Catégorie : رآي

  • “ربيع المسرح 3026” بتارودانت.. مهرجان يصنع تراكمه الثقافي ويضع الشباب في قلب المشروع المسرحي

    الحجري زكرياء

    تواصل مؤسسة “مسرح الأفق” بتارودانت ترسيخ حضورها داخل المشهد المسرحي المغربي من خلال الدورة الرابعة لمهرجان “ربيع المسرح”، المرتقب تنظيمها ما بين 2 و6 يونيو 2026، في محطة تؤكد أن التظاهرة لم تعد مجرد موعد فني عابر، بل أصبحت مشروعا ثقافيا يتراكم سنة بعد أخرى، ويبحث عن موقع خاص داخل خريطة المهرجانات المسرحية الوطنية.

    فخلال أربع دورات، استطاع المهرجان أن يبني لنفسه هوية واضحة تقوم على المزج بين الانشغال الفني والرهان التكويني، وبين تثمين الخصوصية المحلية والانفتاح على التجارب العربية، وهي معادلة تبدو أكثر حضورا في برنامج هذه السنة الذي يضع الشباب في مقدمة الاهتمام، باعتبارهم مستقبل الفعل المسرحي بالمنطقة.

    ولعل أبرز ما يميز هذه الدورة هو الرهان الواضح على الطاقات الصاعدة، سواء عبر ورشات التكوين أو من خلال فسح المجال أمام التجارب المسرحية المدرسية ومواهب “مسرح الأفق”، في توجه يعكس وعيا متزايدا بأهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة بدل الاكتفاء بمنطق الفرجة الموسمية. فالمهرجان يتحول تدريجيا إلى فضاء للتأطير واكتشاف المواهب وصقل التجارب الناشئة، وهو ما تمنحه مسابقة المسرح المدرسي من دلالة تربوية وثقافية تتجاوز بعدها التنافسي.

    وفي السياق نفسه، تحضر التكوينات الفنية كأحد أعمدة المشروع الثقافي للمهرجان، عبر ورشة “الغروتيسك” التي يؤطرها الباحث والمسرحي الدكتور محمد جلال أعراب، إلى جانب تقديم متدربي “مواهب الأفق” لنتاج مختبر “موسيقى الجسد” بإشراف المخرج بوبكر أوملي، في تجربة تسعى إلى استنطاق الذاكرة المحلية وتحويل التراث الشعبي إلى مادة جمالية داخل العرض المسرحي المعاصر.

    ويبدو واضحا أن إدارة المهرجان تشتغل على بناء علاقة متوازنة بين المحلي والعالمي؛ فمن جهة، يحضر التراث السوسي في تفاصيل الافتتاح والفقرات الفنية والفرق الفلكلورية، كما تحضر قضايا المسرح الأمازيغي ضمن الندوة الفكرية الخاصة بتجارب سوس، ومن جهة ثانية، ينفتح المهرجان على تجارب عربية من خلال استضافة المسرحي القطري فالح فايز لتقديم “ماستر كلاس” حول هندسة العرض المسرحي الموجه للطفل، بما يمنح التظاهرة بعدا عربيا ويخلق جسورا للتبادل الفني والمعرفي.

    هذا التوازن بين الجذور والانفتاح يمنح “ربيع المسرح” خصوصيته داخل المشهد الثقافي، خصوصا في مدينة مثل تارودانت التي تراهن تدريجيا على الثقافة كرافعة للتنمية الرمزية والفنية. فالمهرجان لا يكتفي باستضافة عروض مسرحية متنوعة، بل يسعى إلى خلق حركية ثقافية متكاملة تشمل الفكر والتكوين والاحتفاء بالرموز المحلية وربط الجمهور بالفعل المسرحي.

    كما تكشف طبيعة الشراكات المؤسساتية التي تحيط بالمهرجان عن حجم الثقة التي بات يحظى بها، سواء من طرف المؤسسات الثقافية أو الجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يعكس انتقال التظاهرة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تثبيت موقعها ضمن المواعيد الثقافية التي تراهن على الاستمرارية والتأثير.

