Auteur/autrice : العمق

  • المذهب المالكي كأرضية للتدافع السياسي

    زكرياء البركاوي

    الملخص

    يهدف هذا المقال الى مساءلة المذهب المالكي من زاوية مغايرة للقراءات الفقهية التقليدية؛ إذ لا يتناوله بوصفه منظومةً عقديةً مكتفية بذاتها، بل يقاربه بوصفه أرضيةً حجاجيةً ومرجعيةً مرنة للتدافع السياسي والاجتهاد المجالي في السياق المغربي عبر تاريخه. وتنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن المالكية المغربية كانت تاريخياً فقهَ تدبير التعدد الاجتماعي والسياسي، وأنها تنطوي داخلياً — عبر مفاهيم المصلحة المرسلة والمآلات والعرف المعتبر والسياسة الشرعية — على إمكانات اجتهادية كامنة تُتيح تطوير المجال العمومي والسياسي من داخل المرجعية الإسلامية لا من خارجها.

    تستند الورقة في بناء حججها إلى ثلاثة مستويات أولها تاريخي وسيولوجي يُعاد فيه قراءة استقرار المالكية بالمغرب في ضوء أعمال مونطاني وبيرك والجابري والعروي؛ وثانيها أصولي يُحلِّل الفلسفة الاجتهادية في نصوص الشاطبي والقرافي وابن القيم؛ وثالثها معاصر ينهل من هذه الأرضية في التفكير في مسألتين راهنتين الجهوية المتقدمة بوصفها نموذجاً لإدارة التنوع المجالي، والملكية البرلمانية بوصفها أفقاً دستورياً يُمكن تأصيله من داخل المذهب كثابت من ثوابت الامة التي احمع عليها و كذلك ايضا من تمييز القرافي الشهير بين تصرف النبي ﷺ بالإمامة وتصرفه بالرسالة والقضاء.

    ينتهي المقال إلى أن الخطاب السياسي المغربي المعاصر في تياريه الإسلامي والحداثي معاً لم يوظف بعد الفلسفة الحجاجية التي يُتيحها الموروث المالكي كتراث لامادي ، وأن الأجدى من تغليب الأطروحتين المتقابلتين (الفقه ضد الحداثة / الحداثة ضد الفقه) هو الاشتغال من داخل المرجعية نفسها لإنتاج تجديد يستند إلى أعماق الموروث لا إلى مواجهته.

    أولاً: إشكالية البحث وفرضيته المركزية

    1. في ضرورة قراءة المالكية سياسياً

    ظل دائما البعد الديني غائبا عند الفاعل السياسي، و الغريب ان لم يحتج يوما الاسلاميين بالمذهب المالكي لتحديث الدولة، ولا تبناه الصف الحداثي كنمدخل لتجديد الخطاب الديني من داخل المذهب المالكي الذي اعتبر من العناصر الموحدة للامة، دون ان نغفل ايضا سبب اختيار “العقيدة الاشعرية” و “طريق الجنيد السالك” و لو أنهما ليسا موضوع المقال فقط على سبيل التذكير بهم كجزء مهم من التراث اللامادي للأمة، و هذا الغياب للفاعل السياسي عن النقاش الفقهي كرس للمقاربة الفقهية التقليدية التي جعلت المذهب محتكرا كن كرف قراءة واحدة ، فتُمحورت الإشكاليات حول الترجيح والتخريج الأصولي. غير أن ثمة مستوىً تحليلياً مُغفَلاً يسأل كيف اشتغل هذا المذهب تاريخياً كأداةً للتدافع السياسي وإدارة التنوع الاجتماعي؟ وما المنطق الاجتهادي المؤسس في بنيته الأصولية التي تُتيح تطوير المجال السياسي من داخله لا من خارجه؟

    يقتضي هذا الانتقال الى إعادة توجيه النظر من ‘المضامين النصية’ للفقه المالكي إلى ‘آليات اشتغاله’ في بيئات التعدد المجالي وفضّ النزاعات. وبناءً عليه، يتبدّى المذهب إطار مانع للحراك السياسي، ثم قابليته ليصبح منظومة استدلالية لصياغة الحكامة الشرعية لتنبثق من صلب المرجعية الإسلامية

    2. الفرضية المركزية للمقال

    تقوم فرضية هذا المقال على ثلاث مستويات:

    ● أن المالكية المغربية كانت تاريخياً فقهَ تدبير التعدد المجالي والقبلي، لا فقه مركزة وإخضاع؛ وأن هذه الخاصية ليست عارضة بل تنبثق من صميم المنهج المالكي في الاستدلال.

    ● أن البنية الأصولية للمذهب بمفاهيم المصلحة المرسلة والمآلات والعرف المعتبر والسياسة الشرعية تنطوي على إمكانات اجتهادية كامنة تُتيح توسيع المجال السياسي والحقوقي من داخل المرجعية الإسلامية.

    ● أن استثمار هذه الإمكانات في النقاش السياسي المغربي المعاصر يستلزم تجاوز الثنائية العقيمة بين “الإسلام السياسي” و”الحداثة الوافدة”، نحو اشتغال داخلي يُنتج تجديداً من الأعماق.

    * * *

    ثانياً: المالكية أرضيةً تاريخية للتعدد قراءة سوسيو-فقهية

    1. الجغرافيا والفقه: كيف أنتج المجال حاجةً إلى وساطة فقهية

    لا يمكن استيعاب ظاهرة استقرار المذهب المالكي بالمغرب بمعزل عن الشروط الموضوعية التي حكمت تشكّل بنية المجال المغربي في تعدده وتمايزاته الداخلية. فما يُصطلح عليه بـ”الاستقرار الفقهي” لم يكن قرارا سياسي أحاديا معزولا، إنما هو نتاج إجماع ديني خالص، بل يحق القول انه كان نتيجة حتمية لعلاقة مركّبة بين بنية جغرافية متمايزة وحاجة سياسية واجتماعية ملحّة إلى إنتاج الاتساق داخل مجال يفرض بطبيعته التنوع والتدرّج.

    فهذا التدرج هو ما يمكن أن نستشفه خاصة من المصادر الكولونيالية التي ركزت اعلب كتاباتها على العلاقة بين المغاربة و الفقه من جهة و بين المغاربة و الفقه و بين السلطة و الفقه كآلية و الفقيه و شيخ الزاوية كوسطاء بين المخزن و الرعية.

    من هذا البا يُميِّز روبير مونطاني في دراسته الكلاسيكية للجنوب المغربي بين مستويين متكاملين من التنظيم الاجتماعي لا بين نظام وفوضى: “بلاد المخزن” ذات الانفتاح الجغرافي والإدارة المباشرة، و”بلاد السيبة” ذات التنظيم القبلي الراسخ التي تستدعي صيغةً تنظيميةً مغايرة. والمذهب المالكي في هذه المعادلة هو الإطار الشرعي المشترك الذي يُتيح ضبط الحياة الداخلية للجماعة دون اشتراط الانصياع للإدارة المركزية.بهذا يكون قد أتاح المذهب المالكي ما لم يتحه غيره تنظيم المجال المغربي في كامل تعدده.

    في هذا الإطار يكتسب تحليل عبد الله العروي لمسألة الدولة دلالةً مضاعفة؛ إذ يُنبّه إلى أن الدولة تفرض نفسها على الوعي الجمعي بوصفها معطىً سابقاً لكل تنظير، تواجهنا “كفكرة مسبقة، كمعطى بديهي، يطلب منا أن نقبله بلا نقاش”. فالمخزن بحاجة إلى المالكية لتأطير حضوره رمزياً، والمالكية بحاجة إلى المخزن لتُكرِّس انتشارها: تلازم وظيفي يُنتج الاستقرار عبر منطق البداهة التاريخية المُتشرَّبة، لا عبر الإكراه المجرد.

