فرنسا بين العنصرية وضبابية مصطلح الإندماج. الأحداث الأخيرة وكأنها إنذار أخير قبل وقوع الأسوأ

فرنسا بين العنصرية وضبابية مصطلح الإندماج. الأحداث الأخيرة وكأنها إنذار أخير قبل وقوع الأسوأ

كود باريس ///

جل المقالات التي تناولت الأحداث الأخيرة بفرنسا ركزت على مصطلحين: العنصرية والإندماج، من أجل اختزال بركان الغضب الذي تفجر عقب مقتل المراهق نائل على يدي شرطي فرنسي.

عند الحديث عن العنصرية وعنف الشرطة، فلا بد من استحضار أرقام مهمة حول الواقع بفرنسا، الأرقام التي تقدمها أمنيستي ومنظمات أخرى، تحيل على أن فرنسا لا تقبع ضمن الدول الديمقراطية التي يعد فيها عنف الشرطة واقعا، في حين أن دولا مثل البرازيل والولايات المتحدة تتقدم الترتيب من حيث القتل العمد واستخدام العنف المبالغ فيه.

لكن لا بد من التذكير أن فرنسا وبعد تفجيرات 2015 شهدت ارتفاعا مهولا في تدقيق الهويات المرتبطة بالعرق، حيث أرخت الأحداث الإرهابية بظلالها على تعامل الشرطة مع الشبان العرب والإفارقة.

يمكن القول إن منذ 2015 شهدت الأوضاع بين أبناء الضواحي والشرطة توترا ملحوظا، أفضى في بعض الأحيان إلى تخلي الشرطة عن التدخل في بعض الأحياء بباريس ومارسيليا وليون، تاركة أبناء هذه لمناطق للإقتتال فيما بينهم.

ويبدو الوضع في ضواحي المدن الكبرى الباريسية، أشبه بالمدن الأميركية عندما اجتاحتها المخدرات، مع فرق اجتياح التشدد الديني أيضا لهذه الأحياء التي تبدو كأنها جيوب إسلامية بمدن فرنسية، لا تشبه محيطها في أي شيء.

فهل الدولة مسؤولة عن إهمال هذه الأحياء للوضع الذي انفجرت فيه الأوضاع؟ نعم ولا. تبدو مسؤولية الدولة بديهية في ضبط الأمن، وتوفير بيئة ملائمة للدراسة وتوفير العمل، ولقد أخطأت الدولة الفرنسية حين اعتقدت أن أوراق الهوية وحدها من تمكن من إدماج المواطن.

سياسات الالتحاق العائلي التي سنها جيسكار ديستان، وتواليها مع ميتيران وشيراك، بالإضافة لسهولة الحصول على الإقامة في تلك السنوات، كان الغرض منها خلق إدماج defacto سيسهل من بعد توفير يد عاملة فرنسية خالصة، ومندمجة.

لكن العكس ما حدث، غالبية الجيل الأول والجيل الثاني لم تكن من الطبقات المتعلمة، ولم ترد الإندماج في المجتمع الفرنسي، فكانت تعتقد أنها في عمل مؤقت وستعود يوما ما لأوطانها، خصوصا بالنسبة لمواطني شمال إفريقيا.

هكذا حدثت القطيعة الكبرى بين إرادة سياسة باطنها الإدماج وظاهرها الإنغلاق، وبين مهاجرين في غالبيتهم لم يحددوا نوعية الهجرة التي يريدون.

طبعا هذا لا ينعكس على جميع المهاجرين، فأبناء الضواحي وصلوا لمناصب الوزراء والسفراء والبرلمانيين وعمداء المدن، ونجوم الفن والكرة، واستفادوا على عكس المهاجرين في دول أخرى، من تعليم مجاني لم يغلق الأبواب أمام أي مواطن فرنسي.

لا يمكن الحديث عن عنصرية ممنهجة تسمح لأبناء المهاجرين بالاستفادة من جميع الامتيازات التي يخولها القانون الفرنسي. فلنتذكر أن أبناء المهاجرين عندما كانوا يستفيدون من التعليم المجاني في الستينات، كان الأمريكيون يناضلون لإلغاء قوانين الميز العنصري بالجنوب، ولا يزالون اليوم في نضال حول ولوج الجميع للتعليم وتكافؤ الفرص.

لكن ما يمكن تسميته ” بالعنصرية التلقائية ” فلا يسلم منها أي مجتمع، وفي فرنسا فقد ساهم الإعلام الذي يقبع تحت مظلة الأغنياء المحافظين في تغذية ذلك، وهو تحد كبير يواجه المجتمع الفرنسي، ينذر باستيراد نموذج fox الأمريكية السيئة الذكر.

قد تبدو الأحداث الأخيرة وكأنها إنذار أخير قبل وقوع الأسوأ، حسب تهويل ومبالغة البعض، لكنها ليست سوى حلقة من مجتمع فرنسي حي، نتائجها وخلاصاتها ستكون بعيدة المدى، وستحدد مستقبل الهجرة في هذا البلد الذي ” لا يمكن له احتضان جميع مآسي العالم ” بتعبير رئيس الوزراء الاشتراكي الراحل ميشيل روكار.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق