تم لا بد من تحسين شروط استقبال الاستثمار والولوج إلى التمويل، معلنا انخراط المغرب في الإعلان المشترك.

    صفوة القول هل ستنجح فرنسا في تموضعها الجديد بعد أعطاب الفترة السابقة؟ هل ستتوفق إفريقيا في إنجاح الشراكات المتوازنة والملموسة على مستوى الطاقة والبنيات التحتية والأمن والسيادة الغذائية والتطور الرقمي؟ يبدو لي أن أهم شيء من أجل إنجاح هذه المرحلة الجديدة هو الثقة بين كل الأطراف لأن الرأسمال المادي لا يصنع حضارة دون بنية تحتية للرأسمال غير المادي. هذا مرتبط بإحداث بيروسترويكا فكرية ومعرفية كخلفية للإنتاج السياسي والاقتصادي والتنموي.

    إن أي اتفاق غير مصحوب بالمأسسة، وتوفير التمويل، والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجاوز منطق القبيلة إلى منطق القارة ومنطق الغنيمة إلى المصلحة العامة، واعتماد آليات التنفيذ والتنزيل والتقييم، سيبقى حبرا على ورق.

    إن فرنسا ستواجه مجموعة من الدول التي ربطت علاقاتها بإفريقيا نحو الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وكوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة، وتركيا، واليابان، والهند، وباكستان، وغيرها فهل ستنجح فرنسا أن تسل الشعرة من العجين في سياق دولي يتصف بعدم اليقين؟ كيف ستتحرر فرنسا من عقلية الاستعلاء إلى عقلية بناء الإنسان والعمران؟

    إن نجاح هذا المشروع الطموح مرتبط بتوقيع شراكات مبنية على العدل، واحترام السيادة الإفريقية، ووضع آليات لقياس درجة التنفيذ والتنزيل، وأخيرا وليس آخرا إن إفريقيا غنية لكن للأسف شعوبها فقيرة والحلول عند الأفارقة أنفسهم في إطار التعاون والتضامن وشراكات جنوب-جنوب ورابح رابح، وهذا لا يمنع من الانفتاح على المنتوج الكوني انطلاقا من سيادة الذات واستقلاليتها، لأنه كما يقال ما حك جلدك مثل ظفرك.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد سنوات من القطيعة.. المغرب يعلن رسميا إعادة فتح سفارة سوريا في الرباط

    سفيان رازق

    أعلن المغرب إعادة فتح السفارة السورية بالرباط، في خطوة دبلوماسية بارزة تعكس عودة العلاقات المغربية السورية إلى مسارها الطبيعي بعد سنوات من التوقف، وذلك في سياق سياسي وإقليمي وصف بأنه “خاص جدا” على مستوى المنطقة العربية.

    وجاء هذا الإعلان خلال الزيارة الرسمية التي يقوم بها وزير الخارجية والمغتربين بالجمهورية العربية السورية إلى المملكة المغربية، حيث أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن هذه الزيارة تشكل “زيارة تاريخية”، مبرزا أن إعادة فتح السفارة السورية بالرباط تمثل دليلا على عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها بعد أكثر من عشر سنوات من الجمود الدبلوماسي.

    وأوضح المسؤول الحكومي أن المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، كانت دائما واضحة في مساندتها لتطلعات الشعب السوري وحريته، كما كانت واضحة في دعمها لسيادة سوريا ووحدتها الترابية، مضيفا أن المغرب يهنئ سوريا والشعب السوري والحكومة السورية على ما تحقق في إطار مسار انتقالي سياسي يساعد على لمّ شمل السوريين وخلق الاستقرار وظروف التنمية داخل البلاد.

    وأشار إلى أن الخطوات الحقوقية والقانونية والسياسية والاقتصادية والأمنية التي تم اتخاذها في سوريا تسير، بحسب تعبيره، في اتجاه استقرار البلاد ولمّ شمل الشعب السوري وإخراج سوريا من “المرحلة المظلمة” التي عاشتها لسنوات، مؤكدا أن المملكة المغربية تجدد دعمها وترحيبها بكل الإجراءات التي تم اتخاذها بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع لإنجاح الانتقال السياسي، رغم تعقيد الظرفية الإقليمية والسياقات المحيطة بها.

    كما هنأ المسؤول المغربي سوريا على ما اعتبره “عودة تدريجية” إلى مكانتها الإقليمية والدولية، معتبرا أن الإشارات الصادرة عن محيطها العربي والقوى الكبرى والاتحاد الأوروبي والمنظمات الاقتصادية تؤكد أن سوريا تتعافى تدريجيا، وأنها باتت تُنظر إليها كشريك موثوق وقادر على الإسهام في الاستقرار والتنمية، ليس فقط داخل أراضيها، وإنما أيضا في محيطها العربي والإسلامي والمتوسطي.