    2. القبيلة بنيةً تنظيميةً والمذهب إطاراً للحاجة الجمعية

    لكن محمد عابد الجابري رجح إلى أن العقل السياسي في السياق العربي الإسلامي يُوظِّف “مقولات وآليات مختلف النظم المعرفية حسب الحاجة”. وهذه القدرة التوليفية هي بالضبط ما أتاح للمذهب المالكي تلبية حاجات المجتمع المغربي في آنٍ واحد الإطار العقدي للهوية الجمعية، والأداة القانونية لفضّ النزاعات، والسند الشرعي لإضفاء المشروعية على السلطة.

    يُميِّز الجابري ثلاثة محددات بنيوية لإنتاج الكيان السياسي: القبيلة والغنيمة والعقيدة. في الحالة المغربية، اتخذ هذا التركيب صيغةً خاصة: القبيلة الوعاءُ الاجتماعي، والمورد المادي المحرِّكُ الاقتصادي للتحالف، والعقيدة المالكية الإطارُ الجامع. وما يُفسِّر عمق استقرار هذا التركيب ليس التدبير السياسي المقصود، بل التوافق البنيوي بين المذهب ومتطلبات البنية الاجتماعية المغربية في تعددها الجغرافي والقبلي.

    3. المالكية فقه استمرارية: العرف شرطَ الوحدة

    يكشف جاك بيرك في تحليله للمجتمعات المغاربية أن المذهب المالكي لم يُقدِّم نفسه جهازاً تشريعياً مغلقاً، بل فقهاً للاستمرارية قادراً على صون تماسك الجماعات لأنه انتظم مع تقاليدها بدلاً من أن ينافسها. وهو ما يُفسَّر بارتباطه الوثيق بشبكات التضامن التقليدية وقيمها الحضارية الخاصة.

    تأسيساً على ما سبق، تكشف دراسة بيرك لقبائل السكساوة في الأطلس الكبير عن آلية اجتماعية دقيقة: التنظيم الجماعي للموارد كان يقوم على تفاعل بين “الوضع الموروث” والاتفاقيات المُحيَّنة. يُوفِّر المذهب المالكي — بمفهومَي المصلحة ورفع الحرج — الغطاءَ الشرعي الذي يُسبغ على هذه الاتفاقيات طابع الاعتبار القانوني دون أن يستعيضها بأحكام مجرّدة. يترتب عن ذلك أن الاستيعاب لا الإلغاء هو الجوهر الذي نُسمِّيه الأرضيةَ المالكية للتدافع السياسي.

    * * *

    ثالثاً: الإمكانات الاجتهادية الكامنة — في الأصول المالكية ودلالاتها السياسية

    1. المصلحة المرسلة: من الفقه إلى التشريع

    يُؤسِّس الشاطبي في الموافقات لمفهوم المصلحة المرسلة تأسيساً يتجاوز الدلالة الفقهية الضيقة نحو فلسفة اجتماعية وسياسية: “إن الشريعة وضعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد”. وبهذا تصبح المصلحة معياراً داخلياً للاجتهاد لا اعتباراً خارجياً يُستأنَس به فحسب. يترتب عن ذلك أن المصلحة المرسلة — في قراءتها السياسية — ليست ثغرةً في المذهب بل هي أداته المنهجية لمواكبة تحولات الواقع وإعادة إنتاج شرعية المؤسسات؛ وهو ما فعله الفقهاء المالكيون تاريخياً حين أضفوا الشرعية على أنظمة الري المشتركة والمرافق القبلية مما لم يرد فيه نص صريح.

    2. فقه المآلات: الحكم بعد تقدير الأثر الاجتماعي

    يُقرِّر الشاطبي أن “النظر في المآلات معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفة”؛ ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه. وهذا ما يمكن وصفه بـ”الفقه التداعياتي”: الحكم يمر عبر تقدير الأثر الاجتماعي للأفعال لا عبر استنباطه مباشرة من النص.

    وعلى هذا الأساس، يُلزم النظرُ في المآلات الفقيهَ — ضمنياً — بفهم البنية الاجتماعية التي يشتغل فيها قبل إصدار حكمه. ومما يفضي إليه ذلك إمكانية تطوير موقف فقهي من مسائل الحوكمة المعاصرة (الانتخابات، التمثيل، فصل السلطات) بالنظر إلى مآلاتها الاجتماعية لا إلى ظاهر صورتها الشكلية — وهو ما جعل فقه المآلات أكثر أدوات الأصول الفقهية ملاءمةً للاجتهاد السياسي في السياق المغربي.

    3. تبدُّل العوائد وتبدُّل الأحكام: الثابت والمتحوِّل

    يُشكِّل مبدأ “تبدُّل الأحكام بتبدُّل العوائد” عند الشاطبي الركيزةَ النظرية الأكثر مباشرةً لما تطرحه هذه الورقة. يُفرِّق الشاطبي بين العوائد الشرعية المُقرَّرة وبين العوائد الجارية التي لم يُحدَّد فيها حد، ليُقرِّر أن تبدُّل العادات يقتضي تبدُّل الحكم ليوافق المقصد الذي وضعت له الشريعة ابتداءً.

    ضمن هذا الإطار يتضح أن هذا المبدأ يُمكِّن من التمييز بين ما هو ثابت — الأصول الضرورية المشتركة: العدل، والشورى، والمصلحة العامة، وحفظ الكيان السياسي — وما هو متحوِّل: الأشكال المؤسسية لتجسيد هذه الأصول. وبالتالي لا يكون التطور المؤسسي تهديداً للمرجعية المالكية، بل شكلاً من أشكال التطبيق المشروع لمقاصدها في سياقات جديدة.

    * * *

    رابعاً: القرافي وفرضية الملكية البرلمانية — في تمييز السلطات من داخل الفقه المالكي

    1. تمييز القرافي: الفتوى والقضاء والإمامة

    يُتيح الإمام القرافي في أنفع الوسائل — وهو من أعمق المتون الأصولية المالكية — تأسيساً نظرياً لمسألة الفصل بين السلطات من داخل الموروث الفقهي الإسلامي، وذلك عبر تمييزه الثلاثي الشهير لتصرفات النبي ﷺ:

    إن تصرفات رسول الله ﷺ بتفويض الله تعالى له جميع هذه المناصب الدينية تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها تصرفه ﷺ بالتبليغ والفتيا إجماعاً، وثانيها تصرفه ﷺ بالقضاء إجماعاً، وثالثها تصرفه ﷺ بالإمامة إجماعاً.

    يُصرِّح القرافي بأن تصرف النبي ﷺ بالرسالة والفتيا هو “تبليغ محض واتباع صرف” يسري على جميع المسلمين بمجرد السماع، لا يحتاج إلى إذن إمام ولا حكم حاكم. أما تصرفه ﷺ بالقضاء فـ”هو مغاير للرسالة والفتيا” إذ هو “إنشاء وإلزام من قِبَلِه ﷺ بحسب ما نتج من الأسباب والحجاج”، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بحكم حاكم. وأما تصرفه ﷺ بالإمامة فـ”هو تصرفه بالرئاسة العظمى في السياسات العامة وتدبير الجيوش وصرف الأموال في مصالحها”، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن الإمام.

    2. الدلالة السياسية لتمييز القرافي

    إن الأهمية الكبرى لهذا التمييز القرافي تكمن في أنه — من داخل الموروث المالكي — يُؤسِّس لما يمكن تسميته “فصل السلطات الشرعي”: المجال الديني-التبليغي مستقل عن المجال القضائي، وهذا مستقل بدوره عن المجال السياسي-التنفيذي. وهذا الفصل الثلاثي يُتيح نقاشاً فقهياً داخلياً حول طبيعة السلطة التنفيذية وحدودها ومشروطيتها.

