Étiquette : 14

  • المالية العمومية المغربية تعزز صمودها

    رغم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وما ترتب عليها من ضغوط على أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، حرص فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، على طمأنة الفرق البرلمانية بمجلس المستشارين، بشأن قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة هذه التطورات والحفاظ على توازنه المالي.

    لمياء جباري

    أكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أن من أبرز المؤشرات التي تعكس متانة الاقتصاد الوطني الارتفاع اللافت في احتياطيات المغرب من العملة الصعبة، والتي بلغت عند متم أبريل 2026 نحو 469,8 مليار درهم، مسجلة زيادة بنسبة 23,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. ويكفي هذا المستوى من الاحتياطيات لتغطية واردات المملكة لمدة خمسة أشهر و24 يوما، ما يعزز قدرة البلاد على امتصاص الصدمات الخارجية.

    وشدد المسؤول الحكومي على أن المالية العمومية تعرف دينامية إيجابية في إطار تنفيذ قانون المالية لسنة 2026، بفضل استمرار جهود تعبئة الموارد.

    وإلى غاية نهاية أبريل الماضي، ارتفعت المداخيل الجبائية بقيمة 10,4 مليارات درهم، أي بنسبة تقارب 8,5 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية، مع تحقيق نسبة إنجاز بلغت 36,3 في المائة من التوقعات المدرجة في قانون المالية.

    ويعود هذا الأداء بالأساس إلى النتائج الاستثنائية للضريبة على الشركات، التي سجلت ارتفاعا قدره 9,1 مليارات درهم، أي بنسبة 25 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، مع بلوغ نسبة إنجاز بلغت 48,1 في المائة من التقديرات الأصلية.

    مراجعة مرتقبة لآفاق النمو الاقتصادي

    يمثل الأداء المالي مؤشرا إيجابيا على تحسن الوضعية الاقتصادية، خاصة أنه تزامن مع التساقطات المطرية الأخيرة التي يُرتقب أن ترفع محصول الحبوب إلى حوالي 90 مليون قنطار. ومن شأن هذا التطور أن يفتح الباب أمام مراجعة توقعات النمو الاقتصادي، التي يُنتظر أن تصل إلى 5,3 في المائة خلال سنة 2026.

    وفي خضم النقاش العمومي حول إمكانية توجيه جزء من المداخيل الإضافية لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، حرص لقجع على توضيح عدد من المعطيات المرتبطة بالعائدات الجبائية الناجمة عن ارتفاع أسعار المحروقات.

    وأوضح أن المغرب لا يفرض أي رسوم جمركية على واردات المنتجات البترولية، كما أن الضريبة الداخلية على الاستهلاك تُحتسب على أساس الكميات المستوردة وليس وفق الأسعار، ما يعني أن تقلب أسعار النفط لا يؤثر مباشرة في حصيلة هذه الضريبة.

    ويقتصر الأثر على الضريبة على القيمة المضافة، التي لا تتجاوز مساهمتها 0,46 درهم في كل لتر من الغازوال، أي ما يعادل نحو 12 في المائة فقط من الزيادة المسجلة منذ اندلاع الأزمة، والتي بلغت في المتوسط 3,7 دراهم للتر الواحد.

    وفي حال استمرار الأسعار الحالية حتى نهاية السنة، فإن المداخيل الإضافية المحتملة من الضريبة على القيمة المضافة لن تتجاوز 3 مليارات درهم.

    تضخم تحت السيطرة

    أكد فوزي لقجع أن معدل التضخم لا يزال في مستويات محدودة، مشيرا إلى أن الدولة تدخلت لدعم سعر الغازوال بهدف الحفاظ على كلفة النقل عند مستوياتها السابقة، والحد من انتقال الزيادات إلى باقي أسعار السلع والخدمات.

    وتظهر المعطيات أن معدل التضخم بلغ ناقص 0,1 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، قبل أن يسجل 0,9 في المائة خلال شهر مارس، وهو ما يعكس استمرار السيطرة على الضغوط التضخمية.

    تراجع متوقع لعجز الميزانية

    أبرز الوزير المنتدب المكلف بالميزانية أن الدينامية الإيجابية للمداخيل وفرت هوامش مالية إضافية، ستُمكن الحكومة من خفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام بنهاية سنة 2026، بتحسن يقارب نصف نقطة مئوية مقارنة بسنة 2025.

    ويُرتقب أن يواصل مستوى مديونية الخزينة تراجعه ليستقر في حدود 66 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال السنة الجارية. ويأتي هذا التطور في سياق التحسن الكبير للمداخيل العادية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ ارتفعت من 256,2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424,2 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة إجمالية قدرها 168 مليار درهم، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 13,5 في المائة، مدفوعا بالأداء القوي للمداخيل الجبائية.

    عجز مؤقت لا يعكس الصورة الكاملة

    بلغ عجز الميزانية مع نهاية أبريل 2026 نحو 15,5 مليار درهم، مقابل 11,8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وفق معطيات الخزينة العامة للمملكة.

    غير أن هذا التطور لا يعكس بالضرورة تدهورا في الوضعية المالية، إذ ارتفعت المداخيل العادية بنسبة 7 في المائة لتصل إلى 154,3 مليار درهم، كما سجلت الحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة فائضا قدره 27,9 مليار درهم، فيما ظل الرصيد العادي إيجابيا عند 1,63 مليار درهم.

    وفي ظل تسريع تنفيذ برنامج الاستثمار العمومي وتعميم ورش الحماية الاجتماعية، أصبحت المصداقية الميزانياتية معيارا أساسيا لقياس قدرة الدولة على تنفيذ الميزانية، وفق ما صادق عليه البرلمان وضمان استدامة نموذج التنمية الوطني.

    مالية عمومية بأسس قوية

    تتطور المالية العمومية في سياق يتسم بارتفاع ملموس في النفقات، التي زادت بنسبة 12,2 في المائة إلى نهاية أبريل 2026، مدفوعة بارتفاع نفقات التسيير بنسبة 14,4 في المائة والاستثمار بنسبة 19,6 في المائة.

    ورغم ذلك، لم يتجاوز الالتزام باعتمادات الاستثمار 33 في المائة، مقابل 39 في المائة بالنسبة إلى النفقات الجارية، ما يعكس تفاوتا في وتيرة التنفيذ.

    ويرى صندوق النقد الدولي أن هذه المعطيات لا تغير من التوقعات التي تشير إلى بلوغ عجز الميزانية 3,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026، مع استمرار انخفاض الدين المركزي إلى نحو 60,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.

    رهان استراتيجي على البنيات التحتية

    يمضي المغرب في تنفيذ برنامج استثماري واسع في مجالات البنيات التحتية والسياحة بقيمة 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، بتمويل أساسي من المؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية.

    ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرفع هذا البرنامج الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3 في المائة على المدى الطويل، لكنه يحذر من مخاطر مرتبطة بارتفاع كلفة المشاريع والاعتماد الكبير على الواردات والضغط المؤقت على التمويل الخاص.

    ويؤدي تجاوز الكلفة التقديرية بنسبة 30 في المائة إلى زيادة الدين العمومي بما بين نقطتين وثلاث نقاط من الناتج الداخلي الإجمالي، دون تحقيق أثر إضافي على النمو، في حين أن تحسين كفاءة التنفيذ من شأنه أن يعزز العائد الاقتصادي دون زيادة المديونية.

    التعليم والصحة.. الحاجة إلى رفع النجاعة

    يخصص المغرب ما يعادل 10,9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 للإنفاق الاجتماعي في مجالات الدعم الاجتماعي والصحة والتعليم والسكن.

    ورغم أن هذا المستوى يفوق متوسط الاقتصادات الصاعدة، فإن صندوق النقد الدولي يشير إلى وجود فجوات مهمة في الكفاءة، تقدر بنحو 37 في المائة في قطاع التعليم و27 في المائة في قطاع الصحة، ما يعكس إمكانات كبيرة لتحسين تخصيص الموارد وتعزيز مردودية الإنفاق العمومي.

    ثلاث ركائز لتعزيز المصداقية الميزانياتية

    في مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية، من تقلب أسعار المواد الأولية إلى آثار الجفاف وارتفاع كلفة البنيات التحتية، يوصي صندوق النقد الدولي بترسيخ ثلاثة محاور رئيسية لتعزيز الاستقرار المالي في أفق 2030: تشديد الانضباط في تنفيذ الميزانية وحماية اعتمادات الاستثمار، تعزيز الشفافية من خلال إدماج التزامات المؤسسات العمومية والجماعات الترابية في الإطار الماكرو- ميزانياتي، ورفع فعالية الإنفاق العمومي، عبر اعتماد مؤشرات النتائج وتسريع تنزيل الجهوية واللاتمركز.

    ويؤكد الصندوق أن المغرب يتوفر على أسس اقتصادية متينة ومسار مديونية قابل للاستدامة، غير أن نجاح هذه الدينامية يظل رهينا بجودة التنفيذ، والحد من انزلاقات الكلفة، وتعزيز الحكامة المؤسساتية.

    وفي هذا السياق، تبرز المصداقية الميزانياتية كعامل حاسم لضمان حسن تدبير الموارد العمومية، وتحويل كل درهم من الإنفاق إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق سنة 2030.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اكتشاف “مكبح طبيعي” للالتهاب يفتح أملاً لعلاج أمراض مزمنة

    كشف باحثون من جامعة كوليدج لندن عن آلية بيولوجية قد تعمل كـ“مفتاح إيقاف” طبيعي للالتهابات داخل جسم الإنسان، في اكتشاف قد يمهد لتطوير علاجات أكثر دقة وأماناً لأمراض مزمنة ترتبط بالالتهاب، مثل التهاب المفاصل، وأمراض القلب، والسكري، وبعض الاضطرابات العصبية التنكسية.

    ووفق الدراسة المنشورة في مجلة Nature Communications، حدد الفريق البحثي دور مجموعة من جزيئات الدهون الطبيعية تُعرف باسم إيبوكسي-أوكسيليبينات، وهي مركبات يبدو أنها تساعد الجسم على تهدئة الاستجابة المناعية ومنع الالتهاب من الاستمرار لفترة طويلة.

    ويُعد الالتهاب جزءاً أساسياً من دفاعات الجسم، إذ يساعد على مقاومة العدوى وإصلاح الأنسجة المتضررة، غير أن تحوله إلى التهاب مزمن قد يجعله عاملاً مساهماً في أمراض واسعة الانتشار، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري، واضطرابات المناعة الذاتية، والزهايمر.

    وركز الباحثون على مسار بيولوجي مرتبط بإنزيمات السيتوكروم بي 450، التي تحول بعض الأحماض الدهنية إلى جزيئات إشارات حيوية. وكانت دراسات سابقة على الحيوانات قد أشارت إلى أن هذه المركبات قد تمتلك خصائص مضادة للالتهاب والألم، لكن دورها المباشر في الإنسان لم يكن واضحاً بما يكفي.

    ولاختبار الفرضية، أحدث العلماء استجابة التهابية مؤقتة لدى متطوعين أصحاء من خلال حقن بكتيريا إي كولاي معطلة بالأشعة فوق البنفسجية في جلد الساعد، ما أدى إلى أعراض موضعية مثل الاحمرار والتورم والسخونة والألم، في نموذج يحاكي الالتهاب الطبيعي دون التسبب في عدوى فعلية.

    بعد ذلك، استخدم الباحثون دواءً تجريبياً يُعرف باسم GSK2256294، يعمل على تثبيط إنزيم يسمى هيدرولاز الإيبوكسيد القابل للذوبان، وهو الإنزيم المسؤول عادة عن تكسير مركبات الإيبوكسي-أوكسيليبينات بسرعة داخل الجسم. وبإبطاء تكسير هذه الجزيئات، تمكن العلماء من رفع مستوياتها ومراقبة تأثيرها في مسار الالتهاب.

    وأظهرت النتائج أن الدواء رفع مستويات بعض المركبات، خاصة 12,13-EpOME و14,15-EET، وساعد على تسريع تراجع الألم، وخفض أعداد نوع من الخلايا المناعية المرتبطة بالالتهاب المزمن، من دون أن يوقف بشكل كامل العلامات الخارجية للالتهاب مثل الاحمرار أو التورم.

    ويرى الباحثون أن أهمية هذا الاكتشاف تكمن في أنه لا يقوم على تعطيل جهاز المناعة بشكل واسع، كما تفعل بعض العلاجات المضادة للالتهاب، بل يساعد الجسم على استعادة التوازن الطبيعي للاستجابة المناعية. وهذا قد يجعل العلاجات المستقبلية أقل عرضة للآثار الجانبية المرتبطة بإضعاف المناعة.

    ورغم النتائج الواعدة، لا يزال الاكتشاف في مرحلة بحثية مبكرة، ولا يعني توفر علاج جاهز للمرضى حالياً. ويأمل العلماء أن تمهد هذه النتائج لتجارب سريرية أوسع، خاصة في أمراض المناعة الذاتية والالتهابات المزمنة، لمعرفة ما إذا كان هذا المسار البيولوجي يمكن استهدافه بأمان وفعالية في العلاج.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ترايل شفشاون.. عشاق الجري يتنافسون في 3 سباقات

    العلم – الرباط

    تستعد مدينة شفشاون، خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 14 يونيو 2026، لاحتضان دورة جديدة من تظاهرة « ترايل شفشاون »، التي باتت واحدة من أبرز المواعيد الرياضية والطبيعية بالمغرب، وملتقى سنويا لعشاق سباقات الجري الجبلي والمغامرات في الفضاءات المفتوحة.