    وأكد أن تعليمات الملك محمد السادس كانت واضحة في الرسائل التي وجهها إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، وكذلك من خلال إعادة فتح السفارة المغربية بدمشق خلال يوليوز من السنة الماضية، باعتبار ذلك مواكبة لمرحلة “الانبعاث الجديد” التي تعيشها سوريا، وإشارة إلى رغبة الرباط في فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية تقوم على الروابط القوية بين الشعبين وعلى بناء نظام إقليمي عربي قائم على المصالح الأمنية المشتركة والرؤى المتقاسمة.

    واستحضر المسؤول الحكومي مواقف الملك محمد السادس تجاه الشعب السوري، سواء من خلال فتح السفارة سنة 2011، أو من خلال الزيارة التي قام بها إلى مخيم الزعتري بالأردن سنة 2012 ولقائه باللاجئين السوريين، في إطار إقامة مستشفى ميداني مغربي، معتبرا أن المرحلة الحالية تستدعي تفعيل مختلف الاتفاقيات الثنائية والآليات المؤسساتية بين البلدين.

    وكشف أنه تم الاتفاق على تحيين الإطار القانوني المنظم للعلاقات الثنائية، معتبرا أن الإطار الحالي “متقادم” ولم يعد قادرا على مواكبة طموح البلدين، كما تم الاتفاق على إحداث لجنة مشتركة يقودها وزيرا خارجية البلدين كآلية للتنسيق والدفع بالعلاقات الثنائية، إلى جانب إحداث آلية للتشاور السياسي من أجل تعزيز التنسيق الدبلوماسي حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، فضلا عن لجنة قنصلية لمعالجة الملفات المرتبطة بالمغاربة المقيمين بسوريا والسوريين المقيمين بالمملكة المغربية.

    وفي الجانب الإنساني، أعلن المسؤول ذاته أن المملكة المغربية قررت منح 100 منحة دراسية للطلبة السوريين، سواء في التعليم الأكاديمي أو التكوين المهني، مؤكدا استعداد المغرب، بتعليمات ملكية، لوضع تجربته في مجالات التنمية والاستقرار رهن إشارة سوريا، من خلال تقاسم الخبرات المرتبطة بالتأهيل والتدبير الإداري والعدالة الانتقالية والتعاون الاقتصادي والأمن الغذائي، إضافة إلى السياسات القطاعية المرتبطة بالفلاحة والصناعة والصيد البحري والسياحة وغيرها، مع تشجيع الزيارات القطاعية للوزراء والمسؤولين المعنيين.

    وشدد على أن هذه الزيارة ستفتح مرحلة جديدة في العلاقات المغربية السورية، مؤكدا أن السفارتين ستضطلعان بدور أساسي في مواكبة هذه المرحلة، كما أعلن عزمه القيام قريبا بزيارة إلى دمشق من أجل افتتاح السفارة المغربية هناك، في خطوة وصفها بأنها “إشارة قوية” على عودة العلاقات إلى طبيعتها، وعلى رغبة المغرب في مواكبة رؤية القيادة السورية الجديدة بما يخدم الاستقرار والتنمية في سوريا ومحيطها العربي.

    وختم المسؤول الحكومي بالتنويه بما وصفها بـ”الإشارات القوية” الصادرة عن الجانب السوري تجاه المغرب وقضاياه الوطنية واستقرار المنطقة، معتبرا أنها إشارات إيجابية تسير في الاتجاه الصحيح وتعكس إرادة مشتركة لإعادة بناء العلاقات الثنائية على أسس جديدة.

    وكانت الرباط قد أغلقت سفارتها في دمشق عام 2012، إثر تصاعد العنف خلال الثورة الشعبية ضد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. وطلبت المملكة آنذاك من السفير السوري مغادرة أراضيها، واصفة إياه بـ”شخص غير مرغوب فيه”، وتعبيرا عن “القلق الشديد” إزاء ما يتعرض له الشعب السوري.

    وردت دمشق حينها بالمثل، واعتبرت السفير المغربي في سوريا “شخصا غير مرغوب فيه”. كما سبق للرباط أن استدعت سفيرها في نونبر 2011، بعد تعرض سفارتها في دمشق لهجوم من متظاهرين مؤيدين للنظام السوري، عقب استضافة السفارة اجتماعا وزاريا عربيا لمناقشة الأزمة السورية على هامش منتدى تركيا-البلدان العربية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رسالة “زعيم” البوليساريو إلى الأمم المتحدة… آخر أوراق اليأس وصدى الإملاءات الجزائرية

    د. عبد القادر الحافظ بريهما

    في خضم التحولات السياسية والدبلوماسية التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، تبدو الرسالة التي بعث بها إبراهيم غالي إلى الأمين العام للأمم المتحدة وكأنها محاولة متأخرة لإعادة خلط الأوراق بعد أن أصبحت ملامح الحل الواقعي تتضح أكثر فأكثر داخل المنتظم الدولي. فبدل أن تحمل الرسالة رؤية سياسية جديدة أو مقترحات عملية تواكب المرحلة، جاءت مليئة بالتكرار والخطابات الخشبية المتكلسة والشعارات المستهلكة التي تجاوزها الزمن، وكأن صاحبها يعيش خارج السياق الدولي الحالي الذي بات يميل بوضوح نحو الواقعية السياسية والحلول العملية القابلة للتطبيق.

