Catégorie : رآي

  • آليات الذكاء الاصطناعي بين تبسيط العمل الإداري وتجويد الخدمات الادارية بالمغرب

    محمد شقير

    إن انخراط المغرب في مسيرة استكمال دولة الحق والقانون والنهوض بالازدهار الاقتصادي للبلاد يدعو أن تكون الإدارة في خدمة المواطن والمقاولة وأن تنظر إلى هذه الأخيرة كعنصر فاعل وعامل منتج يتمتع بكل الحقوق ويستفيد من الخدمات الضرورية التي توفرها مختلف المصالح الإدارية. فالإدارة تعد آلية أساسية لتنفيذ برامج الدولة وسياساتها العمومية، في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كما تجسد وسيلة لخدمة حاجيات المواطنين بشتى أصنافها، وفق مبادئ ومعايير تدبيرية معينة يحددها الدستور. وقد حرص المغرب منذ استقلاله على بناء وإرساء دعائم الإدارة، وتماشيا مع تيارات التحديث عمد المغرب إلى القيام بإصلاحات مهمة، تهدف إلى تأمين النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي مع ضرورة الانفتاح على العالم . وقد كان ميدان الإدارة من أبرز الميادين المستهدفة من قبل الإصلاح الذي جاء نتيجة دوافع عالمية خارجية وأخرى داخلية، كذلك أعلنت عن ضرورة ملحة لتحسين وعصرنة التسيير الإداري وتحديث المؤسسات العمومية، التي تعتبر حلقة مكملة لباقي الإصلاحات في مجالات أخرى. فالإدارة السليمة للاقتصاد لا تقتصر على السياسات التي تتبعها وإنما تعتمد على المؤسسات التي تترجمها على أرض الواقع وتسهم في نجاعتها.و لتحقيق أهداف التحديث ومسايرتها لتكنولوجيا المعلومات بصورة أوسع أطلقت استراتيجية المغرب الرقمي 2013-2009 بإرادة ملكية، والهدف منها تسريع وتيرة مشروع الإدارة الإلكترونية لتقريب المرفق العمومي من المواطنين وتبسيط المساطر، وتحسين الخدمات من حيث الجودة والفعالية والشفافية وسرعة الأداء. في هذا الإطار عملت مجموعة من القطاعات الوزارية على الانفتاح على تقنيات وطرق جديدة للاتصال، كما أحدثت تغييرا على طبيعة مجموعة من الخدمات على الخط، كخدمات استخلاص الضرائب وطلب الوثائق الرسمية وكذا مختلف الوثائق الإدارية. كذلك تجدر الإشارة إلى ما تم تحقيقه أثناء جائحة كوفيد-19 من تقدم على مستوى رقمنة جميع الخدمات بكافة القطاعات. كما أن الإرادة في تسريع ورش التحول الرقمي لم تتوقف عند هذه المرحلة بل اعتمدت الحكومة حاليا خطة بعنوان “مذكرة التوجهات العامة للتنمية الرقمية بالمغرب في أفق سنة 2025 “، وتتمثل الأهداف المتوقعة لهذه الرؤية، إرساء إدارة رقمية تتسم بالكفاءة والفعالية من خلال تقديم خدمات آمنة ذات قيمة مضافة، كما تطمح إلى وضع معالم التنمية الرقمية في جميع القطاعات على مدى الخمس السنوات المقبلة، وهكذ لعبت تكنولوجيا المعلومات بما فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي دورا أساسيا في تحديث العمل الإداري سواء من خلال تبسيط المساطر الإدارية أو في تجويد الخدمات الادارية.

    1-الذكاء الاصطناعي وتبسيط العمل الإداري في المغرب

    لقد أصبح من البديهي اليوم أن تبسيط المساطر الإدارية يشكل الخطوة الأولى للوصول إلى تحديث وإصلاح الإدارة إذ بدونه تبقى الإجراءات الرامية إلى تحسين علاقة الإدارة بالمرتفقين بلا فعالية، سيما وأن المغرب محكوم عليه بالانخراط في مسلسل الرهانات الوطنية والدولية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. لذا أضحى التبسيط الإداري ورشا قائما بذاته يتعين إنجازه بكامل الفعالية من طرف الإدارة التي يجب أن تبرهن عن مقدرتها وجدواها سيما بعد أن أصبح احتكارها لإنتاج الخدمات في عدة مجالات موضع انتقاد لاذع، ومن ثمة فإن كفاءتها أصبحت تقاس بمدى قدرتها على النهوض بمهامها وليس بالسلطة التي تتمتع بها. وبالتالي ، يساهم الذكاء اﻻصطناعي ﻓي أتمتة العديد من العمليات اﻹدارية الروتينية، مما يؤدي إلى تقليل اﻷخطاء البشرية وزيادة اﻹنتاجية . كما أن تطبيق هذه التقنيات يساعد المؤسسات في تحسين تجارب الموظفين والعمﻼء، من خلال توﻓير بيئة عمل أكثر دقة وسرعة، مما يؤدي إلى تحسين اتخاذ القرارات اﻹدارية وتقليل التكاليف التشغيلية. فعلى سبيل المثال ، فيما يتعلق بالمباريات العمومية التي عادة ما تستقطب أعدادا من المرشحين والمرشحات لاجتياز مباراة تنظمها إدارة من الإدارات العمومية ، فعادة ما يتم اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لانتقاء ذكي للمرشحين من خلال تحليل السير الذاتية تلقائيًا مع مطابقتها مع الوظائف بدقة عالية … مما يوفر الوقت وتقليل المجهود المتكرر … مع تقييم موضوعي خالٍ من التحيزات …وبخلاف طول الانتظار والترقب الذي كان يرافق الإعلان عن نتائج الباكلوريا في العقود السابقة ، حيث كان يتم اللجوء إلى تعليق سبورات الثانويات العمومية أو من خلال الجرائد للإعلان عن هذه النتائج في مختلف أنحاء المغرب. أصبح من السهل الاطلاع على هذه النتائج بشكل سريع وآمن عبر منصات رسمية توفرها وزارة التربية الوطنية مع تطور المنصات الرقمية حيث تعتمد الوزارة على ثلاث وسائل رقمية رسمية للولوج إلى نتائج البكالوريا، وهي كما يلي:

    الموقع الرسمي bac.men.gov.ma حيث يُعتبر هذا الموقع من أبرز الطرق التي يُمكن من خلالها للتلاميذ الاطلاع على نتائجهم بسرعة. إذ يكفي فقط إدخال رقم «مسار» الخاص بالتلميذ و إ دخال كود الأمان (المكوّن من صور) ليحصل التلميذ على النتيجة الإجمالية (ناجح / راسب) والميزة المحصّل عليها والمعدل العام الوطني.

    التي تتيح للمترشحين معرفة تفاصيل نتائجهم الكاملة alim.ma2- منصة البريد الإلكتروني المدرسي كالمعدل التفصيلي لكل مادة و معلومات دقيقة حول الميزة و نتائج الدورة العادية والدورة الاستدراكية.

    خدمة الرسائل القصيرة
    وهكذا ساهمت الآليات والمنصات الرقمية التي وفرها الذكاء الاصطناعي لوزارة التربية الوطنية لمعالجة وتدبير آلاف من الملفات في زمن قياسي من خلال تمكين المترشحين من الولوج إلى نتائجهم بكل سلاسة وأمان. بالإضافة إلى الاقتصاد في أكوام كبيرة من الأوراق الإدارية وضمان شفافية أكبر لامتحانات الباكلوريا التي تعد مرحلة مهمة في المسار الدراسي لأي تلميذ أو تلميذة. وتماشيا مع التوجيهات الملكية التي ما فتئت تشدد على ضرورة الرفع من جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين وإرساء علاقة جديدة بين الإدارة والمرتفق قوامها الشفافية والثقة، حدد القانون 19-55 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية المبادئ العامة المنظمة للعلاقة بين المرتفق والإدارة . وتفعيلا لمقتضيات هذا القانون، أعطيت، بتاريخ 21 أبريل 2021، الانطلاقة الرسمية للبوابة الوطنية للمساطر والإجراءات الإدارية “إدارتي” التي تم إنجازها في إطار شراكة بين وزارة الداخلية، ووزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة – قطاع إصلاح الإدارة-، ووزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، ووكالة التنمية الرقمية (ADD) ، والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT). ومتكاملة ومتعددة الفضاءات، في خدمة المرتفق تضع رهن إشارته كل المعلومات اللازمة حول المساطر والإجراءات الإدارية واجهة معلوماتية موحدة كما تشكل بوابة “إدارتي”الفضاء الإخباري و المرجع الوطني الرسمي للمرتفق من أجل الاطلاع على المساطر والإجراءات الإدارية التي يتعين عليه القيام بها لدى الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية وكل شخص معنوي خاضع للقانون العام. وفي سياق تعزيز التفاعل الرقمي مع المواطنين تم إطلاق البوابة الوطنية الموحدة للشكايات في إطار تنزيل مقتضيات المرسوم رقم 2.17.265، بهدف تمكين المرتفقين من التواصل مع الإدارات العمومية من أي مكان وعلى مدار.مدار الساعة. وقد كشفت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة في رد عن سؤال كتابي بمجلس النواب، أن البوابة الوطنية الموحدة للشكايات قد استقبلت منذ بداية انطلاقها وإلى حدود سنة 2025 ما مجموعه 216 ألفا و468 في وقت بلغت نسبة رضى المرتفقين عن معالجة هذه الشكايات %58، مع تقليص متوسط آجال المعالجة إلى سبعة أيام خلال السنة الجارية .كما أفادت بأن المنصة توصلت خلال سنة 2025 بما مجموعه 163 ألفا و764 شكاية، تمت معالجة حوالي 70 في المائة منها، بنسبة بلغت 69.17 في المائة، وبمتوسط معالجة وصل إلى 16 يوما، فيما جرى إعادة فتح 14 ألفا و452 شكاية، بينما بلغت نسبة رضى المرتفقين عن معالجة الملفات 57.75 في المائة . وأضافت أن سنة 2026 عرفت، إلى حدود اليوم، تسجيل 52 ألفا و704 شكايات جديدة، تمت معالجة حوالي 60 في المائة منها، بنسبة بلغت 59.91 في المائة، مع تقليص متوسط مدة المعالجة إلى سبعة أيام فقط، في حين تم إعادة فتح 4965 شكاية، وبلغت نسبة الرضى عن معالجة الشكايات 56.97 في المائة. كما أكدت المسؤولة الحكومية أن المرسوم المنظم للبوابة ينص على معالجة الشكايات والرد عليها داخل أجل أقصاه 60 يوما، مع تمكين المرتفقين من تتبع مآل شكاياتهم إلكترونيا . كما أشارت إلى أن جميع الإدارات الخاضعة لمقتضيات المرسوم أصبحت منخرطة في هذه البوابة، بإجمالي 1749 إدارة، موزعة بين 40 قطاعا وزاريا بنسبة انخراط كاملة، و1590 جماعة ترابية بنسبة %100، إضافة إلى 119 مؤسسة ومقاولة عمومية بنسبة انخراط بلغت 43.01 % . وقصد إتاحة الفرصة للمرتفقين لتقييم الخدمات العمومية الإلكترونية وتقديم ملاحظاتهم واقتراحاتهم بشأن هذه البوابة ، ، فقد أعلنت المسؤولة الحكومية عن إحداث فضاء تفاعلي جديد ضمن النسخة المطورة من بوابة “إدارتي”، تحت عنوان “أقدم رأيي”.

    2-الذكاء الاصطناعي وتجويد العمل الإداري في المغرب

    يعد إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل الإداري بالمغرب ورشاً استراتيجياً طموحاً يهدف إلى تحديث الإدارة العمومية وتجويد خدماتها، خاصة في سياق رؤية “المغرب الرقمي 2030” التي أطلقت لتعزيز النجاعة والشفافية. وتهدف هذه التحولات إلى الانتقال من الإدارة التقليدية إلى “الإدارة الذكية” التي تستجيب بسرعة وفعالية لحاجيات المرتفقين. فمن أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتجويد الإدارة المغربية: -عصرنة الخدمات الإدارية عبر الإنترنت لتيسير الوصول إلى المعلومات دون التنقل، مما يرفع من جودة الخدمة وشفافيتها.