    وبهذا المعنى، تبدو الدورة الرابعة من “ربيع المسرح” أقرب إلى إعلان جديد عن نضج تجربة مسرحية شابة اختارت أن تجعل من الثقافة أفقا للتكوين والانفتاح، ومن الشباب محركا أساسيا لصناعة المستقبل المسرحي بالمنطقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أخلاقيات التسريب في الحروب الحزبية

    نعيمة لحروري

    ما جرى مؤخرا بين مصطفى لخصم ومحمد أوزين أعاد إلى الواجهة واحدا من أكثر الجوانب إثارة في الحياة السياسية والحزبية، وهو ذلك التحول الغريب الذي يجعل اللقاءات المغلقة والأحاديث السرية تنتقل فجأة من دائرة الكتمان إلى دائرة الاستعمال العلني بمجرد اندلاع الخلافات.

    المثير في مثل هذه الحالات أن ما يتم كشفه لا يكون في الغالب جديدا. بل أحيانا يتعلق بأمور كان الجميع داخل الدائرة الحزبية يعلمها منذ سنوات. لكن ما دام التفاهم قائما، يبقى الصمت قائما أيضا. أما حين تنفجر الخلافات، يتحول كل شيء إلى مادة للاستعمال السياسي والإعلامي، وتصبح التصريحات القديمة واللقاءات الخاصة والحوارات المغلقة ذخيرة جاهزة في معركة تصفية الحسابات.

    هنا يبرز السؤال الأخلاقي الحقيقي: إذا كان ما قيل أو جرى داخل تلك اللقاءات غير لائق أو خطيرا أو حتى مخالفا للقانون، فلماذا تم السكوت عنه طوال تلك المدة؟ ولماذا لم يتحول إلى قضية رأي عام إلا بعد انهيار العلاقة بين الأطراف؟ أليس غريبا أن يستيقظ الضمير السياسي غالبا في اللحظة نفسها التي تنتهي فيها المصالح المشتركة؟

    هذا ما يجعل جزءا كبيرا من الرأي العام ينظر إلى مثل هذه «التسريبات» باعتبارها مجرد انتقام سياسي أكثر منها دفاعا عن الحقيقة أو الأخلاق. لأن السياسي الذي يصمت سنوات عن ممارسات يعتبرها اليوم خطيرة، ثم يتذكر فجأة واجبه الأخلاقي بعد خلاف تنظيمي أو شخصي، يضع نفسه تلقائيا أمام سؤال النوايا والدوافع.

    لكن، في المقابل، لا يمكن، أيضا، الدفاع عن فكرة قدسية الأسرار الحزبية بشكل مطلق. لأن بعض الوقائع، إذا كانت تمس المصلحة العامة أو تتعلق بالفساد أو باستغلال النفوذ، فإن كشفها يصبح أمرا مشروعا مهما كانت خلفيات من كشفها، لأن الحياة السياسية فضاء يفترض أن يخضع للمحاسبة والشفافية.

    المشكلة، إذن، ليست دائما في الكشف نفسه، بل في توقيته وطبيعته. هل الهدف فعلا تنبيه الرأي العام إلى ممارسات خطيرة؟ أم مجرد استعمال ما كان معروفا مسبقا كسلاح في حرب داخلية؟ لأن الفرق كبير بين من يكشف حقيقة دفاعا عن المصلحة العامة، ومن يكشفها فقط لأن موقعه داخل ميزان القوى قد تغير.

    في كثير من الأحيان، تكشف هذه الصراعات شيئا أخطر من مضمون التسريبات نفسها. فهي تكشف أن جزءا من الحياة الحزبية يقوم على التعايش المؤقت مع ما يعتبره الجميع «غير مقبول»، إلى أن تأتي لحظة الانفجار. عندها فقط يبدأ تبادل الاتهامات، ويصبح كل طرف شاهدا على الآخر، حاملا أرشيفا كاملا من الأسرار المؤجلة.

    بل إن أخطر ما في هذه الحروب أنها تعطي للمواطن انطباعا بأن السياسيين يعرفون عن بعضهم الكثير، لكنهم يختارون الصمت ما دامت التحالفات قائمة. وحين تنتهي المصالح، ينتهي معها الصمت أيضا. وهنا يفقد الخطاب الأخلاقي جزءا كبيرا من مصداقيته، لأن المواطن لا يرى في كثير من هذه «الكشوفات» انتصارا للحقيقة، بل مجرد انتقال للصراع من الغرف المغلقة إلى الفضاء العمومي.

