بريس تطوان
محـنـة العـودة:
وبين رحلة عودة السفير المغربي أبغلي من انجلترا إلى جبل طارق سنة 1727م . توفي الملك مولاي إسماعيل ( السبت ثامن وعشري رجب عام 1139 هـ/ 22مارس 1727 م ).
ولم يصل الخبر إليه وإلى الوفد المرافق له، إلا بعد وقوفه بحبل طارق. في ظروف الوفاة لأكبر سلاطين المغرب اهتزت البلاد شرقا وغربا وعمت الفوضى أرجاءه، فالعبيد عينوا أحمد الذهبي ولد المولى إسماعيل ملكا على المغرب، مما فتح ثورات شعبية ضد حكام المدن الذين عينهم المولى إسماعيل.
قامت ثورة في فاس بسبب فساد الحاكم المستبد “ابو على الروسي” الذي أذاقهم العذاب و الهوان وظلم المستبدين الطغاة ، وبمجرد ما علم أهل فاس بوفاة المولى إسماعيل حتى انتفضت فاس عن بكرة أبيها ضد هذا الحاكم فعمدوا إلى قتله مع أعوانه ورفاقه ووصف هذا المشهد المؤلف الإنجليزي “برايت” أن الفاسيين قتلوا مع ابن علي الروسي ما ينيف عن ثمانين شخصا من أتباعه و أعوانه انتقاما منهم للفضائح وللأعمال الوحشية التي كانوا يرتكبونها معهم منذ عدة سنين، وأهل فاس أجرأ من أهل تطوان في مثل هذه المواقف بل وفي كثير من غيرها واسأل به خبيرا )) .”
ولما انتشر الخبر في شمال المغرب بما وقع بفاس، حتى تحركت القبائل الجبلية المجاورة لتطوان التي ارتاحت من هيبة السلطان المولى إسماعيل، من خوفه، وجبروته و بطشه، و ما قاسته من مفاسد ومظالم على يد الباشا أحمد الريفي حاكم تطوان ونواحيها فقاموا بثورة ضده سرعان ما انظم إليهم أهل تطوان، فدخلوا معه في حرب معلنة، كان النصر فيها تارة لهم ، وتارة أخرى للباشا أحمد الريفي.
و تشهد الحوادث في هذه الفترة أن أهالي تطوان قاموا بتفجير مخزن للبارود حتى لايستغله الحاكم أحمد ضدهم، وسبب هذا الانفجار في تهديم مسجد وستين دارا دكت من أساسها.
وليس غرض هذا الكتاب شرح الصراع السياسي الشديد الخطورة الذي قام على السلطة سواء على الملك أوالقيادات والذي برز في هذه الفترة بسبب استبداد الحكام الظالمين على المدن والقبائل المغربية حتى قامت الثورة ضدهم ومن ضمن ذلك ما يعرف ” بعيطة السبت ” في تطوان. والذي يهمنا هنا هو:
المحـنـة السياسية للسـفيـر أبـغلـي بعد العودة:
فقد قامت معركة سياسية دبلوماسية بين الباشا أحمد من جهة، وبين السفير الانجليزي “جان روسيل” حول السفير أبغلي، هل يتجه إلى طنجة محملا بالهدايا ويسلمها للقائد أحمد الريفي ولي نعمته في السفرة إلى انجلترا ليسلمها بدوره إلى السلطان الجديد أحمد الذهبي مع الهدايا الأخرى التي أرسلها الملك جورج الأول ملك الانجليز عن طريق سفيره “روسيل” إلى ملك المغرب. أم يبقى بجبل طارق؟
و يروي المؤلف “برايت وايت” هذه المعركة بتفاصيل دقيقة ابتدأها بالرسالة التي كتبها السلطان أحمد الذهبي بن إسماعيل إلى السفير الإنجليزي “جان روسيل” بمجرد وصوله إلى جبل طارق صحبة السفير أبغلي ورد فيها …
أخبرنا الباشا أحمد بن علي بن عبد الله الريفي أنكم وصلتم إلى جبل طارق و معکم صاحب القائد المذكور (يعني السفير أبغلي) الذي كان في عاصمة مملكتكم وأخبرنا بما تؤملون منا من تجديد العهود التي كانت بين والدنا رحمه الله وبين دولتكم، وعليه فأقدم لدينا مصونا من كل مروع أنت ومن معك من الأصحاب.)
وتحفظ السفير أبغلي في اتخاذ القرار المناسب بسبب الحيـــــرة والارتباك من جراء الأحداث الجارية بتطوان بين الأهالي والحاكم أحمد الريفي خوفا على مصيره ومصير عائلته وأولاده المقيمين بتطوان، فتريث في السفر وتربص مدة بجبل طارق صحبة الوفد الانجليزي ريثما ينجلي الموقف،
ولكن الباشا أحمد الذي سال لعابه وتعطش أمله للاستيلاء على الهدايا الإنجليزية.