    وينظم هذا الحدث الرياضي وسط المناظر الطبيعية الساحرة التي تتميز بها جبال الريف، في أجواء تجمع بين التحدي الرياضي ومتعة الاكتشاف، مع التركيز على قيم احترام الطبيعة وتشجيع السياحة البيئية والتنمية المستدامة.

    وستعرف هذه الدورة تنظيم عدة سباقات بمسافات مختلفة، تستجيب لمستويات وتجارب المشاركين، حيث يتضمن البرنامج الرئيسي سباقا يمتد على مسافة 82 كيلومترا موزعة على ثلاث مراحل وثلاثة أيام، يمنح العدائين تجربة استثنائية لعبور المسالك الجبلية والغابوية التي تشتهر بها منطقة شفشاون.


    كما ستشهد التظاهرة تنظيم سباق متوسط على مسافة 44 كيلومترا، موزع على مرحلتين ويومين، لفائدة الراغبين في خوض تجربة « الترايل » ضمن مسافة أقل، إلى جانب سباق مفتوح لمسافة 10 كيلومترات يوم الأحد 14 يونيو 2026، سيتيح للهواة وعشاق رياضة الجري فرصة المشاركة في هذا الموعد الرياضي في أجواء احتفالية مميزة.

    ومن المرتقب أن يستقطب « ترايل شفشاون » مشاركين من المغرب وخارجه، ما من شأنه تعزيز الإشعاع الرياضي والسياحي للمدينة، والتعريف بالمؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها منطقة الريف.

    وأكد المنظمون في بلاغ صحافي أن هذه التظاهرة أصبحت موعدا ثابتا ضمن أجندة الرياضات الجبلية بالمغرب، بفضل النجاح المتواصل الذي حققته الدورات السابقة، والدعم الذي تحظى به من الشركاء والرعاة والفاعلين المحليين، الذين يساهمون في ترسيخ مكانة شفشاون كوجهة رياضية وسياحية متميزة.

    وأوضح البلاغ ذاته أن عشاق الرياضة والطبيعة سيكونون، أيام 12 و13 و14 يونيو 2026، على موعد مع تجربة إنسانية ورياضية فريدة في قلب جبال الريف المغربي، حيث يلتقي التحدي بجمال الطبيعة وروح المغامرة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصين ترصد القاذفات الشبحية.. كيف تتآكل منظومة التخفي الأغلى في العالم؟

    في صباح الأول من مارس، أقلعت 4 قاذفات إستراتيجية شبحية من نوع “بي-2 سبيريت” من قواعدها متجهة نحو إيران، في مهمة لضرب منشآت صاروخية مدفونة تحت الجبال في إيران ضمن الموجة الأولى من عملية “الغضب الملحمي”. القاذفات الشبحية الأمريكية، الأغلى في التاريخ، والتي يتجاوز ثمن الواحدة منها ملياري دولار، صُممت لغرض واحد: أن تصل وتضرب هدفها، ثم تعود دون أن يعرف أحد أنها كانت هناك.

    في اليوم التالي، نشرت شركة صينية تُدعى “جينغان تكنولوجي”، وهي شركة عسكرية تقدم خدمات استخبارية لجيش التحرير الشعبي، على وسائل التواصل الاجتماعي أنها عرفت بوجود تلك القاذفات، وادعت أن نظامها “جينغتشي” لرصد أحداث الحروب اعترض إشارات لاسلكية من القاذفات الأربع، وحددت إشارات اتصالها، من بيترو 41 إلى بيترو 44 ( تشير هذه الأرقام إلى تسلسلات التشكيلات العسكرية؛ حيث يعكس الرقم الأول السرب أو التشكيل، ويعكس الرقم الثاني ترتيب أو موقع الطائرة داخل هذا التشكيل) وأعادت بناء مسار رحلة العودة بالكامل.

    “تهدد مجموعة من التقنيات الرخيصة والمتاحة منظومة التخفي المعقدة للطائرة الأغلى في العالم”

    النظام الذي استخدمته الشركة ليس رادارا أو منظومة اعتراض إشارات تقليدية، ولكنه مزيج من صور الأقمار الاصطناعية التجارية وبيانات تتبع الرحلات المفتوحة والسجلات العسكرية العلنية، مع تقنيات ذكاء اصطناعي تستخدم لتحليل هذه البيانات. هذا المنهج تحديدا، وليس الادعاء نفسه، يفتح الباب لمناقشة فكرة أعمق حول “مواجهة التخفي”، لأن شركة صينية أخرى استخدمت الأدوات ذاتها، وما كشفته كان أكبر بكثير من مسار رحلة عودة لقاذفات شبحية أمريكية.

    المهم أن أيا من ذلك لم يحدث بسبب اختراق علمي في تكنولوجيا الرادارات، بل بسبب أقمار اصطناعية تجارية، وتقنيات ذكاء اصطناعي، وبيانات مفتوحة المصدر متاحة على الإنترنت، وسوق عالمية بنتها أمريكا نفسها وباعتها للعالم. والسؤال الآن: كيف تتآكل منظومة التخفي للطائرات الأغلى في العالم بسبب هذه التقنيات البسيطة والمتاحة؟

    التحول الحديث
    قبل أسابيع من عملية “الغضب الملحمي”، كانت شركة صينية أخرى تُدعى “ميزار فيجن” تنشر صورا فضائية من أقمار اصطناعية تحدد أعداد المقاتلات الأمريكية وأنواعها ومواقع دفاعها الجوي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد وثقت الشركة ونشرت معلومات عن 2500 أصل عسكري أمريكي منتشر حول العالم قبل أن تسقط أول قنبلة على الأراضي الإيرانية.

    في الشهر الأخير قبل العملية قفزت الشركة من نشر تحليلات متفرقة إلى تحديثات يومية على وسائل التواصل الاجتماعي، بتفاصيل غير مسبوقة، عن الطائرات ومنظومات التسليح الأمريكية وأماكن انتشارها الدقيقة في الشرق الأوسط وحوله. على سبيل المثال، وقبل يوم واحد من العملية، نشرت الشركة صورا لسبع مقاتلات “إف-22” أمريكية في قاعدة عوفدا الإسرائيلية مع طائرات “سي-17” تفرغ الإمدادات، إضافة إلى عتاد في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي.

    ثم تتبعت الشركة حاملة الطائرات “جيرالد فورد” بعد مغادرتها قاعدة سودا البحرية في كريت، ونشرت صورا لحاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وهي في طريقها للالتقاء بسفينة إمداد في بحر العرب قبالة سواحل عُمان. وأظهرت الشركة كيف يمكن تحديد موقع حاملات الطائرات في عرض البحر بدمج أدوات تتبع الرحلات المفتوحة مع صور الأقمار الاصطناعية. ثم جاء ادعاء شركة “جينغان تكنولوجي” في اليوم التالي لمهمة القاذفة الإستراتيجية “بي-2 سبيريت”.

    لم تكن شركة “ميزار فيجن” الوحيدة التي رأت كل هذا، إذ نشرت صحف غربية تقارير تستعرض الحشد العسكري الأمريكي بالكامل مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية والمصادر التجارية والأدوات ذاتها.

    المفارقة أن هو بو، أستاذ البحوث ومدير مركز دراسة الإستراتيجيات البحرية بجامعة بكين، أكد أن صور شركة “ميزار فيجن” لم تُلتقط بأقمار صينية، بل كان مصدرها أقمارا أمريكية وأوروبية تجارية، كما يتضح من مدارات الأقمار ودقة الصور. بمعنى آخر: الصور التي رسمت خريطة الحرب الأمريكية التُقطت بأقمار صنعتها أمريكا وأوروبا وباعتها في السوق المفتوحة.

    هنا يتضح ما الذي انكشف فعلا وما الذي لم ينكشف، فقاذفة “بي-2” غير مرئية للرادارات، هذا لا يزال صحيحا حتى هذه اللحظة على الأقل. لكنها لم تطر يوما وحدها، ففي كل عملية ترافقها غالبا المنظومة ذاتها: طائرات تزود بالوقود، وطائرات نقل للذخائر، وطائرات إنذار مبكر، وحاملات طائرات ومدمرات. تلك المنظومة جزء أساسي من طريقة عمل أي سلاح جوي حديث، وما تغير ليس المنظومة نفسها، بل حقيقة أن رصدها بتلك الدقة كان يتطلب سابقا أقمار تجسس عسكرية وأجهزة استخبارات على مستوى الدول، بينما اليوم أصبح يتطلب اشتراكا في خدمة تجارية.

    لاحظ كيف يتحدث بعض المسؤولين الصينيين السابقين عن هذه الحملة، إذ قال عقيد صيني متقاعد عن نشاط شركة “ميزار فيجن” إنه “استكشاف مفيد يسهم في تطوير الصين كقوة استخبارية”. بالنسبة إلى بكين، سواء تعلق الأمر بصور فضائية أو بادعاء اعتراض إشارات قاذفات “بي-2” الشبحية، فربما لا يحتاج الأمر أن يكون دقيقا ليحقق هدفه، فيكفي أن يرسخ صورة قوة منظومة الاستخبارات الصينية والشركات العاملة معها في جمع المعلومات، والتقنيات الحديثة التي توظفها.

    “في أبريل 2024 أنشأ الرئيس الصيني شي جين بينغ قوة دعم المعلومات كفرع إستراتيجي جديد يقدم تقاريره مباشرة للجنة العسكرية المركزية”

    ويتسق هذا مع العقيدة العسكرية الصينية، ففي أبريل/نيسان 2024 أنشأ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، “قوة دعم المعلومات” كفرع إستراتيجي جديد يقدم تقاريره مباشرة للجنة العسكرية المركزية. تتمثل مهمة القوة الأساسية في إنشاء وتشغيل نظام معلومات شبكي متعدد الأغراض يدعم العمليات العسكرية المشتركة في أي بيئة صراع وتحت أي هجوم للعدو. ووفقا لمحللي جيش التحرير الشعبي، فإن “النجاح في الحروب الحديثة يعتمد على التدفق السلس للمعلومات”، مما يجعل تلك الشبكة ركيزة أساسية في الحروب والمنافسات الإستراتيجية على حد سواء.

    تقييد الرؤية
    على الجهة المقابلة، ردت واشنطن بتقييد ما يراه العالم، ففي السادس من مارس/آذار فرضت شركة “بلانيت لابز” الأمريكية تأخيرا قدره 96 ساعة على صورها الفضائية، وهي الشركة التي تأسست عام 2010 ويستخدم الإعلام والباحثون صورها الفضائية على نطاق واسع. وبعد أيام ضاعفت “بلانيت لابز” القيود إلى 14 يوما، ووسعت النطاق ليشمل كل منطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق المتاخمة لها جغرافيا التي يمكن أن تتحرك عبرها القوات والأصول الأمريكية.

    بالمثل فرضت شركة “فانتور” قيودا مشابهة وقالت إنها تحددها “باستقلالية”. وليس تقييد الصور التجارية في أثناء النزاعات والحروب بالأمر الجديد، فقد فرضت شركة “بلانيت لابز” تأخيرا قدره 30 يوما في أثناء الحرب على غزة. لكن السياق هنا مختلف، لأن تلك القيود جاءت بعد أن استهدفت إيران لاحقا عددا من المنشآت والممتلكات التي عرضتها “ميزار فيجن” بصواريخ ومسيرات.

    “تضخم الصين ما يمكنها رؤيته، بينما تقيد أمريكا ما يمكن للآخرين رؤيته، لكن الطرفين يقران ضمنيا بأن البيانات التجارية أصبحت قادرة على كشف ما كان يُفترض أنه سري”

    لكن ربما تلك القيود لم تكن بهدف حماية القوات والعتاد فحسب، إذ جاءت أيضا بعد أن استخدمت فرق التحقيق الصحفية صور أقمار “بلانيت لابز” ذاتها لتحليل الضربة على مدرسة ميناب الابتدائية للفتيات والتحقق من نوع الصاروخ. إذ أشار صحفيون إلى أن هذا التأخير الذي تحول لاحقا إلى حظر “يبطئ التحقق ويجعل التثبت من الوقائع أصعب”، وأكدوا أن صور أقمار “بلانيت لابز” مكنت فرقهم من تحليل الضربات على المدرسة.

    وقال وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، إن “المصادر المفتوحة ليست المكان المناسب لتحديد ما حدث أو لم يحدث”. ولكن حين تكون المصادر المفتوحة فعليا هي الأداة الوحيدة المتاحة للعالم لمعرفة ما يجري في حرب لا يملك للمعلومات الدقيقة بشأنها، فإن تقييدها لا يهدف إلى حماية القوات فحسب، بل إلى حماية السردية أيضا.

    وهنا تحديدا تتقاطع ردتا الفعل، فربما تضخم الصين ما يمكنها رؤيته، بينما تقيد أمريكا ما يمكن للآخرين رؤيته، لكن الطرفين يقران ضمنيا بأن البيانات التجارية أصبحت قادرة على كشف ما كان يُفترض أنه سري. وتستثمر بكين الآن في هذا التحول الحديث، وتحاول واشنطن إبطاءه، لكن أيا منهما لا تستطيع عكس اتجاهه. ولنفهم طبيعة هذا التحول، علينا أن نعود بالزمن إلى ثمانينيات القرن الماضي.

    تغير المعادلة
    حين صمم مهندسو شركة “نورثروب” قاذفة “بي-2” الإستراتيجية، كان عدوهم حينها محددا، وهو شبكات الرادار السوفييتية. كل خط في هيكل الطائرة، وكل زاوية، وكل طبقة طلاء، صُممت لتقليل البصمة الرادارية. كان المبدأ بسيطا، فإذا لم يرك الرادار، لا يمكن اعتراضك.