    أتمتة المهام (Automated Tasks): –استخدام مساعدين مدعومين بالذكاء الاصطناعي لتولي المهام الروتينية، مثل جدولة المواعيد وإرسال التذكيرات، مما يحرر الموظفين للتركيز على مهام أكثر تعقيداً

    – -تدبير المرافق العامة خاصة لتحسين جودة الرعاية الصحية من خلال تحليل البيانات الضخمة وإدارة الوثائق والملفات بشكل رقمي آمن . (Big Data)
    –التقاضي الإداري الذكي من خلال توظيف التقنيات الذكية في القضاء الإداري لتسريع معالجة النزاعات حيث أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى الإنجازات التي حققها المجلس على مستوى الرقمنة، إذ جرى بناء منظومة مندمجة متكاملة لتدبير الوضعية الفردية للقضاة؛ من خلال رقمنة كل لإجراءات والمساطر المعتمدة بهذا الخصوص، وعلى رأسها تدبير طلبات الانتقال والترقيات، ومعالجة تقارير تقييم الأداء، وتدبير ملفات التقاعد والتمديدات، مما مكن من تبسيط الاجراءات، وتقليص آجال، وتعزيز دقة المعالجة، وقابليتها للتتبع. كما تمكن قطب الرقمنة بالمجلس من إطلاق “نسخة متطورة من الفضاء الرقمي الخاص بالقضاة، باعتباره منصة مؤمنة تتيح الولوج إلى المعطيات المهنية والخدمات الالكترونية؛ مما يعزز التواصل المؤسساتي، ويكرس شفافية تدبير المسار المهني”، بالإضافة إلى بناء منظومة مندمجة لتتبع النجاعة القضائية والتي توفر أدوات “تحليلية متقدمه لقياس الأداء القضائي، وتتبع مؤشرات النجاعة على مستوى محاكم المملكة بأكملهاوأشار إلى جهود هذه المنظومة انطلقت لتشمل دعم العمل القضائي ذاته، من خلال إحداث “آلية رقمية مساعدة على تحرير الأحكام الجذرية، بما يسهم في توحيد منهجية إعدادها، وتحسين جودتها، وتسريع وتيرة إنجازها”، منوها بالقضاة وانخراطهم الفعال في “الورش الإصلاحي الكبير، وتجاوبهم مع مبادرات المجلس في مجال التحول الرقميأما بشأن تحرير المقررات القضائية وتوقيعها إلكترونيا داخل المنظومة المعلومياتية للمحاكم، سجل المتحدث ذاته أنه تم تسجيل تحرير 351 ألفا و58 مقررا قضائيا عبر البرمجية المذكورة، وتوقيع 29 ألفا و810 مقررات قضائية باعتماد التوقيع الالكتروني؛ وذلك بعدما كانت محاكم المملكة تتوفر على توقيع إلكتروني واحد فقط في سنة 2024، أصبحت تتوفر على أحكام موقعة إلكترونيا، تناهز 30 ألف مقرر وحكم .

    وعموما، فقد أصبحت وسائط التكنولوجيا من الآليات الأساسية في الحياة العامة، الأمر الذي كان له انعكاس على الأسلوب الجديد في تسيير المرافق العمومية وشبه العمومية التي تعتبر قاطرة في تحريك عجلة التنمية بالمغرب. فاستعمال وسائط التكنولوجيا بالإدارة أصبح أمرا ضروريا إن لم نقل إلزاميا في ظل موجة التقدم العلمي الذي يشهده العالم، إذ بات يفرض نفسه بقوة متخذا شعاره عصر السرعة، لذلك بدأ البحث عن ضرورة اتساق الإدارة مع التطور التكنولوجي وجعلها أكثر فاعلية في سرعة خدماتها لتكون بذلك متطابقة مع العصر وتطوراته المستمرة، وهذا يتطلب اعتماد رؤية استراتيجية لتطوير الإدارة من خلال العمل على تأهيل الموظف والمرتفق على حد سواء للتماشي مع آليات الذكاء الاصطناعي . كما أصبحت وسائل التكنولوجيا الحديثة في الخدمات الإدارية أمرا مؤكدا لجميع العاملين مع هذا الجهاز، إذ تعتبر آلية مهمة تمكن من تحسين وإرساء علاقات متميزة بين الإدارة والمنتفعين من منطلق الحق في المعلومة الذي ينص عليه الفصل 27 من الدستور، مما فرض بث جميع الوثائق عبر شبكة الأنترنيت للاستفادة منها بسلاسة، وذلك يتطلب أساسا متينا لتطبيق مبادئ الحكامة الإلكترونية، مما يؤدي إلى خلق مناخ إيجابي في معاملات إلكترونية سليمة في ما بينها وبين المواطنين بغرض تقليص النفقات وتحسين جودة الخدمات المقدمة . كما لم يعد خافيا مدى الاهتمام المغربي بالذكاء الاصطناعي كواقع جديد يرجى التعامل معه بحزم ومحاولة الاستفادة منه عبر دراسة اعتماده بعدد من القطاعات الوطنية والمرافق العمومية، بما يرفع من المردودية ونجاعة الخدمات وتأكد جليا خلال الفترة الأخيرة أن المملكة دخلت مرحلة السرعة القصوى من أجل التوظيف الأمثل لهذه التقنيات، إذ ما فتئ وزراء ومسؤولون بإدارات عمومية يؤكدون الاعتماد الوشيك عليها، في الوقت الذي أكد المغرب من داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، أمس الخميس، أهمية الانخراط في الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية وتنموية بالقارة ومن جوانب الاهتمام المغربي بهذه التقنيات، نذكر احتضان المملكة المركز الدولي للذكاء الاصطناعي (AI Movement) بقلب جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، فضلا عن المشاركة في بلورة أول قرار أممي يهم الموضوع حصد دعم 123 دولة قبل أن يتم اعتماده من قبل منظمة الأمم المتحدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بمشاركة دولية وازنة، المغرب يحتضن المؤتمر الوزاري الثاني حول حفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني.

     

    بمشاركة 62 وفدا، 26 منها ممثلة على المستوى الوزاري، وممثلين رفيعي المستوى عن الأمم المتحدة، والمنظمة الدولية للفرنكوفونية، ومنظمات إقليمية، احتضنت الرباط، يوم أمس الأربعاء، المؤتمر الوزاري الثاني حول حفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني.

    ترأس هذا المؤتمر، بشكل مشترك، كل من وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ووزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو.

    وينعقد هذا المؤتمر في ظرفية مفصلية تتسم بالتطور المستمر للبيئة التي تعمل فيها عمليات حفظ السلام للأمم المتحدة، والإصلاحات الجارية على مستوى الأمم المتحدة ذات الصلة ببنية حفظ السلام وتوطيده. ويتمثل الهدف الرئيسي للمؤتمر، تبعا لذلك، في إتاحة فرصة إضافية للدول الفرنكوفونية لبلوغ فهم مشترك للرهانات الحالية لعمليات حفظ السلام التي تنخرط فيها.

    ويشكل انعقاد هذا المؤتمر الدولي بالمغرب حول هذه القضية المركزية اعترافا بالإسهام الريادي والمستمر للمملكة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عبر العالم. كما يعكس الثقة والمصداقية اللتين تحظى بهما المملكة داخل الهيئات الدولية، باعتبارها فاعلا منخرطا، ومعبأ، وموحدا في النقاشات الكبرى متعددة الأطراف.

    وبالمناسبة، دعا ناصر بوريطة إلى اعتماد ولايات أممية لحفظ السلام تواكب التطورات الميدانية، إذ بخلاف ذلك فقد تتحول إلى أدوات لتكريس الوضع الراهن، بدلا من أن تكون رافعات حقيقية لتسوية النزاعات. مبرزا أن استضافة المغرب لهذا المؤتمر تعكس التشبث العميق للمملكة بقيم السلام والتعاون والتضامن الدولي، وذلك تماشيا مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

    كما حذر من أن مسرح العمليات أصبح أكثر عدائية، حيث يتسم بتهديدات غير متكافئة، وهجمات الجماعات المسلحة غير الحكومية، والحركات الانفصالية التي تربطها صلات مؤكدة بالمنظمات الإرهابية، والتي تستهدف القبعات الزرق، داعيا إلى اعتماد سياسة عدم التسامح المطلق إزاء الجرائم المرتكبة ضد أفراد بعثات حفظ السلام.

    وأمام هذه التحديات، اعتبر بوريطة أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر بين الإبقاء على الوضعية القائمة أو التخلي عنها، بل يجب أن يركز على الإصلاح الضروري لهذه الأداة الأساسية للعمل متعدد الأطراف، من أجل جعلها أكثر مرونة وفعالية وملاءمة للواقع الميداني.

    علاوة على ذلك، دعا الوزير المجتمع الفرنكوفوني إلى تحويل ثقله العملياتي إلى تأثير سياسي ومنهجي حقيقي، مشيرا إلى أن الفضاء الفرنكوفوني يستضيف ما يقرب من ثلثي بعثات حفظ السلام الجارية، حيث تتم تعبئة حوالي 60 في المائة من ميزانية الأمم المتحدة المخصصة لهذا القطاع، في حين أن مساهمته على مستوى الأفراد لا تزال دون إمكاناته.

    وفي هذا الصدد، دعا بوريطة إلى بلورة رؤية فرنكوفونية مشتركة لحفظ وتعزيز السلام، وتقوية القدرات البشرية الفرنكوفونية، وتوطيد هندسة التكوين، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الوحدات الفرانكوفونية.

    كما جدد التأكيد على استعداد المغرب للمساهمة في هذا الجهد الجماعي، لا سيما من خلال مركزه للتميز لعمليات حفظ السلام بابن سليمان، داعيا، في الوقت ذاته، إلى مواصلة تنظيم المؤتمر الوزاري لحفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني، كإطار سياسي للتوجيه والتحفيز، وذلك بصفة دورية.

    بدوره، أعرب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن شكره للمغرب وفرنسا على التنظيم والرئاسة المشتركة لهذا المؤتمر. مؤكدا، في كلمة مسجلة خلال الجلسة الافتتاحية، أن حفظ السلام يشكل أحد أبرز الأدوار الملموسة للأمم المتحدة، لا سيما في وقت يشهد فيه العالم حاليا أكبر عدد من النزاعات منذ سنة 1945.

    وذكر، في هذا الصدد، بأن حفظ السلام يظل أحد أدوات المجتمع الدولي الأكثر متانة ونجاعة، مما يتطلب التزاما سياسيا ثابتا، ووسائل ترقى إلى مستوى الاحتياجات، وشراكات مستدامة.

    وسجل الأمين العام للأمم المتحدة أن عمليات حفظ السلام تعطي ثمارها عندما تستند إلى ولاية واضحة، وإرادة سياسية للأطراف، ودعم حازم من الدول الأعضاء، مضيفا أنه في الفضاءات الفرنكوفونية، لا سيما في إفريقيا، تعتبر اللغة، ومعرفة الثقافات، والقدرة على استيعاب الديناميات المحلية، وبناء الثقة، عناصر أساسية للنجاح.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خروف العيد يقود صفوف المعارضة

    بقلم الأستاذ كفيل محمد الامين العام لحزب النهضة والفضيلة

    لم تعد المعارضة السياسية وحدها من تنتقد الحكومة أو تكشف حجم الغضب الاجتماعي المتصاعد، بل إن “خروف العيد” نفسه دخل على الخط، وتحول هذا الموسم إلى معارض شرس يفضح بالأرقام والأسعار ما آلت إليه الأوضاع المعيشية للمغاربة.

    ففي كل سوق، وأمام كل ثمن صادم، ترتفع لغة الاحتجاج بصمت، ويكتشف المواطن أن الكبش صار أقوى من كل الخطب السياسية، لأنه يتحدث مباشرة إلى جيبه المنهك وقدرته الشرائية المتآكلة.

    لقد تحول خروف العيد إلى “فاعل سياسي” بامتياز، وإلى أكبر معارض صامت للحكومة، بل ربما إلى أقوى حملة انتخابية سابقة لأوانها ضدها.

    فحينما يصبح ثمن الأضحية فوق قدرة فئات واسعة من الشعب، فإن الأمر لا يتعلق بالسوق وحده، بل بفشل سياسات، وارتباك تدبير، وغياب رؤية اقتصادية واجتماعية حقيقية.

    الحكومة التي خرجت قبل أشهر تتحدث عن “الإجراءات الاستباقية”، وعن “دعم الاستيراد”، وعن “تخفيف الضغط على الأسعار”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر قسوة من كل البلاغات الرسمية.

    ملايير صُرفت من المال العام تحت عنوان دعم استيراد الأغنام والأبقار، ووعود قُدمت للمغاربة بأن الأسعار ستعرف انفراجاً، لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً:

    الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تنهار، والمواطن يتساءل: أين ذهبت تلك الأموال؟ ومن استفاد منها فعلاً؟

    المفارقة المؤلمة أن الدولة ذهبت بعيداً في اتخاذ إجراءات استثنائية؛

    إلغاء شعيرة العيد السنة الماضية حفاظاً على القطيع الوطني،

    تشجيع الاستيراد،

    تقييد ذبح إناث الأغنام،

    والتعويل على التساقطات المطرية الأخيرة لإنعاش المراعي وتخفيف كلفة التربية…

    ومع ذلك، ما زال المواطن يصطدم بأرقام أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الاجتماعي للمغاربة.

    هنا يطرح السؤال الكبير نفسه بقوة:

    إذا كانت كل هذه الإجراءات لم تنجح في خفض الأسعار، فما الذي نجح إذن؟

    وإذا كان المواطن لا يلمس أثراً مباشراً لكل تلك التدابير، فكيف يمكن إقناعه بأن الحكومة تتحكم فعلاً في السوق وفي آليات الحماية الاجتماعية؟

    إن الأزمة لم تعد فقط أزمة أضحية، بل أصبحت أزمة ثقة.

    لأن المواطن حين يسمع عن الملايير التي صُرفت ثم لا يرى أي أثر لها، يشعر بأن هناك فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمي والواقع.