    السياسة بطبيعتها مليئة بالخلافات والمناورات والتحالفات المؤقتة، وهذا أمر طبيعي في كل الديمقراطيات. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الصمت عن الخطأ مرتبطا بالمصلحة، والكلام عنه مرتبطا فقط بالرغبة في الإحراج أو الانتقام. وربما لهذا السبب بالضبط، لم تعد مثل هذه التسريبات تثير صدمة كبيرة لدى الناس، لأن المواطن أصبح يدرك أن كثيراً مما يقال اليوم علنا، كان معروفا بالأمس داخل الغرف المغلقة، لكنه كان ينتظر فقط لحظة الانفجار للخروج إلى العلن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المواطن والانتخابات القادمة

    يسرا طارق

    لم يعد يفصلنا الكثير عن الانتخابات التشريعية، هي شهور قليلة وسيكون على الناخبين اختيار برلمان زمن المونديال، ومنح حزب من الأحزاب المتنافسة مسؤولية وشرف قيادة حكومة المونديال، وحتى هذه الشهور القليلة (أربعة أشهر) ينبغي خصم شهر مونديال أمريكا وكندا والمكسيك منها. طيلة شهر ستكون العيون والنفوس والعقول مشدودة للكرة ولمشاركة الفريق الوطني، التي نتمنى أن تكون تاريخية مثلما كانت في مونديال قطر. لم يبق الكثير لانتخابات مهمة جدا في الحياة السياسية المغربية، غير أن المتتبع للشأن السياسي المغربي سيلاحظ فتورا غريبا في متابعة الناس له، وفي الوقت الذي بدأت فيه حروب التزكيات، وجرى ملء الخريطة الانتخابية وتنقل زعماء الأحزاب هنا وهناك لضبط الآلة الانتخابية، وتوزيع الأدوار وتسوية بعض الخلافات المستعصية وجلب بعض اللاعبين الذين يكون فوزهم مضمونا، في الوقت الذي حركت الضرورة بعض الأحزاب، وأجبرتها على الخروج من سباتها السياسي الطويل، يبدو أن المواطن، الذي تستعد الأحزاب لمخاطبته ومحاولة إقناعه، لا يكترث لما هو قادم.

    قبل عقود كانت سَنَةُ الاستحقاقات الانتخابية عصيبة على الجميع، دولة وأحزابا ومجتمعا، يحتد فيها النقاش السياسي، وتستعر فيها المنافسة، ويكون فيها خلاف حول شكل الانتخاب، وآليات المراقبة وضمانات الشفافية. كانت المقرات عامرة بالأنشطة السياسية والثقافية والتربوية، وكان الجميع يراهن على أن تكون المحطة الانتخابية هامة وفاصلة في الحياة السياسية المغربية، وأن يتمخض عنها واقع جديد، وأمل جديد وأفق جديد. كل ذلك الغليان، الذي يصل أحيانا، وخصوصا في البوادي، إلى الشجار وتبادل الضرب والجرح، وَلَّى. لقد فقدت الانتخابات هالتها السياسية، وفقدت الزخم وكل ما يحيط بها من مشاعر. ورغم أن الديموقراطية المغربية فتية جدا، إذا ما قورنت بالديموقراطيات الراسخة والعتيقة، فقد صارت تبدو عليها كل أعراض الشيخوخة، ولعل العزوف عن المشاركة الانتخابية هو أهم عرض من تلك الأعراض. كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ ولماذا لم تعد لنا انتخابات تشد الأنظار والأرواح وتستنفر الرأي العام؟

    طبعا يتطلب الجواب حلقات بحث، ونقاشا مجتمعيا مستفيضا واستحضارا لمقاربات تتداخل فيها العلوم السياسية بالسوسيولوجيا وعلم النفس الاجتماعي..، غير أن هذا الحذر لن يمنعنا من تقديم أجوبة أولية نُجْمِلُها في ما يأتي:

    -إعادة تدوير النخب الحزبية نفسها، مع ما يصاحب ذلك من ارتحال من هنا إلى هناك، وتغيير في المواقف وتلون بحسب مقتضيات الحال، حتى أن الانتخابات المغربية صارت، في جزء منها، شأنا خاصا لمحترفين، لهم وسائلهم وأتباعهم ومحمياتهم الانتخابية، التي تصعب منافستهم فيها.

    -صارت برامج معظم الأحزاب متشابهة ولغتها السياسية واحدة، ولم يعد المواطن يميز بين من يحكم ومن يعارض، لقد ذابت الحدود وانتفت الفروق، ولم تعد هذه الأحزاب تجهد نفسها في إعداد برامج ناجعة وموثوقة، إنه كلام يقال في الحملات ثم ينسى.