    كان هذا المبدأ صالحا لأن الرادار كان فعلا الطريقة الوحيدة لرؤية ما يحدث في السماء. لكنه كان يصلح أيضا لسبب آخر لا يُذكر كثيرا، وهو أن البيئة حول الطائرة كانت محمية بعتمة معلوماتية طبيعية. رصد القواعد وطائرات الدعم وسلاسل الإمداد كان يتطلب وقتها أقمارا عسكرية وأجهزة استخبارات على مستوى الدول.

    اليوم، كما رأينا، انكشفت تلك العتمة والحماية معا، وباتت هناك 3 اتجاهات لم تكن موجودة حين رُسمت الخطوط الأولى للقاذفة “بي-2” على الورق. الاتجاه الأول يتمثل في عدد العيون في الفضاء، فحين دخلت قاذفة “بي-2” الخدمة عام 1997 كانت الأقمار القادرة على التقاط صور عالية الدقة حكرا على حفنة قليلة من الدول. أما اليوم فإن كوكبة “جيلين-1” (أكبر شبكة تجارية صينية لأقمار الاستشعار عن بُعد ومراقبة الأرض) وحدها تضم نحو 300 قمر صغير، وقادرة على إنتاج صور بدقة نصف متر تشمل فيديو مباشر لأهداف متحركة.

    على الجانب الآخر تملك شركة “بلانيت لابز” أسطولا من الأقمار يصور كل نقطة على الأرض عدة مرات يوميا، وتوفر شركة “فانتور” صورا بدقة 0.3 متر. هذه ليست أقمار تجسس حكومية، بل منتجات تجارية متاحة لأي عميل يدفع المقابل. وقد قدر البنتاغون نفسه عام 2022 أن الصين “تملك وتشغل نحو نصف أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفضائية في العالم”، وهذا يشمل القدرات العسكرية فقط. وحين تُضاف الأقمار التجارية يصبح الفضاء مزدحما بعيون لا تخضع لجهة واحدة.

    الاتجاه الثاني هو تقنيات الذكاء الاصطناعي، فما كان يحتاج عشرات المحللين لتدقيق صور الأقمار وتحديد أنواع الطائرات أصبح يؤديه برنامج يمسح آلاف الصور ويكشف أنماط الانتشار تلقائيا. هذا ما فعلته شركة “ميزار فيجن” تحديدا، إذ اشترت صورا تجارية وحولتها بالذكاء الاصطناعي إلى استخبارات جاهزة. لم تعد العملية تتطلب إذن جهاز استخبارات متخصص، بل شركة ناشئة بتمويل كافٍ.

    الاتجاه الثالث يتمثل في توافر البيانات مفتوحة المصدر، فمواقع تتبع الرحلات الجوية متاحة للجميع. مثلا نظام “جينغتشي”، الخاص بشركة “جينغان تكنولوجي”، يعمل بدمج صور أقمار مع بيانات مسارات طيران وسجلات عسكرية علنية ثم يحلل الأنماط. يطلق المحللون على هذا مصطلح “شفافية التخفي”، فالطائرة الشبحية مصممة لتفادي الرادار، لكنها تعمل ضمن شبكة عملياتية من طائرات دعم وتحركات لوجستية وقواعد ثابتة، وهذه الشبكة التي كانت محمية بعتمة المعلومات سابقا، لم تعد محمية الآن.

    وهنا ينبغي توضيح أن جزءا من تلك الصورة كان متاحا من قبل، فهناك مواقع يمكنها تتبع الطائرات العسكرية التي تبث إشاراتها في أثناء تحليقها عبر المجال الجوي المدني. فأي شخص كان يراقب حركة طائرات النقل وطائرات التزود بالوقود في الأسابيع التي سبقت العملية كان سيلاحظ تدفقا غير اعتيادي نحو قواعد الشرق الأوسط.

    “الطائرات الشبحية مصممة لتفادي الرادارات، لكنها تعمل ضمن شبكة عملياتية كانت محمية سابقا بعتمة المعلومات ولم تعد كذلك الآن”

    لكن تتبع الرحلات وحده لا يظهر حجم ونوعية العتاد الذي وصل المنطقة فعلا؛ المقاتلات من طراز “إف-35″ و”إف-22” تطير عادة بأجهزة الإرسال مطفأة في مناطق العمليات، فلا تظهر على أي شاشة تتبع. ومواقع الرحلات لا تحصي ما هو متوقف على مدرجات الطيران، ولا تحدد مواقع منظومات الدفاع الجوي، ولا تصور سطح حاملة طائرات.

    ما أضافته الأقمار التجارية هو الطبقة التي تكشف كل ما يعجز تتبع الرحلات عن رؤيته، أي الأصول الثابتة على الأرض. وما أضافته تقنيات الذكاء الاصطناعي هو القدرة على دمج الطبقتين معا، الحركة الجوية والصورة الأرضية، في خريطة عملياتية متكاملة وشبه فورية. الفارق ليس بين الرؤية والعمى، بل يمكن اعتباره بين شظايا متفرقة يمكن لمتخصص أن يجمعها، وخريطة حرب كاملة باتت منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

    ببساطة، صُممت قاذفة “بي-2” لعالم كان الرادار فيه العين الوحيدة، وكانت البيئة حولها معتمة، لكنها تطير اليوم في عالم مختلف تماما. لكن “الشفافية التجارية” ليست الجبهة الوحيدة لكشف التخفي، فالصين لا تكتفي بمحاولات رصد التخفي من الخارج، بل تعمل أيضا على مهاجمته من جبهات داخلية.

    رادارات جديدة؟
    بُنيت تكنولوجيا التخفي على مبدأ فيزيائي محدد: الطلاء والتصميم الهندسي يشتتان أو يمتصان موجات الرادار عالية التردد. لكن هذا يعمل مع ترددات معينة وليس مع جميعها، وهنا تظهر محاولات بكين لتجاوز التخفي في عدة مجالات.

    المجال الأول اليوم هو الرادارات المترية. ففي مايو 2025 عرضت شركة مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية الحكومية رادار “جيه واي-27 في” (JY-27V) في معرض الرادار العالمي، ووصفته بأنه “فنان بارع” في كشف أهداف التخفي. الفكرة ببساطة أنه لا يستخدم الموجات القصيرة التي صُممت الطائرات لامتصاصها، بل موجات أطول بكثير، يتراوح ترددها بين 30-300 ميغاهرتز. هذه الموجات الطويلة يصعب امتصاصها، إذ يتطلب ذلك طلاء أكثر سماكة ووزنا، وهو ما يخلق مشكلة للطائرة نفسها، لأنه يؤثر في خفة حركتها وأدائها في الجو. الرادار أيضا عملي وسريع الانتشار، إذ يمكن تثبيته على شاحنة ونشره في أقل من عشر دقائق.

