Auteur/autrice : هسبريس

  • الحكومة تعزز إصلاح الصفقات العمومية


    هسبريس – علي بنهرار

    قالت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، إن المعطيات المسجلة على بوابة الصفقات العمومية فيما يخص طلبات المنافسة المعلن عنها خلال سنة 2025 تكشف عن وجود 5 حوارات تنافسية بمبلغ إجمالي قدره 6 مليارات و435 مليونا و600 ألف درهم، بالإضافة إلى 5565 طلب عروض مبسطا من طرف الدولة، و3944 بالنسبة للجماعات الترابية، و4630 بالنسبة للمؤسسات العمومية، بمبلغ إجمالي قدره 6 مليارات و324 مليونا و137 ألفا و958 درهما.

    وأشارت العلوي، في جواب كتابي موجه إلى المستشارينِ المصطفى الدحماني ومحمد بنفقيه عن التجمع الوطني للأحرار بالغرفة البرلمانية الثانية، إلى وجود 76 استشارة معمارية مفتوحة مبسطة بالنسبة للمهندسين المعماريين المبتدئين فيما يخص الدولة، و53 بالنسبة للجماعات الترابية، و123 بالنسبة للمؤسسات العمومية بمبلغ إجمالي قدره 391 مليونا و100 ألف و878 درهما.

    وشددت وزيرة الاقتصاد والمالية في الجواب ذاته، توصلت هسبريس بنسخة منه، على أن “إصلاح الصفقات العمومية يعتبر من بين أهم الأوراش التي أولتها الحكومة عناية خاصة لما لها من تأثير على النسيج الاقتصادي الوطني وجاذبية للاستثمارات، ومن تحسينٍ لمناخ الأعمال”، مضيفة أنها “تضطلع بمساهمة إيجابية في النمو الاقتصادي وفي إحداث مناصب الشغل وتحقيق التنمية الجهوية والمحلية”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وذكرت المسؤولة الحكومية أن “إصلاح المرسوم المنظم للصفقات العمومية يهدف على وجه الخصوص إلى توحيد النصوص المؤطرة للصفقات العمومية، وتبسيط المساطر، وتقوية الشفافية، وتخليق التدبير العمومي، وكذا تحسين الضمانات الممنوحة للمتنافسين”، مبرزة أن “الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات العملية التي تهدف إلى تقوية البعد الاقتصادي في الصفقات العمومية وتسهيل ولوج المقاولات الوطنية إليها”.

    وتبعا لذلك، كشفت فتاح العلوي أن “عدد الشركات المسجلة ببوابة الصفقات العمومية انتقل منذ دخول المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية حيز التنفيذ من 35 ألفا و484 شركة عند متم شهر غشت 2023 إلى 50 ألفا و511 شركة سنة 2024، و54 ألفا و681 شركة سنة 2025، مسجلا ارتفاعا قدره 54 في المائة”، مبرزة أن الأمر “يجسد مدى تفعيل الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة الرامية لتشجيع ولوج المقاولات الوطنية إلى الطلبيات العمومية”.

    وبخصوص عدد سندات الطلب المعلن عنها، فقد انتقل، وفق الوزيرة ذاتها، من 19 ألفا و248 سندا عند متم سنة 2023 إلى 95 ألفا و778 سندا خلال سنة 2024، بزيادة قدرها 398 في المائة، وانتقل خلال سنة 2025 إلى 97 ألفا و958 سندا، بزيادة قدرها 408 في المائة، موردة أنه “تم إرساء 68 في المائة منها، مما يعكس فعالية الإصلاح الذي همّ مسطرة الشراء بواسطة سندات الطلب، وخصوصا المجال المتعلق بتفعيل المنافسة”.

    وفيما يخص مدى مساهمة هذا النظام الجديد في تحسين جودة الصفقات العمومية وتقليص تكاليف الطلبيات العمومية، بينت المسؤولة ذاتها أن النظام الجديد انتقل من مبدأ “الأقل ثمنا” إلى مبدأ “العرض الأفضل اقتصاديا”، مما أثر مباشرة، وفق الجواب الكتابي، على “الجودة والتكلفة”، وزادت: “صار يتعين على صاحب المشروع، قبل أي دعوة إلى المنافسة أو إجراء أي مفاوضة، أن يحدد بكل ما يمكن من الدقة الحاجات المراد تلبيتها، والمواصفات التقنية ومحتوى الأعمال المزمع تنفيذها، وأن يحرص، عندما يستلزم الأمر ذلك، على الحصول على التراخيص وكذا القيام بالإجراءات المطلوبة”.

    وفيما يتعلق بإنجاز الأعمال التي تتضمن مكونا حرفيا، أفادت فتاح العلوي بأنه “يتم تحديد الحاجات من لدن صاحب المشروع على أساس منتوجات الصناعة التقليدية المغربية وكذا على أساس منتوجات مغربية المنشأ أو بالإحالة إلى معايير مغربية معتمدة”، مردفة أنه “في حالة انعدامهما، يتم تحديد الحاجات على أساس منتوجات أجنبية المنشأ تستجيب للمعايير المطبقة في المغرب أو للمعايير الدولية في حالة عدم وجود معايير وطنية مطبقة”.

    وذكرت وزيرة الاقتصاد والمالية أن مرسوم الصفقات العمومية اشتمل على إجراءات أخرى من شأنها تعزيز تنافسية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، تتمثل في التنصيص على إمكانية تحصيص الصفقة (allotissement) إذا كان من شأن هذا التحصيص أن يشجع مشاركة المقاولة الوطنية الصغرى والمتوسطة، موضحة أن عدد الصفقات المحصصة منذ دخول المرسوم حيز التنفيذ، انتقل من 3855 عند متم شهر غشت 2023 إلى 4273 صفقة سنة 2024، و4516 صفقة سنة 2025، مسجلا ارتفاعا قدره 17 في المائة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مونية رزق الله: فخورة بهويتي المغربية .. والموسيقى لغة تتجاوز الحدود


    حاورها: عبدالله الساورة

    لا يمكن اعتبار الفنانة مونية رزق الله مجرد عازفة كمان تعبر المسارح الكبرى بخفة الأصابع ودهشة النغم، ولكنها امرأة تمشي فوق حواف الروح وهي تحمل كمانها، كما يحمل العاشق قلبه المرتجف بين يديه. في هذا الحوار على صفحات جريدة هسبريس، لا نقترب من موسيقية تصنع الألحان فقط، وإنما من سيرة إنسانية تنبض بالهشاشة والقوة معاً، امرأة خرجت من دفء عائلة مغربية بسيطة لتصنع من التعب والحرمان سلّماً نحو الضوء، ومن القوس الخشبي جناحين يطيران بها بين باريس وبرلين وفاس وبروكسيل وعواصم عالمية، دون أن تفقد رائحة البيت الأول أو رجفة الحنين إلى الجذور المغربية.

    كل جواب هنا يشبه نغمة طويلة تتسلل بهدوء إلى أعماق القارئ، تلامس فيه ذلك الجزء المنسي الذي لا توقظه سوى الموسيقى الصادقة. وحين تتحدث مونية رزق الله، عن الكمان، يبدو الأمر كما لو أنها تتحدث عن كائن حي يتنفس داخلها، عن مرآة خفية تكشف تعبها وفرحها وانكساراتها، وعن لغة أوسع من الكلمات، لغة تستطيع أن تبكي دون دموع وأن تصرخ دون صوت. إننا أمام امرأة آمنت بأن الفن ليس ترفاً، وإنما خلاصاً داخلياً ومقاومة ناعمة ضد قسوة العالم وصمته.

    في هذا الحوار تتقاطع الثقافات كما تتعانق الأنغام، وتتحول الهوية المغربية من مجرد انتماء إلى طاقة خلاقة تعيد اكتشاف معنى الجسور بين الشعوب. وهنا نقرأ عن الموسيقى بوصفها وطناً آخر، وعن الأمومة بوصفها درساً في الإصغاء، وعن النجاح بوصفه قدرة على منح الحياة معنى أعمق.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    إنه حوار لا يُقرأ فقط، ولكن يُصغى إليه كما تُصغى مقطوعة حزينة في آخر الليل، حين يصبح القلب أكثر شفافية، وتصبح الكلمات قادرة على أن تنغرس في الوجدان مثل وترٍ يرتجف داخل العتمة.

    نص الحوار:

    كيف تتذكرين البدايات الأولى لعلاقتك بالموسيقى، وفي أي لحظة شعرتِ أن هذا الشغف سيتحوّل إلى طريق حياة حقيقي، لا إلى مجرد هواية عابرة؟

    عوّدنا والدي، أنا وأختَيّ، منذ سنوات الطفولة الأولى، على الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية في البيت، وإلى الأصوات المصرية الكبرى، وإلى الجاز أيضاً. وهكذا نشأتُ في عالم كانت فيه الموسيقى شيئاً حيّاً وطبيعياً، جزءاً من تفاصيل اليوم بكل غناه وتنوّعه.

    وكانت المشاعر الفكرية والأحاسيس الجسدية التي كنت أعيشها وأنا أعزف الكمان تجعلني، منذ وقت مبكر، أرغب في أن أهب لهذا الفن جزءاً من حياتي. أما أن يتحول الشغف إلى مهنة تحملني في الطريق، فقد احتاج إلى كثير من الإرادة والانضباط.

    وُلدتُ في فرنسا لوالدين مغربيين من أصول متواضعة. كان والدي سائقاً وميكانيكياً، ورغم أنه لم يدخل المدرسة يوماً، فقد كان رجلاً شديد الذكاء. أما أمي، كانت خياطة، فقد كرّست حياتها لعائلتها. واضطررتُ إلى تمويل دراستي عبر المباريات والمنح الدراسية. ومنحتني تلك التجربة يقيناً عميقاً بأن العمل والمثابرة وحسن التنظيم قادرة على فتح طرق لم نكن نتخيّلها.

    في مساركِ التعليمي والفني، ما اللحظات أو التحديات التي شكّلت وعيك الموسيقي ورسّخت اختيارك للكمان دون غيره من الآلات؟

    اقترح علينا والدي، أنا وأختَيّ، في وقت مبكر أن نختار آلة موسيقية. وجرّبتُ الكمان بسعادة كبيرة. وكانت فرصتي العظيمة أن ألتقي بشخص استثنائي: أستاذتي الأولى في الكمان. كنتُ في السابعة من عمري، وهو عمر تصبح فيه اللقاءات حاسمة في بقية الرحلة الموسيقية.

    نحن جميعاً بحاجة إلى نماذج تلهمنا وتفتح لنا الطريق. وقد أدّت السيدة فاليه، هذا الدور معي بأجمل صورة ممكنة. وظللتُ على تواصل معها حتى رحيلها، ولم أترك قوسي الموسيقي يوماً.

    ماذا تمثل لكِ الموسيقى على المستوى الوجودي والإنساني؟ هل هي لغة خلاص، أم شكل من أشكال المقاومة الداخلية، أم بحث دائم عن الذات؟

    إنها مزيج عميق من كل ذلك، وأكثر. والعزف على الموسيقى يشبه بالفعل رحلة بحث عن الذات. فالتأويل الموسيقي يعكس الحالة الداخلية للإنسان. كماني هو أشبه بميزان دقيق لحالتي الجسدية والعاطفية. ومن طريقة اهتزازه أعرف فوراً إن كنت متعبة أو مطمئنة، حتى قبل أن أعي ذلك بوضوح. وهذا ما يجعل هذا الفن عميقاً وإنسانياً إلى هذا الحد. وخلف جمال الاهتزاز الموسيقي عملٌ شاق وصارم. فالكمان آلة صعبة تتطلب انضباطاً يومياً كبيراً. نحن، عازفي الكمان، نشبه الرياضيين المحترفين. نتدرّب، ونتنافس، ونفوز، لكن ليس دائماً. علينا أن نتعلّم كيف نقبل الهزيمة، وكيف ننهض ونواصل الطريق رغم الشكوك. نتعلّم الصمود، فنصبح أقوى وأكثر إنسانية.

    ما الذي يتيحه لكِ الكمان للتعبير عنه مما تعجز الكلمات عن قوله؟ ولماذا شعرتِ أن هذه الآلة الأقرب إلى روحك؟

    الكمان بالنسبة إليّ أكثر من مجرد آلة موسيقية؛ إنه صوت داخلي، ومساحة للحقيقة والحرية. لطالما شعرتُ أن هذه الآلة تمتلك قدرة فريدة على ترجمة أعمق المشاعر بصدق يجرّد الإنسان من أقنعته. إنها تمنح صوتاً يتجاوز اللغة: للألم، وللأمل، وللحنين، وللتمرّد، وكذلك للجمال والنور. هذه الآلة تبكي، وتجعل الآخرين يبكون، لكنها تجعلهم أيضاً يرقصون ويضحكون.

    وقد أشرتم في السؤال السابق إلى فكرة “لغة الخلاص”. ونحن نعيش في زمن أصبح فيه التعبير الحر عما نشعر به أو نؤمن به أمراً صعباً أحياناً، لكن الموسيقى تظل لغة كونية تتجاوز الحدود، وتكسر الرقابة، وتتسلل إلى الصمت. إنها تسمح لنا بأن نشهد ونقاوم ونذكّر العالم بإنسانيتنا المشتركة.

    ومع الأسف، تواجه الموسيقى أحياناً حدوداً حين تحاول أن تحمل صوت الشعوب المتألمة أو الأشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم. وأنا أؤمن بعمق أننا يجب أن نواصل الدفاع عن حرية التعبير، لأنها في صميم كل إبداع فني وكل مجتمع حي. فالفن كان وسيظل ضرورة إنسانية.

    لقد عملتِ مع فرق موسيقية دولية وتنقلتِ بين مجتمعات أوروبية مختلفة. كيف أثّرت هذه التجارب في هويتك الفنية؟ وهل شعرتِ يوماً بتوتر بين الانتماء والانفتاح؟

    لقد كان نشوئي وسط ثقافات متعددة ثروة هائلة بالنسبة إليّ، وما يزال كذلك حتى اليوم. أن أولد في فرنسا لأبوين مغربيين، وأن أعيش اليوم في ألمانيا، وأعمل مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، جعلني أدرك مبكراً أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً، وإنما فضاء يتطور باستمرار.

    بطبيعة الحال، قد تثير هذه الانتماءات المتعددة أسئلة لا تملك دائماً أجوبة بسيطة، وقد تولّد أحياناً بعض التوتر الداخلي. لكنني مع الوقت فهمت أن هذا التعدد قوة عظيمة. لقد علّمني أن أنظر إلى العالم بمزيد من الدقة والانفتاح والفضول.

    أشعر بامتياز عميق لأن مهنتي تتيح لي السفر ولقاء أشخاص من جنسيات وحساسيات مختلفة، وأن أضع قناعاتي الخاصة في مواجهة طرق أخرى للتفكير والعيش. فالموسيقى، والكمان على وجه الخصوص، تمنحني حرية استثنائية للدخول في حوار مع ثقافات أخرى دون حاجة إلى الترجمة.

    وهناك القليل من المهن التي تمنح هذا القدر من الانفتاح. كل لقاء، وكل تعاون، وكل بلد أعبره، يثري هويتي الفنية والإنسانية. وقد علمتني هذه التجارب أن الانتماء والانفتاح لا يتعارضان؛ بل إن الإنسان كلما تجذّر أكثر في قصته الخاصة، استطاع أن ينفتح بهدوء على قصص الآخرين.

    كيف تعيشين هويتك المغربية داخل الفضاءات الموسيقية الدولية؟ وهل أصبحت هذه الهوية قوة إبداعية أم سؤالاً دائماً؟

    هويتي المغربية جزء أساسي مما أنا عليه، وقد انكشفت لي بعمق أكبر مع مرور الزمن. لفترة طويلة حملتها بشكل طبيعي وصامت تقريباً. أما اليوم فقد أصبحت قوة إبداعية حقيقية، ومسؤولية أيضاً.

    ومنذ وقت غير بعيد كنت في البرلمان الأوروبي ببروكسيل. وبينما كنت أراقب الديناميات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تشكّل العلاقات بين البلدان، أدركتُ إلى أي حد يمكن للموسيقى وتعليمها أن يؤديا دوراً أساسياً في بناء الهوية الفردية والجماعية معاً. فالموسيقى ليست مجرد جماليات، ولكنها وسيلة لفهم الجذور والتاريخ وما نرغب في نقله إلى الأجيال القادمة.

    وفي بروكسيل شعرتُ، أكثر من أي وقت مضى، برغبة قوية في الإسهام في إشعاع المغرب وتطوره. لا يتعلق الأمر بالسياسة بمعناها الحزبي، وإنما بوضع خبرتي وعلاقاتي وتجربتي الدولية في خدمة بلد ما زلت مرتبطة به بعمق.

    وهذا بالضبط ما أحاول تحقيقه اليوم من خلال “الأكاديمية” ومشروع “الأوبرا للجميع”: بناء جسور بين المغرب وأوروبا، ومنح الشباب آفاقاً جديدة، وإثبات أن الثقافة يمكن أن تكون قوة حقيقية للتغيير.

    ولهذا أستطيع القول ببساطة إنني في سلام كامل مع هويتي المغربية. أنا فخورة بها، وهي بلا شك قوة خلاقة في حياتي.

    ما طبيعة علاقتك بالموسيقى المغربية بمختلف تعبيراتها، من الأندلسي إلى الشعبي؟ وكيف ترين إمكانية حضورها على الساحة الدولية؟

    حظيتُ بشرف لقاء محمد بريول في فاس سنة 2019، وهو أحد الأسماء الكبرى في الموسيقى العربية الأندلسية المغربية. ولقد ترك هذا اللقاء أثراً عميقاً في نفسي. أدهشني بشكل خاص أن أراه يعزف الكمان فوق الركبة وفق التقليد الشرقي، بمهارة مبهرة وتقنية عالية الدقة.

    ومنذ ذلك الحين بدأت أكتشف الروابط المدهشة بين التقاليد الموسيقية المختلفة، تلك الروابط التي صنعت تاريخاً مشتركاً. فالموسيقى العربية الأندلسية، التي انتقلت إلى المغرب من الأندلس، تتحاور بشكل طبيعي مع الموسيقى الأوروبية في العصور الوسطى، خصوصاً مع “كانتيغاس دي سانتا ماريا”. وهذه الأعمال تكشف جذوراً ثقافية متشابكة بين العوالم العربية واليهودية والمسيحية والأمازيغية والمتوسطية.

    وما يلامسني بشدة هو أننا، رغم اختلافاتنا الظاهرة، نتقاسم إرثاً مشتركاً بالغ الثراء. فالموسيقى تكشف بوضوح مدهش أن الثقافات ليست جزرًا معزولة، ولكنها تتغذى من بعضها البعض منذ قرون.

    وأنا مقتنعة بأن الموسيقى المغربية تمتلك إمكانات هائلة على الساحة الدولية. فهي تحمل ثراءً لحنياً وإيقاعياً وشعرياً استثنائياً، وتنقل رسالة عالمية قائمة على الحوار والتعايش. وعندما تُقدَّم في سياق لقاء مع تقاليد موسيقية أخرى، تتحول إلى رمز قوي لما يستطيع الفن أن يفعله: تقريب الشعوب، وتجاوز الحدود، والتذكير بعمق التاريخ المشترك.

    وهذا تحديداً ما يلهمني اليوم. فطموحي هو أن أفهم بشكل أعمق أصول الريبرتوار الموسيقي، وأن أبني جسوراً بين الموسيقى العربية الأندلسية والموسيقى الأوروبية الوسيطة والموسيقى الكلاسيكية الغربية. ليس عبر السياسة، وإنما عبر قوة الموسيقى وحدها، حيث يصبح ممكناً أن تتحاور الثقافات والأديان والحساسيات المختلفة داخل اندفاعة واحدة من الجمال والإنسانية. وهذا ما أحاول تطويره في حفلات
    “الأكاديمية “.