    وحين يرى أن الأسواق تشتعل رغم كل التدخلات، فإنه يقتنع بأن الحكومة إما عاجزة عن ضبط الوضع، أو أنها فقدت القدرة على فهم ما يجري داخل المجتمع.

    الأخطر من ذلك، أن “كبش العيد” كشف حقيقة سياسية قاسية:

    أن الحكومة فقدت الاتصال النفسي والاجتماعي مع المواطن البسيط.

    فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات بالمؤشرات الماكرو اقتصادية ولا بتقارير النمو المجردة، بل يقيسها بقدرته على شراء اللحم، والخضر، والزيت، وأداء فواتيره، والحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.

    لقد تحول العيد، الذي كان مناسبة للفرح والتكافل، إلى موسم للقلق والتوتر الاجتماعي.

    أسر كثيرة أصبحت تدخل الأسواق فقط للسؤال ثم تغادر بصمت.

    وآباء كثر باتوا عاجزين عن إخفاء ارتباكهم أمام أبنائهم.

    أما الطبقة المتوسطة، التي كانت تشكل صمام التوازن داخل المجتمع، فقد أصبحت هي الأخرى تتآكل تحت ضغط الغلاء المتواصل.

    السياسة ليست فقط انتخابات وصناديق اقتراع.

    السياسة أيضاً هي قدرة المواطن على العيش بكرامة.

    وحين تفشل الحكومة في هذا الامتحان، فإن كل إنجازاتها الأخرى تصبح بلا معنى في نظر الناس.

    لها يمكن القول اليوم، دون مبالغة، إن أكبر حملة انتخابية ضد الحكومة لا يقودها خصومها السياسيون، بل يقودها “كبش العيد” نفسه.

    ذلك الكبش الذي أصبح سعره بياناً سياسياً، ورقماً انتخابياً، ورسالة احتجاج صامتة تتنقل يومياً بين الأسواق والأحياء الشعبية والبيوت المغربية.

    وفي النهاية، قد تنجح الحكومات أحياناً في التحكم في الخطاب، وفي تبرير القرارات، وفي تسويق الأرقام…

    لكنها لا تستطيع أبداً أن تفاوض جيب المواطن.

    فحين يصرخ السوق، تسقط كل البلاغات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أطفال التوحد… شموع تحترق

    عنَّ لي الكتابة عن أطفال التوحد، بالتزامن مع اليوم العالمي للتوحد وانا يملئني التساؤل عما هو مخول لهذه الفئة المجتمعية من حقوق، وما يجب علينا فعله ايزائها كأفراد ومؤسسات. فبرؤية متفحصة للواقع المعيش، نذرك ان هذه الفئة لازالت تقاصي الكثير، بالإضافة الى اسرهم التي تكابد وتضحي من اجل أن يحظو هؤلاء الاطفال بفرصة للعيش داخل المجتمع بشكل عادي وطبيعي اسوة بباقي الأطفال.
    ان محاولة اقتحام عالم أطفال التوحد يبقى امرا عسيرا، بالنظر لما يكتنزه هذا العالم من خصوصيات تتباين وتتمايز ما بين طفل وطفل اخر، بل يطغى هذا التباين حتى على مستوى الاسر نفسها، الشيء الذي يجعل عالم أطفال التوحد عصي عن الفهم، وغريب الى حد بعيد. وبحجم هذه الغرابة تكبر معاناة الاسرة وتتعقد، لاعتبارات يصعب حصرها. ومن هذا المنطلق، جاءت الفكرة لاقتحام بعض الجوانب داخل هذا الموضوع / الطابو، املين ان نحيط ولو بشكل يسير بما يحفل به هذا العالم المتفرد من مآسي والآلام، والتي تعيشه تلك الاسر يوم على يوم في صمت طويل، لا يكسره الا قوة الإصرار ويغديه الثقة في الإرادة الالهية. 

    وعلى هذا النحو، حاولنا تناول هذا الموضوع من خلال ابراز اهم التحديات التي تواجه أطفال التوحد، والتي يمكننا تحديدها في مستويين. المستوى الأول ويتمثل في الوعي الاسري، ثم المستوى الثاني الذي يرتبط بشكل وثيق بالجانب المؤسساتي، وإذا كان الربط ما بين هذين المكونين من الناحية الاولية يظل بعيدا وغير متجانس، بيد انه من المنظور الجوهري يتقاطع فيما بينه، مشكلا مدخلا اساسي لفهم وضعية الطفل التوحدي الى حد معين. 

     الوعي الاسري مدخل اساسي لمساعدة أطفال التوحد 

    بداية استحضر واقعة لطبيب أطفال، يحكي فيها عن حالات لأطفال تعرض عليه لإجراء فحوصات طبية لأمراض عضوية يعانون منها ،غير انه يلاحظ ضمن تشخيصه ان بعض الحالات فضلا عن معاناتها من امراض عضوية معينة ،تظهر عليها بعض اضطرابات التوحد ،وعند مواجهة الام او الاب بهذه الحقيقة ،طالبا منهم  مواصلة الفحوصات من قبل طبيب مختص لتمكينهم من تشخيص دقيق حول مستوى التوحد ،يحجم الوالدين عن هذا الامر ، الشيء الذي يفاقم من معاناة الطفل ويعقد وضعيته .هذه الواقعة دفعتني الى التفكير بشكل اكثر عمقا لفهم الدواعي التي تحول الابوين دون التقييد بتوجيهات الطبيب ،ولعل الإجابة تتمثل في  الوعي داخل الاسرة بطبيعة اضطرابات التوحد او طيف التوحد كمدخل أساسي ،ومدى  الدور الذي تحققه العلاجات المقدمة لفائدة الطفل التوحدي ،فضلا عن الكيفية والطرق الملائمة والامنة للتعامل مع هذا الطفل، سواء من ناحية التربية داخل البيت ,لما تتيحه هذه الأخيرة من إمكانات مهمة لتنمية قدراته في التواصل مع المحيط وتطويرها …..ثم كذلك أهمية المدرسة ،وما توفره هذه الأخيرة من وسائل مهمة لتحقيق الاندماج في المجتمع بشكل عادي وفعال . فالتعلمات التي يكتسبها الطفل التوحدي في ظل هذه البيئة تساعده كثيرا في تحقيق الاندماج في محيط المجتمع كطفل عادي وسوي، قادر على العطاء والتعبير عن إمكاناته كباقي الأطفال، ولكن شريطة وجود بيئة واعية بخصوصية التوحد، انطلاقا من الاسرة باعتبارها كفاعل محوري واساسي ضمن مجموعة من المؤسسات الأخرى التي يتقاطع دورها في هذا الصدد، كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات العلاجية الاستشفائية، حيث ان تمكين الأطفال من فرص العلاج في المراحل الأولى، يعزز من إمكانية تجاوز التعثرات -الحسية السلوكية التواصلية- التي يعانون منها والتي تبقى كعائق امامهم، ولا تتيح لهم فرص تطوير امكاناتهم الذاتية .وفي نفس السياق فغياب المعرفة بشكل كلي يطرح كمشكل كبير، على اعتبار ان الاسرة الغير متعلمة{ الاب و الام غير متعلمان} رغم رغبتهم في مواكبة البرامج والبرتوكولات العلاجية، الا ان صعوبة الفهم وادراك محتوى تلك البرتوكولات، قد يعيق  مواكبة  الاسرة لتحقيق التكامل العلاجي الموجه للطفل الذي يعاني من التوحد ، فالانسجام ما بين جميع المكونات داخل البنية العلاجية، يعزز من فرص ادماج الطفل الذي يعاني من التوحد داخل المجتمع . ان غياب الإمكانات المعرفية لدى الاسرة تظل اشكالا محوريا يصعب التغلب عليه، ويحد من إمكانية ادماج هذا الأخير داخل المجتمع، كما ان تحقيق التكامل لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه الى ضرورة توفر عناصر أخرى كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات العلاجية، التي تبقى هي نفسها عائقا كبيرا يلازم أطفال التوحد ويحول دون استفادتهم من خدماتها بشكل معقول وفعال، وهو ما سناتي على تفصيله في المحور الثاني.

     دور المؤسسات العلاجية والاستشفائية في تحقيق الادماج المجتمعي لأطفال التوحد

    لا غرو ان دور الاسرة كفضاء حاضن ومساعد لعلاج الطفل الذي يعاني من اضطرابات التوحد بفضل وعيها بطبيعة التوحد وأساليب معالجته، يظل امرا حيوي وعامل اساسي، غير ان المشكلة ليست كامنة في غياب الوعي داخل الاسرة كمحدد وفقط، بقدر ما تتجلى في غياب التكامل او القدرة على خلق بنية منسجمة مع باقي المكونات الأخرى وعلى راسها المؤسسات العلاجية، وهنا يكمن العائق الأكبر. فكما هو معلوم ان المشكل بالنسبة للأطفال التوحديين يتجلى في  اضطرابات سلوكية وتواصلية، وهو ما يتطلب تشخيصات أولية دقيقة ترتكز على الجوانب النفسية ثم العضوية ، والتي تخلص في مجملها الى  ضرورة خضوع الطفل التوحدي لحصص الترويض الطبي لدى مختصين في تقويم النطق، وكذلك الترويض الحسي الحركي ،بمعدل 3 او 4 حصص في الأسبوع بحسب وضعية كل طفل ،هذا البرتوكول العلاجي المكثف ،بغض النظر عن فعاليته  الا انه مكلف ويتجاوز إمكانات الاسر ،حيث ان مبلغ الحصة الواحدة المحددة في 30 دقيقة يتجاوز 200 درهم ، ناهيك عن الاستشارات الطبية المواكبة للبروتكول .فضلا عن هذا  حيث توجد حالات لأطفال التوحد يعانون من اضطرابات عصبية حادة والتي تتطلب مواكبة من قبل اختصاصي في طب الاعصاب ، ولنا ان نتصور حجم المبالغ التي على الاسرة توفيرها كل شهر من اجل اتباع هذه العلاجات السالف ذكرها و بالكيفية المطلوبة. كما يجدر الإشارة الى ضرورة تمكين الطفل التوحدي من اللولوج الى المدرسة ليس كحق أساسي اسوة بباقي الاطفال، ولكن لاعتبارات تتجلى في كون المدرسة فضاء مهم لأطفال التوحد وضروري لتحقيق ادماجهم وتجاوز تعثراتهم في تكامل مع المؤسسات العلاجية التي تنصح بهذه الضوابط، وقد يتطلب الامر مصاحبة يومية داخل المؤسسة التعليمية من قبل مرافقة /مدربة، من اجل تطبيق البرامج العلاجية المتبعة في هذا الصدد، مما يعني تكاليف مالية إضافية لتغطية نفقات هذه الخدمات.

    ان دور المؤسسات العلاجية الى جانب المدرسة، بقدر ما يحقق تقدم ملموس في وضعية الطفل وتحسن مستمر، بقدر ما يفرض على الاسر تبعات مالية كبيرة تفوق قدرتهم، او تثقل كاهلهم في أحسن الحالات، فخيار اللجوء الى المؤسسات الخصوصية بما تفرضه من تكاليف مالية، مرده غياب مؤسسات عمومية استشفائية وتعليمية، تلبي الحاجة بالقدر والكيفية المناسبة حسب طبيعة حالة الطفل التوحدي، ومن اجل تدارك هذا النقص او الغياب اذا استحضرنا المجال القروي ، تلجئ الاسر الى الخدمات المقدمة من قبل المؤسسات الخصوصية سواء في المجال الاستشفائي والتربوي لتمكين الطفل من فرص تجاوز العقابات التي تحوله دون تحقيق الادماج في المجتمع بالكيفية المطلوبة. 

    من هنا أدركت الدواعي والاسباب التي تجعل بعض الاسر تحجم عن اتباع نظام علاجي استشفائي بإشراف اطباء متخصصين  حسب ما حكاه طبيب الأطفال،  فالأمر غير مرتبط بوعي الاسرة فقط، بل بكلفة العلاجات التي تفوق قدراتهم بكثير، ويبقى مصير ذاك الطفل بيد خالقه وبارئه، وتموت معه كل شعارات أطفال التمييز وذوي الهمم بكل هدوء وفي صمت مطبق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في بريتوريا.. نم باكرا

    حسن البصري

    ما تعرض له أنصار الجيش الملكي في ملعب بريتوريا، من عدوان مشترك بين أنصار صن دوانز وعناصر الشرطة، هو تحصيل حاصل في عاصمة تحتل الصفوف المتقدمة في نسبة الإجرام.

    تذكرت أيامي في مدينة تدعو قاطنيها للنوم المبكر خوفا من زوار الليل.

    على امتداد الطريق السيار، الرابط بين جوهانسبورغ وبريتوريا، تحول صديقي مراد، إلى مرشد سياحي، وهو يطوي بسيارته التي يستخدمها في التوصيلات، قبل ظهور «إن درايف» بسنوات.

    مراد شاب مغربي من أبناء حي سيدي عثمان بالدار البيضاء، مسقط رأسي، حل بجنوب إفريقيا سنة 2001، واشتغل في صالون حلاقة، قبل أن يفكر في ساعات عمل إضافية كسائق سيارة أجرة سرية.

    صعب أن تملك القدرة على الجمع بين تصفيف الشعر وتمشيط الطرق والأحياء الوعرة لجوهانسبورغ وبريتوريا. لكن مراد، الذي رافقني في رحلة تغطية كأس أمم إفريقيا 2013، يصر على الجمع بين حرفتين متنافرتين.

    بين جوهانسبورغ وبريتوريا، حدثني مراد عن طرائف ومخاطر مهنة العزف على المقص.

    قال إن مواطنا من أصول زيمبابوية اشتكاه للقضاء بسبب التطاول على شاربه، والتوغل لبضعة سنتمترات إلى مساحة «موسطاشه».

    وأضاف أنه يرفع فاتورة الحلاقة حين تنتهي بتوصيل الزبون إلى مقر سكناه ليلا.

    في زوال يوم سادس يناير 2013، دخلنا بريتوريا آمنين. كان لي لقاء مع عبد السلام حبيب الله رئيس الجالية المغربية المقيمة في جنوب إفريقيا.

    في الموعد المحدد، تم اللقاء، بالقرب من تمثال مانديلا، بيني والحقوقي عبد السلام في حضرة مجسم كبير الحقوقيين مانديلا.

    غير بعيد من المكان تناولنا وجبة غداء سريعة، في مطعم يديره رجل مصري، يردد عبارة:

    «نم بدري ومتقش في الشرطة»..

    توجهنا مباشرة إلى فندق «هاوس فالكون» وهو أقل تكلفة وأكثر أمانا، على حد قول مراد الذي ظل يزودني بتحذيراته حتى اعتقدت أنني في بلد معفى من الأمن.

    في بريتوريا لا تشعر بأن البلد يعيش حدثا كرويا قاريا، يتمثل في نهائيات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم.

    في بريتوريا فقط، يمكن أن تفاجأ بعيون جاحظة لرواد مقهى ينقل تلفازها مباراة في لعبة الريكبي.

    بريتوريا معفاة من تنظيم نهائيات «الكان»، قد تكون جنوب إفريقيا البلد الوحيد في العالم الذي أعفى عاصمته من صخب كأس أمم إفريقيا، وجعلها تنام على وسادة السياسة فقط.

    ولأن المغرب لم يكن له سفير في هذه المدينة، اكتفى بقائم بأعمال في شخص يونس الكلاوي، حفيد الباشا التهامي الكلاوي.

    ممثل دبلوماسيتنا يسأل محيطه عن تفاصيل إقامة المنتخب المغربي في جوهانسبورغ، يفكر في بروتوكول المباراة الافتتاحية، وفي خطة التصدي لزعيم البوليساريو الذي يفخر بدعوته لحضور أولى مباريات «الكان».

    يواجه الكلاوي خطورة تجذر المد الانفصالي في هذا البلد نهارا، ومخاطر المد الإجرامي حين يسدل الليل ستائره.

    في غرفتي بفندق «هاوس فالكون»، عثرت في الدولاب الخشبي على طاقم أسنان وباروكة وصدرية، يبدو أن زبونا سابقا نسيها، أشعرت موظفة الاستقبال بهذا الاكتشاف ثم انصرفت إلى غرفتي..

    في صباح اليوم الموالي حضرت اجتماعا لأفراد الجالية المغربية المقيمة في جنوب إفريقيا، حرص عبد السلام على توزيع الأعلام الوطنية والقبعات وبرنامج المباريات، وهو يلح على توخي الحذر من الاختلاط.

    حضر هاجس القلق من الإجرام، في تعليمات مؤطري الجمهور المغربي، وتبين أن خصوم المغاربة في هذا البلد هم محترفو الجريمة وهواة النشل.

    نصحنا الفاطمي، سكرتير السفارة المغربية في بريتوريا، بالتجول الجماعي، ودعانا لمشاهدة فيلم أفريكانو. حينها آمنت بأن الجريمة وجبة يومية في هذا البلد.

    بعد انتهاء «الكان» عثر على الفاطمي جثة هامدة وسط بركة دماء في شقته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تُترك مقاعد البرلمان فارغة أمام تقارير المال العام

    حين تُترك مقاعد البرلمان فارغة أمام تقارير المال العام

    أين غاب نواب الأمة يوم 12 ماي 2026؟

    سياسي: رشيد لمسلم

    لم تكن الجلسة العمومية المنعقدة يوم الثلاثاء 12 ماي 2026 بمجلس النواب المغربي جلسة عادية داخل الأجندة التشريعية، بل شكلت محطة دستورية ورقابية بالغة الأهمية، خُصصت لمناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية وتتبع أوجه صرف المال العام.

    غير أن ما طبع هذه الجلسة لم يكن حجم الاختلالات التي كشفها التقرير فقط، بل الغياب الواسع للنواب عن حضورها، في مشهد أعاد إلى الواجهة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التدريس الجامعي والمحاماة: دفاعا عن منطق التكامل في مواجهة وهم التنافي

    زكرياء العماري

    تقديم:

    يشكل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة محطة تشريعية بالغة الأهمية في مسار تحديث منظومة العدالة بالمغرب، غير أن بعض المقتضيات التي جاء بها المشروع، وخاصة تلك المتعلقة بالعلاقة بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في القانون، تثير نقاشا قانونيا ومهنيا عميقا حول مدى انسجامها مع التقاليد التشريعية المغربية، ومع فلسفة المهنة ذاتها، ومع ما استقر عليه العمل في عدد من الأنظمة المقارنة.

    ومن بين أبرز هذه المقتضيات ما ورد في المادتين 13 و14 من المشروع، اللتين تكرسان استمرار حالة التنافي بين ممارسة المحاماة وممارسة التدريس الجامعي بصورة أصلية أو قارة، مع الاكتفاء بالسماح بالتدريس العرضي فقط. وهو توجه يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الإبقاء على هذا المنع، خاصة إذا استحضرنا أن التشريع المغربي، منذ الاستقلال، لم يكن يعتبر الجمع بين المهنتين أمرا منافيا لطبيعة المحاماة أو لاستقلاليتها، وذلك في انسجام مع الممارسات الدولية الجاري بها العمل في هذا الإطار.

    لقد قام التنظيم التاريخي لمهنة المحاماة بالمغرب، سواء بمقتضى ظهير سنة 1959 أو القانون المنظم للمهنة لسنة 1979، على تصور قوامه التكامل بين الجامعة والمحاماة، باعتبارهما فضاءين متداخلين في خدمة العدالة وبناء الفكر القانوني. فقد كان الأستاذ الجامعي في القانون يتمتع بإمكانية الولوج إلى المهنة وفق شروط تفضيلية، كما أن التدريس الجامعي لم يكن يشكل حالة تناف مع ممارسة المحاماة. كما كان المحامي الممارس الحاصل على شهادة الدكتوراه يتمتع بحق الانخراط في وظيفة التدريس الجامعي دون اشتراط القطيعة مع المهنة أو إلزامه بالاستقالة منها.

    وقد استمر التعايش بين مهنة المحاماة ومهنة تدريس القانون بالمغرب إلى غاية سنة 1993، حيث سيكرس المشرع المغربي ولأول مرة حالة التنافي بين المهنتين بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وقد جاء هذا التوجه في سياق تشريعي وتاريخي خاص ارتبط بمرحلة معينة وباعتبارات ظرفية لم تعد مبرراتها قائمة في ظل التحولات التي عرفتها مهنة المحاماة ومنظومة التعليم العالي وأدوار الجامعة في تكوين وتأهيل الفاعلين في منظومة العدالة.

    ومن ثم، فإن إعادة طرح هذا الموضوع اليوم لا يتعلق بإقرار وضع استثنائي جديد لفائدة فئة معينة، بقدر ما يرتبط بإعادة النظر في خيار تشريعي طارئ، والعودة إلى فلسفة التشريع المغربي الأصلية التي قامت على اعتبار العلاقة بين الجامعة والمحاماة علاقة تكامل لا تناف. كما أن هذا النقاش ينسجم مع التوجهات المقارنة الحديثة، التي تعتبر الجمع بين التدريس الجامعي في القانون وممارسة المحاماة قيمة مضافة للجامعة وللمهنة وللعدالة معا.

    ولا يقتصر أثر هذا التكامل على تمكين الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة فحسب، بل يمتد كذلك إلى إتاحة انخراط المحامي الممارس في سلك التدريس الجامعي متى توفرت فيه الشروط العلمية والبيداغوجية اللازمة، دون أن يفرض عليه التخلي عن مهنته الأصلية. وهو ما يفتح المجال أمام تداول الخبرات بين الجامعة والممارسة المهنية، ويعزز وحدة الحقل القانوني، بحيث تستفيد الجامعة من التجربة العملية للمحامي، كما تستفيد الممارسة المهنية من العمق العلمي والتحليل الأكاديمي الذي يوفره الانخراط في البحث والتدريس.

    وفي هذا الإطار، يبرز السؤال حول مدى انسجام الإبقاء على حالة التنافي مع طبيعة وظيفة الأستاذ الباحث، ومع فلسفة مهنة المحاماة ذاتها، ومع الاتجاهات المقارنة التي لا تعتبر الجمع بين المهنتين إخلالا باستقلال المهنة أو بمقتضياتها الأخلاقية، بل تعتبره رافعة لتطوير البحث العلمي وتحسين جودة الممارسة المهنية والارتقاء بمنظومة العدالة برمتها.

    أولا: الجذور التاريخية للعلاقة بين الأستاذية والمحاماة في التشريع المغربي

    يرتبط النقاش حول الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي بتاريخ التشريع المغربي المنظم للمهنة، والذي قام، منذ الاستقلال، على الاعتراف بخصوصية الأستاذ الجامعي في الحقوق، سواء من حيث الولوج إلى المهنة أو من حيث عدم قيام حالة التنافي بين التدريس الجامعي والمحاماة.

    فقد نص الظهير الشريف رقم 1.59.102 بشأن تنظيم هيئات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة الصادر سنة 1959، في الفقرة الثانية من الفصل 48، على أنه:

    “تتنافى مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية أو القضائية وكذا مع أية مهمة يعهد بها من طرف القضاء ولاسيما مهمة خبير.

    غير أنها لا تتنافى مع وظيفة أستاذ أو مکلف بدروس في الحقوق في الكليات أو المدارس ووظيفة نائب قاضي صلح بلا مرتب، على أن المحامي الذي يمارس وظيفة نائب قاضي الصلح لا يجوز له أن يقوم بأي إجراء من إجراءات مهنته لدى القسم الذي يترأسه بمحكمة الصلح.

    كما أن مهنة المحاماة لا تتنافي مع ممارسة أية وظيفة سياسية سواء كانت بمرتب أو بغير مرتب کوظيفة وزير أو عضو في الدواوين الوزارية أو مدير إدارة مركزية أو أية مهمة أخرى تكتسي نفس الصبغة، ويبقى المحامي الذي تناط به إحدى هذه الوظائف السياسية مقيدا في الجدول بحسب رتبة أقدميته، لكنه لا يجوز له أن ينتصب أو يمثل أو يدافع أمام القضاء“.

    كما كرس القانون رقم 19.79 المنظم لنقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة هذا التوجه بشكل أكثر وضوحا، إذ نص الفصل 19 منه على إعفاء أساتذة كليات الحقوق الذين زاولوا التدريس لمدة معينة من التمرين ومن شهادة الأهلية لمزاولة المهنة، حيث ورد فيه ما يلي: حيث ورد فيهما ما يلي:

    ” يعفى من التمرين ومن شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة:

    1- قدماء القضاة من الدرجة الثانية أو من درجة تفوقها غير الحاصلين على الإجازة في الحقوق والذين تم قبول طلبهم بالإحالة إلى التقاعد أو قدموا استقالتهم بشرط أن يكون الغرض من هذه الاستقالة الحصول على التقييد في إحدى نقابات المحامين وقبلت استقالتهم من طرف المجلس الأعلى للقضاء؛

    -2قدماء القضاة الذين قضوا ست سنوات على الأقل في مزاولة المهام القضائية بعد حصولهم على الإجازة في الحقوق وقبلت استقالتهم من المجلس الأعلى للقضاء لأجل الحصول على التقييد في إحدى نقابات المحامين؛

    3- قدماء المحامين الذين سبق تقييدهم مدة خمس سنوات على الأقل بدون انقطاع في جدول نقابة أو عدة نقابات للمحامين بالمغرب أو نقابة أو عدة نقابات للمحامين بإحدى الدول الأجنبية التي أبرمت مع المغرب اتفاقية دولية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بمزاولة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى؛

    4- أساتذة كرسي الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس مدة خمس سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغرب.

    كما نص الفصل 77 من نفس القانون على أن مهنة المحاماة لا تتنافى مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات، حيث ورد فيها ما نصه:

    تتنافي مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكذا مع كل مهمة يكلف بها من طرف القضاء ولاسيما مهمة خبير.

    غير أنها لا تتنافى مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات ومع العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا.

    وقد استمر هذا التعايش بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي بالمغرب إلى غاية سنة 1993، حيث سيكرس المشرع المغربي ولأول مرة حالة التنافي بين المهنتين بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وذلك في مادتيه 7 و9 و18.