    “الرادارات المترية ليست سلاحا حاسما بمفردها، إذ يمكنها رصد وجود هدف شبحي، لكن دقتها في تحديد الموقع أقل من الرادارات عالية التردد”

    لكن الرادارات المترية ليست سلاحا حاسما بمفردها، إذ يمكنها رصد وجود هدف شبحي، لكن دقتها في تحديد الموقع أقل من الرادارات عالية التردد، ما يصعب توجيه صاروخ اعتراضي بناءً على بياناتها وحدها. وتكمن قيمتها الحقيقية، وقدرتها الفعلية على تهديد الخصم، في دورها كحلقة أولى في شبكة استشعار متعددة الطبقات، إذ يكشف الرادار المتري الهدف وينبه منظومات أخرى أكثر دقة لتتولى التتبع والتوجيه.

    أما المجال الثاني والأكثر طموحا، فهو الرادارات الكمومية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أفادت تقارير إعلامية صينية ببدء إنتاج واسع النطاق لرادارات كمومية، يُعتقد أنها قد تتمكن من كشف المقاتلات الشبحية مثل “إف-22″ و”إف-35”. ويعتمد الرادار التقليدي على إرسال موجات راديوية ترتد عن الأجسام، ثم تُستخدم الإشارة المرتدة لتحديد موقع الهدف. أما الرادار الكمومي فيستخدم جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات بدلا من موجات الراديو، ما يتيح مستوى أعلى من الحساسية في الكشف عن الهدف.

    في هذا النوع من الرادارات، يمكن التعامل مع فوتون واحد فقط وقياس خصائصه بدقة، مثل الطاقة والاتجاه. وعند دخول الفوتون إلى الجهاز، تتحول طاقته إلى إشارة كهربائية صغيرة يمكن تحليلها. كما يعتمد النظام على ظاهرة “التشابك الكمومي”، حيث يُنتج فوتونين مرتبطين ببعضهما. وعند إرسال أحدهما نحو الهدف، فإن أي تغير يطرأ عليه يمكن رصده عبر الفوتون الآخر الموجود داخل الجهاز، ما يساعد على اكتشاف الأجسام حتى إذا ضعفت الإشارة المرتدة.

    “الرادار الكمومي يستخدم جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات بدلا من موجات الراديو، ما يتيح مستوى أعلى من الحساسية في الكشف عن الهدف”

    ورغم ذلك، لا توجد حتى الآن بيانات علمية منشورة أو تجارب ميدانية موثقة تثبت قدرة هذه الرادارات على كشف الطائرات الشبحية في ظروف تشغيل حقيقية. كما يشير خبراء المجال إلى تحديات تقنية حقيقية، أبرزها صعوبة الحفاظ على التشابك الكمومي في البيئات العملية، إضافة إلى تأثير الضوضاء والتشويش، ما قد يحد من كفاءة هذه الأنظمة في الاستخدام العسكري. ولكن الاتجاه العام لا يحتاج إلى نجاح كل ادعاء على حدة، فهذا الضغط متعدد الجبهات، من الرادارات إلى ميكانيكا الكم إلى الشفافية التجارية، يقلص المساحة التي يعمل بها مفهوم التخفي على أي حال، العام تلو العام.

    تقلص الفجوة بين أمريكا والعالم
    مفهوم التخفي، بمعناه الأوسع، ليس طلاء على طائرة، بل يمكن اعتباره ركيزة لنموذج كامل لإظهار وفرض القوة، بتحريك جيوش الدولة عبر المحيطات، ونشرها في قواعد بعيدة، وضرب أهداف في أي مكان، دون أن يراك أحد قبل أن تنفذ ضربتك. وهذا ما مكن واشنطن من خوض حروبها السابقة بتفاوت جوهري في المعلومات، فهي ترى ساحة المعركة، وخصومها لا يرون إلا ما تقرر أن تريهم إياه. وما حدث في الحرب على إيران قد يشير إلى أن هذا التفاوت بدأ يتراجع.

    أشارت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، إلى أن إيران نجحت في الاستفادة من “شبكة استخبارية واسعة النطاق.. وإنه ثمة صور كثيرة من الأقمار الاصطناعية التجارية متاحة الآن للشراء، بالإضافة بالطبع إلى ما كانوا يتلقونه من الروس والصينيين”.

    بينما ذهب سيث كرومريتش، رئيس الأركان السابق لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية بالشرق الأوسط، لمرحلة أبعد قائلا: “لم ينجز أحد أكثر مما أنجزه الإيرانيون بموارد أقل. إيران تملك استخبارات دقيقة، ليس فقط عن مواقع قواعدنا، بل عن كثير من أنماط حياتنا وأساليب عملنا العسكرية”. هذا ليس تقييما لمحلل خارجي أو مجرد ادعاء صيني، بل اعتراف من خبير على دراية واسعة بالمؤسسة العسكرية الأمريكية.

    وإلى جانب تآكل العتمة المعلوماتية، ثمة تحولات مرتبطة بها وإن كانت تختلف في طبيعتها. فقد أفاد آلان جوييه، المدير السابق لاستخبارات جهاز الأمن الخارجي الفرنسي، بأن إيران حصلت على الأرجح على نظام الملاحة الصيني بايدو، ما يفسر التحسن في دقة صواريخها مقارنة بحرب يونيو/حزيران الماضي. ويعمل نظام بايدو بـ45 قمرا مقابل 24 في نظام “جي بي إس” الأمريكي، والأهم أن واشنطن لا تستطيع تعطيله. وإن صح استخدام إيران لهذا النظام، فالقضية لم تعد تتعلق بمفهوم التخفي وحده، أي بقدرة أمريكا على ألا تُرى، بل باحتكارها منظومة التوجيه التي تمكن الآخرين من الضرب بدقة.

    لقد صُممت قاذفة “بي-2” لعالم يملك فيه عدد محدود من الدول القدرة على الرؤية، وكانت واشنطن فيه هي من يتحكم بما يُرى وما لا يُرى. بالطبع، لن يختفي ذلك العالم بين ليلة وضحاها، ولن يتبخر التفوق العسكري الأمريكي لأن شركة صينية نشرت صورا لقطع عسكرية أمريكية على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن الاتجاه الذي نسير إليه أصبح أوضح من ذي قبل، وأدواته في متناول من يريدها، من أقمار اصطناعية تجارية وذكاء اصطناعي وبيانات مفتوحة المصدر، مع تكلفة لاستخدام كل ذلك تنخفض كل عام عن العام الذي سبقه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسار أمني برعاية أمريكية.. هل تقترب بيروت وتل أبيب من تفاهمات طويلة الأمد؟

    تتجه المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، نحو مرحلة أكثر حساسية وتعقيدا، وسط تباين واضح في أولويات الأطراف المعنية.