    فإذا كان تصرف الإمام بـ”الإمامة” (السياسات العامة والجيوش والأموال) لا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذنه، فإن السؤال الأصولي المشروع الذي يُثيره هذا التمييز هو: ما آليات هذا الإذن؟ ومن يُعطيه؟ وما الشروط الشرعية لصحته؟ وهل الشورى واجبة فيه أم مندوبة؟ وهذا بالضبط هو فضاء الاجتهاد السياسي الذي يُتيحه المنهج المالكي ولم يُستثمر بعدُ استثماراً كافياً في النقاش الدستوري المغربي المعاصر.

    3. الملكية البرلمانية في ضوء التمييز القرافي

    تُتيح أطروحة القرافي، في استثمارها السياسي المعاصر، الحجاجَ لصالح نموذج الملكية البرلمانية أو الملكية التنفيذية المُقيَّدة من داخل المرجعية المالكية. فإذا كان تصرف الإمام بالإمامة في “السياسات العامة وتدبير الجيوش وصرف الأموال” مشروطاً بالمصلحة العامة (وفق الشاطبي) وبالنظر في المآلات الاجتماعية (وفق أصول المذهب)، فإن المساءلة المؤسسية لهذه التصرفات تغدو مطلباً أصولياً لا مجرد ترفٍ دستوري مستورد.

    بعبارة أدق: إذا كانت إمامة النبي ﷺ في السياسة العامة منفصلة عن وظيفته التبليغية وعن وظيفته القضائية، فإن هذا التمييز يمنح الفقيه المالكي أدواتٍ للتفريق بين “الإمامة بالمعنى الشرعي” (المشروطة بالمصلحة والشورى والمساءلة) و”الإمامة المُطلقة” (التي لا تقبل رقابةً ولا تساؤلاً). والنظام الملكي البرلماني — بآلياته التمثيلية والرقابية — يُمكن تأسيسه فقهياً على هذا التمييز بوصفه الصيغة المؤسسية المعاصرة لضمان أن تكون الإمامة في السياسات العامة مضبوطةً بمعايير المصلحة ومقاصد الشريعة.

    * * *

    خامساً: الجهوية المتقدمة — نموذج تطبيقي للتأصيل المالكي

    1. بنية النموذج المالكي للحوكمة التعددية

    تكشف القراءة المُثلَّثة للمصادر المالكية الكبرى (المدوَّنة والموافقات والمعيار المعرب) عن نموذج للحوكمة التعددية يُمكن وصف بنيته على النحو التالي:

    ● المستوى الأول — الأصول الثابتة: ثمة حد أدنى من المبادئ المشتركة (الضروريات الخمس كما يُحدِّدها الشاطبي) لا يقبل التفاوض. وهي تُشكِّل الإطار الجامع الذي يمنع التعددية من التحوُّل إلى تشظٍّ.

    ● المستوى الثاني — العوائد المتحوِّلة: فيما يتجاوز هذا الحد الأدنى تتنوع الأعراف والممارسات المحلية دون أن يُعتبر هذا التنوع انحرافاً. ويُوفِّر مبدأ “تبدُّل الأحكام بتبدُّل العوائد” الغطاءَ المنهجي لهذا التنوع.

    ● المستوى الثالث — آلية التحكيم: حين ينشأ النزاع بين الأعراف المتباينة أو بين الخاص والعام، يتدخل الفقه بآليات معيارية (قواعد الأولوية، مبدأ السبق، فقه الضرورة، المصلحة المرسلة) لتسوية النزاع دون استئصال أحد الطرفين.

    2. التناظر البنيوي مع الجهوية المتقدمة

    يمكن قراءة تقاطع بنيوي محتمل — لا تطابق وظيفي — بين هذا النموذج الثلاثي والبنية المؤسسية التي تُرسيها الجهوية المتقدمة المغربية. فالدولة تحتفظ بالاختصاصات السيادية (المستوى الأول)، والجهات تتمتع باختصاصات ذاتية تعكس خصوصياتها المجالية والاقتصادية والثقافية (المستوى الثاني)، والمحاكم الإدارية وهيئات التحكيم تتولى الفصل في النزاعات بين المستويين (المستوى الثالث). مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا التناظر لا يُورث تطابقاً أصولياً.

    بيد أن ذلك يظل مشروطاً بالتمييز بين مشروعية الجهوية الذاتية — التي تنبثق من سياق الدولة الحديثة وإشكالياتها — وبين العمق التاريخي الذي يُوفِّره الموروث المالكي. هذا العمق لا يُشرِّع الجهويةَ، بل يُشير إلى أن التوازن بين الوحدة والتعدد مشكلة لم تنشأ في الحداثة، وأن المجال المغربي طوَّر — في سياق معرفي مختلف — آليات ناجعة لإدارتها.

    3. الإمكانات المستثمَرة وأُفق التطوير

    يُمكن القول إن الجهوية المتقدمة — بصيغتها الراهنة — استثمرت المستوى الأول من النموذج المالكي (وحدة المرجعية) دون أن تستثمر بعدُ المستويين الثاني والثالث استثماراً كافياً. فالاختصاصات الذاتية للجهات لا تزال محدودة مقارنةً بما يُتيحه التأصيل الفقهي لمبدأ “تبدُّل الأحكام بتبدُّل العوائد”، والآليات التحكيمية لا تزال مركزيةً أكثر مما يقتضيه منطق الوساطة الذي وصفه مونطاني بوصفه المبدأ التنظيمي الجوهري للمجتمع المغربي.

    وهنا يبدو أن استثمار المنهج المالكي في الجدل الدستوري حول الجهوية يُمكن أن يُقدِّم حججاً داخلية للمطالبة بتوسيع الاختصاصات الجهوية ودعم الرقابة المحلية وتعزيز آليات الاستشارة الجمعية — لا من موقع الحداثة الوافدة بل من داخل المرجعية المالكية ذاتها.

    * * *

    سادساً: نقد الاختزال والدعوة إلى التجديد من الداخل

    1. في نقد اختزال المالكية في وظيفة المحافظة

    يعاني النقاش السياسي المغربي من ثنائية متوهَّمة: فالتيارات الإسلامية تُوظِّف المالكية حارسةً للثوابت ومُبرِّرةً للوضع القائم، فيما تتجنب التيارات الحداثية الاشتغال من داخل المرجعية المالكية خشية ما يُبدو من تناقض مع مشروعها التحديثي. ومما يفضي إليه ذلك أن المذهب المالكي — بكل طاقته الاجتهادية الكامنة — يُسجَن في وظيفة المحافظة وحدها، ويُعزل عن النقاش المفتوح حول الدستور والحريات والحوكمة.

    غير أن هذا الاختزال ليس ضرورةً تاريخية بل هو خيار تأويلي يمكن مراجعته. فالتاريخ الفقهي المالكي يشهد على تيارات اجتهادية كبرى (ابن رشد الجد والشاطبي والقرافي والونشريسي) طوَّرت — في سياقات اجتماعية وسياسية متنوعة — قراءاتٍ للموروث تُتيح الاستجابة للمستجدات من داخل المنطق المالكي. وإعادة إحياء هذا الاجتهاد الداخلي هي التي يمكن أن تُوسِّع الفضاء السياسي المغربي توسيعاً مستداماً.

    2. في نقد ترك الخطاب الحداثي المجالَ المالكي

    لا يقل عن الاختزال السابق إشكاليةً أن يُخلي التيار الحداثي في النقاش السياسي المغربي الساحةَ المالكية لخصومه، مكتفياً بالاحتجاج بحجج الحداثة الغربية أو بمرجعيات دولية لا جذور لها في الوجدان الجمعي المغربي. فهذه الاستراتيجية — مهما بلغت من نجاح نخبوي — تبقى هشّة اجتماعياً لأنها تفتقر إلى الشرعية الثقافية التي يمنحها التأصيل من داخل التراث.