    وهكذا، فقد كرست المادة 7 من الظهير المذكور حالة التنافي بين جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكل مهمة يكلف بها المحامي من قبل القضاء، دون أي استثناء يتعلق بالتدريس الجامعي حيث ورد فيها:

    ” تتنافى مهنة المحاماة مع كل نشاط من شأنه أن يمس باستقلال المحامي والطبيعة الحرة للمهنة، وخاصة:

    (..)

    5- جميع الوظائف الإدارية والقضائية، وكل مهمة يقع التكليف بها من طرف القضاء.”

    وجاءت المادة 9 من نفس الظهير لتسقط التدريس بكليات الحقوق من قائمة المهام التي لا تتنافى مع مزاولة مهنة المحاماة، إذ نصت على ما يلي:

    ” لا تتنافى مهنة المحاماة مع:

    1- العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا؛

    2- العضوية في المجلس الإداري لشركة“.

    أما المادة 18، فقد جاءت لتضع حدا صريحا لحق للأساتذة الجامعيين في الجمع بين المهنتين، إذ ألزمتهم بالاستقالة أو الإحالة على التقاعد قبل الانخراط في ممارسة المحاماة، مع إعفائهم من شهادة الأهلية أو فترة التمرين، شريطة استكمال ثماني سنوات في التدريس بعد الترسيم، حيث نصت على أنه:

    “يعفى من الحصول على شهادة الأهلية لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين:

    (..)

    4- أساتذة التعليم العالي الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس مدة ثماني سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغربـ وذلك بعد قبول استقالتهم أو إحالتهم إلى التقاعد.”

    أما القانون رقم 28.08 الجاري به العمل حاليا، فقد حافظ على المبادئ التي أرساها الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر سنة 1993، إذا كرس بدوره حالة التنافي بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة في المواد 7 و9 و18، بل إن هذا القانون جاء بشروط إضافية في المادة 18، إذ ألزم الأستاذ الجامعي الذي يرغب في الانخراط في المحاماة بعد إحالته إلى التقاعد أو استقالته، بقضاء تدريب مدته ستة أشهر بمكتب محامي يعينه النقيب، وذلك قبل فتح مكتبه الخاص.

    ثانيا: الأساس القانوني الداعم للجمع بين المهنتين

    لا يقوم الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي على اعتبارات تشريعية تاريخية فقط، بل يجد أساسه كذلك في قراءة منسجمة لمقتضيات قانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، بما يفيد عدم قيام أي مانع قانوني يحول دون الجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي في القانون.

    فإذا كان الفصل 15 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ينص، من حيث المبدأ، على منع الموظف من مزاولة أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر دخلا، فإنه استهل هذا المنع بعبارة ذات دلالة حاسمة هي: “مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات“، بما يفيد أن المشرع لم يقرر حظرا مطلقا، وإنما وضع قاعدة عامة ترد عليها استثناءات مرتبطة بخصوصية بعض الهيئات والأنظمة الأساسية الخاصة.1

    وهذا الاستثناء ليس هامشيا، بل يعكس اعتراف المشرع بإمكان خروج بعض الفئات، بحكم طبيعة وظائفها، عن المنع العام، متى وجد لذلك سند قانوني خاص. وهي حالة هيئة الأساتذة الباحثين، التي تخضع لنظام أساسي خاص يكرس خصوصيتها الوظيفية والعلمية.

    ويتعزز هذا التصور بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لوضعية الأستاذ الباحث، باعتبارها تختلف عن سائر الوظائف الإدارية التقليدية، من حيث تنظيم الزمن المهني، وطبيعة الالتزامات الوظيفية، وارتباط الوظيفة الجامعية في جوهرها بالإنتاج العلمي والانفتاح على محيطها المهني والمؤسساتي. لذلك ظل التدريس الجامعي، بخلاف الوظائف الإدارية المحضة، ذو قابلية للارتباط بأنشطة علمية أو مهنية متصلة بطبيعة التخصص، ومنها المهن القانونية.

    كما أن المحاماة، بالنسبة لأستاذ القانون، لا تشكل نشاطا أجنبيا عن الوظيفة أو منافسا لها، وإنما تعد امتدادا طبيعيا لها، باعتبارها ممارسة مهنية متفرعة عن ذات الحقل المعرفي الذي يدرسه ويبحث فيه. ومن ثم، فإنها تدخل ضمن منطق التكامل الوظيفي لا منطق التنافي.

    ويتعزز هذا الطرح بما ورد في المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، التي أسندت صراحة إلى الأساتذة الباحثين، ضمن مهامهم، القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل2.

    ودلالة هذا المقتضى تتجاوز مجرد السماح بأنشطة عرضية موازية، إذ يكشف أن المشرع لا يتصور الأستاذ الباحث في وضع انغلاق مهني أو تفرغ يحول دون انخراطه في الممارسة التطبيقية المرتبطة بتخصصه، بل يعتبر الانفتاح على الخبرة والاستشارة جزءا من وظائفه الأصلية.

    وإذا كانت الخبرة والاستشارة القانونية، بنص هذا المرسوم، تدخلان ضمن المهام الموكولة للأستاذ الباحث، فإن منطق الأشياء يقتضي أن الممارسة المهنية للمحاماة– باعتبارها أعلى صور الممارسة التطبيقية للمعرفة القانونية– لا يمكن النظر إليها، من حيث المبدأ، باعتبارها غريبة عن طبيعة هذه الوظيفة أو منافية لها، بل تدخل في الامتداد الطبيعي لها، ما دام ممارستها تتم مع احترام الضوابط الأخلاقية ومتطلبات استقلال المهنة وسير المرفق العام.

    ويزداد هذا التأويل قوة إذا استحضرنا أن مقتضيات التنافي في الوظيفة العمومية تروم حماية غايات محددة، أهمها منع تضارب المصالح، وضمان حياد الموظف، وصيانة السير العادي للمرفق العام، وهي اعتبارات يمكن كفالتها بقواعد التأطير الأخلاقي والتنظيمي، دون أن تستوجب تقرير منع تشريعي مطلق للجمع بين المهنتين.

    بل إن القراءة المنسجمة للفصل 15 مكرر مع المادة 4 المذكورة تقود إلى نتيجة مؤداها أن الوضع القانوني الحالي لا يتضمن حظرا صريحا على هذا الجمع، بل يتضمن، على العكس، مؤشرات تشريعية داعمة لإمكانه، بالنظر إلى خصوصية هيئة الأساتذة الباحثين.

    ومن ثم، فإن الجمع بين المهنتين لا يشكل استثناء على قواعد الوظيفة العمومية، وإنما ينسجم مع بنيتها ذاتها، ويترجم ما تسمح به نصوصها العامة والخاصة، مع إعادة التوازن بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في القانون في إطار من التكامل لا التنافي.

    ثالثا: التدريس الجامعي لا يشكل حالة تناف مع المحاماة

    إن المتفحص في المقتضيات المنظمة لحالة التنافي في إطار القانون المنظم لمهنة المحاماة، سواء في القانون الحالي رقم 28.08 أو في إطار مشروع القانون رقم 66.23، سيقف على أن الأمر يتعلق إما بمهن ووظائف وأعمال تمس استقلالية المحامي بشكل مباشر، أو بمهن ووظائف تقتضي تفرغا كاملا لممارستها، بحيث يستحيل الجمع بينها وبين ممارسة المحاماة دون الإخلال بالالتزامات المفروضة بموجب إحدى المهنتين.

    ومن هذا المنطلق، فإن ممارسة المحامي لمهنة التدريس الجامعي لا تشكل أي تهديد لاستقلاليته المهنية، إذ لا تفرض قيودا على قراراته ولا على ممارسة مهامه القانونية بشكل مستقل، كما أنها لا تخلق تضارب مصالح من شأنه أن يحد من حرية التصرف المهني، وهو المعيار الأساسي الذي يستند إليه عند تقرير حالة التنافي.

    ويزداد الأمر وضوحا عند النظر إلى أن القانون المنظم لمهنة المحاماة يسمح صراحة بالتدريس العرضي في الجامعات، ما يشير إلى أن التدريس الجامعي بطبيعته لا ينطوي على أي تعارض أو مساس بالمبادئ المؤطرة لمهنة المحاماة، ما دام الالتزام بالضوابط الأخلاقية والمهنية محفوظا. وهذا الواقع يؤكد أن الجمع بين المهنتين لا يمس بالاستقلالية المهنية، ويؤكد المنطق القانوني القائم على أن التنافي ينطبق فقط على الوظائف التي تؤثر مباشرة على حرية المحامي في اتخاذ قراراته، أو تتطلب تفرغا كاملا يجعل الجمع مستحيلا، وهو ما لا ينطبق على التدريس الجامعي.

    رابعا: إيجابيات متعددة للتكامل بين المهنتين

    إن اعتبار ممارسة الأستاذ الجامعي لمهامه العلمية بصورة أصلية أو قارة حالة تناف مع المحاماة يفتقر إلى مبرر موضوعي، لكون التدريس الجامعي في القانون ليس نشاطا تجاريا ولا مهنة حرة منافسة، ولا وظيفة تمس باستقلال المحامي أو حياده، بل هو امتداد طبيعي للرسالة العلمية والفكرية التي تقوم عليها المحاماة ذاتها.

    فالجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي في القانون من النماذج المهنية المتميزة التي تجمع بين النظرية والتطبيق، وتسهم في الارتقاء بجودة التكوين القانوني وتعزيز فعالية الممارسة المهنية. فكل من المهنة الأكاديمية والممارسة العملية تغني الأخرى، وتخلق تكاملا معرفيا ومهنيا يعود بالنفع على الأستاذ والطالب والمتقاضي، بل وعلى منظومة العدالة برمتها، وهو ما يبرز من خلال النقط التالية:

    1- التكامل بين النظرية والتطبيق

    تعنى الجامعة بتأصيل المفاهيم وبناء التصورات النظرية وتحليل النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، بينما تجسد المحاماة الجانب العملي للنصوص في ساحات المحاكم وأروقة العدالة. وعندما يجمع الشخص بين الصفتين، فإنه يضفي على دروسه بعدا تطبيقيا حيا، فيربط القواعد القانونية بواقع النزاعات، ويثري المحاضرات بأمثلة واقعية وتجارب عملية.

    كما أن الاحتكاك اليومي بالمحاكم، لاسيما بمحكمة النقض، يمكن الأستاذ المحامي من مواكبة أحدث التوجهات والاجتهادات القضائية، ونقلها مباشرة إلى الطلبة، مما يعزز قدرتهم على فهم القانون في حركيته لا في جموده النصي فقط.

    2- الارتقاء بجودة البحث العلمي وبالأداء المهني لمنتسبي العدالة

    يساهم الانخراط في الممارسة المهنية في إغناء البحث العلمي إسهاما مباشرا وملموسا، إذ إن القضايا المعروضة على المحاكم تفرز باستمرار إشكالات واقعية معقدة لا تكشفها الدراسة النظرية المجردة للنصوص القانونية. هذه الإشكالات تشكل بدورها أرضية خصبة للتفكير الأكاديمي، لأنها تدفع الباحث إلى إعادة قراءة النصوص القانونية في ضوء الواقع العملي، وإعادة مساءلة بنياتها المفاهيمية، وتحليل مكامن القصور أو الغموض أو التعارض التي قد تعتريها، واقتراح حلول تفسيرية أو تشريعية بديلة أكثر ملاءمة لاحتياجات العدالة.

    وفي هذا الإطار، فإن المحامي الذي يجمع بين الممارسة والتدريس يكون أكثر قدرة على التقاط هذه الإشكالات في لحظتها العملية، وأكثر دقة في استشعار مواطن الضعف أو النقص في المنظومة التشريعية، أو التباين في الاجتهاد القضائي بين مختلف الجهات القضائية. وهو ما ينعكس بشكل مباشر على إنتاجه العلمي، حيث تتسم أبحاثه ودراساته بقدر أكبر من العمق، وبنزعة تطبيقية واقعية تجعلها أكثر ارتباطا بمشاكل العدالة الفعلية، وأقرب إلى إيجاد حلول عملية قابلة للتنزيل.

    وفي المقابل، فإن التكوين الأكاديمي الرصين يشكل رافعة أساسية لتجويد الأداء المهني للمحامي، إذ يمنحه أدوات التحليل القانوني المنهجي، ويكسبه قدرة أعلى على التأصيل الفقهي للنصوص، وعلى بناء الحجج القانونية بشكل متسلسل ومتماسك. كما ينعكس هذا التكوين على جودة المذكرات والمرافعات التي يقدمها، حيث تصبح أكثر دقة في الصياغة، وأقوى في التعليل، وأعمق في الاستناد إلى الفقه والاجتهاد القضائي.

    ويترتب عن هذا التفاعل المتبادل بين المعرفة النظرية والممارسة العملية أثر إيجابي مزدوج، يتمثل من جهة في تطوير البحث العلمي القانوني ليصبح أكثر ارتباطا بالواقع، ومن جهة أخرى في الارتقاء بجودة العمل المهني والقضائي، سواء على مستوى مذكرات الدفاع أو على مستوى التعليل القضائي للأحكام، بما يسهم في تحسين جودة العدالة ككل.