    -لم تنجح معظم الأحزاب السياسية، رغم عقود من العمل، في أن تجعل تصويت المواطن يرتهن لاعتبارات سياسية خالصة، فقد شجعت، وبنسب متفاوتة، كل العوامل التي تفسد العملية الانتخابية، من قبيل شراء الأصوات، وتنظيم الولائم وتقديم الوعود الكاذبة، وتركت الباب مشرعا للزبونية والقبلية والشعبوية..

    -عوض أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي إحدى وسائل تسييس المجتمع وزرع قيم الحداثة فيه، نجد أن بعض الأحزاب صارت، من خلال «كتائبها الإلكترونية» وبقدراتها على الشتم والتلفيق والتحامل، تشيع قيما لا تصلح إلا لهدم الثقة في الفاعل السياسي وتتفيه الحياة السياسية.

    شخّص جلالة الملك، في العديد من خطبه، أعطاب الحياة السياسية المغربية، ودعا، حفظه الله، إلى فضائل التحلي بالمسؤولية في تمثيل المواطنين وفي خدمتهم بكل تفان وإخلاص، ولن نفقد الأمل أبدا في أن نرى سياسيين يليقون بالمغرب وبتاريخه العريق، ويقدرون على مواجهة التحديات الكبرى التي صارت تواجهها الدول في عالم يخرج من أزمة ليدخل أخرى، فالرحم الوطنية، التي ولدت علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد وبن سعيد آيت إيدر وغيرهم… قادرة على ولادة زعماء آخرين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من بحر الظلمات إلى بوابة المستقبل: كيف يعيد المغرب رسم خريطة الأطلسي؟

    أسامة ججة

    لم يكن وصف المحيط الأطلسي بـ”بحر الظلمات” في الذاكرة الجغرافية العربية والإسلامية خلال العصر الوسيط توصيفًا أدبيًا أو انطباعًا نفسيًا مرتبطًا فقط بمخاطر الإبحار، بل كان تعبيرًا معرفيًا وجيوحضاريًا يعكس حدود الإدراك الجغرافي للعالم آنذاك. فقد ارتبط هذا الوصف في كتابات الجغرافيين والرحالة المسلمين بكون المحيط الأطلسي فضاءً غير مستكشف، مجهول الامتداد، شديد الاضطراب، تغيب عنه المعارف الملاحية الدقيقة وخرائط الملاحة الآمنة. وكان الاعتقاد السائد أن ما وراءه يمثل حدود “العالم المعمور”، حيث تنتهي اليابسة وتبدأ المجهولات. لذلك اكتسب الأطلسي في المخيال الوسيط صورة مجال تحكمه اللامعرفة والمخاطر، فكان بحرًا للغموض أكثر منه فضاءً للاتصال.

    غير أن التحولات البنيوية التي عرفها النظام الدولي المعاصر أفضت إلى انقلاب عميق في الوظيفة الاستراتيجية للمحيطات عمومًا، وللمجال الأطلسي خصوصًا. فلم يعد الأطلسي مجرد كتلة مائية فاصلة بين القارات، بل تحول إلى مجال جيوسياسي تتقاطع داخله رهانات التجارة الدولية، والأمن البحري، والطاقة، والربط اللوجستي، وسلاسل القيمة العالمية.

    وفي هذا السياق التحولي، يبدو أن المغرب يعيد إنتاج المعنى التاريخي للأطلسي بصورة معاكسة تمامًا؛ إذ انتقل من تصور البحر باعتباره فضاءً للمجهول إلى اعتباره فضاءً للمبادرة وإنتاج القوة. وبهذا المعنى لم يعد المغرب يتعامل مع الأطلسي باعتباره حدًا جغرافيًا للدولة، بل باعتباره مجالًا استراتيجيًا لإعادة تعريف موقعه داخل التحولات الجيوسياسية الدولية.

    فإذا كانت الأدبيات الكلاسيكية في الجغرافيا السياسية قد اعتبرت أن الجغرافيا عامل ثابت يحدد سلوك الدول ومجالات حركتها، فإن المقاربة المغربية الراهنة تبدو أقرب إلى تحويل الجغرافيا من معطى ثابت إلى مورد استراتيجي قابل للتوظيف السياسي والاقتصادي والدبلوماسي. وهنا يبرز الانتقال من “جغرافيا الموقع” إلى “جيوسياسة الوظيفة”.