    وعندما يقرأ المتتبع مضمون الرسالة وما بين سطورها، يلاحظ بسهولة الحضور القوي للبصمة الجزائرية، سواء في اللغة المستعملة أو في طبيعة الاتهامات أو حتى في ترتيب الأفكار والرسائل المبطنة. فالوثيقة لا تعكس خطاب “قيادة” صحراوية تبحث عن تسوية تحفظ كرامة اللاجئات والشيوخ والاطفال المغلوبين عن أمرهم، بقدر ما تعكس حالة ارتباك سياسي ومحاولة يائسة للدفاع عن أجندة إقليمية جزائرية أصبحت مكشوفة أمام العالم. ولهذا بدت الرسالة أقرب إلى بيان صادر عن دوائر المخابرات الجزائرية منه إلى خطاب قيادة تدعي تمثيل الصحراويين.

    الرسالة تحدثت كثيرا لكنها في النهاية لم تقل شيئا جديدا، إذ أعادت اجترار نفس الأسطوانة القديمة حول الحرب ووقف إطلاق النار والاتهامات المتبادلة، دون تقديم أي تصور سياسي واقعي ينسجم مع التطورات الأخيرة التي تعرفها القضية المتمثلة في القرار الاممي رقم 2797 القاضي باعتماد مشروع للحكم الذاتي. والأخطر من ذلك أنها تجاهلت بشكل كامل التحولات الدولية المتسارعة، والدعم المتزايد لهذه المبادرة باعتبارها الحل الجاد وذي المصداقية، واختارت بدل ذلك لغة التصعيد والإنكار والهروب إلى الأمام، وهو ما يكشف حجم العزلة السياسية التي تعيشها قيادة البوليساريو.

    كما أن هذه الرسالة البئيسة عكست بوضوح حالة عدم الرضى والتذمر داخل جزء واسع من الصحراويين، سواء داخل الأقاليم الجنوبية أو حتى داخل مخيمات تندوف بفيافي الحمادة، لأن الناس أصبحت تبحث عن حلول حقيقية تنهي عقود المعاناة، لا عن رسائل دعائية لا تقدم ولا تؤخر. فالأوضاع الاجتماعية الصعبة داخل المخيمات، واستمرار الاحتجاز السياسي والإنساني للساكنة، جعلت الكثيرين يدركون أن القيادة الحالية استنفدت كل أوراقها ولم يعد لديها ما تقدمه سوى المزيد من الخطابات المتشنجة التي لا تخدم مستقبل الصحراويين.

    ومن خلال الصياغة المرتبكة للمراسلة، يظهر بوضوح أن هناك “لمسة جزائرية” طاغية في اختيار المفردات والمضامين والأهداف الخفية، وكأن الرسالة كتبت على عجل لإرضاء النظام الجزائري أكثر مما كتبت للدفاع عن الصحراويين. فبدل تشجيع مسار التفاوض الذي ترعاه الأمم المتحدة، حاولت الرسالة إحياء أجواء التوتر والتصعيد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة والانخراط المسؤول في المسار السياسي. وهذا ما يجعل كثيرين يعتبرون الرسالة واحدة من آخر الأوراق التي يتم توظيفها بعد تضاؤل هامش المناورة السياسية والدبلوماسية.

    واليوم، أصبح من الضروري التحلي بالشجاعة السياسية والاعتراف بأن مستقبل الصحراويين لا يمكن أن يبنى على منطق الحرب أو الارتهان لأجندات خارجية، بل على الحوار والواقعية والانخراط الجدي في الحلول الممكنة. وعلى إبراهيم غالي وصحبه من القيادة الفاشلة للبوليساريو أن يدرك أن الوقوف إلى جانب معاناة اللاجئين والدفاع عن كرامتهم وحقهم في العيش الكريم أهم بكثير من الاستمرار في خدمة حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الصحراويين. فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بات بالنسبة لكثير من المتابعين من ابناء المنطقة على المحيط الأطلسي وشرق الجدار الحل الأكثر واقعية وقدرة على ضمان الاستقرار والتنمية والكرامة لأبناء الصحراء المغربية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صادرات المنتجات البحرية تتجاوز 26 مليار درهم.. والدريوش تتفقد وحدة صناعية رائدة ببرشيد (صور)

    محمد عادل التاطو

    سجل قطاع الصناعات البحرية بالمغرب مؤشرات نمو لافتة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت صادرات المنتجات البحرية 26.6 مليار درهم سنة 2025، في وقت تواصل فيه المملكة تعزيز قدراتها الصناعية في مجال تثمين وتحويل منتجات البحر.

    في هذا السياق، قامت زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بزيارة ميدانية إلى الوحدة الصناعية “TUNAMAX” ببرشيد، للوقوف على إمكانات واحدة من أبرز الوحدات المتخصصة في تعليب وتجميد السمك، والتي تعكس الدينامية المتسارعة التي يشهدها القطاع على المستويين الصناعي والتصديري.

    وقامت زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، اليوم الأربعاء، بزيارة ميدانية إلى الوحدة الصناعية “TUNAMAX” الواقعة بالمنطقة الصناعية “Eco Parc” سيدي المكي بإقليم برشيد، التابعة للدائرة البحرية للدار البيضاء.

    ووفق بلاغ لكتابة الدولة، تندرج هذه الزيارة ضمن تتبع الوحدات الصناعية المتخصصة في تحويل وتثمين منتجات البحر، والوقوف على قدراتها الإنتاجية والبنيات التكنولوجية المعتمدة بها، إلى جانب تقييم مساهمتها في دعم النسيج الصناعي الوطني لقطاع الصيد البحري.

    وتتوفر الوحدة الصناعية “TUNAMAX”، المتخصصة في تعليب وتجميد السمك، على طاقة إنتاجية تصل إلى 100 مليون علبة سنويا بنظام فترتي عمل، فوق مساحة صناعية تناهز 20 ألف متر مربع، منها 19 ألف متر مربع مغطاة.

    كما تعبئ الوحدة استثمارات إجمالية تقدر بـ250 مليون درهم، وتشغل نحو 450 شخصا في كل فترة عمل، ما يجعلها من بين المشاريع الصناعية المساهمة في خلق فرص الشغل ودعم التنمية الصناعية على المستوى الجهوي، وفق البلاغ الذي تتوفر “العمق” على نسخة منه.

    وتضم الوحدة تجهيزات صناعية حديثة تشمل خمس خطوط متعددة الأشكال لتعليب السمك، إضافة إلى نفقين للتجميد تصل حرارتهما إلى ناقص 40 درجة مئوية، فضلا عن قدرة تخزين بغرف التبريد السالب تصل إلى 2400 طن بدرجة ناقص 25 مئوية، بما يمكنها من الاستجابة لمتطلبات السوقين الوطني والدولي.

    وعلى المستوى البيئي، تعتمد الوحدة الصناعية تجهيزات مرتبطة بالاستدامة والاقتصاد الدائري، من بينها محطة لمعالجة المياه العادمة معالجة فيزيائية وكيميائية وبكتريولوجية، إلى جانب استعمال غلايات صناعية عالية المردودية، ونظام لإنتاج الطاقة المتجددة عبر ألواح شمسية بقدرة 400 كيلوواط.

    وبحسب المصدر ذاته، يجري العمل داخل الوحدة على مشاريع لتثمين المنتجات الثانوية، في إطار تعزيز مقاربة الاقتصاد الدائري وتقليص الأثر البيئي للأنشطة الصناعية.

    وفي السياق ذاته، أبرزت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري أن الدائرة البحرية للدار البيضاء تتوفر على نسيج صناعي متنوع يضم 63 وحدة صناعية معتمدة، تنشط في مجالات التخزين والتجميد والتعليب وتوضيب السمك الطري.

    وسجلت الدائرة البحرية للدار البيضاء خلال سنة 2025 إنتاجا بحريا إجماليا بلغ 13 ألفا و240 طنا، بقيمة تجاوزت 280 مليون درهم، ما يعكس الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به العاصمة الاقتصادية ضمن سلسلة الإنتاج البحري الوطنية، سواء من حيث حجم المفرغات أو القيمة المضافة المحققة.

    وعلى المستوى الوطني، يواصل قطاع الصناعات البحرية تسجيل تطور متواصل، بعدما ارتفع عدد الوحدات الصناعية المتخصصة في تحويل وتثمين منتجات البحر من 430 وحدة سنة 2016 إلى 553 وحدة سنة 2025.

    كما واكب هذا التطور أداء قوي لصادرات المنتجات البحرية، التي بلغت 26.6 مليار درهم خلال سنة 2025، إلى جانب مساهمة القطاع في إحداث أكثر من 45 ألف منصب شغل إضافي بالصناعات البحرية البرية خلال السنوات العشر الأخيرة.

    وأكدت زكية الدريوش، على هامش هذه الزيارة، التزام كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بمواصلة تعزيز تنافسية القطاع، وتشجيع تثمين مستدام ومسؤول للموارد البحرية، بما يواكب التحولات الاقتصادية والبيئية ويعزز مكانة المغرب ضمن الصناعات البحرية الإقليمية والدولية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد “هانتا”.. حالة وفاة وحجر صحي على 1700 شخص بسفينة فرنسية يثير المخاوف من عدوى جديدة

    محمد عادل التاطو

    في وقت يتزايد فيه الجدل والمخاوف حول فيروس “هانتا”، أعلنت السلطات الفرنسية تسجيل حالة وفاة وفرض حجر صحي على 1700 شخص كانوا على متن سفينة سياحية بميناء مدينة بوردو، في وقت سارعت فيه باريس إلى طمأنة الرأي العام ونفي وجود خطر وبائي واسع أو مؤشرات على جائحة جديدة شبيهة بـ”كوفيد-19”.

    وقررت السلطات الفرنسية فرض حجر صحي على نحو 1700 شخص على متن السفينة السياحية “أمبيشن” الراسية بميناء بوردو، عقب تسجيل تفش لالتهاب معدي معوي حاد تسبب في وفاة راكب بريطاني مسن، وسط تصاعد النقاش الإعلامي والصحي حول فيروس “هانتا” الذي عاد بدوره إلى واجهة الاهتمام العالمي خلال الأيام الأخيرة.

    وذكرت تقارير إعلامية فرنسية وإسبانية أن السفينة كانت تقوم برحلة بحرية انطلقت من جزر شتلاند، مرورا ببلفاست وليفربول وبريست، قبل أن تبلغ السلطات الفرنسية بوجود وضع صحي مقلق على متنها، ما استدعى تفعيل بروتوكولات الطوارئ الصحية.

    وأوضحت السلطات الصحية التابعة لوكالة الصحة الجهوية في “نوفيل أكيتين” تسجيل ما لا يقل عن 50 حالة ظهرت عليها أعراض مرتبطة بالتهاب معدي معوي، من بينها القيء والإسهال، فيما جرى عزل المصابين داخل مقصوراتهم لتفادي انتشار العدوى بين الركاب.

    إقرأ أيضا: على بعد أميال من المغرب.. وفاة عنصر أمني أثناء إجلاء مصابي “هانتا” تفاقم المخاوف بجزر الكناري

    وأوفدت فرنسا فريقا طبيا متخصصا إلى السفينة من أجل إجراء فحوصات مباشرة وجمع عينات بيولوجية لتحديد طبيعة العامل المسبب للتفشي، خاصة في ظل المخاوف التي أثارها تزامن الحادث مع الجدل المتواصل بشأن فيروس “هانتا”.

    ورغم الربط الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي بين الواقعتين، شددت السلطات الفرنسية على أن التفشي المسجل على متن السفينة “أمبيشن” لا علاقة له بفيروس “هانتا”، مؤكدة أن التحقيقات الأولية تستبعد حاليا هذا الاحتمال.

    بالمقابل، أوضحت السلطات أن التحاليل المخبرية استبعدت أيضا وجود فيروس “نوروفيروس”، الذي يعد من أكثر الفيروسات المسببة لالتهابات المعدة والأمعاء في الرحلات البحرية، بينما تتجه فرضية التحقيق الرئيسية حاليا نحو احتمال حدوث تسمم غذائي.

    وتنتظر السلطات نتائج التحاليل النهائية خلال الساعات المقبلة للحسم في طبيعة التفشي الصحي، وتحديد ما إذا كان سيتم تمديد الحجر الصحي المفروض على الركاب أو الشروع في عمليات تعقيم موسعة داخل السفينة.

    وبالتوازي مع ذلك، حرصت الحكومة الفرنسية على تهدئة المخاوف المرتبطة بفيروس “هانتا”، بعد تداول تقارير عن رصد بؤرة مرتبطة بسفينة أخرى تدعى “إم في هونديوس”.

    وأكدت باريس أنه لا توجد مؤشرات على انتشار وبائي واسع أو خطر جائحة جديدة، مشيرة إلى أن الفيروس لا ينتشر بشكل نشط حاليا، مع استمرار مراقبة الوضع الصحي بشكل دقيق.

    وشددت السلطات الفرنسية على أن حركة النقل والسفر ستستمر بشكل عادي، دون فرض قيود جديدة أو العودة إلى إلزامية الكمامات في وسائل النقل العمومي، مؤكدة أن المنظومة الصحية الفرنسية تتوفر على مخزون استراتيجي من وسائل الحماية وقدرات إنتاج كافية للتعامل مع أي طارئ صحي محتمل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “العقرب”.. بارون مخدرات مغربي تلاحقه إسبانيا بعد مقتل عنصرين من الحرس المدني

    يونس الميموني

    ارتبط اسم بارون المخدرات الملقب بـ”العقرب” بوفاة عنصرين من الحرس المدني الإسباني، الأسبوع الماضي، عقب مطاردة زورق سريع محمّل بأطنان من المخدرات قبالة سواحل هويلفا، حسب ما أوردته صحيفة “ABC” الإسبانية.

    وكشفت ذات الصحيفة، أن الأنظار تتجه نحو شخص يُعرف بلقب “العقرب”، وهو الاسم الحركي الذي يستخدمه بارون مخدرات مغربي غامض ينسق جزءاً كبيراً من الزوارق التي تصل إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وجزر الكناري.

    وأضاف المصدر ذاته أن الوحدة المركزية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية تلاحق هذا الشخص منذ سنوات، غير أنها لم تتمكن من اعتقاله بسبب تواريه داخل المغرب، وفق ما أكدته مصادر أمنية للصحيفة الإسبانية.

    كما عاد اسم هذا البارون إلى الواجهة مجدداً بعد مقتل عنصري الحرس المدني الإسباني في هويلفا، إثر مطاردة مع أحد زوارق تهريب المخدرات.

    وعقب وفاة “خيرونيمو وخيرمان”، فتحت مصالح الحرس المدني تحقيقاً لتحديد أسباب الحادث الذي وقع في عرض البحر، حيث تُعتبر المنطقة التي شهدت الواقعة معروفة جيداً لدى الأجهزة الأمنية بسبب النشاط المكثف لزوارق المهربين.

    وتلتقي في تلك المنطقة الزوارق التي تنتظر شحنات المخدرات مع أخرى مخصصة لتزويدها بالوقود، والمعروفة باسم “البيتاكيروس”، فيما تشير المعطيات إلى أن عدداً كبيراً من هذه الزوارق المطاطية يحمل بصمة “العقرب”.

    وأشارت المصادر ذاتها إلى أن الأجهزة الأمنية أوقفت أكثر من 70 شخصاً في عملية واسعة استهدفت شبكة إجرامية يتزعمها شخص يقيم في دبي، يتعلق الأمر بعبد السلام م.م، المعروف بلقب “الطابي”، والذي كان يمول منذ أشهر زوارق تهريب المخدرات التابعة لأسطول المغربي الغامض الملقب بـ”العقرب” في نهر الوادي الكبير (غوادالكبير).

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل باع الاتحاد الاشتراكي تاريخه من أجل البقاء السياسي؟

    عبد اللطيف أبو البراء قسطاني

    لم يكن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يوم من الأيام مجرد تنظيم سياسي عادي ظهر ليقتسم المقاعد أو يفاوض حول الحقائب الوزارية، بل كان جزءا من الذاكرة العميقة للمغرب الحديث. كان حزبا خرج من قلب الحركة الوطنية، ومن جراح الصراع حول طبيعة الدولة بعد الاستقلال، ومن حلم بناء مغرب ديمقراطي تسوده العدالة الاجتماعية وتصان فيه كرامة المواطن. لذلك فإن الحديث اليوم عن تراجع الاتحاد الاشتراكي لا يثير فقط نقاشا سياسيا عاديا، بل يوقظ قدرا كبيرا من الحسرة لدى أجيال كاملة كانت ترى في هذا الحزب ضمير المعارضة المغربية وصوت الفئات الشعبية والطبقة الوسطى والمثقفين والطلبة والنقابيين.

    الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يسمى سابقا بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان مدرسة حقيقية في النضال السياسي. أسماء مثل المهدي بن بركة، وعبد الرحيم بوعبيد، وعمر بنجلون، ومحمد اليازغي، وعبد الرحمن اليوسفي، لم تكن مجرد أسماء قيادية داخل حزب، بل كانت رموزا لمرحلة كاملة من الصراع السياسي والفكري في المغرب. وكان المناضل الاتحادي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات يدفع ثمنا باهظا لانتمائه السياسي؛ من اعتقالات، واختطافات، وتضييق، ونفي، ومحاكمات. ولم يكن الناس ينظرون إلى الحزب باعتباره مجرد أداة انتخابية، بل باعتباره تعبيرا عن مشروع مجتمعي كامل يقوم على الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية.

    وحين اختطف المهدي بن بركة سنة 1965 في باريس، لم يكن الأمر مجرد تصفية لزعيم معارض، بل كان رسالة إلى كل مشروع سياسي يحاول أن يربط الديمقراطية بالتحرر الاجتماعي. وحين اغتيل عمر بنجلون سنة 1975، لم يكن المستهدف شخصا فقط، بل خطاب سياسي كامل كان يحاول بناء يسار مغربي قوي ومؤثر. ولذلك اكتسب الاتحاد الاشتراكي مع مرور السنوات شرعية نضالية وأخلاقية كبيرة جعلت حضوره يتجاوز صناديق الاقتراع إلى المجال الثقافي والنقابي والجامعي والحقوقي.

    لكن المفارقة المؤلمة اليوم أن الحزب الذي كان ينظر إليه باعتباره ضمير المعارضة، صار بالنسبة إلى كثير من المغاربة مجرد حزب يشبه باقي الأحزاب التي كان ينتقدها ذات يوم. وهنا يبدأ السؤال المؤلم، كيف انتقل الاتحاد الاشتراكي من موقع الحزب الذي يصنع المعنى السياسي إلى حزب يبحث فقط عن موقع داخل التوازنات؟ وكيف تحول من قوة اقتراح تاريخية إلى تنظيم مرتبك تتنازعه الحسابات الانتخابية والتحالفات الظرفية ومنطق الأعيان والنفوذ؟

    يصعب الحديث عن هذا التحول دون التوقف عند محطة حكومة التناوب سنة 1998، وهي اللحظة التي يعتبرها كثيرون بداية الانكسار البطيء للحزب، حتى وإن قدمت آنذاك باعتبارها انتصارا تاريخيا للمعارضة الديمقراطية.

    حين قبل عبد الرحمن اليوسفي قيادة حكومة التناوب، كان جزء واسع من المغاربة يشعر أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من المصالحة السياسية، وأن سنوات الصدام الحاد بين السلطة والمعارضة توشك على الانتهاء. بدا الأمر وكأن الاتحاد الاشتراكي نجح أخيرا في تحويل تضحياته الطويلة إلى مشاركة فعلية في تدبير الدولة.

    غير أن تلك اللحظة التي حملت الكثير من الأمل حملت أيضا بذور التراجع. فالحزب دخل إلى السلطة عبر منطق “التوافق”، لا عبر انتقال ديمقراطي كامل. وكانت تلك نقطة جوهرية ستحدد مستقبله لاحقا. فقد اضطر الاتحاد الاشتراكي إلى تقديم تنازلات كبيرة باسم الاستقرار والإصلاح التدريجي، ومع مرور الوقت تحول من حزب يضغط من أجل توسيع المجال الديمقراطي إلى حزب يبرر حدود الممكن السياسي.

    ولأن عبد الرحمن اليوسفي كان يمتلك رصيدا أخلاقيا هائلا، فقد ظل يحظى باحترام حتى من خصومه. لكن المؤسسة الحزبية نفسها بدأت منذ ذلك الوقت تفقد شيئا فشيئا روحها النضالية. وحين تم تعيين إدريس جطو سنة 2002 وزيرا أول رغم تصدر الاتحاد الاشتراكي للانتخابات، تلقى جزء مهم من قواعد الحزب صدمة حقيقية. كان ذلك بالنسبة لكثيرين إيذانا بنهاية وهم “الانتقال الديمقراطي” كما تصوره الاتحاد الاشتراكي. ومع ذلك اختار الحزب الاستمرار داخل منطق التوافق، وفضل البقاء داخل السلطة بدل العودة إلى المعارضة المبدئية التي صنعت تاريخه.

    ومنذ تلك اللحظة بدأ التحول العميق داخل الحزب. لم يعد السؤال الأساسي عن المشروع المجتمعي الذي يحمله الحزب؟ بل صار السؤال الضمني يتمحور حول كيفية الحفاظ على موقعه داخل المشهد السياسي؟ ومع الوقت بدأت النخب الفكرية والمناضلة تتراجع لصالح وجوه انتخابية تملك القدرة على جلب الأصوات والتمويل والنفوذ المحلي. وهنا بالتحديد بدأت المسافة تتسع بين الاتحاد الاشتراكي كفكرة، والاتحاد الاشتراكي كتنظيم انتخابي.كانت قوة الحزب في الماضي تنبع من قدرته على إنتاج المعنى السياسي والفكري. كانت له صحافته المؤثرة، ونقاباته القوية، وحضوره داخل الجامعة والإدارة والثقافة. أما اليوم، فإن صورته في المخيال العام ارتبطت أكثر بالصراعات الداخلية والتحالفات الغامضة والتنافس حول المواقع. وفقد الحزب تدريجيا ذلك البعد الرمزي الذي كان يمنحه تفوقا أخلاقيا على خصومه.

    والأكثر إيلاما أن الحزب الذي كان يرفع شعار الدفاع عن الطبقات الشعبية بدا في السنوات الأخيرة أقرب إلى منطق الأعيان وأصحاب النفوذ المالي. لم يعد الانتماء النضالي أو التاريخ السياسي معيارا حاسما في الصعود داخل التنظيم، بل صار المال والقدرة الانتخابية والعلاقات المحلية عوامل أكثر تأثيرا. وهذا التحول لم يكن خاصا بالاتحاد الاشتراكي وحده، بل أصاب جزءا كبيرا من الحياة الحزبية المغربية، لكن وقعه على الاتحاد كان أشد قسوة لأن الحزب كان يقدم نفسه دائما باعتباره استثناء أخلاقيا وسياسيا.

    ولهذا يشعر كثير من المناضلين القدامى اليوم بمرارة حقيقية. ليس لأن الحزب خسر انتخابات أو تراجع عدد مقاعده، بل لأنهم يشعرون أن شيئا عميقا انكسر داخله. فقد تحول التنظيم الذي كان ينتج النخب الفكرية إلى حزب يكافح للحفاظ على حضوره الانتخابي، وتحولت لغة المشروع المجتمعي إلى لغة التدبير السياسي البارد. وحتى حين يتموقع الحزب في المعارضة، كما هو حاله اليوم، فإن جزءا كبيرا من الرأي العام لا يشعر بأنه يمارس معارضة تحمل نفسا فكريا مختلفا أو تقدم بديلا واضحا.

    ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن جزءا من أزمة الاتحاد الاشتراكي لا يتعلق فقط بخياراته الذاتية، بل أيضا بتحولات المجتمع والسياسة في المغرب. فالأحزاب الإيديولوجية عموما تراجعت لصالح السياسة البراغماتية والشخصانية، والنقابات ضعفت، والجامعة فقدت دورها التاريخي في إنتاج النخب السياسية، كما أن منطق المال والانتخابات أصبح مهيمنا على المجال الحزبي كله. لكن هذا التفسير لا يعفي الاتحاد الاشتراكي من مسؤوليته، لأنه كان يفترض أن يقاوم هذا الانحدار لا أن يتكيف معه.