    انطلاقاً من ذلك، تُشير التجارب المقارنة إلى أن التحولات السياسية الأكثر ديمومةً في السياقات المسلمة هي تلك التي نجحت في بناء لغة حجاجية تُوفِّق بين مرجعيات الجمهور الثقافية ومتطلبات الحوكمة الحديثة. وهذا بالضبط ما أنجزه الفقه المالكي تاريخياً حين أنتج اتساقاً بين المرجعية الإسلامية وتعدد البنى الاجتماعية — وهو قابل للتجديد في السياق المعاصر بأدوات الفكر السياسي الحديث، مع الاحتراز من استعادة الأجوبة التاريخية كما هي.

    3. شروط التجديد من داخل المرجعية

    لا يكتمل هذا المقال دون الإشارة إلى جملة من الشروط المنهجية التي تستلزمها أي قراءة جادة للأرضية المالكية في النقاش السياسي:

    ●​الضابط الأول (المنهج): المالكية منهج في النظر، وليست قيداً في الفروع. الانطلاق يبدأ من حفظ الأصول مع تحرير الفروع من ربقة الجمود.

    ​الضابط الثاني (التاريخ): تجاوز القراءة الرومانسية للمذهب؛ فالوعي بكيفية توظيف المالكية في “صناعة المركزية” هو شرط أساسي لتحويلها اليوم إلى “رافعة للتعددية”.

    ​الضابط الثالث (المجال): التمييز بين “التأصيل القيمي” و”التنفيذ التقني”. الفقه يوفر “الشرعية”، والدستور يوفر “الإجراء”؛ وأي ادعاء بامتلاك إجابات جاهزة هو قفز على تعقيدات الدولة الحديثة..

    * * *

    خاتمة: المالكية ميراثَ السؤال لا إجابةً جاهزة

    لا تقف هذه الورقة عند حدود التوصيف التاريخي، إنما تدفعنا لنطرح تحدياً مباشراً أمام الفاعل السياسي المغربي هل يملك الشجاعة لاستعادة المذهب من قبضة المحافظة الجامدة؟ فاللثلاثية التي سعى المقال لاثار الانتباه اليها (ثبات الأصول، مرونة الفروع، فاعلية التحكيم) هي ‘عبقرية سياسية’ مهدرة في تراثنا. الأهم اليوم ليس ما قاله الأسلاف، بل ما يمكن أن نفعله نحن بأدواتهم؛ فالسؤال الحقيقي الذي يواجه مغرب اليوم ليس كيف نطبق الفقه، بل كيف نصوغ حكامة رشيدة لا يتحول فيها التعدد إلى تشظٍّ، ولا تنقلب فيها السلطة إلى تغوّل بمشروعية دينية

    ختاما يستوجب هذا الطرح زحزحة التركيز من ‘المضامين المعيارية’ للفقه المالكي إلى ‘مكن اشتغاله’ في بيئات التعدد المجالي وفضّ النزاعات. ومن هذا المنظور، لا تتبدّى المالكية كـ شرنقة تقييدية تحاصر الحراك السياسي، بل كـ مصفوفة استدلالية لابتكار حوكمة شرعية تنبثق من صميم المرجعية الإسلامية ذاتها.

    * * *

    المراجع والمصادر

    أولاً: المصادر الفقهية الأصيلة

    ● ابن القاسم عن مالك (رواية سحنون): المدوَّنة الكبرى. دار الكتب العلمية، بيروت.

    ● الإمام مالك بن أنس: الموطأ (رواية ابن القاسم، تلخيص القابسي). تحقيق محمد مصطفى الأعظمي.

    ● الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم: الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية.

    ● الونشريسي، أحمد بن يحيى: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقيا والأندلس والمغرب. دار الغرب الإسلامي، بيروت.

    ● القرافي، شهاب الدين أحمد: أنفع الوسائل وتحقيق المسائل. مخطوط، مع قراءة في الفروق.

    ثانياً: المراجع السوسيولوجية والتاريخية

    ● مونطاني، روبير: البربر والمخزن في جنوب المغرب. باريس: ليبرير فيليكس ألكان، 1930.

    ● بيرك، جاك: تحليل المجتمعات المغاربية. ترجمة عن الفرنسية.

    ● العروي، عبد الله: مفهوم الدولة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت.

    ● الجابري، محمد عابد: العقل السياسي العربي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

    ● مروة، حسين: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية. دار الفارابي، بيروت.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ميناء الناظور غرب المتوسط يستقطب استثمارا صينيا جديدا يفوق 2 مليار درهم

    كمال لمريني

    يواصل إقليم الناظور تعزيز موقعه كوجهة صاعدة للاستثمار الصناعي، في ظل الدينامية التي يعرفها مشروع “الناظور غرب المتوسط”، الذي بات يشكل أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية بالمملكة.

    وفي هذا السياق، استقبلت السلطة الإقليمية، صباح الخميس 14 ماي الجاري، وفدا عن المجموعة الصناعية الصينية “BOWAY”، في إطار تتبع مشروع صناعي مهيكل يرتقب إنجازه بالمنطقة الصناعية التابعة للمركب المينائي.

    وضم الوفد الصيني كلا من Qingfu Wang، المدير العام لشركة “Boway Morocco”، وJiyuan Shi، مدير الاستثمار بشركة “Boway China”، إلى جانب Feng Hu، مساعد المدير العام لشركة “Boway Morocco”. وقد خصص هذا اللقاء لبحث مدى تقدم مشروع “BOWAY ALLOY”، والوقوف على مختلف الجوانب التقنية والإدارية المرتبطة بتنزيله على أرض الواقع.

    ويأتي هذا المشروع الاستثماري في سياق التوسع الصناعي الذي يعرفه ميناء “الناظور غرب المتوسط”، الذي يرتقب أن يدخل حيز التشغيل قبل نهاية السنة الجارية، ما يعزز مكانته كمحور لوجستيكي وصناعي استراتيجي قادر على استقطاب استثمارات وطنية ودولية كبرى، بفضل بنياته التحتية الحديثة وموقعه الجغرافي الاستراتيجي على الواجهة المتوسطية.

    وخلال الاجتماع، تم استعراض مراحل تقدم المشروع الصناعي الذي تعتزم مجموعة “BOWAY” إنجازه بمنطقة “بطوية” الصناعية التابعة للمركب، والمتعلق بإحداث وحدة متخصصة في إنتاج سبائك النحاس.

    ويرتقب أن يمتد المشروع على مساحة تناهز 20 هكتارا، باستثمار يفوق ملياري درهم، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف طن سنويا، مع توقع إحداث أزيد من 600 منصب شغل مباشر.

    وفي هذا الإطار، أكدت السلطة الإقليمية على أهمية هذا الاستثمار بالنسبة للنسيج الصناعي والاقتصادي للمنطقة، مشددة على تعبئة مختلف المصالح المعنية من أجل مواكبة المشروع وتسهيل مساطره الإدارية والتقنية، بما يضمن تسريع وتيرة إنجازه وفق الجدول الزمني المحدد.

    كما تم التأكيد على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، خاصة في مجالي التكوين المهني والتشغيل، بهدف إعداد كفاءات محلية قادرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات التكنولوجية الحديثة. وفي هذا السياق، دعت السلطة الإقليمية إلى منح أولوية قصوى لإدماج شباب إقليم الناظور وجهة الشرق ضمن فرص الشغل التي سيوفرها المشروع.

    ومن جهة أخرى، شدد المسؤولون خلال اللقاء على أهمية إشراك المقاولات المحلية والجهوية في الدينامية الاقتصادية المرتقبة، بما يساهم في خلق أثر تنموي مضاعف يتجاوز حدود المشروع الصناعي ليشمل النسيج الاقتصادي المحلي برمته.

    وتعد مجموعة “BOWAY”، المؤسسة سنة 1993، من الفاعلين الصناعيين الدوليين البارزين في مجالات المواد غير الحديدية وسبائك النحاس والطاقات الجديدة، حيث تتوفر على حضور صناعي في عدد من الدول، من بينها الصين والفيتنام وألمانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.

    ويعكس هذا الاستثمار اهتماما متزايدا من طرف الشركات العالمية بالاستقرار الصناعي والمؤهلات اللوجستيكية التي يوفرها إقليم الناظور، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الصناعات التكنولوجية وسلاسل القيمة العالمية، ما يعزز موقع المغرب كمنصة إقليمية للاستثمار الصناعي والتكنولوجي، ويكرس إشعاعه الاقتصادي على المستويين القاري والدولي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شبهات تدبير تهز مقبرة الغفران.. تحقيقات أمنية واسعة تلاحق صفقات وتجهيزات المرحلة السابقة

    مصطفى منجم

    علمت جريدة “العمق المغربي”، من مصادر عليمة، أن الفرقة الولائية للشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء باشرت، خلال الأيام الأخيرة، تحريات موسعة بخصوص عدد من الملفات المرتبطة بطريقة تدبير مقبرة “الغفران”، وذلك مباشرة عقب انتخاب مجلس جديد للإشراف على تسيير هذا المرفق الحيوي.

    وأفادت المصادر ذاتها بأن المصالح الأمنية شرعت في تجميع المعطيات والوثائق المتعلقة بفترة التدبير السابقة، في إطار عملية افتحاص أولية تستهدف الوقوف على طبيعة الصفقات والأشغال التي أنجزت داخل المقبرة، إلى جانب كيفية صرف الاعتمادات المالية المرتبطة بها.

    وبحسب المعطيات التي حصلت عليها “العمق المغربي”، فإن عملية تسليم السلط بين الرئيس السابق والرئيس الجديد للمجلس المسير شهدت إبلاغ السلطات التابعة لعمالة إقليم مديونة للمسؤولين الجدد بوجود تحقيقات جارية تباشرها المصالح الأمنية المختصة، وهو ما خلق حالة من الترقب داخل الأوساط المرتبطة بتدبير المقابر بالعاصمة الاقتصادية.

    وأكدت المصادر نفسها أن عناصر الشرطة القضائية قامت، قبل الشروع في طلب الوثائق الرسمية والملفات الإدارية، بمعاينات ميدانية شملت مختلف مرافق المقبرة، حيث تم توثيق عدد من التجهيزات والبنيات والتقاط صور لمرافق وأشغال أنجزت خلال السنوات الماضية، في خطوة تهدف إلى مطابقة المعطيات التقنية مع ما هو وارد في الصفقات والوثائق الإدارية.

    وتشمل التحريات، وفق المعلومات المتوفرة، ملفات تتعلق بأشغال التهيئة والصيانة والتجهيز، فضلا عن التدقيق في عدد من العقود والصفقات التي أبرمت خلال مرحلة التدبير السابقة، خاصة تلك المرتبطة بالبنيات التحتية والخدمات المقدمة داخل المقبرة.

    ويأتي فتح هذه التحقيقات في سياق التحولات التي عرفها تدبير مجموعتي الجماعات الترابية “التعاضد”، المكلفتين بتسيير مقبرتي “الغفران” و”الإحسان”، بعدما تمكن حزب الاستقلال، قبل أسابيع، من الظفر برئاسة المجلسين، في خطوة أعادت ترتيب موازين التدبير داخل هذا القطاع الحساس.

    وترى مصادر مطلعة أن مباشرة هذه الأبحاث الأمنية تعكس تزايد الاهتمام بمراقبة تدبير المرافق الجماعية ذات الطابع الاجتماعي والخدماتي، خصوصا تلك التي تثير بين الفينة والأخرى نقاشا واسعا حول الحكامة وشفافية تدبير المال العام، في ظل مطالب متكررة بفتح ملفات عدد من المشاريع والصفقات المرتبطة بالمقابر والمرافق الجماعية بالدار البيضاء.

    وختمت المصادر ذاتها بالتأكيد على أن التحقيقات ما تزال في مراحلها الأولية، وأن المصالح المختصة تعمل على تجميع مختلف المعطيات والوثائق قبل ترتيب الآثار القانونية والإدارية اللازمة، بناء على نتائج الأبحاث والتقارير المرتقب إنجازها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وهبي يمرر بالأغلبية مشروع قانون المحاماة .. والمحامون يصعدون دفاعا عن “الخطوط الحمراء”

    جمال أمدوري

    صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، مساء اليوم الخميس، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بعدما حظي بتأييد 16 نائباً من فرق الأغلبية، مقابل معارضة 6 نواب من فرق ومجموعة المعارضة، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت.

    وشهد مشروع القانون نقاشا مطولا داخل اللجنة، بعدما تقدمت الفرق والمجموعة النيابية، من الأغلبية والمعارضة، بأزيد من 500 تعديل همّت مختلف مواد النص التشريعي، في وقت أبدى فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي تحفظه على غالبية التعديلات المقترحة، مع قبوله عددا محدودا منها.

    ومن أبرز التعديلات التي وافقت عليها الحكومة، رفع سن الولوج إلى مهنة المحاماة إلى 45 سنة بدل 40 سنة كما ورد في الصيغة الأصلية للمشروع، مقابل تمسك الوزارة بشرط الحصول على شهادة “الماستر” كشرط أساسي للولوج إلى المهنة.

    كما حمل المشروع تعديلات لافتة تتعلق بأساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون، حيث تمت الموافقة على إعفائهم من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة ومن فترة التمرين المنصوص عليها في المادة 11، مع إلزامهم بقضاء سنة واحدة فقط من التمرين داخل مكتب محام يعينه النقيب.

    ويشترط للاستفادة من هذا الإعفاء أن يكون الأستاذ الجامعي قد مارس التدريس الفعلي لمدة لا تقل عن ثماني سنوات بعد الترسيم بإحدى كليات أو معاهد التعليم العالي في تخصص القانون، وأن يكون قد أحيل على التقاعد أو قدم استقالته، شريطة ألا تكون لأسباب تأديبية.

    في المقابل، صادقت اللجنة بالأغلبية على رفض تعديلات كانت تروم فتح باب ممارسة مهنة المحاماة أمام خريجي كليات الشريعة، في وقت وافقت فيه الحكومة على تعديل جديد يقضي بتوسيع اختصاصات المحامي لتشمل مهام “وكيل المهن الرياضية والفنية”.

    وأكد وزير العدل، خلال تقديمه لمضامين المشروع أمام اللجنة، أن النص الجديد يتضمن مستجدات مهمة تروم “إعطاء مهنة المحاماة كافة الإمكانات الكفيلة بتسهيل مزاولتها وتأهيلها لمواكبة التحولات الجديدة”.

    وأوضح وهبي أن مرور 17 سنة على دخول القانون الحالي حيز التنفيذ فرض ضرورة تقييمه ورصد مكامن الضعف والإكراهات التي تعيق تنزيله، مشيراً إلى أن الوزارة باشرت حواراً مع مختلف الهيئات المهنية والجهات المعنية من أجل بلورة تصور جديد لتأهيل المهنة.