    أولًا: من الموقع الجغرافي إلى الوظيفة الجيوسياسية

    يتمتع المغرب بموقع استراتيجي استثنائي عند تقاطع دوائر جيوسياسية متعددة؛ فهو يشكل نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي الممتد نحو الأمريكيتين. غير أن الموقع الجغرافي في حد ذاته لا ينتج القوة تلقائيًا، إذ تؤكد نظريات العلاقات الدولية أن الأهمية الاستراتيجية للدول لا تتحدد فقط بموقعها، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الموقع إلى وظيفة داخل التفاعلات الإقليمية والدولية.

    وفي سياق إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث تتزايد أهمية الممرات البحرية وشبكات الربط وسلاسل الإمداد العالمية، لم يعد المغرب مجرد دولة مطلة على واجهتين بحريتين، بل يسعى إلى الارتقاء إلى مستوى “الفاعل الجيوسياسي المنتج للمبادرات”، أي دولة تمتلك القدرة على هندسة الفضاءات الإقليمية بدل الاكتفاء بالتفاعل معها.

    فالموقع هنا يتحول إلى أداة لإنتاج النفوذ، والحدود تتحول إلى منصات للربط، والجغرافيا تصبح وسيلة لإعادة التموضع داخل النظام الدولي.

    وهذه إحدى المفارقات المركزية في الجغرافيا السياسية المعاصرة: فالدول لا تقاس فقط بمساحتها الجغرافية أو بوزنها الديمغرافي، بل بقدرتها على توظيف عناصر القوة الجغرافية في إنتاج أدوار استراتيجية جديدة.

    ثانيًا: البنية التحتية كأداة للقوة الجيو-اقتصادية

    في الأدبيات الحديثة للجيو-اقتصاد، لم تعد البنية التحتية مجرد آلية تقنية للنقل أو التنمية، بل أصبحت أداة لإعادة توزيع القوة داخل النظام العالمي.

    وفي هذا الإطار، تحول ميناء طنجة المتوسط إلى أكثر من منصة لوجستية؛ إذ بات يمثل رافعة جيو-اقتصادية تسهم في إدماج المغرب داخل شبكات التجارة العالمية وإعادة تشكيل علاقاته الاقتصادية الدولية.

    فأهمية المشروع لا تتجسد فقط في قدراته التشغيلية أو حجمه التجاري، بل في دوره ضمن هندسة جديدة لسلاسل التوريد العالمية. لقد انتقل المغرب من موقع “الممر” إلى موقع “العقدة الاستراتيجية”، أي من دولة تعبرها التدفقات إلى دولة تملك القدرة على التأثير في اتجاهاتها.

    وفي ظل التحولات الحالية، بات التحكم في شبكات التدفقات اللوجستية أحد أهم مؤشرات القوة الدولية، شأنه شأن التحكم التقليدي في الموارد أو المجال العسكري.

    ثالثًا: الأطلسي الإفريقي وتحول مفهوم المجال الاستراتيجي

    ظل الساحل الأطلسي الإفريقي لفترات طويلة يُنظر إليه باعتباره فضاءً طرفيًا في التفاعلات الدولية مقارنة بالمجالات المتوسطية أو الآسيوية. غير أن التحولات الراهنة تشير إلى بروز ما يمكن تسميته بـ”الأطلسي الإفريقي الجديد”.

    وفي هذا السياق جاءت المبادرة المغربية بوصفها تصورًا استراتيجيًا يتجاوز المقاربة التقليدية للحدود نحو منطق المجالات الجيوسياسية الممتدة.

    وقد أعطيت الانطلاقة الرسمية للمبادرة الملكية الخاصة بتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي خلال الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين للمسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 2023، حيث اقترح المغرب إطارًا جديدًا للتعاون الإقليمي يقوم على تمكين الدول الإفريقية غير الساحلية من الولوج إلى الواجهة الأطلسية وتعزيز الربط الإقليمي. 

    ولا يتعلق الأمر هنا بمبادرة تنموية ذات طابع تقني فقط، بل بمشروع لإعادة تشكيل المجال الإقليمي وفق منطق جديد يعيد صياغة العلاقة بين الجغرافيا والتنمية والسيادة.