    فالنقاش ينتقل من تثبيت وقف إطلاق النار إلى بحث ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد، تشمل مستقبل جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني، ودور “حزب الله”.

    وبينما تسعى بيروت إلى تثبيت التهدئة ووقف الهجمات الإسرائيلية، تبدو واشنطن ماضية في تكريس قواعد اشتباك جديدة، عبر إطلاق مسار أمني مباشر بين لبنان وإسرائيل.

    وهذا المسار تعتبره أوساط لبنانية تحولا سياسيا يتجاوز اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية نحو ترتيبات أمنية أوسع قد تفتح الباب أمام تفاهمات سياسية بعيدة المدى.

    وتسود تهدئة بين إسرائيل و”حزب الله” منذ 17 أبريل/ نيسان، لكن تل أبيب تخرقها يوميا، مواصلة عدوانا بدأته على لبنان في 2 مارس/ آذار، وخلّف 3042 قتيلا و9301 جريحا وأكثر من مليون نازح، وفقا لمعطيات رسمية.

    مرحلة سياسية جديدة

    وتعكس التطورات الجارية، وفقا لمراقبين، انتقال لبنان إلى مرحلة سياسية جديدة، بعدما باتت ملفات كانت في السابق من “المحرمات السياسية” جزءا من النقاش الرسمي، وبينها الحديث عن تنسيق أمني مباشر وترتيبات طويلة الأمد مع إسرائيل.

    ويرى متابعون أن واشنطن تسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بين لبنان وإسرائيل، بما يضمن هدوءا طويل الأمد على الجبهة الشمالية لإسرائيل، ويؤسس لمرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية الإقليمية.

    في المقابل، تبدو الساحة اللبنانية منقسمة بين مَن يعتبر المفاوضات فرصة لتثبيت الاستقرار ووقف التصعيد، ومَن يراها محاولة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تحت ضغط الحرب.

    انطلاق مسار أمني

    وأعلن الوفد اللبناني المشارك في الجولة الثالثة من المفاوضات الثلاثية بواشنطن يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري، أن المحادثات أفضت إلى “تقدم دبلوماسي ملموس” لصالح لبنان، وإلى اتفاق على تمديد التهدئة 45 يوما من 17 مايو.

    وقال الوفد، في بيان، إن التمديد يهدف إلى السماح ببدء المسار الأمني برعاية الولايات المتحدة في 29 مايو، و”تعزيز الزخم السياسي الذي تحقق خلال الأيام الأخيرة”.

    وأضاف أن الأطراف اتفقت على إطلاق “مسار سياسي رسمي” يعكس “انخراط لبنان البنّاء، ويعزز فرص التوصل إلى حل سلمي دائم”، على أن تُعقد جولة المفاوضات المقبلة يومي 2 و3 يونيو/ حزيران المقبل بواشنطن.

    الوفد أفاد بأن واشنطن ستعمل على “تعزيز التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل”، عبر مسار أمني يُفترض أن يبدأ رسميا في مقر وزارة الدفاع الأمريكية “بنتاغون”.

    وشدد على أن أولويات لبنان تتمثل في “استعادة السيادة على كامل أراضيه، وضمان أمن المواطنين، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، والإفراج عن المعتقلين واستعادة رفات الضحايا”.

    وتحتل إسرائيل مناطق بجنوبي لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب السابقة بين 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة نحو 10 كلم داخل الحدود الجنوبية.

    سلاح “حزب الله”

    وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تسعى للانتقال من التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات أمنية أكثر شمولا، تتناول مستقبل الوضع الميداني في جنوب لبنان، وآلية انتشار الجيش اللبناني، وطبيعة التنسيق الأمني بين بيروت وتل أبيب.

    وقال المحلل السياسي والكاتب الصحفي آلان سركيس للأناضول، إن ما يجري “ليس مجرد مفاوضات سياسية تقليدية، بل عملية تفاوض ذات شق أمني واضح سيبدأ بحثه رسميا في البنتاغون يوم 29 مايو”.

    وأضاف أن هذا المسار يتضمن تنسيقا أمنيا بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية بهدف “ترتيب الوضع الأمني في الجنوب ووقف الهجمات”.

    وتابع أن الاتفاق المرتقب “سيشمل الدولتين فقط، فيما لن يكون حزب الله شريكا مباشرا فيه، باعتبار أن الدولة اللبنانية هي المسؤولة عن الأمن والاستقرار”.

    وبالفعل بدأت المناقشات الأمنية بعيدا عن الإعلام، وسيكون الجيش اللبناني الجهة الأساسية المكلفة بإدارة الأمن في جنوبي البلاد “بوصفه السلطة الوحيدة المخولة بذلك”، حسب سركيس.

    وأكمل أن واشنطن تضغط بقوة للوصول سريعا إلى اتفاق أمني يتناول ملفات شمال نهر الليطاني وجنوبه، إضافة إلى المنطقة الحدودية التي تصفها إسرائيل بـ”الخط الأصفر”.

    وفي أبريل الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي فرض “الخط الأصفر” جنوب الليطاني، وهو شريط وهمي يحدد المنطقة الممتدة منه وصولا إلى الحدود على أنها “أمنية عازلة” في تكرار لنموذج قطاع غزة.

    وهذا الخط، وفقا لإسرائيل، يهدف إلى منع عودة النازحين، واستهداف أي تحركات مسلحة بوصفه “منطقة قتال” لا تخضع لتفاهمات وقف إطلاق النار.

    وأردف سركيس أن إسرائيل أبلغت الجانب الأمريكي والوفد اللبناني أنها لن تنسحب من جنوبي لبنان قبل “نزع سلاح حزب الله بشكل كامل”.

    وتابع: على أن يلي ذلك بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على المنطقة بإشراف أمريكي مباشر وتنسيق عسكري مستمر.

    وتتبنى الحكومة اللبنانية خطة لحصر السلاح، تشمل ما يملكه “حزب الله”، بيد الدولة، بينما يتمسك الحزب بسلاحه، ويشدد أنه “حركة مقاومة” للاحتلال الإسرائيلي.

    سركيس رأى أن الاتفاق الأمني المرتقب قد يشكل مدخلا لترتيبات سياسية أوسع، وربما لاتفاق سلام مستقبلي يضمن “أمن لبنان وإسرائيل”، وفقا لتعبيره.

    مطالب “تعجيزية”

    ورأى المحلل العسكري العميد المتقاعد هشام جابر أن المطالب الإسرائيلية المطروحة في الملف الأمني “تعجيزية”، وتتجاوز قدرة الوفد اللبناني على اتخاذ قرارات بشأنها.

    وقال جابر للأناضول إن إسرائيل تضع في مقدمة مطالبها “نزع سلاح حزب الله”، متسائلا عما إذا كان الوفد اللبناني يملك أصلا صلاحية الالتزام بمثل هذا القرار.