    ومن بين أبرز المستجدات التي جاء بها المشروع، السماح للمحامي بمزاولة المهنة بصفة فردية أو في إطار عقود شراكة أو مشاركة أو مساكنة مع محامين آخرين، إضافة إلى إمكانية الاشتغال ضمن شركة مدنية مهنية أو بصفة محام مساعد.

    كما ينص المشروع على إمكانية إبرام المحامي المغربي لعقود تعاون مع محامين أو شركات محاماة أجنبية، شريطة تأشير نقيب الهيئة المعنية على تلك العقود، في إطار ضبط ممارسة المهنة وحماية قواعدها المهنية.

    وفي ما يتعلق بالمحامين الأجانب، أوضح وزير العدل أن المشروع يفرض على المحامي الأجنبي، المنتمي لدولة ترتبط مع المغرب باتفاقية تسمح بممارسة المهنة بشكل متبادل، أن يكون مسجلاً بإحدى هيئات المحامين بالمغرب، وذلك لضمان خضوعه للقواعد المهنية والأخلاقية المؤطرة للمهنة.

    أما على مستوى شروط الولوج، فقد أكد وهبي أن المشروع يعتمد نظام المباراة بدل الامتحان المعمول به حالياً، بهدف التحكم في أعداد الوافدين على المهنة واستقطاب الكفاءات القادرة على الاستفادة من التكوين.

    وينص المشروع كذلك على إحداث معهد للتكوين يقضي فيه الطالب المحامي سنة من التكوين الأساسي النظري، يحصل بعدها على شهادة الكفاءة، قبل الانتقال إلى مرحلة التمرين لمدة 24 شهراً، تشمل 20 شهراً داخل مكتب محام و4 أشهر من التدريب بإدارات أو مؤسسات عمومية أو مقاولات ذات صلة بالمجال القانوني.

    وعلى المستوى التنظيمي، يتضمن المشروع مقتضيات جديدة تروم تعزيز تمثيلية النساء داخل مجالس هيئات المحامين، إلى جانب حصر ولاية النقيب في مدة واحدة غير قابلة للتجديد، ورفع النصاب القانوني اللازم لإحداث هيئة للمحامين إلى 500 محامٍ على الأقل.

    وفي أول رد فعل مهني على التطورات التي عرفها المشروع، دعت جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى عقد اجتماع طارئ غدا الجمعة بمقر الجمعية بالرباط، بحضور الرؤساء السابقين والنقباء وأعضاء المكاتب، للتداول بشأن ما وصفته بـ“الإرهاصات والمحاولات المقلقة” داخل لجنة العدل والتشريع.

    وحذرت الجمعية، في مراسلة اطلعت عليها “العمق”، من المساس بـ“الخطوط الحمراء والثوابت المهنية”، معتبرة أن بعض التعديلات قد تطال “رمزية منصب النقيب ومكانته الاعتبارية داخل منظومة المحاماة”.

    وأكدت الجمعية أن الاجتماع يهدف إلى توحيد الموقف المهني والتشاور بشأن المستجدات المرتبطة بمشروع القانون، مع “حماية مؤسسات المهنة وصون كرامتها وتوازناتها”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بين العاطفة الشعبية والبروتوكول الرسمي.. رحيل الدكالي يفتح جرح الذاكرة الثقافية بالمغرب

    زينب شكري

    أعاد الجدل الذي رافق جنازة الفنان الراحل عبد الوهاب الدكالي النقاش مجددا حول الطريقة التي يعامل بها الفنانون في المغرب وحجم الاعتراف الذي تحظى به الأسماء التي صنعت جزءا كبيرا من الذاكرة الفنية للمغاربة.

    ورغم مرور أيام على رحيله، ما تزال صور الوداع الأخير للدكالي تثير ردود فعل واسعة داخل الأوساط الفنية والثقافية، في ظل شعور عدد من المبدعين بأن واحدا من أبرز رموز الأغنية المغربية لم ينل التكريم الذي يوازي مساره الطويل وتأثيره الكبير في أجيال متعاقبة من المغاربة، ليعيد إلى الأذهان وقائع مماثلة حدثت مع رواد كبار، كان آخرهم الهرمين نعيمة سميح وعبد الهادي بلخياط.”

    وأثارت الأجواء التي مرت فيها جنازة الدكالي موجة من التساؤلات بشأن مكانة الثقافة داخل الوعي المؤسساتي، خاصة أن كثيرين يعتبرون أن الفنانين الكبار لا يمثلون أسماء فنية فقط، بل يشكلون جزءا من تاريخ البلاد وذاكرتها الجماعية.

    كما يرى متابعون أن لحظات الوداع الرسمية للفنانين تتحول في عدد من الدول إلى رسائل رمزية تعكس تقدير الدولة لمن ساهموا في تشكيل وجدان المجتمع وصورته الثقافية، وهو ما جعل جنازة الدكالي تتحول بدورها إلى موضوع نقاش يتجاوز تفاصيل التشييع نحو سؤال أوسع يتعلق بموقع الفن داخل المجتمع المغربي.

    وفي هذا السياق، عبر المخرج عبد السلام الكلاعي عن موقفه من الأجواء التي مرت فيها جنازة الدكالي، معتبرا أن “رحيل عبد الوهاب الدكالي دون جنازة رسمية تليق بمكانته، أو دون حضور واضح وتمثيلية على أعلى مستوى للمسؤولين الحكوميين، لا يجب أن يُفهم فقط كواقعة بروتوكولية عابرة، بل كصورة رمزية تكشف طبيعة العلاقة المرتبكة التي تربط السلطة بالذاكرة الثقافية للأمة المغربية”.

    وأضاف الكلاعي، أن “الجنازات الكبرى ليست مجرد طقوس دفن، بل لحظات تعلن فيها الأمم عمن تعتبرهم جزءا من تاريخها العميق، ومن حكايتها الوطنية”، مشيرا إلى أن غياب هذا الاعتراف يجعل الناس يشعرون بأن “جزءا من ذاكرتهم الجماعية يُدفن بصمت”.

    وتوقف المخرج المغربي عند المسار الفني الطويل الذي راكمه الدكالي، معتبرا أنه “كان أكثر من مطرب أو ملحن ناجح”، بل “صوتا رافق تحولات المغرب الحديثة، ووجها لزمن كانت فيه الأغنية المغربية تحمل مشروعا جماليا ولغويا وثقافيا واضحا”.

    كما شدد الكلاعي في تدوينة عبر حسابه على “فيسبوك” على أن الأعمال الفنية للدكالي لم تكن “مجرد مواد للاستهلاك السريع”، بل شكلت بالنسبة لأجيال من المغاربة “جزءا من تربية عاطفية كاملة”.

    وأوضح الكلاعي، أن المغاربة تعلموا من خلال أغاني عبد الوهاب الدكالي “معنى الرقة، والحنين، والحب المؤجل، والكلمة الأنيقة، واللحن الذي يمنح للحياة اليومية بعدا شاعريا”، معتبرا أن غياب وداع رسمي يوازي هذا الأثر الفني “يبدو كما يبدو للكثيرين وكأنه ليس تجاهلا لفرد فقط، بل تجاهل للتاريخ الثقافي المغربي كله، وتجاهل لكل من يصنعونه”.

    كما قارن المتحدث بين ما يقع في المغرب وما يحدث داخل دول يعتبرها أكثر وعيا بقيمة الثقافة والفن، قائلا إن “جنازات الفنانين الكبار تتحول إلى طقس وطني للاعتراف”، لأن الدولة -بحسب تعبيره- “لا تكرّم الجسد الراحل فقط، بل تكرّم ما مثله ذلك الفنان في الوعي الجمعي”.