( لم يمهل السفير أبغلي في الإنتظار أكثر مما طال بل كتب الباشا أحمد الريفي من طنجة رسالة إلى القنصل الانجليزي هناك “المستر هاتفيلد”. مؤرخـة بـ 14 رمضان 1139 هـ ( 5 مايو 1727 م ). لخصها محمد داود في تاريخه بالآتي:
نرجوكم أن تبحثوا عن أقرب وسيلة لاستقدام أبغلي من جبل طارق في أقرب فرصة ممكنة. ونرجوك أن تكتب أيضا إلى الأميرال وإلى الحاكم مخبرا – بأننا ننتظر، بعون الله – الفرصة لنبرهن للانجليز على اعترافنا بجميل الخدمات التي سيقدمونها لنا، و على الخصوص مسألة إرسال البغولي إلى طنجة في أقرب وقت ممكن، وفي حالة إبداء رغبته في الذهاب إلى تطوان، فلا تساعدوه على الإبحار، لأننا قد أصدرنا إلى طنجة جميع الأوامر الضرورية لاقتباله، والفرسان لمرافقته حيثما شاء، والدواب بكمية كافية، لحمل الهدايا والعربات التي تلزمه لنقل أمتعته، والرجال ليحملوا على ظهورهم ما لا يناسب حمله على الدواب أو العربات، لهذا السبب لا يناسب أن ينزل في غير ميناء طنجة، وزيادة على ذلك فإن الطريق من تطوان إلى طنجة غير مأمونة من غارة اللصوص الدائمة، وعلى فرض أنه انتحل الأعذار لتأجيل سفره، فانا نرجوكم أن لا تعيروا قوله التفاتا وترغموه على السفر حب أم كره لأننا حالما نصل إلى مكناس سنتحدث مع الإمبراطور في شؤون الدولة الإنجليزية، ونرجوكم بكل تأكيد – أن تجيبوا رغباتنا المذكورة ، وتأكدوا أننا وكذلك الإمبراطور على استعداد لان نمنح الإنجليز من التقدير مثلما كان يمنحكم والده بل أكثر من ذلك مالم يشاهدوه في حياتـه. ونحن من جانبنا لن نقصر في بذل الجهود لندافع في القصر عن مصالح بلادك ولنا شديد الرغبة في أن تسوي بمنتهى العدل، ونرجوكم لوجه الله أن ترسلوا إلى طنجة خادمنـا وتأكدوا پاسادتي من صداقتي.
ورغم أن السفير أبغلي كان مصدر هذه الأزمة السياسية الدبلوماسية بين المغرب في شخص الباشا أحمد الريفي وبين السفير الإنجليزي “روسيل” ورغم الاستعطاف في التعجيل في إبحار السفير أبغلي إلى طنجة، إلا أن هذا الأخير بقي مصمما على البقـاء بجبل طارق حتى تظهر تصفية الأجواء بمدينة تطوان، رغم ما توصل به هو الآخر من رسائل من الباشا أحمد الريفي، ومن أعوانه لحثه على العودة إلى طنجة، فذهبت كل هذه الاتصالات أدراج الرياح فبقي أبغلي مصمما على البقاء بجبل طارق صحبة السفيـر الإنجليــزي طيلة شهور مايو ويونيه ويوليوز وغشت..
ثم يصف المؤرخ “برايت وايت” عملية الضغط والاتصال على أعلى مستوى حكومي مغربي بعد فشل اقناع السفير أبغلي بالتوجه إلى طنجة فيقول: (( إن الحاج عبد القادر بيرس السفير الأسبق إلـى إنجلترا وصل يوم 22 غشت 1727 م إلى تطوان قادما من مكناس وكان الغرض من إرساله أن يخبر انتصار قوات الإمبراطور على أخيه عبد المالك وهذا هو الغرض الظاهر، أما المقصد الأهم من هذه الرحلة فقد كان سريا وهو أن يحاول بيرس استقدام مستر”روسيل” والسفير أبغلي بما يحملان من الهدايا، ووصل بيرس إلى جبل طارق في أوائل شهر شتنبر على متن سفينة تجارية ..
وعن فحوى الاتصالات معه يقول “برايت ” : “وعقد بيرس عدة اجتماعات مع الاميرال واللورد يورط مور بخصوص السفير أبغلي، وقد أجيب عن مطالبه وشكاويه بأن أحدا لم يرغم هذا السفير على البقاء، ولكنه بمحض إرادته وبدون أي ضغط مكث في جبل طارق إلى أن تنجلي الأحوال في بلاده وتستقر، وقد عرض عليه مرارا أن ينقل إلى المغرب، لأن في بقائه بجبل طارق عبئا ماديا على الانجليز، كما أنه يسبب إليهم ارتباكا كبيرا، ولم يكن من عادتنا أن نطرد سفيرا خصوصا وأن أسباب تأ خير سفره معقولة، ووجيهة جدا ..”