    كان الناس يتوقعون أن يظل الاتحاد الاشتراكي صوتا أخلاقيا حتى وهو ضعيف انتخابيا. وكان يمكن للحزب أن يخسر المقاعد ويحافظ على صورته الرمزية، لكن ما حدث هو العكس تقريبا، إذ احتفظ بحضور انتخابي محدود، وخسر جزءا مهما من هيبته التاريخية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

    وسؤالنا “هل باع الاتحاد الاشتراكي تاريخه؟” ليس سؤالا دعائيا أو شعبويا، بل هو تعبير عن خيبة أمل جماعية تجاه حزب كان يمثل بالنسبة إلى كثير من المغاربة، خصوصا أجيال العصر الذهبي للحزب، أملا في سياسة نظيفة ومؤطرة بالقيم. وربما يكون الجواب الأدق أن الحزب لم يبع تاريخه دفعة واحدة، بل تنازل عنه تدريجيا، خطوة بعد أخرى، تحت ضغط الواقعية السياسية ومنطق التوافق والرغبة في البقاء داخل المؤسسات.

    لكن التاريخ لا يرحم الأحزاب التي تفقد معناها. فالحزب قد ينجو انتخابيا لبعض الوقت، وقد يحتفظ ببعض المقاعد والمواقع، لكنه حين يفقد روحه يصبح مجرد هيكل تنظيمي بلا تأثير حقيقي. وهذا ما يخشاه الغيورون على الاتحاد الاشتراكي اليوم، أن يتحول إلى ذكرى جميلة لحزب كبير كان يوما ما يمثل شيئا عظيما في الحياة السياسية المغربية.

    وربما تكمن المأساة الأكبر في أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن مجرد حزب عادي يمكن تعويضه بسهولة، بل كان جزءا من التوازن السياسي والفكري للمغرب. وكان وجوده القوي يعني وجود يسار مؤثر، ونقاش عمومي حقيقي، وحياة سياسية أكثر حيوية. ولذلك فإن تراجعه لا يمثل خسارة لتنظيم فقط، بل خسارة لجزء من الذاكرة الديمقراطية المغربية نفسها.

    فهل يستطيع الاتحاد الاشتراكي أن يستعيد نفسه؟ هل يستطيع أن يعود كما كان حزبا للفكرة لا للموقع، وللمشروع لا للتوازنات، وللنضال لا للحسابات؟ أم أن زمنه التاريخي انتهى بالفعل، ولم يبق منه سوى اسم ثقيل تحمله مؤسسة فقدت كثيرا من روحها الأولى؟

    هذا هو السؤال الذي يؤلم أكثر من كل الأجوبة!!!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل تسببت ممثلة إيرانية في “صفعة” بريجيت لماكرون؟ .. كتاب يفجر حقائق جديدة

    العمق المغربي

    عاد “الجدل القديم” ليطفو على السطح مجددا في قصر الإليزيه، بعد صدور كتاب جديد، يحمل عنوان “زوجان (شبه) مثاليين” (Un couple presque parfait)، للصحافي بجريدة “باريس ماتش” فلوريان تارديف.

    الكتاب أعاد تسليط الضوء على الواقعة الشهيرة التي تعود إلى ماي 2025، حين التقطت كاميرات الصحافة العالمية في مطار “هانوي” بفيتنام حركة بيد “بريجيت ماكرون” تجاه وجه زوجها الرئيس “إيمانويل ماكرون”، بدت وكأنها “صفعة” أو حركة صد عنيفة.

    وفقا لما أورده “تارديف” في كتابه، وما صرح به لإذاعة “RTL”، فإن أصل الخلاف يعود إلى “علاقة أفلاطونية” كان يديرها الرئيس الفرنسي مع الممثلة الإيرانية الشهيرة غولشيفته فاراهاني.

    وادعى الكاتب، نقلا عن مصادر من المحيط المقرب، أن تبادلا لرسائل نصية “تجاوزت الحدود الرسمية” كان سببا في اندلاع مشادة كلامية حادة داخل الطائرة الرئاسية قبيل الهبوط في فيتنام، بعد أن اطلعت بريجيت ماكرون على إحدى تلك الرسائل.

    في المقابل، لم يتأخر رد فعل محيط السيدة الأولى، حيث سارع المقربون منها في تصريحات لجريدة “لوباريزيان” إلى نفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلا. وأكدت مصادر من الإليزيه أن بريجيت ماكرون سبق وأبلغت المؤلف مباشرة في مارس الماضي بأنها “لا تطلع أبدا على الهاتف الخاص بزوجها”، معتبرة أن هذه الرواية محض خيال.

    وكانت الرئاسة الفرنسية قد حاولت منذ عام احتواء الموقف، بوصف ما حدث بأنه مجرد “مداعبات زوجية” معتادة بين الزوجين للترويح عن النفس قبل بدء المراسيم الرسمية. وصرح حينها الرئيس ماكرون قائلاً: “كنا نمزح كما نفعل دائماً، وعلى الجميع التزام الهدوء”، نافياً وجود أي “خلاف منزلي” خرج إلى العلن.

    إقرأ الخبر من مصدره