    وأشار إلى أن الأغنية، مثل الرواية والسينما والمسرح والشعر، “ليست ترفا جانبيا”، وإنما “إحدى الأدوات التي تُصاغ بها صورة الوطن في خيال أبنائه”، مؤكدا أن الفنانين الكبار يخلقون “لغة مشتركة بين الناس، وذكريات مشتركة، وأحاسيس مشتركة”، بل إنهم ينجحون أحيانا “في توحيد الشعور الوطني أكثر مما تفعله الخطب السياسية”.

    واعتبر الكلاعي، أن النقاش لا يتعلق فقط بالأسماء التي حضرت أو غابت عن جنازة معينة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يرتبط بكيفية تعامل الدول مع ذاكرتها الفنية، موضحا أن هناك مجتمعات “تعتبر الفنانين جزءا من تاريخها السيادي، تماما مثل الشخصيات السياسية الكبرى”، لأنهم يساهمون في تشكيل “روح الأمة”.

    في المقابل، يرى المخرج المغربي أن الفن داخل مجتمعات أخرى، “مثل مجتمعنا”، يُترك غالبا “في دائرة العاطفة الشعبية وحدها”، وكأن الدولة “تستفيد من إشعاعه الرمزي دون أن تتحمل مسؤولية حفظ مكانته التاريخية”. وهي الفكرة التي أعادت إلى الواجهة مطالب متكررة بضرورة رد الاعتبار للفنان المغربي، سواء في حياته أو بعد رحيله، من خلال مبادرات رسمية تحفظ الذاكرة الثقافية الوطنية وتمنح رموزها ما يليق بهم من تكريم واعتراف.

    ورغم كل الجدل الذي رافق جنازة الفنان الراحل، شدد عبد السلام الكلاعي على أن قيمة الفنان الحقيقي لا تُقاس فقط بحجم المراسيم الرسمية، بل أيضا بقدرته على البقاء داخل وجدان الناس، قائلا إن صوت عبد الوهاب الدكالي “سيبقى حاضرا في البيوت المغربية، وفي ذاكرة الناس، وسيصاحبهم لسنوات أخرى في لحظات الحب والفقد والحنين”.

    وختم الكلاعي حديثه بالتأكيد على أن الحزن الذي عبّر عنه كثير من المغاربة بعد جنازة الدكالي يرتبط أساسا بإحساس جماعي بأن فنانا “عاش في وجدانهم بهذا العمق، كان يستحق لحظة وداع تقول بوضوح إن الفن أيضا يصنع الأوطان”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تزكيات البرلمان تفتح الباب أمام “المشبوهين” و”الرحل السياسيين” و”المغضوب عليهم”

    مصطفى منجم

    مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، تحولت بعض الأحزاب السياسية بجهة الدار البيضاء سطات إلى وجهة لعدد من المنتخبين المثيرين للجدل، بعدما فتحت قيادات ومنسقون حزبيون قنوات تفاوض مع أسماء تحوم حولها شبهات مرتبطة بتدبير الشأن العام والخروقات الانتخابية والتعميرية.

    وبات ملف التزكيات البرلمانية يثير تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل تسابق بعض الأحزاب لاستقطاب منتخبين نافذين، رغم الجدل الذي يرافق مساراتهم السياسية والتدبيرية، الأمر الذي يكرس، وفق متتبعين، منطق إعادة تدوير الوجوه المثيرة للجدل بدل ترسيخ مبادئ تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    وخلال الأسابيع الأخيرة، تداولت صفحات ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعي معطيات تتحدث عن انتقال عدد من المنتخبين المعروفين بظاهرة “الترحال السياسي” نحو أحزاب مرشحة لتصدر المشهد الانتخابي المقبل وقيادة الحكومة، ما أثار موجة واسعة من الانتقادات وسط متتبعي الشأن المحلي والجهوي والوطني.

    كما تحولت بعض الصفحات الفايسبوكية إلى ما يشبه منصات دعائية غير معلنة، تعمل على تلميع صورة منتخبين تلاحقهم شبهات تتعلق بالاستفادة من إعفاءات ضريبية مثيرة للجدل، وارتكاب خروقات تعميرية، إضافة إلى استغلال واحتلال الملك العمومي بدون سند قانوني، فضلا عن ملفات أخرى مرتبطة بالتدبير المحلي.

    وفي سياق متصل، دخل عدد من المنتخبين الذين ارتبطت أسماؤهم بظاهرة الترحال السياسي في لقاءات واجتماعات متواصلة مع قيادات ومنسقين حزبيين، سعيا لضمان مواقع متقدمة ضمن اللوائح الانتخابية المقبلة، عبر تقديم مشاريع انتخابية يغلب عليها الطابع العائلي، بعدما أصبح الأبناء والأقارب جزءا من حسابات توزيع التزكيات، في مشهد بات يوصف بـ”الترحال العائلي” وإعادة إنتاج النفوذ داخل العائلة الواحدة.

    ويرى متابعون أن عددا من الأمناء العامين والمنسقين الجهويين يتجاهلون بشكل واضح الدعوات المتكررة إلى تخليق الحياة السياسية ومحاصرة الأسماء المرتبطة بشبهات فساد، من خلال فتح قنوات تفاوض مع برلمانيين ومنتخبين حاليين بجهة الدار البيضاء ونواحيها، رغم الجدل الواسع الذي يرافق بعضهم والملفات المثارة بشأن تدبيرهم للشأن العام.

    وفي هذا السياق، قال معاذ شهير، الفاعل السياسي، إن “ما تعيشه الساحة السياسية مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 يؤكد أن بعض الأحزاب ما تزال تقدم الحسابات الانتخابية على مصلحة الوطن، عبر فتح أبواب التزكيات أمام أسماء تحوم حولها شبهات فساد واختلالات تدبيرية خطيرة”.

    وأضاف شهير أن “تخليق الحياة السياسية لا يمكن أن يظل مجرد شعار يرفع في المناسبات، بينما يتم في الواقع استقطاب منتخبين ارتبطت أسماؤهم بالترحال السياسي والخروقات الانتخابية والتعميرية”.

    وأكد المتحدث أن “الرأي العام أصبح أكثر وعيا من أي وقت مضى، ولم يعد يقبل بإعادة تدوير نفس الوجوه التي فقدت المصداقية لدى المواطنين، أو تحويل الأحزاب إلى ملاذات انتخابية للباحثين عن النفوذ والحصانة السياسية”.

    كما حذر من تنامي ما وصفه بـ”الترحال العائلي”، معتبرا أن بعض التزكيات تحولت إلى مشاريع عائلية يتم من خلالها توريث النفوذ السياسي للأبناء والأقارب، في ضرب واضح لمبدأ تكافؤ الفرص وتجديد النخب السياسية.

    وختم شهير تصريحه بالتأكيد على أن “المواطن المغربي ينتظر من الأحزاب تقديم كفاءات قادرة على الدفاع عن مصالحه الحقيقية، بدل إعادة إنتاج نفس الأسماء المرتبطة بالشبهات والصراعات والمصالح الضيقة”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأصالة والمعاصرة يطوي صفحة الوجوه “القديمة” بأزيلال ويراهن على كفاءات محلية جديدة

    عبد المالك أهلال

    كشف عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس مجلس جهة بني ملال- خنيفرة، عادل بركات، أن التنظيم السياسي يتجه نحو إحداث قطيعة تامة مع الأسماء الانتخابية القديمة، والرهان بشكل كبير على وجوه سياسية جديدة وشابة في الاستحقاقات المقبلة، مشيرا إلى أن القيادة الحزبية تبحث عن برلمانيين حقيقيين يتواصلون بشكل يومي مع المواطنين لإنهاء عهد النواب الذين يختفون بمجرد فوزهم بمقاعدهم البرلمانية.

    وأكد المسؤول الحزبي في تصريح خاص لجريدة “العمق” أن الحسم النهائي في مسألة التزكيات الخاصة بالدائرتين الانتخابيتين التابعتين لإقليم أزيلال لم يتم بعد، موضحا أن الإعلان الرسمي عن أسماء المرشحين المختارين يبقى من الاختصاصات الحصرية للأمانة العامة والمنسقة الوطنية للحزب، وذلك تفاعلا مع ما ترفعه القواعد الحزبية التي تلعب دورا توجيهيا في اقتراح ورسم ملامح المرشحين الأنسب للمرحلة.

    وأوضح المتحدث ذاته، ردا على سؤال حول وثيقة مسربة تفيد بطي الحزب لصفحة الوجوه القديمة، أن هذا التوجه العام ليس حكرا على إقليم أزيلال وحده، بل يميل نحو ضخ دماء جديدة في كافة دوائر الجهة، مبرزا أن الحزب يطمح لتقديم جيل جديد من الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات التنموية الراهنة التي تعرفها المنطقة.

    وتابع القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة انتقاده الحاد للممارسات السابقة لبعض البرلمانيين، معتبرا أن طموح الحزب الأساسي يتمثل في القطع النهائي مع النواب الذين ينجحون في الانتخابات ليغادروا نحو مدينة الرباط للاستقرار بها، تاركين الحزب في موقف محرج ومواجهة مباشرة مع غضب واحتجاجات الساكنة المحلية التي منحتهم أصواتها.

    وأضاف المسؤول الجهوي أن هذه الفئة من المنتخبين تعمد إلى إغلاق هواتفها في وجه الناخبين طيلة خمس سنوات كاملة من الولاية التشريعية دون تقديم أي حصيلة تذكر، ولا تعاود الظهور إلا مع اقتراب موعد الحملات الانتخابية حيث تشرع في استعمال طرق غير أخلاقية لمحاولة العودة للمشهد، مسجلا أن هذه السلوكات تدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في السياسة.

    وأشار المصدر عينه إلى أن الرؤية الجديدة لحزب الأصالة والمعاصرة ترتكز على ترشيح أبناء المنطقة الذين يقطنون فعليا داخل نفوذ دوائرهم، لكي يكونوا في الخطوط الأمامية لمواجهة الأزمات المحلية من قبيل مشاكل العطش والبنية التحتية، مبديا أسفه لكون غياب البرلمانيين أثناء الأزمات يلقي بالعبء كاملا على عاتق مؤسسات أخرى كالوالي أو العامل أو رؤساء الجهات والمجالس الإقليمية.

    وخلص المتحدث إلى أن استرجاع ثقة المواطنين في العملية السياسية يتطلب حتما مقاربة مغايرة تعتمد على ترشيح طاقات شابة تعيش هموم المواطن البسيط وتتواصل معه بصفة دائمة، معتبرا أن النموذج الناجح للبرلماني هو الذي يوازن بين حضور الجلسات التشريعية والتواجد الميداني المستمر سواء داخل الجماعات أو المجالس الإقليمية ليكون قريبا من نبض الشارع الجبلي ومشاكله.

    يذكر أن حزب حزب الأصالة والمعاصرة سبق أن حصد مقعدين خلال الانتخابات البرلمانية السابقة، حيث فاز سعيد أتغلاست بمقعد عن دائرة أبزو  واويزغت، فيما ظفر المقاول المعروف إبراهيم مجاهد بمقعد عن دائرة دمنات أزيلال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المهدي التازي رئيسا جديدا لـ”الباطرونا” ومحمد بشيري نائبا له 

    العمق المغربي

    انتخب الجمع العام العادي الانتخابي للاتحاد العام لمقاولات المغرب، اليوم الخميس بالدار البيضاء، المهدي التازي رئيسا جديدا للاتحاد لولاية تمتد إلى سنة 2029، فيما جرى انتخاب محمد بشيري نائبا للرئيس، وذلك خلفا لشكيب لعلج الذي قاد منظمة أرباب العمل المغربية منذ سنة 2020 وأعيد انتخابه لولاية ثانية سنة 2023.

    وجرى انتخاب الثنائي التازي–بشيري خلال أشغال الجمع العام المنعقد بحضور ممثلي الفدراليات المهنية والاتحادات الجهوية وأعضاء الاتحاد، بعدما تقدم الثنائي كمرشح وحيد لهذا الاستحقاق الانتخابي، إثر استكمال مسطرة الترشيح المنصوص عليها في النظامين الأساسي والداخلي للاتحاد العام لمقاولات المغرب.

    وشهد الجمع العام المصادقة بالإجماع على مختلف القرارات المدرجة ضمن جدول الأعمال، بما في ذلك القوائم المالية وتقرير التسيير الخاص بسنة 2025، إلى جانب منح إبراء الذمة الكامل للرئاسة ولمجلس الإدارة عن تدبير السنة المالية المنصرمة.

    كما تمت المصادقة على قرار يهم تخصيص نتيجة سنة 2025، حيث أظهرت المعطيات المالية التي عرضت خلال الجمع العام تسجيل عجز بقيمة مليون و25 ألفا و395 درهما، مقابل فائض مرحل سابق بلغ 42 مليونا و545 ألفا و387,92 درهما، ليصل الرصيد المرحل الجديد إلى 41 مليونا و519 ألفا و992,92 درهما.

    ويأتي انتخاب المهدي التازي بعد سنوات قضاها داخل قيادة “الباطرونا”، حيث شغل خلال الولاية السابقة منصب نائب الرئيس إلى جانب شكيب لعلج، وشارك في تدبير عدد من الملفات المرتبطة بمناخ الأعمال، والاستثمار، والصناعة، والعلاقات الاقتصادية الخارجية.

    ويرتبط اسم التازي أيضا بعالم الأعمال والصناعة، إذ يشغل مسؤوليات داخل مجموعة “تي مان هولدينغ” (T-Man Holding)، كما راكم حضورا داخل عدد من الهيئات المهنية والاقتصادية، وبرز خلال السنوات الأخيرة ضمن الأصوات الداعية إلى تعزيز السيادة الصناعية، وتقوية تنافسية المقاولات المغربية، وتشجيع الاستثمار المنتج، خاصة في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة.

    أما محمد بشيري، المنتخب نائبا للرئيس، فيعد من أبرز الأسماء المرتبطة بتطور صناعة السيارات بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، بحكم مساره داخل Renault Group، حيث سبق أن تولى منصب المدير العام لـ Renault Commerce Maroc، كما شغل رئاسة “رونو المغرب”، وواكب مرحلة توسع المنظومة الصناعية للسيارات بالمملكة.

    كما تولى بشيري مسؤوليات داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، خاصة من خلال لجنة الصناعة، حيث شارك في مناقشة ملفات مرتبطة بالاندماج الصناعي المحلي، والتكوين، والتنافسية، وجاذبية الاستثمار الصناعي.

    وخلال تقديم برنامجهما قبل الانتخابات، أكد الثنائي عزمهما العمل على مواصلة الدفاع عن مصالح المقاولات المغربية، وتعزيز الحوار مع الحكومة والشركاء الاجتماعيين، إلى جانب مواكبة الأوراش الاقتصادية الكبرى التي يشهدها المغرب، في سياق يتسم بتحولات اقتصادية وصناعية متسارعة على الصعيدين الوطني والدولي.

    ويراهن الاتحاد العام لمقاولات المغرب، من خلال قيادته الجديدة، على تعزيز موقع القطاع الخاص في الدينامية الاقتصادية الوطنية، خاصة في ظل رهانات الاستثمار والتشغيل والتحول الطاقي والسيادة الصناعية، فضلا عن الاستعدادات المرتبطة بالمشاريع الكبرى والاستحقاقات الدولية التي تنتظر المملكة خلال السنوات المقبلة.

    إقرأ الخبر من مصدره