    3- تكوين جيل من القانونيين ذوي الكفاءة

    يقدم الأستاذ/المحامي للطلبة نموذجا مهنيا يحتذى، إذ يجسد صورة القانوني الممارس الواعي بأبعاد القانون النظرية والعملية معا. فهو لا يكتفي بشرح النصوص القانونية في بعدها التجريدي، ولا يقف عند حدود التفسير النظري لمضامينها، بل يعمل على ربطها مباشرة بالواقع القضائي والمهني من خلال استحضار الملفات والنزاعات العملية التي تبرز كيفية تطبيق هذه النصوص أمام المحاكم.

    ومن خلال هذا التفاعل الحي بين النص والواقع، يضع الطلبة أمام تطبيقات عملية ملموسة تكشف لهم كيفية اشتغال القاعدة القانونية في السياق العملي، وما قد يعتريها من صعوبات في التفسير أو التعارض أو القصور التشريعي. وهذا الأسلوب في التكوين لا يرسخ فقط الفهم السليم للقانون، بل يسهم أيضا في تنمية الحس النقدي لدى الطلبة، حيث يدفعهم إلى مساءلة النصوص القانونية، وتحليل مدى نجاعتها وفعاليتها، واقتراح تأويلات أو بدائل أكثر ملاءمة للواقع العملي ومتطلباته.

    وبذلك يتحول الدرس الجامعي من مجرد نقل للمعرفة النظرية إلى فضاء للتفكير القانوني النقدي والإبداعي، يعد الطالب لممارسة مهنية واعية، قادرة على الجمع بين الدقة العلمية والفعالية العملية في آن واحد.

    كما أن إشراف الأستاذ/المحامي على بحوث الإجازة والماستر والدكتوراه يكون أكثر ارتباطا بالإشكالات الواقعية التي تفرزها الممارسة القضائية وأروقة المحاكم، مما يضفي على البحث الجامعي طابعا تطبيقيا، ويسهم في تجديد الفكر القانوني وإغناء النقاش الفقهي والقضائي.

    4- الإسهام في تطوير المنظومة القانونية

    إن التفاعل المستمر بين الجامعة والمحكمة يخلق دينامية إيجابية عميقة الأثر في تطوير التشريع والاجتهاد القضائي، ذلك أن هذا التفاعل لا يقتصر على تبادل معرفي نظري، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر حقيقي بين إنتاج المعرفة القانونية في الفضاء الأكاديمي وبين تطبيقها العملي داخل المنظومة القضائية. وفي هذا السياق، يبرز دور الأستاذ/المحامي باعتباره فاعلا مزدوج الانتماء، يجمع بين الحس العلمي القائم على التحليل والتجريد، والخبرة المهنية المستمدة من الممارسة اليومية أمام المحاكم.

    فهذا التموقع المزدوج يؤهله لأن يكون حلقة وصل فعالة بين البحث العلمي وصناع القرار التشريعي والقضائي، إذ يكون قادرا على نقل الإشكالات الحقيقية التي تفرزها القضايا المعروضة على المحاكم إلى الفضاء الأكاديمي، حيث يتم تحليلها وتأصيلها واقتراح حلول لها في إطار من البحث العلمي الرصين. وفي المقابل، يتيح له انخراطه في الوسط الجامعي تحويل هذه الخلاصات العلمية إلى مقترحات عملية قابلة للتنزيل داخل المنظومة التشريعية والقضائية.

    كما أن هذا التفاعل المستمر يمكن الأستاذ/المحامي من تقديم اقتراحات عملية دقيقة، لا تنبع من مجرد تصورات نظرية، بل تستند إلى معطيات ميدانية واقعية مستخلصة من الممارسة اليومية، مما يجعلها أكثر قابلية للتطبيق وأكثر قدرة على معالجة الإشكالات التشريعية والعملية التي قد تعتري النصوص القانونية.

    وبهذا المعنى، يصبح الأستاذ/المحامي فاعلا محوريا في تطوير المنظومة القانونية، ليس فقط من خلال تفسير النصوص أو تطبيقها، بل أيضا من خلال المساهمة في إعادة صياغتها وتجويدها، بما يحقق الانسجام بين النص القانوني والواقع العملي، ويعزز جودة العدالة وفعالية التشريع.

    خامسا: المرجعية الدولية والتجارب المقارنة: داعم أساسي للجمع بين المحاماة والتدريس الجامعي

    يجد الجمع بين مهنة التدريس الجامعي ومهنة المحاماة سنده كذلك في المرجعيات الدولية ذات الصلة بالتعليم العالي، إذ أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، في إطار توصيتها بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي المعتمدة من طرف المؤتمر العام المنعقد في دورته التاسعة والعشرين ما بين 21 أكتوبر/12 نوفمبر 1997 بباريس، على حق أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم الجامعية، خاصة الأنشطة التي من شأنها تعزيز مهاراتهم المهنية أو تمكينهم من تطبيق معارفهم الأكاديمية على مشكلات المجتمع. كما شددت التوصية على أن ممارسة هذه الأنشطة تظل مشروعة ما دامت لا تتعارض مع الالتزامات الأصلية للأساتذة تجاه مؤسساتهم الجامعية، ووفقا للقوانين والأنظمة الوطنية المعمول بها.

    وهكذا، نصت الفقرة 30 من هذه التوصية على ما يلي:

    “ينبغي أن يتمتع أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي بالحق في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم، لاسيما الأنشطة التي تعزز مهاراتهم المهنية أو تمكنهم من تطبيق المعارف على مشكلات المجتمع المحلي، شريطة عدم تعارض هذه الأنشطة مع التزاماتهم الأصلية إزاء المؤسسات التي يعملون معها بصورة رئيسية، وذلك وفقا للسياسات والأنظمة المؤسسية أو للقوانين والممارسات الوطنية إذا وجدت“.

    ويبرز من خلال هذه التوصية أن المرجعية الدولية لا تنظر إلى الانخراط المهني للأساتذة الجامعيين باعتباره وضعية تناف أو إخلالا بواجباتهم الوظيفية، بل تعتبره وسيلة لتقوية الصلة بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي والمهني، وآلية لتطوير جودة التكوين والبحث العلمي والخبرة التطبيقية.

    وانسجاما مع هذا التوجه، يكشف استقراء عدد من التشريعات المقارنة أن العديد من الأنظمة القانونية لا تعتبر الجمع بين مهنة الأستاذ الجامعي في القانون وممارسة المحاماة حالة تناف، بل تنظر إليه باعتباره مظهرا من مظاهر التكامل بين البحث العلمي والممارسة المهنية، ومصدرا لإثراء المهنتين وتجويد أداء الجامعة والعدالة معا. فالأستاذ الممارس للمحاماة يكتسب، من خلال احتكاكه اليومي بالواقع العملي للقانون، خبرة تطبيقية تغني تدريسه وبحثه العلمي، كما تستفيد الممارسة المهنية بدورها من العمق النظري والمنهجي الذي يوفره التكوين الأكاديمي. ونورد فيما يلي بعض النماذج من التشريعات الغربية والتشريعات العربية على سبيل المثال لا الحصر:

    1: التشريعات الغربية

    ففي القانون الفرنسي، نص المرسوم رقم 2023-552 بتاريخ 30 يونيو 2023 بشأن مدونة أخلاقيات المحامين، في المادة 21، على ما يلي:

    La profession d’avocat est incompatible avec l’exercice de toute autre profession, sous réserve de dispositions législatives ou réglementaires particulières.

    La profession d’avocat est compatible avec les fonctions d’enseignement, les fonctions de collaborateur de député ou d’assistant de sénateur, de membre assesseur des tribunaux pour enfants ou des tribunaux paritaires de baux ruraux, de conseiller prud’homme, de membre du pôle social du tribunal judiciaire, avec les fonctions juridictionnelles limitativement prévues par le code de l’organisation judiciaire, ainsi qu’avec celles d’arbitre, de médiateur ou de séquestre.

    ويكشف هذا النص أن المشرع الفرنسي، رغم إقراره المبدئي بحالة التنافي بين المحاماة وبعض الأنشطة الأخرى، عاد ليستثني صراحة وظائف التدريس من هذا المنع، بما يعكس إدراكا تشريعيا لخصوصية الوظيفة التعليمية وعلاقتها العضوية بالممارسة القانونية.

    بل إن التشريع الفرنسي يذهب أبعد من ذلك ويذهب التشريع الفرنسي أبعد من ذلك، ويضع بمقتضى قانون الوظيفة العامة الفرنسي، مبدأ عاما بموجبه لا تتنافى أعمال التدريس مع المهن الحرة المنبثقة عن طبيعة مهام التدريس، حيث تنص المادة L123-3 من القانون العام للوظيفة العمومية الفرنسي على ما يلي:

    L’agent public membre du personnel enseignant, technique ou scientifique des établissements d’enseignement ou pratiquant des activités à caractère artistique peut exercer les professions libérales qui découlent de la nature de ses fonctions.

    ودلالة هذا النص أن المشرع الفرنسي لا يعتبر المهن الحرة المرتبطة بطبيعة الوظيفة التعليمية خروجا عن مقتضيات الوظيفة العمومية، وإنما امتدادا طبيعيا لها، وهو ما يشكل أساسا قانونيا داعما للجمع بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية للمحاماة.

    أما في القانون البلجيكي، فإن مدونة أخلاقيات المحاماة تعتمد بدورها مقاربة مرنة تقوم على حماية استقلال المحامي دون منع الجمع بصورة مطلقة. فقد نصت المادة 2.4 على ما يلي:

    L’avocat qui exerce une autre activité dans les liens d’un contrat de travail ou d’un statut, ne peut intervenir pour son employeur ou contre celui-ci. Cette interdiction s’étend aux avocats avec lesquels il exerce en commun la profession et à ses stagiaires.

    غير أن المادة 2.5 من نفس المدونة جاءت لتقرر استثناء واضحا لفائدة التدريس، حيث نصت على ما يلي:

    Par dérogation à l’article précédent, l’avocat qui exerce une activité d’enseignement est autorisé à intervenir pour l’établissement dans lequel il enseigne, sauf si son indépendance risque d’être mise en péril.

    ويبرز من خلال هذا التنظيم أن المشرع البلجيكي لم يعتبر التدريس في ذاته نشاطا منافيا للمحاماة، بل تعامل معه باعتباره نشاطا مشروعا ما دام لا يؤدي إلى الإخلال باستقلال المحامي أو خلق حالة فعلية من تضارب المصالح.

    وفي إيطاليا، كرس القانون رقم 247 الصادر بتاريخ 31 ديسمبر 2012 والمتعلق بالتنظيم الجديد لمهنة المحاماة، مبدأ التوافق بين المحاماة والتدريس أو البحث العلمي. فقد نصت المادة 19 المتعلقة بـ “استثناءات قواعد عدم التوافق” على ما يلي:

    1– In deroga a quanto stabilito nell’articolo 18, l’esercizio della professione di avvocato è compatibile con l’insegnamento o la ricerca in materie giuridiche nell’università, nelle scuole secondarie pubbliche o private parificate e nelle istituzioni ed enti di ricerca e sperimentazione pubblici.

    2- I docenti e i ricercatori universitari a tempo pieno possono esercitare l’attività professionale nei limiti consentiti dall’ordinamento universitario. Per questo limitato esercizio professionale essi devono essere iscritti nell’elenco speciale, annesso all’albo ordinario.

    3- È fatta salva l’iscrizione nell’elenco speciale per gli avvocati che esercitano attività legale per conto degli enti pubblici con le limitate facoltà disciplinate dall’articolo 23.

    استثناء مما هو منصوص عليه في المادة 18، فإن ممارسة مهنة المحاماة تكون متوافقة مع التدريس أو البحث العلمي في المواد القانونية داخل الجامعة، أو في المدارس الثانوية العمومية أو الخاصة المعادلة، وكذلك في مؤسسات وهيئات البحث والتجربة العامة.

    ويجوز للأساتذة والباحثين الجامعيين المتفرغين (بدوام كامل) ممارسة النشاط المهني في الحدود التي يسمح بها النظام الجامعي. وبالنسبة لهذا الممارسة المهنية المحدودة، يجب تسجيلهم في قائمة خاصة ملحقة بالجدول العام للمحامين.

    كما يحفظ حق التسجيل في القائمة الخاصة للمحامين الذين يمارسون النشاط القانوني لصالح الهيئات العامة، مع الصلاحيات المحدودة المنصوص عليها في المادة 23.“

    ويكشف هذا النص بوضوح، أن المشرع الإيطالي لا يكتفي بالإقرار النظري بإمكان الجمع بين المهنتين، بل ينظم هذا الجمع بصورة صريحة، بما يسمح للأساتذة والباحثين الجامعيين بممارسة النشاط المهني في الحدود التي يحددها النظام الجامعي، وهو ما يعكس فلسفة تشريعية قائمة على التأطير والتنظيم بدل المنع المطلق.