    ويتجلى ذلك من خلال مشاريع استراتيجية من قبيل:

    • ميناء الداخلة الأطلسي 
    • مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية 
    • مشروع ربط دول الساحل بالواجهة الأطلسية 

    وهنا يبرز تحول مفاهيمي مهم: لم يعد الساحل الإفريقي يُنظر إليه باعتباره مجرد بؤرة تهديدات أمنية أو فضاءً للأزمات العابرة للحدود، بل باعتباره مجالًا جيو-اقتصاديًا قابلًا لإعادة الإدماج داخل شبكات التنمية الدولية.

    رابعًا: السيادة البحرية والاقتصاد الأزرق وإعادة تشكيل مفهوم المجال السيادي

    تشهد مفاهيم السيادة في القانون الدولي تحولًا متزايدًا مع صعود ما يعرف بالجغرافيا البحرية الجديدة. فلم تعد السيادة ترتبط فقط بالمجال الترابي البري، بل امتدت إلى الفضاءات البحرية والاقتصاد البحري والطاقة.

    وفي هذا الإطار يبرز مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب بوصفه مشروعًا جيو-اقتصاديًا يتجاوز وظيفة نقل الطاقة، ليصبح أداة لإعادة بناء الترابط الإقليمي بين غرب إفريقيا وشمالها.

    كما أن توجه المغرب نحو:

    • الاقتصاد الأزرق؛ 
    • الهيدروجين الأخضر؛ 
    • الطاقات المتجددة؛ 
    • الصناعات البحرية؛ 

    يعكس انتقالًا استراتيجيًا من منطق استغلال الموارد إلى منطق إنتاج القيمة الجيوسياسية.

    فالبحر لم يعد يمثل حدود الدولة؛ بل أصبح امتدادًا لمجالها السيادي ومجالًا لإعادة إنتاج القوة.

    خامسًا: دبلوماسية الأطلسي وإعادة هندسة أنماط التعاون الدولي

    تعكس الرؤية المغربية للأطلسي تحولًا نوعيًا في فلسفة إدارة العلاقات الدولية. فبدل المقاربات التقليدية القائمة على التنافس الصفري أو المحاور المغلقة، يتبنى المغرب مقاربة تقوم على إعادة هندسة الشراكات الإقليمية وفق منطق التعاون المتبادل.

    وهو ما يتجسد في مبادئ:

    • التعاون جنوب–جنوب؛ 
    • الشراكة المتكافئة؛ 
    • الأمن الجماعي؛ 
    • الترابط التنموي؛ 
    • التضامن الإقليمي. 

    وتعكس هذه المقاربة انتقال المغرب من دبلوماسية التفاعل مع الأزمات إلى دبلوماسية إنتاج المبادرات، ومن سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل الاستراتيجي الاستباقي.

    مآلات التحول الأطلسي: نحو إعادة تعريف الموقع الجيوسياسي للمغرب

    في ظل نظام دولي يتجه نحو إعادة توزيع مراكز القوة وتزايد التنافس حول الممرات البحرية والمجالات الاستراتيجية، لا تبدو المبادرة الأطلسية المغربية مجرد مشروع قطاعي أو خيار دبلوماسي ظرفي، بل تمثل تصورًا جيوسياسيًا لإعادة إنتاج المجال.

    فالمغرب لا يعيد رسم خريطة الأطلسي فقط، بل يعمل على إعادة تعريف مكانته داخل هندسة النظام الدولي المتحول.

    لقد انتقل “بحر الظلمات” من كونه تعبيرًا عن حدود المعرفة إلى فضاء لإنتاج القوة والربط والتكامل؛ وما يعاد تشكيله اليوم ليس المجال الأطلسي وحده، بل مفهوم المغرب ذاته باعتباره فاعلًا إقليميًا صاعدًا يسعى إلى بناء جغرافيا سياسية جديدة قوامها الترابط، والتكامل، وإعادة إنتاج المجال الاستراتيجي.

    -باحث بسلك الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، متخصص في الدراسات والشؤون الإفريقية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من “الإله أكوش” حتى العيد الكبير.. كيفاش بقا الحولي مقدّس عند المغاربة من آلاف السنين

    كود -عثمان الشرقي //

    الهيلالة  لي كتنوض فالمغرب فيام العيد ،مكاينش بحالها لا فمكة ولا فالبتراء ولا حتى بلاد فالعالم ،هادشي مكيعنيش بان المغاربة دينايين حتى لهاد الدرجة ، وانما القضية عندها واحد العلاقة وجدانية تاريخية بين الحولي والإنسان المغربي من بكري .