    هل يُعد تأسيس أكاديمية موسيقية في المغرب امتداداً لحلم شخصي، أم مشروعاً ثقافياً يهدف إلى إعادة تعريف علاقة الأجيال الجديدة بالموسيقى؟

    إن فكرة تأسيس ” الأكاديمية “، في المغرب تتجاوز بكثير حدود الحلم الشخصي. في البداية كان المشروع الثقافي نابعاً من رغبة في نقل الفرصة الثمينة التي حظيتُ بها أنا نفسي، حين التقيت طوال مسيرتي بأساتذة وشخصيات أثّرت في تكويني الفني والإنساني. كما كانت وسيلة للتقرب أكثر من المغرب، لفهم جذوري ومنح انتمائي المزدوج معنى أعمق.

    ومع السنوات، أخذ المشروع بعداً أكثر طموحاً. اليوم، ومن خلال مشروع “الأوبرا للجميع”، الذي أُنجز بشراكة مع وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة المغربيتين، أسعى إلى إثبات أن الموسيقى أداة حقيقية للتحول الاجتماعي والتربوي.

    وأنا مؤمنة بأن تعليم الموسيقى لا يقتصر على تعلّم تقنية العزف، بل يطوّر التركيز والانضباط والقدرة على الإصغاء والثقة بالنفس وروح العمل الجماعي والتفكير. كما يمكن أن يساهم فعلياً في محاربة الهدر المدرسي عبر إعادة الشباب إلى متعة التعلّم وفخر التقدّم.

    وهكذا فإن مشروع “الأوبرا للجميع” يتجاوز الممارسة الموسيقية وحدها، ليمنح الأجيال الجديدة فضاءً للنمو الفكري والإنساني والانفتاح على العالم.

    وأشعر اليوم أنني توصلت إلى نموذج قادر على إحداث أثر مستدام. وأمنيتي العميقة أن تدرك المؤسسات المغربية الإمكانات الحقيقية لهذه الرؤية وأن تمنحها دعماً رسمياً في أقرب وقت.

    وبصورة أوسع، أشعر، بصفتي مغربية مقيمة في الخارج، أنني أحمل تجربة خاصة. وهذا لا يخصني وحدي. فالمغاربة المقيمون عبر العالم يمتلكون غالباً رؤية مختلفة تشكّلت من خلال احتكاكهم اليومي بأنظمة وأساليب أخرى. وهذه الرؤية قد تكون ثمينة في خدمة تطور البلاد، إذا ما جرى الاعتراف فعلياً بمشاريعهم من طرف المؤسسات المغربية.

    وأود أيضاً أن أحيّي العمل المميز الذي تقوم به وزارة الثقافة المغربية في إطار مشروع “الأوبرا للجميع”. فقد أبهرتني فرق العمل دائماً بمهنيتها والتزامها.

    بعيداً عن خشبة المسرح، ماذا تقرئين؟ وما اهتماماتك وهواياتك التي تغذي حساسيتك الفنية وتنعكس على عزفك؟

    خارج المسرح، فإن الشخص الذي يغذي حساسيتي الفنية أكثر من أي أحد آخر هو ابنتي ذات الستة عشر عاماً. إن قضاء لحظات جميلة معها يمنحني توازناً وإلهاماً دائماً. نحن نحب الذهاب إلى السينما والطهي معاً وتبادل الحديث حول مواضيع كثيرة. لقد علّمتني الأمومة أن أُصغي بطريقة مختلفة، وأن أرى العالم بقدر أكبر من الإنسانية، وهذا ينعكس حتماً على طريقتي في العزف ونقل الموسيقى.

    كما أحب كثيراً استقبال الأصدقاء في البيت. فالطهي لهم ومشاركة المائدة وخلق لحظات دافئة من اللقاء هو بالنسبة إليّ شكل من أشكال الفن. وتلك اللحظات الإنسانية تغذي الروابط التي تقوم عليها كل تجربة فنية حقيقية.

    وتحتل الرياضة أيضاً مكانة مهمة في حياتي. وقد اكتشفت رياضة الكيك بوكسينغ، وهي رياضة تناسب طبعي لأنها تتطلب التركيز والطاقة وضبط النفس.

    أما القراءة، فهي للأسف أقل مما أتمنى، لأن جزءاً كبيراً من وقتي يذهب إلى العمل وتطوير “ الأكاديمية ”، لكن حين أجد فرصة للقراءة، أميل إلى كتّاب مثل شتيفان تسفايغ وهاري موليش.

    بعد سنوات طويلة من العمل وتراكم التجربة، كيف تنظرين إلى النجاح والشهرة؟ هل هما ثمرة طبيعية للشغف، أم عبء يدفع الفنان إلى إعادة تعريف نفسه باستمرار؟

    الشغف من دون عمل وانضباط لا يساوي شيئاً. والفنان الذي يتجمد داخل يقينياته لا يتطور، يفقد جزءاً كبيراً من فنه وروحه. لكن إعادة تعريف الذات ليست عبئاً، فهي قوة تدفع الإنسان نحو مزيد من الإنسانية.

    وبعد ما يقارب ثلاثين عاماً من المسيرة الفنية، تغيّرت نظرتي إلى النجاح والشهرة بشكل عميق. وحين يكون الإنسان شاباً، تبدو هذه الأمور مهمة جداً. يشعر بالحاجة إلى أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه قادر على بلوغ مستوى معين، وأن يجد مكانه ويحصل على الاعتراف بعمله.

    لكن مع مرور الزمن، تفقد هذه الأهداف مركزيتها. وبالنسبة إليّ، شكّلت ولادة ابنتي نقطة تحول حاسمة. فقد جعلتني أدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الاعتراف الخارجي، وإنما في القدرة على العطاء والبناء ومنح الأفعال معنى أعمق.

    ولهذا أكرّس، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، جزءاً كبيراً من طاقتي، إلى جانب عملي كعازفة كمان في أوبرا برلين الألمانية، لبناء مشاريع ثقافية وتربوية في المغرب يمكن أن تترك أثراً دائماً في الأجيال الجديدة.

    في النهاية، لم يعد النجاح بالنسبة إليّ مسألة شهرة. إنه أن أضع خبرتي وطاقتي ومتطلباتي الفنية في خدمة رؤية أكبر مني. لقد كانت الشهرة الموسيقية نقطة البداية، أما هدفي اليوم فأوسع بكثير: أن أنقل المعرفة، وأبني، وأُلهم، وأساهم عبر الفن في تغيير الأشياء بصورة مستدامة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شبكات العملات المشفرة تفتح ثغرة جديدة في جدار العقوبات على إيران


    هسبريس من الرباط

    في وقت تشدد فيه واشنطن عقوباتها المالية على طهران، كشفت تقارير غربية حديثة عن توسع استخدام العملات الرقمية المشفرة في تمويل شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، عبر منصات تداول عالمية، وفي مقدمتها منصة “بينانس”، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم، وهو ما يعيد طرح أسئلة قديمة حول قدرة العقوبات التقليدية على مواكبة التحولات الجديدة في الاقتصاد الرقمي.

    صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية نشرت تحقيقًا مطولًا تحدثت فيه عن تحويلات مالية بمليارات الدولارات مرت عبر “بينانس” لصالح شبكات مرتبطة بإيران، بعضها مرتبط مباشرة بالحرس الثوري، وذلك رغم العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران منذ سنوات، ورغم تعهدات سابقة من المنصة بتشديد أنظمة المراقبة والامتثال المالي.

    وبحسب التحقيق، فإن رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني، المعروف بعلاقاته القديمة مع دوائر السلطة الإيرانية، لعب دورًا محوريًا في بناء شبكة مالية سرية استخدمت العملات الرقمية لنقل الأموال إلى جهات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإيرانية، خصوصًا خلال العامين الأخيرين اللذين سبقا المواجهة العسكرية الحالية بين واشنطن وطهران.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتشير الوثائق التي استندت إليها الصحيفة إلى أن شبكة زنجاني أجرت معاملات تقارب 850 مليون دولار عبر حسابات على “بينانس”، معظمها تم عبر حساب تداول واحد ظل نشطًا لفترة طويلة رغم التنبيهات الداخلية التي سجلتها أنظمة المراقبة داخل الشركة، والتي تحدثت عن شبهات تتعلق بالتحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

    التحقيق يوضح أن شبكة زنجاني لم تعتمد فقط على حسابات مباشرة، بل استخدمت أيضًا حسابات مرتبطة بأفراد مقربين منه، بينهم شقيقته وشركاء يعملون داخل شركات تابعة له، مع استعمال الأجهزة الرقمية نفسها للدخول إلى الحسابات المختلفة، وهو ما اعتبره محققو الامتثال داخل “بينانس” مؤشرًا واضحًا على وجود شبكة منظمة تعمل على إخفاء حركة الأموال وتجاوز القيود المالية المفروضة على طهران.

    ووفق الصحيفة، فإن الأموال التي مرت عبر هذه الشبكات ارتبط جزء كبير منها بعائدات بيع النفط الإيراني إلى الصين، وهي تجارة تعتمد عليها إيران بشكل متزايد لتجاوز العقوبات الغربية، بينما يشرف الحرس الثوري على جزء مهم من هذه العمليات المالية واللوجستية.

    وتقول تقارير أمنية غربية إن العملات المشفرة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة أساسية بالنسبة لإيران في الالتفاف على النظام المالي العالمي، خاصة بعد تشديد الرقابة على التحويلات البنكية التقليدية، إذ تسمح الأصول الرقمية بنقل الأموال بسرعة وبدرجة عالية من السرية، كما تمنح الجهات الخاضعة للعقوبات هامشًا أكبر للتحرك خارج المنظومة المصرفية التقليدية.

    صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت عن مسؤولين غربيين مختصين في مكافحة تمويل الإرهاب أن جزءًا من هذه الأموال استخدم لدعم شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك جماعات مسلحة تنشط في الشرق الأوسط، مثل “حزب الله” اللبناني والحوثيين في اليمن، وهي اتهامات ترفضها طهران باستمرار.