    أما التجربة الإنجليزية، فتقوم على مقاربة مختلفة، حيث لا ينظم الجمع بين مهنة المحاماة والأنشطة الأخرى مثل التدريس أو البحث العلمي من خلال قائمة تشريعية لحالات التنافي، كما هو الحال في الأنظمة اللاتينية، بل يعتمد النظام على مبدأ التنظيم القائم على المبادئ(principles-based regulation) .

    ويستند هذا الإطار أساسا إلى Legal Services Act 2007 وإلى قواعد السلوك المهني الصادرة عن الهيئات المنظمة للمهنة Bar Standards Board وSolicitors Regulation Authority ووفقا لهذه المنظومة، يسمح للمحامي (سواء كان Barrister أوSolicitor ) بممارسة أنشطة مهنية خارج نطاق عمله القانوني، بشرط احترام الواجبات الأساسية مثل الحفاظ على الاستقلال المهني، وتجنب تضارب المصالح، وعدم الإخلال بالثقة العامة في المهنة، وضمان الكفاءة في أداء العمل القانوني.

    وعلى هذا الأساس، يعد التدريس الجامعي والبحث الأكاديمي والاستشارات غير القضائية أنشطة جائزة للمحامي في بريطانيا، ليس بنص إباحة صريح، وإنما باعتبارها تدخل ضمن مفهوم “العمل الخارجي” المسموح به ما دام لا يتعارض مع هذه المبادئ الجوهرية.

    2: التشريعات العربية

    وعلى المستوى العربي، تبرز عدة تشريعات اتجهت بدورها إلى استثناء أساتذة القانون من حالات المنع أو التنافي. ففي مصر، نصت المادة 14 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 على أنه:

    “لا يجوز الجمع بين المحاماة والأعمال الآتية:

    (…) 3 – الوظائف العامة في الحكومة والهيئات العامة والإدارة المحلية. والوظائف في شركات القطاع العام أو الوظائف الخاصة، فيما عدا العمل بالإدارة القانونية المصرح لها بذلك طبقا لأحكام هذا القانون، وفيما عدا أساتذة القانون في الجامعات المصرية في الحالات التي يجيزها هذا القانون.

    ولا تعد العضوية في اللجان الحكومية العلمية أو المؤقتة أو القيام بمهام ذات صفة عرضية لا تستغرق أكثر من ستة شهور أو الندب لتدريس القانون في الجامعات والمعاهد العليا وظيفة يحظر معها الجمع بينها وبين المحاماة.

    وباستثناء ما ورد بالبند (3)، يشترط التفرغ للمحاماة.”

    ويعزز هذا التوجه ما نصت عليه المادة 39 من نفس القانون، حيث جاء فيها:

    “يشترط لقبول طلب القيد بجدول المحامين أمام محكمة النقض أن يكون طالب القيد من الفئات الآتية:

    (..) 2- الشاغلون لوظيفة أستاذ في مادة القانون بالجامعات المصرية.“

    ويكشف هذا المقتضى عن المكانة الخاصة التي يمنحها المشرع المصري لأساتذة القانون، واعتباره الكفاءة الأكاديمية القانونية مؤهلا مهنيا رفيعا يبرر الاستفادة من وضع خاص داخل المهنة.

    أما القانون الأردني، فقد نص في المادة 11 من قانون نقابة المحامين النظاميين على ما يلي:

    “1- لا یجوز الجمع بین المحاماة وما یلي:

    (..).

    ج– الوظائف العامة أو الخاصة الدائمة والمؤقتة براتب أو مكافأة عدا من یتولى من المحامین الأساتذة أعمال المحاماة في مؤسسة رسمیة أو شبه رسمیة أو شركة.

    (…)

    و– جمیع الأعمال التي تتنافى مع استقلال المحامي، أو التي لا تتفق مع كرامة المحاماة

    -2لا تسري أحكام هذه المادة على الاشتغال بالصحافة الحقوقیة والثقافیة وعضویة المجالس التمثیلیة وعضویة هيئات التدریس في كلیات الحقوق الأردنية أو العمل في نقابة المحامین بتفرغ كامل أو جزئي.“

    وهو ما يشكل استثناء تشريعيا صريحا لفائدة أساتذة القانون.

    كما تبنى المشرع الإماراتي بدوره توجها مماثلا، إذ نصت المادة 21 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2022 في شأن تنظيم مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية بدولة الإمارات العربية المتحدة على ما يلي:

    “لا يجوز الجمع بين القيد في جداول المحامين المشتغلين، وبين ممارسة أي عمل من الأعمال الآتية:-

    (..) 3– الوظيفة العامة، ويجوز للجنة وفقا لما تحدده اللائحة التنفيذية لهذا المرسوم بقانون استثناء أعضاء هيئة تدريس القانون أو الشريعة والقانون بإحدى الجامعات أو الكليات من مواطني الدولة من حملة درجة الدكتوراة.

    وفي الجزائر، جاء الموقف أكثر وضوحا، حيث نصت المادة 27 من القانون رقم 13-07 المؤرخ في 24 ذي الحجة 1434 الموافق ل 29 أكتوبر 2013 المتضمن لتنظيم مهنة المحاماة على ما يلي:

     تتنافى ممارسة مهنة المحاماة مع ممارسة الوظائف الإدارية أو القضائية ومع كل عمل إداري أو إدارة أو تسيير شركة أو مؤسسة سواء كانت تابعة للقطاع العام أو للقطاع الخاص و مع كل نشاط تجاري أو صناعي و كل عمل ينطوي على علاقة التبعية.

    لا يمكن المحامي العضو بالبرلمان أو المنتخب المنتدب أن يمارس خلال عهدته الانتخابية مهنة المحاماة.

    لا تتنافى مهنة المحاماة مع وظائف التدريس في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

    كما تبنت التشريعات السورية والسودانية والقطرية الاتجاه نفسه. فقد نصت المادة 11 من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 بتاريخ 11 يوليوز 2010 على استثناء “أساتذة الجامعات” من حالات المنع، حيث ورد فيها أنه:

    “أ– لا يجوز الجمع بين عضوية النقابة وما يلي:

    1- الوظائف العامة أو الخاصة دائمة كانت أو مؤقتة براتب أو تعويض مهما كان نوعها ويستثنى من ذلك أساتذة الجامعات والمحامون العاملون في الصحافة الحقوقية والمحامون المكلفون من نقابة المحامين العمل في إدارة هذه النقابة ومنظماتها“.

    كما نصت المادة 25 من قانون المحاماة السوداني على استثناء “أعضاء هيئة تدريس القانون في أية جامعة في جمهورية السودان”، حيث تمنت ما يلي:

    1– لا يجوز الجمع بين المحاماة وبين ما يأتي:

    (..) ج) التوظيف لدى الأفراد أو في أية جهة حكومية كانت أو غير حكومية بما في ذلك التوظيف في الجمعيات أو الشركات أو الهيئات أو المؤسسات بوجه عام ، ويستثنى من ذلك رئيس أو عضو مجلس الإدارة في الجهات المذكورة وكذلك محاميها أو مستشارها القانوني أن لم يكن له عمل آخر فيها يتقاضى عنه أجرا ويستثنى كذلك أعضاء هيئة تدريس القانون في أية جامعة في جمهورية السودان .

    بينما نصت المادة 19 من قانون المحاماة القطري رقم (23) لسنة 2006 المحاماة على ما يلي:

    “لا يجوز الجمع بين مزاولة المهنة والأعمال الآتية :

    (…) 4- الاشتغال بأي عمل يتنافى مع كرامة المحامي، أو لا يتفق مع مقتضيات المهنة. ويستثنى من حكم عدم الجمع، أعضاء هيئة التدريس القطريين الحاصلين على درجة الدكتوراه، الذين يقومون بتدريس القانون في إحدى الجامعات المعترف بها.“

    ويستفاد من مجمل هذه النماذج المقارنة أن الاتجاه التشريعي الغالب لم يعد يقوم على الفصل الجامد بين الجامعة والمحاماة، وإنما على اعتبار الجمع بينهما قيمة مضافة للمهنة وللعدالة وعلى بناء علاقة تكامل بين المجالين، قوامها الاستفادة المتبادلة بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية. كما تكشف هذه التشريعات أن معيار التنافي الحقيقي لا يرتبط بمجرد ممارسة نشاط مواز، وإنما بمدى تأثير ذلك النشاط على استقلال المحامي أو نزاهته أو تفرغه بصورة تجعل الجمع مستحيلا. ومن ثم، فإن التدريس الجامعي في القانون لا يقدم في التجارب المقارنة باعتباره نشاطا منافيا للمحاماة، بل باعتباره قيمة مضافة تسهم في تطوير البحث العلمي، وتحسين جودة التكوين، والرفع من مستوى الممارسة المهنية والقضائية.

    وبناء عليه، فإن إتاحة الجمع بين المهنتين لا ينسجم فقط مع المرجعية الوطنية التاريخية، بل يقرب التشريع المغربي من اتجاه تشريعي مقارن واسع، يقوم على اعتبار الأستاذ المحامي رافعة لتطوير المهنة، لا حالة تناف ينبغي تقييدها.

    سادسا: أعلام الفقه القانوني المغربي والمقارن شواهد حية على تكامل الأستاذية والمحاماة

    إن عدم اعتبار الجمع بين مهنة الأستاذ الجامعي في القانون ومهنة المحاماة حالة تناف، لا تؤكده النصوص المقارنة فحسب، بل يعززه كذلك تاريخ الفقه القانوني في عدد من الأنظمة القانونية، حيث ارتبط تطور الفكر القانوني الحديث بنماذج لفقهاء جمعوا بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة، بما جعل هذا التداخل مصدر إثراء للفقه والقضاء والممارسة المهنية على حد سواء.

    وفي التجربة المغربية، يبرز عدد من أساتذة القانون الذين جمعوا، في وقت سابق، في مسارهم المهني بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة بدرجات متفاوتة، في سياق قانوني كان يسمح تاريخيا بالجمع أو التداخل بين الوظيفة الأكاديمية والممارسة المهنية، ومن بين هؤلاء نجد: محمد جلال السعيد، أحمد الخمليشي، أحمد شكري السباعي، عمر عزيمان، تاج الدين الحسيني، إدريس العلوي العبدلاوي، ادريس السماحي، عمر أبو الطيب، عز الدين الكتاني…، الذين أسهموا في تطوير الفقه القانوني المغربي.

    وعلى المستوى العربي، يبرز عدد من أعلام الفقه القانوني الذين جمعوا بين التدريس ومهنة المحاماة بدرجات مختلفة، مثل: أحمد أبو الوفا، سليمان الطماوي، أحمد فتحي سرور، فتحي والي، أمينة النمر، وجدي راغب، حسن كيرة، سميحة القليوبي… حيث أسهموا في ترسيخ المدرسة القانونية العربية من خلال الجمع بين التدريس الجامعي والمشاركة في العمل القانوني التطبيقي عن طريق مهنة المحاماة، بما يعزز فكرة التكامل بين النظرية والممارسة في بناء المعرفة القانونية.

    أما في التجربة الفرنسية، فيتجلى هذا النموذج بشكل أوضح من خلال شخصيات مثل: Jacques Ghestin؛Georges Ripert ؛ Emmanuel Gaillard؛ Philippe Fouchard؛ Louis Vogel؛ Pierre Mayer ؛ Jean-Denis Bredin؛ Thomas Clay؛ الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي العالي والممارسة المهنية للمحاماة، بما يعكس تقليدا راسخا في ربط الفقه القانوني بالممارسة العملية.

    ودلالة هذه النماذج، التي هي على سبيل المثال، هي أن الجمع بين الأستاذية والمحاماة لم يكن في أي وقت إخلالا باستقلال المهنة أو أخلاقياتها، بل كان على العكس رافعة لتطوير الاجتهاد القانوني، وتجويد الدفاع، وإغناء الفكر القضائي، والرفع من جودة التعليم الجامعي.

    ختاما:

    إن النقاش المرتبط بحالة التنافي بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي في القانون يتجاوز مجرد الجانب الفئوي أو المهني الضيق، ليرتبط بطبيعة التصور الذي يراد اعتماده للعلاقة بين الجامعة ومنظومة العدالة.

    فإما أن ينظر إلى الجامعة باعتبارها فضاء معزولا عن الممارسة القانونية، وإما أن يتم التعامل معها باعتبارها شريكا أساسيا في إنتاج المعرفة القانونية وتطوير الاجتهاد والممارسة المهنية.

    وفي هذا السياق، يبدو أن إعادة النظر في حالة التنافي بين المهنتين لا تعني إحداث وضع استثنائي جديد، بقدر ما تمثل عودة إلى الاختيار التاريخي الذي تبناه التشريع المغربي لعقود، وانسجاما مع اتجاه تشريعي مقارن واسع يعتبر الأستاذ المحامي قيمة مضافة للجامعة وللمهنة وللعدالة معا.

    1– ينص الفصل 15 مكرر من الظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبرير 1958 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على ما يلي:

    مع مراعاة الاحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات، يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر عليه دخلا كيفما كانت طبيعته، تحت طائلة المتابعة التأديبية….”.