    فاش كيهز الموري الموس ديالو صباح العيد ، وهو كيحساب ليه    كايطبّق شعيرة دينية إبراهيمية خالصة، معارفش بلي اليد ديالو كتجسد فاللاوعي الشخصي و الجماعي، طقس أقدم من الإسلام بآلاف السنين ،الذبيحة عند المغاربة ماشي غير شعيرة دينية جاية من الشرق ولكن ترسّب حضاري عميق فطبقات الذاكرة الأمازيغية، المقصود هنا الكبش المقدّس، إله الجدود، الإله اللي كان كيتسمّى “أكوش” واللي كان كيعكس فالميثولوجيا -لأمازيغية القوة الكونية والخصوبة والشمس.

    المؤرخ اليوناني هيرودوت سجّل بلؤ الأمازيغ القدام كانو كيدبحو تافاسكا (القرابين) للشمس والگمرة، وكانو كيبداو طقس الذبح بقطيع ودن الحولي ويرميوها فوق الديور قبل ما يكملو الذبح من العنق،وحتى عبادة وتقديس الحولي بقات عندنا فالمغرب حتى للعصور الوسطى، أبو عبيد الله البكري قال فواحد من الكتب ديالو بلي كاينين دواور فالجبل بين أغمات وسوس فجنوب المغرب مازال كيعبدو الخروف من بعد 4 القرون ديال دخول الإسلام للمغرب،قبل ما يبدا التحول تدريجيا فشكل الطقس.

    علماء الأنثروبولوجيا الدينية كيعرفو ظاهرة “التحوّل الطقوسي” (Ritual Transformation) بلي هي العملية اللي كتنتاقل فيها الطقوس الوثنية من المعاني الأصلية ديالها لسياقات دينية جديدة ، مع الاحتفاظ بالبنية الرمزية الأساسية ديالها، غير المعاني الظاهرة هي اللي كتبدّل، وهاد الشي بالضبط هو اللي وقع لطقس خروف العيد نهار العيد فالمغرب زيد عليها مناسبات اخرى بحال عيشورا وحاكوزا فين كيتدبح الدجاج.

    إيمازيغن كيسمّيو العيد الكبير “تفاسكا”، وهاد الكمة من ناحية الدلالية ما فيها حتى إشارة لسيدنا ابراهيم ولا إسماعيل ولا الحج؛ وإنما راجعة فالأصل ديالها فعل التضحية والقربان والإهداء المرتبط بالكبش المقدّس، المسلمين الأمازيغ حافظو على الاسم القديم ديال العيد، وعمّروه بحشوة دينية جديدة، فمحاولة ديال تكييف و استيعاب الموروث  باش يبقاو محافظين على الذاكرة الطوطمية القديمة .

    الحولي اللي كيتسمّى بالأمازيغية “ءيزمر” كيتعطى فالمغرب قربان فالطقوس الدينية والاجتماعية الأمازيغية قبل الإسلام، ومازال هادشي حاضر حتى لدابا فالأعراس والاحتفالات وطقوس الأضرحة والمزارات مني العريس ولا لي الزاير  شي فقير أو لي بغا يحيد النحس من قدام شي عتبة كيجيب حولي ولا ماعز ويدبحو باش تحضر البركة ، هاد الحضور ديال الخروف فمختلف السياقات ،الديني الإسلامي، والاجتماعي الثقافي، وحتى السحري الشفوي كيبين بلي القيمة الرمزية ديالو ما تبدّلاتش فالجوهر، ولكن غير فالشكل من إله وثني لشعيرة  إبراهيمية.

    ومن الدلائل عاوتاني ديال هاد الامتداد الطقوسي اللي سابق للإسلام هو ظاهرة “بوجلود” – “بيلماون”، الإحتفال الأمازيغي اللي كيدار ثاني يوم ديال عيد الكبير فالمناطق اللي فيها الأغلبية الأمازيغية فالمغرب، خصوصاً فسوس وأكادير وبعض دواوير الأطلس المتوسط مني كيلبسو الشباب البطانة ديال الماعز والخرفان، وكيدورو  فموكب احتفالي ، هازين كراعات الخرفان كيفرقو بهم “البركة” بضربات خفيفة على الناس.