    في المقابل، نفت منصة “بينانس” السماح بمرور تحويلات لصالح جهات خاضعة للعقوبات، مؤكدة في تصريحات للصحيفة أنها تعتمد “سياسة صارمة تجاه الأنشطة غير القانونية”، وأنها طورت منذ 2024 أنظمة رقابة أكثر تقدمًا لرصد الحسابات المشبوهة وتقليص التعاملات المرتبطة بالمناطق عالية المخاطر.

    غير أن التحقيق يشير إلى أن الحسابات المرتبطة بالشبكات الإيرانية ظلت نشطة لأشهر طويلة رغم التحذيرات الداخلية، وهو ما دفع وزارة العدل الأمريكية، وفق الصحيفة، إلى فتح تحقيق جديد حول استخدام إيران لمنصة “بينانس” في الالتفاف على العقوبات الأمريكية، خصوصًا بعد الاتفاق القضائي الذي أبرمته المنصة مع السلطات الأمريكية سنة 2023، والذي تضمن اعترافًا بانتهاكات تتعلق بقوانين مكافحة غسل الأموال والعقوبات الاقتصادية.

    وكانت “بينانس” قد دفعت غرامات قياسية تجاوزت 4 مليارات دولار ضمن التسوية مع واشنطن، بينما قضى مؤسسها تشانغبينغ تشاو أربعة أشهر في السجن بعد إقراره بمخالفات مرتبطة بأنظمة الامتثال المالي.

    لكن التطورات الأخيرة توحي، بحسب خبراء في الأمن المالي الرقمي، بأن طهران تمكنت من إعادة بناء قنوات مالية جديدة داخل عالم العملات المشفرة، مستفيدة من الثغرات التي ما تزال موجودة في بعض منصات التداول الدولية، ومن الطبيعة اللامركزية التي تميز سوق الأصول الرقمية.

    وتشير تقديرات شركة “TRM Labs” المتخصصة في تتبع المعاملات الرقمية إلى أن الإيرانيين أجروا خلال العام الماضي وحده معاملات بالعملات المشفرة تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد المتزايد على الاقتصاد الرقمي داخل إيران، سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات أو الشبكات المرتبطة بالدولة.

    وتزداد أهمية هذه التحويلات بالنسبة لطهران في ظل الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، إذ تواجه البلاد صعوبات كبيرة في الوصول إلى النظام المالي العالمي، بينما تتراجع قيمة العملة المحلية وترتفع معدلات التضخم والعجز المالي، وهو ما يدفع السلطات الإيرانية إلى البحث عن أدوات بديلة للحفاظ على تدفق الأموال وتمويل التجارة الخارجية.

    وفي هذا السياق، تحدثت تقارير غربية عن لجوء بعض الجهات الإيرانية إلى فرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز بعملات رقمية أو باليوان الصيني، في خطوة تعكس التحول التدريجي نحو وسائل دفع بديلة بعيدة عن الدولار والنظام المالي الغربي.

    كما كشفت بيانات تحليلية نقلتها الصحيفة الأمريكية عن تحويلات مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني وصلت إلى حسابات على “بينانس” خلال العام الجاري، بقيمة تقارب 107 ملايين دولار، عبر سلسلة من العمليات الرقمية المعقدة، وهو ما يعزز المخاوف الغربية من استخدام المؤسسات الرسمية الإيرانية للأصول المشفرة في الالتفاف على العقوبات.

    وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد حذرت، قبل أسابيع، من تنامي اعتماد الحرس الثوري الإيراني على العملات الرقمية، مؤكدة أن بعض الشبكات المرتبطة بطهران تستغل ضعف أنظمة المراقبة داخل منصات التداول لنقل الأموال وتمويل أنشطة تعتبرها واشنطن مرتبطة بالإرهاب.

    وفي أبريل الماضي، أعلنت الوزارة تجميد أصول رقمية مرتبطة بإيران بقيمة 344 مليون دولار، ضمن ما وصفته بجهود “تجفيف الموارد المالية” التي تستخدمها طهران لدعم أنشطتها الإقليمية وبرامجها العسكرية.

    ويعتقد خبراء أن المواجهة المقبلة بين واشنطن وطهران لن تقتصر على العقوبات التقليدية أو الضغوط العسكرية، بل ستتوسع أكثر نحو الفضاء الرقمي والاقتصاد المشفر، حيث تسعى إيران إلى بناء شبكات مالية بديلة تقلص اعتمادها على النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

    لكن هذا التحول يطرح في المقابل تحديات معقدة أمام الحكومات الغربية، لأن مراقبة حركة الأموال داخل عالم العملات المشفرة تبدو أكثر صعوبة من مراقبة النظام البنكي التقليدي، خاصة مع تطور أدوات التشفير وتعدد المنصات العابرة للحدود.

    ويبدو أن العملات الرقمية بالنسبة إلى إيران أكثر من مجرد أداة مالية جديدة، إذ تحولت إلى جزء من معركة أوسع تتعلق بالقدرة على الصمود الاقتصادي والسياسي في مواجهة نظام العقوبات الغربية، بينما ترى واشنطن أن هذه الشبكات الرقمية باتت تمثل واحدة من أخطر الثغرات التي تسمح لطهران بإعادة تدوير مواردها المالية خارج الرقابة الدولية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وسيط المملكة يكرم عبد الله ساعف

    هسبريس من الرباط

    عرفت أشغال اليوم الدراسي حول “تحليل السياسات العمومية في أفق التنمية المستدامة”، المنظّم يوم الجمعة 22 ماي 2026 بمؤسسة وسيط المملكة بالرباط، لحظة استثنائية تمثلت في تكريم الأستاذ عبد الله ساعف، مدير مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية.

    وشكّل هذا التكريم مناسبة لاعتراف هيئة حكامة مرجعية في مجال السياسات المرفقية بأفضال أحد مؤسسي درس تحليل السياسات العمومية في الجامعة المغربية.

    الأكاديمي حسن طارق، في كلمة بالمناسبة، ذكر بالأيادي البيضاء للأستاذ ساعف على كل المنشغلين بأسئلة تحليل ومواكبة وتقييم السياسات، من مداخل مؤسساتية وأكاديمية ومدنية مختلفة.

    وأشاد طارق بجهود الأستاذ المُكرّم في التأطير الجامعي ومتابعته العديد من الأطاريح التأسيسية في موضوع السياسات العمومية، وفي الإنتاج العلمي والبحثي عبر سلسلة من النصوص والمؤلفات والمساهمات المرجعية، وفي تدبير فضاءات النشر العلمي من خلال مجلة “أبحاث”، إحدى أعرق المجلات المغربية في حقل العلوم الاجتماعية، وفي بناء تقاليد معرفية رائدة مثل تجربة “التقرير الإستراتيجي”، وترسيخ بنيات للعمل الجماعي، لعل أبرزها المركز الذي يشرف عليه، الذي يمثل قصة نجاح ملهمة في الإنتاج المعرفي، ومتابعة السياسات، وتأطير الباحثين الشباب، وانتظامية الأنشطة والإصدارات والمواعيد العلمية.

    وكان المقر المركزي لمؤسسة وسيط المملكة شهد طيلة اليوم فعاليات اليوم الدراسي المنظّم بشراكة مع كل من مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، وشعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال؛ وانتظمت أشغاله في أربع جلسات علمية شهدت مشاركة واسعة من الباحثين الجامعيين في مجال السياسات الإدارية وقضايا التنمية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انطلاق مهرجان إكليل المسرحي بالرباط‬

    هسبريس – عبدالله اعويني

    انطلقت الجمعة فعاليات الدورة الأولى من مهرجان إكليل المسرحي تحت شعار: “نحو مسرح تفاعلي يساهم في التربية والتكوين”، وذلك بالمركز الثقافي إكليل بالرباط، حيث تمتد على مدار يومي 22 و23 ماي 2026.

    وعرف برنامج اليوم الأول أنشطة ثقافية متعددة، إذ عرف استقبال أطفال وتعريفهم بالمركز وأنشطته، قبل أن تنطلق الورشات الموجهة لتعريف الأطفال بالمسرح وأهم الأسس التي يقوم عليها.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    بالنسبة لورشة التشخيص المسرحي تم من خلالها التعريف بأساسيات التمثيل والتعبير الجسدي، وذلك في أجواء من الحماس والديناميكية التي أبان عنها الأطفال المشاركون. أما ورشة السينوغرافيا فاكتشف من خلالها المشاركون أبجديات تأسيس الفضاء المسرحي.

    وفي ورشة الكتابة الإبداعية أبان المشاركون عن قدرات عالية في بناء تصور للقصة المسرحية، سواء تعلق الأمر باختيار شخصيات القصة أو ببناء حوار مسرحي.

    واختتم اليوم الأول من الفعالية بعرض مسرحي تحت عنوان “غابة المعاغيز”، تناول موضوع خطورة استعمال الهاتف على العموم، وعلى الأطفال على وجه الخصوص، حاملا في طياته رسائل للأطفال وأولياء أمورهم، وذلك في قالب فكاهي.

    وعن تنظيم النسخة الأولى من مهرجان إكليل المسرحي أكدت كوثر الحسني، مديرة المركز الثقافي إكليل، أن الأخير يتيح ورشات متعددة حول مواضيع متنوعة، كالرسم والموسيقى، بالإضافة إلى ورشة المسرح.

    وأضافت الحسني، في تصريح لهسبريس، أن هدف إدارة المركز يتمثل في إعداد منتج فني في نهاية كل سنة، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة تنظيم مهرجان “إكليل المسرحي” في نسخته الأولى، وذلك بغية الاحتفاء بالمسجلين في ورشات المسرح التي يقدمها المركز، من خلال منحهم فرصة لتطبيق المعارف التي تلقوها في المجال.

    وأوضحت المتحدثة ذاتها أن المهرجان يمتد ليومين، خصص الأول للأطفال واليافعين، من خلال دعوة 6 مدارس مثلت بقرابة 170 طفلا وطفلة، فيما فتحت أبواب العرض المسرحي في وجه العموم من أجل التعريف بالمركز وأنشطته وكذا بالمجال المسرحي.

    ويرتقب أن تستمر فقرات المهرجان السبت، حيث سيتم توقيع كتاب للباحثة فاطمة مقداد، كما سيتخلله “ماستر كلاس” حول موضوع: “المسرح بين الشغف والاحتراف”، بتأطير من الممثل عبد الله ديدان، على أن تختتم الفقرات الفنية بعرض مسرحي على الساعة 16.00.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل يقترب عصر « الدخل الشامل »؟ .. الذكاء الاصطناعي يدق ناقوس الخطر


    هسبريس من الرباط

    بدأت كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تطرح، بصورة متزايدة، سيناريوهات تتعلق بمستقبل العمل والوظائف في ظل التوسع السريع للأنظمة الذكية، وسط تحذيرات من موجات بطالة واسعة قد تدفع الحكومات إلى تبني نماذج اقتصادية غير مسبوقة، تقوم على تقديم دخل مالي دائم للمواطنين لتعويض فقدان الوظائف التقليدية.

    صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية نقلت عن عدد من قادة قطاع التكنولوجيا، وفي مقدمتهم إيلون ماسك وسام ألتمان وداريو أمودي، رؤيتهم لمستقبل اقتصادي قد تصبح فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات قادرة على إنجاز جزء كبير من الأعمال التي يؤديها البشر اليوم، وهو ما قد يفرض إعادة صياغة العلاقة بين العمل والدولة والدخل.

    إيلون ماسك، مالك شركتي “تسلا” و”إكس”، دعا صراحة إلى اعتماد ما وصفه بـ”الدخل المرتفع الشامل”، عبر تحويلات مالية تقدمها الحكومة الفيدرالية للأفراد بشكل دائم، باعتباره الحل الأكثر واقعية لمواجهة البطالة التي قد تنتج عن الذكاء الاصطناعي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وكتب ماسك، في منشور على منصة “إكس”، أن “الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيجعلان إنتاج السلع والخدمات وفيرًا بشكل غير مسبوق”، مضيفًا أن هذا النمو في الإنتاج “سيفوق الزيادة في المعروض النقدي، وبالتالي لن يؤدي بالضرورة إلى التضخم”.

    تصريحات ماسك أثارت اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية، خصوصًا أنها صدرت عن رجل أعمال اشتهر بمواقفه المناهضة لتوسيع الإنفاق الحكومي، وكان قد دعا سابقًا إلى تقليص الميزانية الفيدرالية بشكل جذري، قبل أن يتحول اليوم إلى أحد أبرز المدافعين عن تدخل الدولة لحماية المجتمعات من آثار التحول الرقمي.

    ولا يقتصر هذا التوجه على ماسك وحده، إذ يرى داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، أن البنية الاقتصادية الحالية قد تصبح غير قابلة للاستمرار مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى نقاش مجتمعي واسع حول مستقبل الاقتصاد وآليات توزيع الثروة.

    أما سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، فقد تحدث في مناسبات عدة عن ضرورة ضمان استفادة المجتمع ككل من عوائد الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن أي مستقبل ناجح لهذه التكنولوجيا يجب أن يسمح “للجميع بالمشاركة في المكاسب”.

    وفي أبريل الماضي، قدمت شركة “أوبن إيه آي” مقترحات سياسية دعت فيها إلى تبني سياسات اقتصادية وصناعية جديدة تشبه، من حيث الحجم والطموح، التحولات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الثورة الصناعية أو مرحلة “الصفقة الجديدة” في ثلاثينيات القرن الماضي، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي قد يفرض إعادة بناء أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.

    هذه التصريحات تعكس تحولًا لافتًا داخل قطاع التكنولوجيا الأمريكي، الذي ظل لعقود من أكثر القطاعات رفضًا لتوسيع دور الدولة أو زيادة الضرائب أو دعم البرامج الاجتماعية، غير أن المخاوف المتزايدة من فقدان ملايين الوظائف دفعت بعض قادة الشركات التقنية إلى إعادة التفكير في شكل النظام الاقتصادي المقبل.

    وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتسارع فيه قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي على أداء مهام كانت حكرًا على البشر، سواء في مجالات البرمجة أو الإدارة أو الإعلام أو التصميم أو الخدمات القانونية، بينما تتوسع شركات التكنولوجيا في تطوير روبوتات وأنظمة مؤتمتة تهدف إلى تقليص الاعتماد على العمالة البشرية.

    شركة “أنثروبيك” نشرت مؤخرًا دراسة أشارت إلى أن قطاعات واسعة من سوق العمل، بما في ذلك الوظائف الإدارية والإبداعية والإعلامية، أصبحت معرضة بدرجات متفاوتة للاستبدال أو التحول الجذري بسبب الذكاء الاصطناعي.

    كما أعلنت شركة “ميتا” عن برامج لتدريب آلاف الأمريكيين على وظائف تقنية جديدة مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، في محاولة للاستعداد للتحولات المقبلة في سوق العمل.

    لكن فكرة “الدخل الشامل” ما تزال تثير انقسامًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية الأمريكية، إذ يرى مؤيدوها أنها قد تصبح ضرورة حتمية إذا أدت الأتمتة إلى تراجع فرص العمل بشكل كبير، بينما يعتبرها منتقدوها مشروعًا مكلفًا وغير واقعي، قد يضاعف الأعباء المالية على الدولة.

    الباحث الاقتصادي جيسي روثستين، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، قال لصحيفة “واشنطن بوست” إن تمويل برامج الدخل الشامل يتطلب زيادة ضخمة في الضرائب، خصوصًا على أصحاب الثروات الكبرى والشركات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن منح دخل سنوي بسيط لكل المواطنين الأمريكيين قد يكلّف الدولة تريليونات الدولارات.

    وأضاف روثستين أن أي مشروع من هذا النوع لن يكون ممكنًا دون إعادة توزيع واسعة للثروة، متسائلًا عما إذا كان مليارديرات التكنولوجيا مستعدين فعلًا لتحمل الكلفة الضريبية التي يتطلبها هذا النموذج.

    وتشير دراسات اقتصادية إلى أن تطبيق برنامج دخل شامل في الولايات المتحدة قد يتطلب مضاعفة الإيرادات الضريبية الفيدرالية تقريبًا، وهو ما يفسر استمرار الجدل السياسي حول جدوى الفكرة وإمكان تطبيقها عمليًا.

    في المقابل، يرى بعض المدافعين عن “الدخل الأساسي الشامل” أن مواقف قادة التكنولوجيا قد تعكس إدراكًا متزايدًا لحجم التغيرات التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل خلال السنوات المقبلة، حتى وإن شكك آخرون في نوايا هذه الشركات أو في استعدادها الحقيقي لدعم سياسات إعادة التوزيع.

    سكوت سانتنس، أحد أبرز المدافعين عن فكرة الدخل الشامل في الولايات المتحدة، اعتبر أن حديث بعض رجال التكنولوجيا عن تقديم دخل دائم للمواطنين قد يكون أيضًا جزءًا من محاولة تهدئة المخاوف الاجتماعية المرتبطة بفقدان الوظائف، مضيفًا أن “الناس لن يصدقوا جدية هذه الطروحات ما لم تبدأ الشركات نفسها في تمويل هذه المبادرات أو الضغط سياسيًا من أجلها”.

    في المقابل، يرفض تيار محافظ داخل الولايات المتحدة هذه التصورات، معتبرًا أن الحديث عن اختفاء الوظائف يعكس “نظرة تشاؤمية” لا تأخذ في الاعتبار قدرة الاقتصاد على خلق مهن جديدة، كما حدث خلال التحولات الصناعية السابقة.

    ويرى معارضو فكرة “الدخل الشامل” أن الحل لا يكمن في توسيع برامج الدعم المالي، بل في الاستثمار في التدريب وإعادة التأهيل المهني، حتى يتمكن العمال من التكيف مع الوظائف الجديدة التي ستنتج عن الثورة الرقمية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حفل ملكي يحتفي بنخبة الغولف العالمي


    هسبريس – و.م.ع

    ترأس الأمير مولاي رشيد، الجمعة بالغولف الملكي دار السلام بالرباط، حفل عشاء أقامه الملك محمد السادس، بمناسبة الدورة الـ 50 لجائزة الحسن الثاني للغولف والدورة الـ 29 لكأس للا مريم، المنظمتين تحت الرعاية السامية لجلالة الملك.

    ولدى وصوله، استعرض الأمير مولاي رشيد، رئيس الجامعة الملكية المغربية للغولف وجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، تشكيلة من القوات المساعدة أدت التحية، قبل أن يتقدم للسلام على سموه، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، والوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية، المكلف بالميزانية، فوزي لقجع.

    كما تقدم للسلام على الأمير، رئيس اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، فيصل العرايشي، ووالي جهة الرباط – سلا – القنيطرة، عامل عمالة الرباط، محمد اليعقوبي، ورئيس مجلس الجهة، رشيد العبدي، ورئيسة المجلس الجماعي، فتيحة المودني، ورئيس مجلس مقاطعة السويسي، عادل الأتراسي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتقدم للسلام على الأمير مولاي رشيد، أيضا، السادة مصطفى الزين، نائب رئيس الجامعة الملكية المغربية للغولف ونائب الرئيس المنتدب لجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، وحسن المنصوري، نائب رئيس الجامعة الملكية المغربية للغولف ونائب الرئيس المنتدب لجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، وعبد الرحمان بوفتاس، رئيس النادي الملكي للغولف دار السلام وعضو المجلس الإداري لجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، وعز الدين بنموسى، مستشار رئيس جمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، وباتريس كليرك، مستشار رئيس جمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، وعلي بنسودة، الخازن العام للجامعة الملكية المغربية للغولف وجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، وميشيل بيزانسيني، المنسق العام لجائزة الحسن الثاني للغولف وكأس للا مريم، ومحمد العراقي، المدير العام للجامعة الملكية المغربية للغولف والمدير التنفيذي لجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف، ومحمد نوفل بنسودة، المدير المالي للجامعة الملكية المغربية للغولف وجمعية جائزة الحسن الثاني للغولف.

    ويكتسي تنظيم الدورة ال50 لجائزة الحسن الثاني للغولف والدورة 29 لكأس للا مريم دلالة رمزية قوية. ويأتي ذلك في إطار الدينامية الرياضية التي يشهدها المغرب، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله.