    2– تنص المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 صادر في 15 من محرم 1445 (2 أغسطس 2023) بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، على ما يلي:

    ” يعهد إلى الأساتذة الباحثين بالمهام التالية:

    – (…)

    القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل.

    * ذ. زكرياء العماري، أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قمة الصين والولايات المتحدة: عودة دبلوماسية البينغ بونغ

    عبد السلام الصديقي

    بدعوة من الرئيس Xi Jinping، قام الرئيس الأمريكي Donald Trump بزيارة دولة إلى الصين خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 15 ماي. ومنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، التقى الزعيمان مرتين، وأجريا عدة مكالمات هاتفية، وتبادلا رسائل دبلوماسية متعددة، في مؤشر على رغبة متبادلة في الحفاظ على قنوات التواصل رغم استمرار التوترات بين القوتين.

    وخلال هذه الزيارة، أجرى الرئيسان شي جين بينغ ودونالد ترامب مباحثات وُصفت بالصريحة والمعمقة والبنّاءة والاستراتيجية، تناولت القضايا الكبرى المتعلقة بالعلاقات الصينية ـ الأمريكية، إضافة إلى قضايا السلم والتنمية على المستوى العالمي. كما شملت المناقشات الملفات الثنائية والقضايا الجيوسياسية الدولية الكبرى.

    وتأتي هذه القمة في مرحلة دقيقة بالنسبة إلى البلدين. ففي الصين، تتزامن مع إطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة وتسريع مسار تحديث البلاد عبر نموذج تنموي قائم على الابتكار والقيمة المضافة العالية. أما في الولايات المتحدة، فتتزامن مع الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي، في سياق يتسم باستقطاب سياسي داخلي حاد وإعادة تموقع استراتيجي في مواجهة الصعود الصيني.

    وفي هذا السياق، سعى القائدان إلى توجيه رسالة سياسية قوية إلى العالم مفادها أن “النهضة العظيمة للأمة الصينية” التي يدافع عنها شي جين بينغ، ورغبة دونالد ترامب في “إعادة العظمة إلى أمريكا”، ليستا بالضرورة مشروعين متعارضين، بل يمكن لهما ،وفق رؤيتهما ، أن يتعايشا دون أن يقودا إلى مواجهة مباشرة.

    وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، طرح شي جين بينغ عدة تساؤلات جوهرية:

    هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز “فخ ثوسيديدس”(piège de Thucydide) وابتكار نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى؟

    وهل يمكن لهما التعاون لمواجهة التحديات العالمية والمساهمة في تحقيق مزيد من الاستقرار الدولي؟

    وهل بمقدورهما تغليب مصالح شعبيهما ومستقبل الإنسانية لبناء علاقة دائمة وسلمية؟

    وهي أسئلة ما تزال مفتوحة، ولم تقدم القمة أجوبة نهائية بشأنها.

    ويتمثل أبرز توافق سياسي تم التوصل إليه خلال هذه الزيارة في الاتفاق على بناء علاقة صينية ـ أمريكية “بناءة ومستقرة استراتيجياً”. كما اتفق الطرفان على تعزيز التعاون في مجالات متعددة تشمل الدبلوماسية، والتجارة، والتعاون العسكري، والزراعة، والصحة، والسياحة، والأمن، والتبادل الثقافي والإنساني.

    إن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة لا تهم فقط شعبي البلدين، اللذين يفوق عددهما 1.7 مليار نسمة، بل تؤثر أيضاً في توازنات العالم بأسره. ولذلك، أصبحت بكين تركز بشكل متزايد على مفهوم “الاستقرار”، الذي تحول إلى لازمة أساسية في الخطاب الدبلوماسي الصيني، باعتباره شرطاً ضرورياً لتجنب الانزلاق نحو حرب باردة جديدة.

    يمكن استخلاص عدة دلالات رئيسية من هذه القمة:

    1. السعي إلى بناء علاقة “بناءة ومستقرة استراتيجياً”
    يتمثل أبرز مكسب سياسي للقمة في الاتفاق على تحديد توجه جديد للعلاقات الثنائية، هدفه احتواء التوترات، والحفاظ على حوار دائم، وتفادي أي تصعيد غير محسوب في التنافس الصيني ـ الأمريكي.

    2. إعادة إطلاق الحوار الاستراتيجي رفيع المستوى
    اتفق الرئيسان على مواصلة الاتصالات المنتظمة وتعزيز المشاورات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. كما تشكل الدعوة الموجهة إلى شي جين بينغ لزيارة واشنطن مستقبلاً مؤشراً على استمرار الحوار السياسي بين الجانبين.

    3. العمل على استقرار العلاقات الاقتصادية والتجارية
    أعلن الطرفان مواصلة المفاوضات التجارية، والتخفيف التدريجي لبعض الرسوم الجمركية، وتوسيع التعاون الاقتصادي في قطاعات استراتيجية متعددة. ويبدو أن الهدف المشترك يتمثل في تجنب اندلاع حرب تجارية جديدة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

    4. الاعتراف بواقع “التعايش التنافسي”
    تعكس القمة إقراراً ضمنياً بحقيقة جيوسياسية جديدة: فالصين تواصل صعودها العالمي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها القيادي. وقد تحدث شي جين بينغ عن “النهضة الوطنية الصينية”، في حين أكد ترامب مجدداً رغبته في “إعادة العظمة إلى أمريكا”. ورغم هذا التنافس الاستراتيجي، شدد الطرفان على إمكانية التعايش دون مواجهة مباشرة.

    5. إدارة حذرة للملفات الحساسة
    تم تناول أكثر القضايا حساسية دون حدوث قطيعة كبرى، وعلى رأسها ملف تايوان، والتنافس التكنولوجي، والأمن الإقليمي، والاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد أكدت بكين مجدداً خطوطها الحمراء بخصوص تايوان، باعتبارها قضية تدخل ضمن سيادتها الوطنية وشؤونها الداخلية.

    6. تنسيق محدود بشأن الأزمات الدولية
    ناقش الطرفان عدة ملفات دولية، من بينها الحرب في أوكرانيا، والوضع في الشرق الأوسط، والمفاوضات مع إيران، والاستقرار العالمي. ورغم غياب اتفاقات عملية واضحة، فقد اعترف الجانبان بضرورة الحد الأدنى من التنسيق لتفادي تفاقم الأزمات الدولية.

    7. أهمية التبادل الثقافي والإنساني
    أكدت القمة كذلك أهمية التبادل الجامعي، والسياحة، والتعاون الثقافي، والتواصل بين الشباب. وقد استحضر شي جين بينغ “دبلوماسية البينغ بونغ”(كرة الطاولة) باعتبارها رمزاً تاريخياً للتقارب الصيني ـ الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي، حين شكلت الرياضة مدخلاً لتهيئة العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن.

    في المحصلة، لا تعني هذه القمة قيام تحالف استراتيجي بين بكين وواشنطن، بقدر ما تعكس محاولة لتثبيت الاستقرار داخل تنافس بات بنيوياً وهيكلياً. كما تعبّر عن رغبة مشتركة في تفادي مواجهة مفتوحة، مع الإقرار باستمرار الترابط الاقتصادي والسياسي بين القوتين.

    وتبدو قمة شي ـ ترامب في بكين بمثابة تمرين على “الإدارة الاستراتيجية للتنافس” بين قطبي القوة الرئيسيين في القرن الحادي والعشرين. وقد اعتبر العديد من المراقبين غياب مؤتمر صحفي مشترك أو بيان ختامي موحد مؤشراً على استمرار الخلافات العميقة رغم الأجواء الودية التي طغت على اللقاء.

    فإصدار بيان مشترك يتطلب عادة لغة دبلوماسية متوافقاً عليها بعناية، وهو ما يبدو أن بكين وواشنطن لم تنجحا في بلوغه بشأن بعض الملفات الحساسة، خصوصاً قضايا الأمن والتكنولوجيا وحكامة النظام الدولي. لذلك فضّل كل طرف الحفاظ على روايته السياسية الخاصة.

    وفي العمق، تكشف هذه القمة عن تحول بنيوي يشهده النظام الدولي. فالأمر لا يتعلق بعدُ بانتقال كامل لقيادة العالم من واشنطن إلى بكين، بل بظهور تدريجي لعالم ما بعد الأحادية القطبية، يتسم بإعادة توزيع مراكز القوة، وتصاعد النزعات متعددة الأقطاب، وإعادة تشكيل مستمرة لموازين القوى الدولية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمن تيزنيت و »الديستي » يحبطان تهريب أزيد من طنين من الشيرا عبر البحر

    العلم الإلكترونية – الرباط
      تمكنت عناصر الشرطة بالمنطقة الإقليمية للأمن بمدينة تيزنيت بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، صباح اليوم الأربعاء 20 ماي الجاري، من إحباط محاولة تهريب طنين و175 كيلوغراما من مخدر الشيرا، وتوقيف ثلاثة أشخاص يشتبه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في الترويج الدولي للمخدرات والمؤثرات العقلية.   وقد تم تنفيذ هذه العملية الأمنية بمدينة تيزنيت، حيث تم ضبط المشتبه فيهم متلبسين بالتحضير لتنفيذ عملية للتهريب الدولي للمخدرات عبر المسالك البحرية، قبل أن تسفر عملية الضبط والتفتيش عن حجز سيارة نفعية تحمل لوحات ترقيم مزورة، والتي تم العثور بداخلها على 55 رزمة من مخدر الشيرا، بلغ مجموع وزنها طنين و175 كيلوغراما.   كما قادت عملية التفتيش المتواصلة إلى حجز زورق مطاطي ومحركين بحريين ومصباح يدوي كبير الحجم، فضلا عن سيارة رباعية الدفع يشتبه في استعمالها في تسهيل ارتكاب هذه الأفعال الإجرامية.   وقد تم إخضاع المشتبه فيهم للبحث القضائي الذي يجري تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وذلك لتحديد باقي الامتدادات المحتملة لهذا النشاط الإجرامي، وكذا توقيف باقي المشاركين والمساهمين في ارتكاب هذه الأفعال الإجرامية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في العالم كامل الأعياد مناسبة للفرحة والنشاط إلا حنا، سير لأي سوق ديال الحولي غادي يبان ليك بنادم في وجهو الغبينة وداير يدو وراه وكيدور ساهي وتالف واش كاين شي عيد خاص تسلف وتبيع حوايجك باش تعيد

    محمد سقراط-كود///

    في العالم كامل الأعياد مناسبة للفرحة والنشاط والأوقات السعيدة، إلا حنا سير لأي سوق ديال الحولي غادي يبان ليك بنادم في وجهو الغبينة وداير يدو وراه وكيدور ساهي وتالف وماعارف فين يصد.. كي داير هاد العيد لي كيشيب الناس عوض يفرحوا بيه.. واش كاين شي عيد خاص تسلف وتبيع حوايجك باش تعيد.. الحولي واصل لضوبل ديال السميك.. وزايدون شكون في العالم لي خاصو يذبح حولي كامل باش يفرح، علاش غادي تحتاج هاد الكمية كلها ديال اللحم باش تسمى عيدتي، شحال هادي كانوا الأسر كبيرة ومكونة من عدة أفراد، دابا راه معدل الخصوبة في المغرب قل من جوج مواليد للأسرة، يعني أغلب الأسر حاليا كافياها جوج كيلو ديال الكفتة وكيلو ديال الكبدة وهاهي معيدة، لاش واحد ساكن في بيت تحت الدروج محتاج حتى هو يشري حولي كامل ويذبحو في الزنقة حيت معندو فين يذبحو في الدار، ويخلي الدرب كلو دم وزبل وفرث وريحتو خانزة باش يتسمى حتى هو عيد.

    العيد ماشي إجباري راه يمكن ليك متعيدش وماغادي يوقع ليك والو، راه أغلب سكان الكرة الأرضية مكيذبحوش حولي باش يفرحو وراهم عايشين بيخير حسن منا في الأغلب، العالم المتحضر والحر لي كيغامروا المغاربة بحياتهم باش يوصلوا ليه راه گاع مكيذبحو حولي في عيادهم وراهم بيخير متقدمين لاباس عليهم، شبعانين حريات وحقوق الإنسان ورعاية اجتماعية، راه عجيب كيفاش مغربي بكامل قواه العقلية قدر يتزوج ويولد ويكون أسرة ويخدم عليها.. وفي نفس الوقت ماقادرش يقاطع الحولي حيت غالي وثمنه غير منطقي، وباغي الدولة تتدخل وتتحكم في السوق وترخص ثمن الحولي بحال إلى حنا في الاتحاد السوفياتي أيام سطالين.. على هاد الحساب خاص الدولة تتدخل وتنقص ثمن الديور والطوموبيلات والعلاج في المصحات، وعلاش لا نوليو نشريو الحليب بالبون… نتا بنادم بعقلك لقيتي الحاجة غالية وهادي ماشي أول مرة توقع ليك في حياتك دير منها بناقص.. إلى درتيها نتا وأنا ولاخر راه عادي غادي يرخاص، العام الفايت معيدناش ودازت الأمور بيخير وبزاف، آشنو غادي يوقع إلى معيدناش حتى هاد العام، لاش محتاج الدولة تصوگگ بحال شي حولي نيت.

    إقرأ الخبر من مصدره