    هاد الاستيعاب نجح  تاريخياً حيث المغاربة ما لغاوش طقس الذبح، ولكن عطاه رواية إبراهيمية جديدة، حتى ولا الكبش كيتذبح لنفس الغرض  ،التقرب من المقدّس وإثبات الولاء الكوني،  ومن ناحية أنثروبولوجية، الطقس هو النيت فالبنية العميقة ديالو ”الدم، الجماعة، الانتماء، والفداء.“

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابتدائية الحسيمة تدين شخصاً بـ10 أشهر حبسا نافذاً بسبب الامتناع عن أداء النفقة

    العلم الإلكترونية – فكري ولد علي 
      أصدرت المحكمة الابتدائية بـالحسيمة حكماً قضائياً يقضي بإدانة شخص بـ10 أشهر حبسا نافذاً، على خلفية امتناعه عن تنفيذ أحكام قضائية صادرة في حقه تلزمه بأداء مستحقات النفقة.   وحسب المعطيات المتوفرة، فإن المعني بالأمر ظل يرفض أداء النفقة رغم صدور قرارات قضائية نهائية تلزمه بذلك، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى متابعته قضائياً واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حقه.   وقد جرى، عقب صدور الحكم، إيداع المدان بالسجن المحلي بـالحسيمة من أجل تنفيذ العقوبة الحبسية الصادرة في حقه، في إطار تطبيق القانون وضمان احترام الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقة وحماية الحقوق الأسرية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “هناك أضاحٍ بـ1000 درهم”.. بين الخطاب الرسمي وواقع السوق

    فين كاين المشكل :

    “هناك أضاحٍ بـ1000 درهم”.. بين الخطاب الرسمي وواقع السوق

    سياسي : رشيد لمسلم 

    أثار تصريح وزير الفلاحة المغربي، الذي قال فيه إن “هناك أضاحي تباع بـ1000 درهم”، موجة واسعة من الجدل والاستغراب في أوساط المواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها فئات واسعة من المجتمع المغربي، وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

    فمن حيث المبدأ، قد يكون وجود أضحية بهذا الثمن أمراً ممكناً في حالات محدودة أو بأحجام وجودة متواضعة، لكن تقديم هذا الرقم وكأنه يعكس الوضع العام للسوق يطرح أكثر من علامة استفهام.

    لأن الواقع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يدخل عصر الفرد الوحيد ؟ زواج أقل، طلاق أكثر، أطفال أقل… وتحولات صامتة تعيد تشكيل المجتمع المغربي

    المغرب يدخل عصر الفرد الوحيد ؟

    زواج أقل، طلاق أكثر، أطفال أقل… وتحولات صامتة تعيد تشكيل المجتمع المغربي

    محمد الطبيب 

    عضو الهيئة التنفيذية لجمعية الدفاع عن حقوق الانسان

    تكشف المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والتي توقفت عندها مجلة جون افريك في تقرير تحليلي مطول، أن المغرب لا يعيش مجرد تغيرات اجتماعية عابرة، بل يمر بتحول سوسيولوجي عميق يعيد تشكيل الأسرة، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط العيش، وحتى طبيعة التحديات التي ستواجه الدولة والسياسات العمومية خلال العقود المقبلة.

    فبعيدا عن النقاشات السياسية اليومية وحرب المواقع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كفى إساءة للمغاربة الغيورين!

    لم يعد أمر مهاجمة المواطنين والخصوم السياسيين يقتصر فقط على أمين عام حزب “العدالة والتنمية” ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران، الذي لم ينفك يقصفهم بأفظع النعوت من قبيل “الحمير” و”الميكروبات”. إذ لم تلبث عدوى “الإساءة للآخرين” أن انتقلت تدريجيا إلى زعماء أحزاب سياسية آخرين ببلادنا في مواجهة من يخالفهم الرأي أو ينتقد تصريحاتهم أو تصريحات وسوء تدبير بعض وزرائهم، كما هو الشأن بالنسبة لرئيس حزب “التجمع الوطني للأحرار” محمد شوكي، الذي جاء خلفا لعزيز أخنوش منذ حوالي أربعة شهور، بعد أن أعلن هذا الأخير فجأة عدم ترشحه لولاية ثالثة.
    حيث أن توالي…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين

    إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

    لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي أهمية التجربة الأدبية لكلٍّ مِن الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية ( وُلد 1945)، والروائي الأمريكي جيمس بالدوين ( 1924_ 1987).
    يلتقي الكاتبان _ رغم اختلاف الجُغرافيا واللغة والسياق الحضاري _ عند…

    إقرأ الخبر من مصدره