    وتسهم هاتان التظاهرتان، اللتان تتيحان استقبال نخبة الغولف العالمي للرجال والسيدات كل سنة، في تعزيز الإشعاع الدولي لعاصمة المملكة، وتكرسان بذلك الرؤية الملكية المستنيرة الرامية إلى جعل الرباط مدينة الأنوار، العاصمة المغربية للثقافة.

    وتميز هذا الحفل بعرض شريط مؤسساتي يستعيد تاريخ جائزة الحسن الثاني للغولف وكأس للا مريم، الموعدان البارزان في رياضة الغولف على المستوى الدولي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الكُرْسِيُ أوّلًا…


    عبد الفتاح لحجمري
    العَبثُ الإدَاري في كَامِل أنَاقَتِه

    كيف يعطّلُ شخصٌ عشرات العقول ثم يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه أَنجزَ يومًا عظيمًا؟ لماذا يخاف بعض المُديرين من الموظف الكُفْء أكثر مما يخافون من الفَشل نفسه؟ كيف صار العبوس مهارةً قيادية، وصارت كثرة الاجتماعات دليلًا على العمل، وصار التوقيع أهمُّ من الفكرة؟ متى أقنعنا أنفسنا أن الإدارة تعني أن يجلس رجلٌ في آخر الممَرِّ ويستهلك أعصاب الجميع باسم “التّدبير”؟ ثم السُّؤال الأهم: كيف تستمر المؤسسات أصلًا رغم كل هذا العبء الجالس فوقها كل صباح؟

    المديرُ الذي يُعيّنُ نفْسَه مُديراً كلَّ صَباح

    أكتب هذا النص لأن السكوت عن هذا النموذج يمنحه عمرًا أطول، ولأن السخرية أحيانًا تفضح ما تعجز التقارير عن قوله. أكتب عن المدير الذي يحتل المؤسسة كما يحتل الغبار رفوف المكاتب. يدخل كل صباح وفي وجهه ادعاءُ رجلٍ يحمل مفاتيح المصير، مع أن المؤسسة تتعبُ منه أكثر مما تتعب من أزماتها. أكتب لأن هذا النموذج لم يعد تفصيلًا عابرًا في الحياة المهنيّة. صار ثقافةً كاملةً تصنع الخوف بدل الثقة، وتكافئ الصّمت بدل الكفاءة، وتحوّل العمل إلى طقس طويل من المجاملة والانتظار. حين يضحك الموظفون من هذا المدير، فهُمْ لا يطلبون التّسلية بقدر ما يدافعون عن عقولهم من العبث اليومي، وعن طاقتهم من رجلٍ يستهلكها باسم الإدارة. أكتب لأن المدير الفارغ أخطر من الموظف الكسول.

    الكسولُ يعطِّلُ مُهمّة، أما المدير الفارغ فيعطِّل مؤسسة كاملة، ثم يقف فوق “التعطيل” كأنه مهندس النجاة. يربك الناس، يقتل المبادرات، يخاف من الأذكياء، ويصنع من كل قرار بسيط جبلًا إداريًا لا يصعده أحد إلا وقد فقَدَ نِصفَ حماسه. أكتب كي يرى القارئ أن الضحك هنا ليس هروبًا من المشكلة، إنه طريقة ذكية لتَسْميتها. عندما نضحك من هذا المدير، ننزع عنه قناع الهَيْبة الزائفة، ونكشف أن الكرسي لا يصنع عقلًا، وأن الصوت العالي لا يصنع قيادة، وأن كثرة الاجتماعات لا تعني وجود رؤية. السخرية هنا ليست زينة لغوية؛ إنها تشريح دقيق لكائنٍ إداري يعيش على خوف الآخرين من قول الحقيقة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} حين تصبحُ الإدارة مَسرحية رديئة

    كل صباح، يدخل السيد المدير إلى مكتبه كما يدخل فاتحٌ عائد من حربٍ لم تقع أصْلًا. يفتح الباب ببطءٍ مسرحي، يضع حقيبته على الطاولة كما لو أنها تحتوي أسرار الدولة، ثم يجلس لحظة صمتٍ ثقيلة يحدّق فيها إلى الجدار. لا أحد يعرف مَنْ عيّنهُ أوَّل مرة، ولا أحد يجرؤ على سؤاله. حتى الكرسي نفسه يبدو متفاجئًا كلَّ يوم حين يراه يعود إليه بالحماسة ذاتها، كأن المنصب حادثة طارئة تتكرر دونَ تفسير. يوقّع الأوراق بعُنفٍ يُوحي بأنه يوقّع معاهدات دولية، بينما هو في الحقيقة يوافق على شراء دبّاسَة جديدة أو يرفض إصلاح مصباح محترق منذ الشتاء الماضي. يعشق كلمة “الإدارة” كما يعشق الأطفال الألعاب اللاّمعة. يكررها في كل جملة حتى صارت الموظفات يشكّكن أحيانًا إن كان يقصد المؤسسة أم يقصد نفسه شخصيًا. فإذا قال: “الإدارة قررت”، كان يعني أنه قرر بعد معركة فكرية شرسة بينه وبين صورته في المرآة. وحين يمشي في الممر، تتقدمه هيبته المصنوعة من الصمت المفتعل وربطة العنق المشدودة أكثر من اللازم. يقضي نصف يومه في مراقبة من يعمل، كي يتأكد أن أحدًا لا يبدو أكثر أهمية منه. أما الاجتماعات، فهي هوايته الكبرى. يجمع الناس حول الطاولة ليشرح لهم أشياء يعرفونها أكثر منه، ثم يخرج الجميع وَهُم لا يفهمون لماذا تمّ استدعاؤهم أصلًا، لكنه يخرج مقتنعًا أنه أنقذ المؤسسة من انهيارٍ تاريخي وشيك. ومع ذلك، يظل السّيد المدير وفيًا لرسالته النّبيلة: أن يعيّن نفسه مُديرًا كل صباح، ثم يقضي بقية اليوم في الدّفاع البطولي عن هذا التَّعيين.

    سيرة رجلٍ يطارد أهمِّيتَهُ

    في الأيّام الاستثنائية، يزداد اقتناع السيد المدير بعظمته الإدارية حين يكتشف خطأً مطبعيًا في مذكرة داخلية. عندها يتحول المكتب إلى مسرح طوارئ وطنية. تُستدعى الوجوه المتوترة، تُفتح الملفات، وتُعقد جلسة تحقيق طويلة من أجل حرفٍ سقط سهوًا، بينما تسقط المؤسسة نفسها قطعةً قطعةً دون أن يلاحظ أحد ذلك التفصيل الصّغير. كان يؤمن إيمانًا حقيقيًا أن الإدارة ليست كفاءة ولا رؤية ولا قدرة على الحل، وإنما طريقة في عَقْدِ الحاجبين أثناء الكلام. لذلك تمرّنَ سنوات أمام المرآة على نظرة الرجل المنشغل بمصير الأمة، حتى صار عاجزًا عن الابتسام بشكل تلقائي وطبيعي، حتى ضحكته تبدو وكأنها تحتاج موافقة مكتوبة من الموارد البشرية. وحينَ يتحدَّثُ عن “فريقُ العَمل”، ينطق العبارة بنبرة مالك مزرعة يتفقَّد دجاجَهُ آخر النَّهار. يحبّ الموظفين المُطيعين، أولئك الذين يهزُّون رؤوسهم بسُرعة، ويكتبون ملاحظات وهمية أثناء كلامه، ويقولون له “فكرة ممتازة” حتى لو اقترح نقل الطابعة إلى السّطح لتحسين الإنتاجية.

    أما أصحاب الكفاءة الحقيقية، فيعاملهم بحذر الأجهزة الأمنية مع الغرباء. يراقبهم بعين مرتابة، لأن الإنسان الذي يعرف ماذا يفعل يشكل خطرًا دائمًا على الرجل الذي لا يعرف سوى كيف يجلس في صدر القاعة. أما إذا تعطّلت مصْلحة كاملة، اكتَفى السَّيد المدير بالقول الحكيم:

    “سنشكل لجنة لدراسة الموضوع.” واللجنة عنده ليست حلًا، إنها مقبرة أنيقة للمشاكل. تدخلها القضايا حيّة، فلا تخرج أبدًا. ومع مرور السنوات، لم يتغير شيء في المؤسسة سوى لون الستائر وصور المدير في المناسبات الرسمية. يأتي صباحًا للإدارة، يعدّل ربطة عنقه، ينظر إلى المكتب بعاطفة مالكٍ شرعي للكَوْن، ثم يُباشر مهمَّته اليومية الخالدة: “إثبات أنه أهمّ من العمل نفسه”.

    مديرٌ لا ينقُصُه إلاّ العَمل

    كان السيد المدير يعيش على صناعة الطوارئ أكثر من حلّها؛ فهدوء المؤسسة كان يهدد شعوره بالأهمية. لذلك كان يضخم أبسط التفاصيل، ويحوّل التأخر البسيط أو العطل العابر إلى أزمات كبرى تمنحه فرصة استعراض سلطته. وكانت فوضى مكتبه وهاتفه جزءًا من مسرحية الهيبة، لا دليلًا على عمل حقيقي. أما المبادرات الجديدة، فكان يقتلها بعبارته الدائمة: «الفكرة جيدة، لكن ليس هذا هو الوقت المناسب». كان يؤمن أن النجاح الحقيقي للإدارة هو أن يبقى كل شيء معقدًا بما يكفي ليبدو وجوده ضروريًا. فالمؤسسة المنظمة تشكل خطرًا مباشرًا على الرجل الذي يعيشُ من الفوضى.

    في نهاية كل يوم، يغادر السيد المدير المكتب مُتعبًا بطريقة مَسْرحية، يحملُ حقيبته ببطء، ويتنهد كما لو أنه أمضى النهار في إنقاذ الاقتصاد الوطني. يطفئ الأنوار، ينظر إلى المؤسسة النظرة نفسها التي ينظر بها قائد أوركسترا إلى جمهوره بعد حفلة فاشلة، ثم يمضي مقتنعًا أن كل ما صمَد اليوم صمَد بفضله، بينما الحقيقة البسيطة التي لا يراها أبَدًا هيَ أنّ المؤسسة تعلمت منذ سنوات كيف تعمل في غيابه أكثر مما تعملُ بحضوره.