وزادت محنة السفير حرجا حينما أجاب بيرس وهو السفير السابق لإنجلترا قبـل أبغلي والمبعوث حاليا من الملك أحمد الذهبي مباشرة وكوزير له ويعرف أصول الحديث الدبلوماسي حينما رد على مخاطبيه “إن هذا الوزير (أي أبغلي) قد استدعي للعودة ولم تبق له صفة السفير منذ استدعائه، ولا بقي له حق يخوله القيام بمهامه، وكان لهذه التعليلات أثرها فأزيل الحارسان اللذان كانا بباب فند ق السفيـر، وأحيط علما بأنه لن يعامل كوزير لأن مهمته قد انتهت، نتيجة لأوامر استدعائه، ولأن سيده الإمبراطور قد أرسل هذه الأوامر مع سيد من كبار رجال قصره هو الأميرال بيريس، وعلى ذلك أعلم أبغلي بصورة جدية أن يستعد للسفر محافظة على مصالحه الخاصة، لأنه ليس من المناسب أن يخالف أوامر الإمبراطور، وكان هذا النبأ ضربة قاسية علـى أبغلي، إذ تحققت مخاوفه، وأصبح يخشى من تسليمه أكثر مما قد يخشى صدور حكم الاعدام عليه..
وقد زار أبغلي قبل إبحاره، كلا من الأميرال – واللورد بورط مور – عدة مـرات، وأعتقد أنه كان يحاول أن يأخذ منهما رسائل شفاعة ووساطة لدى الباشا أحمد يعلمانه فيها أن سفيره قد عاد إلى طنجة بمحض اختياره ومجرد رغبته، وأنه رفض السفر مع بيريس على طريق تطوان، وقد برهن الأميرال حقيقة على اهتمامه بهذا الرجل البائس، مظهرا ذلك بأجلى مظاهره، حتى إنه حمله هدايا شخصية منه إلى الباشا ليضمن بهـا سلامته ثم أمر السفينة الحربية – ايرونديل – أن تنقل أبغلي إلى طنجة حوالي يوم 10 سبتمبر 1727 – وقد قابله الباشا أحمد بسرور لايوصف، حتى إنه قبل نزول سفيره الذي طال انتظاره، أمر بإتخاذ جميع الإجراءات ليكون استقباله باهرا، وأمر جميع مدافع المدينة أن تحييه، ودخل أمامه راكبا فرسا في رفقة أخيه حاكم المدينة وجميع رجال الحاشية وعدد كبير من الفرسان مما زاد الاحتفال رونقا كما لو كان من أيام الأعياد العامة.
ولم ينس الباشا أن ينبه الكبتن دانسای ( DANSAY ) قائد السفينة الحربيـة “ايرونديل” إلى ما في هذا الاحتفال من تقدير واحترام للسفير، ليبلغ الأميرال أن الباشا قد قبل شفاعته في (أبغلي) وتظاهر بالرضى عن القرار الذي اتخذه الأميرال لارساله المستر – روسل – عن طريق تطوان، لأن في ذلك الإجراء إرضاء للطرفين المختلفين، ولم يفت أميرالنا أن يتخذ الحيطة لاعداد استقبال مناسب للمستر روسیل، فزوده برسالة توصية لباشا تطوان، وحمله هدية له تتكون من واحد وعشرين برميلا من البارود وبندقية جميلة و ءانية من الخزف الصيني )).
وبعد هذا كله لا تتحدث المراجع التاريخية عن بقية أيام السفير أبغلي ولا عن تاريخ وفاته. وأشاطر رأي الدكتور عبد الهادي التازي الذي عقب على ذلك بقوله : (وإن بقي علينا أن نعرفه بعد هذه الأيام القلقة من حياة السفير محمد علي أبغلي هو المصير الذي كان ينتظره، وهل انه استطاع أن يعيش في تلك الفترة المضطربة من تاريخ المغرب.) ولم ينس الدكتور التازي في ختام حديثه عن السفير أبغلي دون أن يعلق من جديد على اللوحة الرائعة للسفير التي رسمها الفنان (اینوش سیمان) والموضوعة بالأكاديمية الملكية البريطانية والتي تصدرت الصفحة الأولى عند الحديث عنه في هذا الكتاب، من القول بأن سيدة مغربية شدها شغفها بالفن إلى الوقوف طويلا أمام الرسم الأصلي، واستطاعت أن تخرج بهذه اللوحة التي كان مالكها يطلب ثمنا خياليا لبيعها. وهذه السيدة هي الرسامة آمنة العراقي كريمة الدكتور أحمد العراقي الوزير الأول الأسبق في الحكومة المغربية، وقد أهدتها إلى والد زوجها السيد عبد الرحمان السلاوي الذي تفضل وأعار الرسم لي لما أخبرته بعزمي على نشر مقال عن السفير أبغلي. ).
الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية
للمؤلف: محمد الحبيب الخراز
(بريس تطوان)
يتبع…
الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية
للمؤلف: محمد الحبيب الخراز
(بريس تطوان)
يتبع…
إقرأ الخبر من مصدره