    حينَ يخذِلُ المنصبُ صاحبَهُ

    ماذا يبقى من هذا المدير بعد سنواتٍ؛ هل يتذكره الناس باعتباره قائدًا صنع فرقًا حقيقيًا، أم باعتباره رجلًا أتقن فقط توزيع التّوتر داخل المكاتب؟ ماذا يبقى من الاجتماعات الطويلة، والعبارات الضخمة، ونظرات الهيبة المصنوعة بعناية؟ هل صنعت كل تلك المسرحية مؤسسةً أفضل، أم صنعت فقط رجلًا يظن نفسه أكبر من المؤسسة؟ ثم ماذا يشعر هذا المدير حين يكتشف متأخرًا أن العمل كان يسير دائمًا بعيدًا عن خطاباته؟ ماذا يحدث حين يدرك أن الموظفين لم يخافوا احترامًا له، وإنما تعبًا منه؟ وهل يعرف أصلًا أن الكراسي لا تحفظ أسماء أصحابها طويلًا، وأن المؤسسات تنسى بسرعة أولئك الذين استهلكوا وقتها أكثر مما خدموها؟ أم أن بعض الناس يقضون حياتهم كاملة وهم يدافعون عن صورةٍ ضخمة لأنفسهم، بينما الحقيقة البسيطة تقفُ خلفهُم طوال الوَقت وتَضْحكُ؟

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رزية الخميس


    الطيب بوطاهر

    لم يكن المرض الذي نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة مرضَ الجسد وحده.

    كان شيئًا أثقل من الحمى، وأعمق من الوجع الذي يفتك بالأعضاء.

    فيثرب نفسها كانت مريضة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وكان في الهواء قلقٌ خفي، كأن القلوب تشعر — قبل العقول — أن عهدًا يوشك أن ينقضي، وأن العالم الذي عاشه المسلمون منذ ثلاث وعشرين سنة يقف الآن على حافة مجهولة لا يعرف أحد ما الذي ينتظر الناس بعدها.

    وفي تلك الأيام، صار البيت الذي تسكنه عائشة أشبه بمركز الكون كله.

    الأقدام تدخل وتخرج في صمتٍ مضطرب، والوجوه يكسوها ذلك الذهول الذي يصيب البشر حين يرون القويّ يضعف أمام أعينهم للمرة الأولى.

    فقد اعتاد الناس أن يروا محمدًا صلى الله عليه وسلم رجلًا إذا دخل مكانًا امتلأ يقينًا، وإذا تكلم سكنت القلوب، وإذا اشتدت الخطوب نظروا إليه فهدأت نفوسهم.

    أما الآن…

    فقد كان المرض قد أخذ منه مأخذًا ظاهرًا.

    الحمى تشتد.

    والتعب يثقل الجسد.

    والمدينة كلها تنظر إلى باب الحجرة كأنها تنتظر من داخله جوابًا يطمئنها إلى أن النظام الذي عاشت في ظله لن ينهار فجأة.

    في ذلك الخميس، قبل الوفاة بأيام قليلة، اجتمع في البيت عدد من كبار الصحابة.

    وكان الجو مشحونًا بذلك الصمت الذي يسبق الكلمات الخطيرة.

    فالناس في حضرة المرض يصبحون أكثر حساسية، وأكثر خوفًا من المعاني التي تخفيها العبارات.

    وكان النبي مستلقيًا، يثقل المرض جسده، بينما الوجوه من حوله متعلقة به في قلق.

    ثم قال:

    “ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده.”

    وكانت الجملة قصيرة.

    لكنها وقعت في النفوس وقوع الصاعقة.

    فالرجل الذي يوشك أن يغادر الدنيا يطلب أن يكتب شيئًا للأمة كلها.

    وهنا بدأ الاضطراب.

    لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي مرّ في القلوب في تلك اللحظة.

    التاريخ لا يسجل الخوف كما يسجل الكلمات.

    لكنه يتركه مختبئًا بين السطور.

    بعض الحاضرين أراد أن يُحضِر الكتف والدواة فورًا.

    كان في نفوسهم شعور بأن ما سيُكتب قد يكون آخر عهد السماء بالأرض.

    وبعضهم الآخر رأى أن المرض قد اشتد، وأن النبي يتألم، وأن القرآن بين أيدي الناس، وأن الأمة ليست في حاجة إلى إثقال الرجل في تلك الحال.

    وهنا قال عمر بن الخطاب عبارته التي ستظل تتردد في ذاكرة المسلمين قرونًا طويلة:

    “إن النبي غلبه الوجع، وعندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله.”

    ثم ارتفعت الأصوات.

    وهنا تبدأ المأساة.

    لا لأن الناس اختلفوا فقط…

    بل لأن الاختلاف وقع للمرة الأولى في حضرة النبي نفسه، وفي لحظة كان الجميع يشعر فيها أن الزمن يوشك أن ينكسر.

    وكان ابن عباس، بعد أعوام طويلة، إذا تذكر ذلك اليوم بكى وقال:

    “الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.”

    ولم يكن بكاؤه بكاء رجل يروي حادثة عابرة، بل بكاء إنسان ظل يشعر حتى آخر عمره أن شيئًا كبيرًا ضاع في تلك الساعات.

    أما النبي، فقد رأى الاختلاف يعلو، والأصوات تتداخل، فقال:

    “قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع.”

    فسكت الناس.

    لكن الصمت هذه المرة لم يكن صمت الطمأنينة.

    بل صمت الحيرة.

    وخرج بعضهم من البيت وفي نفسه سؤال لن يجد له جوابًا أبدًا:

    ماذا كان يريد أن يكتب؟

    وهنا يبدأ التاريخ الطويل للتأويل.

    فالشيعة رأوا أن النبي أراد أن يحسم أمر الخلافة لعلي بن أبي طالب، وأن ما جرى حال دون كتابة النص الأخير.

    أما السنة، فرأوا أن عمر لم يقصد الاعتراض على النبي، وإنما خشي أن يشتد عليه الوجع، وأن الدين قد اكتمل أصلًا بالقرآن.

    وبين الرؤيتين بقيت الحادثة معلقة في منتصف الطريق بين السياسة والمقدس.

    لكن المؤكد أن تلك اللحظة كشفت شيئًا خطيرًا:

    أن سؤال المستقبل بدأ يدخل الغرفة قبل وفاة النبي نفسها.

    كان الجميع يحب محمدًا.

    هذه حقيقة لا يغيّرها الجدل.

    لكن الحب وحده لا يمنع الخوف.

    فالرجال الذين التفوا حول الفراش لم يكونوا ملائكة، بل بشرًا يحمل كلٌّ منهم رؤيته، وخوفه، وطريقته في فهم النجاة.

    وعمر، على شدته، لم يكن يومئذٍ رجلًا يتحدى النبوة كما سيصوره الغلاة بعد قرون.

    بل كان رجل دولة يرى — ربما بغريزة حادة — أن الأمة تقف على حافة فراغ مرعب، وأن أي كلمة تُكتب في تلك اللحظة قد تتحول بعد الوفاة إلى نار لا تنطفئ.

    أما ابن عباس، فظل يرى أن عدم كتابة الكتاب كان الخسارة الكبرى.

    وهكذا بقيت “رزية الخميس” جرحًا مفتوحًا في الوعي الإسلامي: لا أحد يملك تفسيره كاملًا، ولا أحد استطاع نسيانه.

    والحق أن المأساة لم تكن في الورقة التي لم تُكتب وحدها.

    بل في شيء أعمق.

    فالمسلمون، لأول مرة، بدأوا يشعرون أن النبي ليس خالدًا بينهم، وأنهم سيضطرون قريبًا إلى مواجهة العالم وحدهم، بلا وحيٍ جديد، وبلا صوت يأتيهم من السماء ليحسم النزاع إذا اختلفوا.

    وكان ذلك شعورًا مرعبًا.

    فالناس يطمئنون ما دام بينهم من يملك الكلمة الأخيرة.

    أما إذا اقترب الغياب…

    بدأت الأسئلة التي كانت نائمة تستيقظ دفعة واحدة.

    في تلك الليلة، لم تكن المدينة تعلم أن الساعات المقبلة ستدفعها إلى أخطر منعطف في تاريخها كله.

    فالرجل الذي جمع القبائل حول كلمة واحدة يوشك أن يرحل.

    والقلوب التي عاشت طويلًا في ظل النبوة ستجد نفسها فجأة في مواجهة السياسة.

    ومن هنا تبدأ الفتنة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سُرّاق السينما


    عبدالله الساورة
    “سُرّاق السينما” هل يمكن للسينما أن توجد دون سرقة؟

    تدخل السينما إلينا كما يدخل اللص إلى بيتٍ نائم. لا تكسر الأبواب، وإنما تسرق بلذة أعيننا بهدوء، ثم تترك داخلنا صوراً لا نعرف إن كانت تخصنا أم تخص الآخرين. ومنذ اللقطة الأولى في تاريخ الشاشة، كانت السينما تمشي فوق آثار نصوص قديمة، فوق حكايات مروية حول النار، فوق أساطير هاربة من الكتب، وفوق وجوه بشرٍ ظنوا أن ذاكرتهم ملكٌ لهم، قبل أن تأتي الكاميرا لتعيد امتلاكها من جديد. فهل وُلدت السينما حقاً من رحم البراءة، أم أنها وُلدت من شهوة الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مشهد سينمائي وفرجوي؟

    ويشبه كل فيلم يداً تمتد نحو أرشيف الإنسانية لتنتزع منه ما تشاء. الحب، الحرب، الخوف، الجريمة، الوجوه، المدن، وحتى الأحلام، كلها مواد خام لعملية سرقة كبرى لا تتوقف. غير أن هذه السرقة لا يمكن اعتبارها جريمة ضد الفن، ولكنها الفن نفسه في أكثر أشكاله غموضاً وافتتاناً. فالسينما لا تخترع العالم بقدر ما تعيد ترتيبه، ولا تخلق المعنى من العدم، وإنما تنتشل بقايا المعاني القديمة وتنفخ فيها روحاً جديدة.
    وحين نتأمل أفلام هوليوود الكبرى، كما ألأفلام الفرنسية والهندية والمغربية… نشعر أننا أمام مرايا تسرق مرايا أخرى، وأمام صورٍ تتغذى على صور سابقة، حتى يصبح الأصل مجرد شبح بعيد. وهنا يتحول المخرج إلى لصٍ نبيل، يقتحم ذاكرة الأدب والتاريخ والحياة، لا ليقتلها، ولكن ليمنحها عمراً آخر فوق الشاشة.

    السينما كفن قائم على السرقة المنظمة

    في أفق النظرية التي بلورها عبد الفتاح كليطو حول “سُرّاق الأدب”، لا يعود النص الأدبي ملكاً خالصاً لمؤلفه، وإنما يصبح عقدة في شبكة واسعة من الاقتباس والترجمة والتحوير وإعادة التملك. ويغدو الإبداع، وفق هذا التصور، ليس فعلاً نقيّاً، ولكن ممارسة قائمة على “السرقة الجميلة”، أي ذلك الاستيلاء الرمزي على نصوص سابقة وإعادة إدراجها داخل سياقات جديدة تمنحها حياة أخرى. ولا يتأسس الكاتب هنا منشئاً من العدم، وإنما قارئاً سارقاً يعيد توزيع المعاني.

    وحين نُسقط هذا التصور على السينما، تتكشف أمامنا حقيقة أكثر راديكالية: السينما ليست فقط فناً تناصياً، بقدرما هي الفن الذي قام تاريخياً على السرقة المنظمة. وكل فيلم هو نسخة متحوّلة من نصوص سابقة، سواء كانت أدبية أو بصرية أو حتى أفلاماً أخرى. لكن هذه السرقة لا تُنتج فقراً إبداعياً، ولكنها على العكس، تُنتج كثافة دلالية تجعل من السينما أرشيفاً مفتوحاً لإعادة الكتابة المستمرة للواقع والخيال معاً.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وفي السينما الأمريكية تحديداً، يبدو هذا المنطق أكثر وضوحاً، حيث تتحول الصناعة السينمائية إلى جهاز ضخم لإعادة تدوير القصص والأنماط والأساطير. فلا وجود لأصل صافٍ، وإنما فقط لسلاسل من التحويلات.

    في لحظة التأسيس الكلاسيكي لهوليوود، يظهر فيلم Casablanca / ” الدارالبيضاء ” للمخرج Michael Curtiz كأحد أبرز الأمثلة على “السرقة الأدبية الرفيعة”. ويستعير الفيلم من المسرح، ومن الرواية الرومانسية الأوروبية، ومن خطاب الحرب العالمية الثانية، ليعيد تركيبها داخل قصة حب مستحيلة في مدينة ملتبسة. ويقول ريك بلين في لحظة شهيرة: “هنا ينظر إليكِ الطفل”

    ولا تمثل هذه العبارة مجرد عبارة رومانسية، ولكنها إعادة تدوير لخطاب الحب الكلاسيكي في الأدب الأوروبي، لكنها داخل السينما تتحول إلى أيقونة ثقافية مستقلة. وهنا لا نعود قادرين على تمييز الأصل من السرقة، لأن السرقة نفسها أصبحت الأصل الجديد.

    في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، تتكرس هذه الدينامية داخل سينما النوار( السينما السوداء)، حيث تصبح المدينة نفسها مادة مسروقة من الواقع الاجتماعي. فيلم Double Indemnity للمخرج Billy Wilder يعيد إنتاج الرواية البوليسية داخل منطق بصري مظلم يعكس انهيار القيم الأمريكية. ويقول والتر نِف:

    “أنا لم أكن أبحث عن القتل، بل عن المال”. ولكن ما يقوله الفيلم فعلياً هو أن الجريمة ليست فعلاً فردياً، وإنما بنية اجتماعية مسروقة من اقتصاد الرغبة والرأسمال. وهنا تتحول “سرقة الأدب” إلى “سرقة الواقع”، حيث يتم تحويل الحياة اليومية إلى مادة سردية معاد تشكيلها.

    في الخمسينات من القرن العشرين، تتعمق هذه الفكرة مع فيلم Rear Window / ( النافذة الخلفية)، للمخرج ألفريد هيتشكوك، حيث تتحول “المشاهدة” نفسها إلى شكل من أشكال السرقة. الشخصية الرئيسية، المصور المقعد، يسرق حياة الآخرين عبر النافذة. وهذا الفيلم لا يسرق قصة، وإنما يسرق فعل النظر ذاته. وهنا تصبح السينما جهازاً للسرقة الإدراكية، حيث تتحول العين إلى كاميرا، والكاميرا إلى سلطة. وما يهم ليس الحوار، وإنما البنية السوسيولوجية للفعل: مجتمع يتحول إلى مشهد قابل للاستهلاك البصري.

    “السرقة” على شكل الوعي والتمرد

    في الستينات، ومع صعود الموجة الجديدة في هوليوود، تتخذ السرقة شكلاً أكثر وعيًا وتمرّداً. فيلم Bonnie and Clyde للمخرج Arthur Penn يعيد كتابة تاريخ العصابات الأمريكية من منظور رومانسي ثوري. وتقول شخصية كلايد: “نحن نسرق البنوك”، لكن الفيلم يضيف طبقة أخرى: إنهم يسرقون أيضاً صورة الخارج عن القانون في المخيال الشعبي. وهنا تصبح السرقة مزدوجة: سرقة مادية وسرقة رمزية، سرقة فعل وسرقة أسطورة.

    في السبعينات، تصل “سوسيولوجيا السرقة السينمائية” إلى مستوى أكثر تركيباً مع فيلم The ” العراب ” للمخرج الأمريكي فرنسيس فورد كوبولا، يستعير من الأدب الملحمي، ومن التاريخ الإيطالي الأمريكي، ومن خطاب السلطة الأبوي. ويقول فيتو كورليوني: “سأقدّم له عرضاً لا يستطيع رفضه”، وهذه العبارة لم تعد مجرد تهديد، وإنما أصبحت بنية فكرية حول كيفية اشتغال السلطة نفسها: السلطة التي لا تُفرض بالقوة فقط، ولكن تُعاد صياغتها كإغراء لا يمكن مقاومته. وهنا تتحول السرقة إلى إعادة كتابة لفكرة الهيمنة.

    وفي الثمانينات، مع فيلم Scarface للمخرج بريان دي بالما، تصبح السرقة جزءاً من منطق التكرار نفسه. والفيلم هو إعادة إنتاج لفيلم 1932، لكنه أيضاً إعادة سرقة للحلم الأمريكي في شكله الأكثر عنفاً،

    حيث تقول شخصية توني مونتانا: “العالم كله لك “، لكن المفارقة أن هذه العبارة، التي تبدو وعداً بالتمكين، تتحول إلى نقد للرأسمالية المتوحشة التي تسرق الإنسان نفسه وتعيد بيعه في شكل طموح لا نهائي.

    “السرقة ” كفعل علني وجمالي

    في التسعينات من القرن العشرين، تدخل السينما مرحلة ما بعد الحداثة، حيث تصبح السرقة معلنة وجمالية. فيلم Pulp Fiction للمخرج كوينتين ترانتينو، يقوم على اقتباس مباشر من تاريخ السينما الأمريكية والعالمية: أفلام العصابات، أفلام النوار، وثقافة البوب. ويقول جولز: ” المشي على الأرض هو أن تمشي مع الله”، لكن الأهم ليس المعنى المباشر، وإنما الطريقة التي يعاد بها تركيب الحوار داخل شبكة من الاقتباسات التي لا تخفي مصدرها، بل تحتفي به. وهنا السرقة تتحول إلى أسلوب كتابة سينمائية واعية بذاتها. وفي أواخر التسعينات، يبلغ هذا المنطق ذروته الفلسفية في فيلم Fight Club للمخرج David Fincher الفيلم (دافيد فينشر)، فهو لا يسرق فقط من الأدب ومن السينما، وإنما من الهوية الفردية نفسها، إذ يقول تايلر دوردن: ” نحن جيل من الرجال تربّى على يد النساء”. وهذه العبارة، سواء أكانت دقيقة حرفياً أم لا في نقلها، تمثل جوهر الفيلم: إحساس جيل كامل بأن هويته مسروقة مسبقاً، وأن الذات ليست سوى منتج اجتماعي قابل لإعادة التشكيل. وهنا السرقة لم تعد فعلاً جمالياً فقط، ولكنها أصبحت شرطاً وجودياً.

    الابداع على أنقاض نصوص سابقة

    إذا كانت نظرية عبد الفتاح كليطو حول “سُرّاق الأدب” تكشف أن النص الأدبي يعيش على أنقاض نصوص سابقة، فإن السينما الأمريكية تكشف أن هذا المبدأ ليس استثناءً بقدر ما هو قاعدة تأسيسية. ولا يوجد فيلم “أصلي” بالمعنى المطلق، بل سلسلة لا نهائية من التحويلات: روايات تتحول إلى أفلام، أفلام تسرق أفلاماً، صور تعيد إنتاج صور، ومعاني تتكاثر عبر الزمن دون أن تستقر.

    والسؤال الإشكالي الذي يطرحه مفهوم “سُرّاق السينما” ليس: من يسرق من؟ ولكن: هل يمكن للسينما أن توجد دون سرقة؟ الجواب يبدو سوسيولوجياً أكثر منه أخلاقياً: ولا يمكن اعتبار السينما مؤسسة للسرقة، بل جهاز لإعادة إنتاج المعنى عبر السرقة المنظمة.

    في النهاية، ما يبدو “سرقة” في الخطاب النقدي التقليدي، هو في الحقيقة شرط وجود الفن نفسه. فالسينما لا تبدأ من الأصل، وإنما من الأثر، ولا تنتهي إلى الحقيقة، ولكن إلى نسخ متراكبة من الحقيقة.

    إقرأ الخبر من مصدره