    وأضاف أن “هذا الملف لا يمكن حسمه من خلال وفد تفاوضي، فقرار بهذا المستوى يحتاج إلى توافق داخلي لبناني وموافقة المؤسسات الدستورية، بدءا من مجلس الوزراء وصولا إلى البرلمان”.

    وتابع أن إسرائيل تسعى أيضا إلى فرض ترتيبات أمنية واسعة في المنطقة الحدودية، بينها إنشاء مناطق منزوعة السلاح وفرض قيود على انتشار القوات اللبنانية.

    واعتبر أن استمرار الغارات الإسرائيلية يضعف أي فرصة لنجاح اتفاق التهدئة، قائلا إن فترات الهدنة السابقة “لم تحمل أي التزام فعلي بوقف الأعمال العسكرية”.

    أولويات مختلفة

    ووفقا للباحثة والكاتبة الصحفية ميساء عبد الخالق فإن المفاوضات الحالية تسير في مسارين متوازيين: سياسي وأمني، وسط اختلاف جذري في أولويات الأطراف المعنية.

    وأوضحت في حديث للأناضول أن لبنان يركز على وقف اعتداءات إسرائيل، وانسحاب قواتها من القرى الحدودية، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، والإفراج عن الأسرى واستعادة الجثامين.

    وأضافت أن بيروت تسعى إلى اتفاق أمني “يحفظ السيادة وكرامة المواطنين”، ويعيد الاستقرار إلى الجنوب اللبناني.

    أما إسرائيل والولايات المتحدة فتعتبران مسألة نزع سلاح “حزب الله” أولوية أساسية، وسط حديث متزايد عن ترتيبات قد تتطور مستقبلا نحو اتفاق سياسي أوسع، حسب عبد الخالق.

    وتابعت أن واشنطن وتل أبيب تتبنيان خطاب ذريعة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، بينما تعتبر الدولة اللبنانية أن ما يجري يمثل “اعتداءات متواصلة على السيادة اللبنانية”.

    وختمت بأن نجاح أي اتفاق مرتبط بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بوقف هجماتها، بالإضافة إلى موقف “حزب الله” من التفاهمات الأمنية المطروحة.

    تحذيرات الحزب

    وأثارت طبيعة المسار الأمني المرتقب اعتراضات داخلية، خصوصا من “حزب الله” وحلفائه، الذين يحذرون من أن المفاوضات قد تتحول إلى مدخل لفرض شروط إسرائيلية على لبنان.

    وقال النائب في كتلة الحزب البرلمانية حسين الحاج حسن، في بيان، إن الولايات المتحدة تدفع باتجاه ترتيبات تخدم أهدافها وأهداف إسرائيل “المعادية للمقاومة”، حسب تعبيره.

    وأضاف أن السلطة اللبنانية أعلنت سابقا رفض إجراء مفاوضات قبل تثبيت وقف إطلاق النار، “لكنها اليوم أصبحت في صلب المفاوضات رغم استمرار الاعتداءات”.

    واعتبر أن الحديث عن سلام أو تطبيع مع إسرائيل “لا يحظى بقبول وطني واسع”، إذ توجد قوى سياسية وشعبية لبنانية ترفض أي مسار يؤدي إلى التطبيع، حسب قوله.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حصاد الحبوب بالمغرب.. توقعات بإنتاج وفير ومردودية متفاوتة بين الجهات


    هسبريس – يوسف يعكوبي

    تشهد مختلف الجهات الفلاحية بالمملكة انطلاقة مشجعة لموسم حصاد الحبوب، وسط أجواء من التفاؤل الملموس بين المهنيين والمزارعين بتحقيق مردودية وافرة قد تدفع بالإنتاج الوطني الإجمالي نحو عتبة 90 مليون قنطار، في رقم أكده وزير الفلاحة والتنمية القروية، أحمد البواري، قبل أيام في ندوة صحافية.

    ويُرتقب أن تسجل المملكة هذا العام “محصولا زراعيا هاما جدا يناهز 90 مليون قنطار، وهو ما يمثل ضِعف محصول العام الماضي”، بتوصيف المسؤول الحكومي الذي أكد “تأثيره إيجابيا مباشرة على خفض واردات القمح من الخارج”، كاشفا أنه “تم إبرام اتفاقيات مع المهنيين في هذا الصدد لتدبير المرحلة المقبلة”.

    وفق ما استقته هسبريس، يأتي هذا الأداء الإيجابي مدفوعا بانتظام التساقطات المطرية والظروف المناخية الملائمة التي واكبت نمو المزروعات في السلاسل الإنتاجية الثلاث: القمح الصلب، القمح اللين (الفارينَا)، والشعير، مما يبشر بموسم ناجح يعوّض شح الأمطار في مواسم جافة سابقة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} “تفاوت إيجابي” بين السهل والجبل

    أفاد موحى أرشون، مزارع ممثل مهني يشغل منصب “أمين الفلاحين” بمنطقة كيكو (إقليم بولمان بجهة فاس-مكناس)، بأن الموسم الفلاحي الحالي يُعد “ناجحا بكل المقاييس نتيجة التوزيع المنتظم للأمطار، مما ساهم في نمو ممتاز لكافة أصناف الحبوب”.

    وقد توزعت مستويات المردودية المحققة بالجهة بين المناطق الجبلية التي “سجلت إنتاجية بلغت نحو 50 قنطارا في الهكتار بالنسبة للشعير، وحوالي 40 قنطارا في الهكتار لكل من القمح الصلب والقمح اللين (“الفارينا”).

    وفي السهول، “قفزت الإنتاجية لتصل إلى 80 قنطارا في الهكتار للقمح الصلب، و70 قنطارا في الهكتار للقمح اللين”، وفق تصريح المهني عينه لهسبريس.

    كما أشار أرشون إلى أن الأضرار الناتجة عن تساقط البرَد (“التبروري”)–في فترات سابقة من شتاء وربيع العام الجاري–ظلت “محصورة في مناطق محدودة جدا ولم تؤثر على التقييم العام الإيجابي للموسم”. ومن المرتقب أن تشرع “الآلات الميكانيكية” في المباشرة الفعلية للحصاد بالمنطقة ابتداء من 10 يونيو الجاري، في حين استقرت أسعار اليد العاملة في المجال في “حدود 250 درهما عن كل يوم عمل”.

    ظروف مثالية ومردودية “مشجعة”

    من جانبه، أكد نور الدين فاضل، فاعل مهني عضو الغرفة الفلاحية لجهة الدار البيضاء-سطات، أن الموسم الفلاحي، وصولا إلى محطته الأخيرة (الحصاد)، يسير في أحسن الظروف الفلاحية بفضل “العام الماطر”، موردا أن “ملامح هذا النجاح تظهر ميدانيا مع انطلاق عمليات حصاد الشعير في منطقة الشاوية وسط مؤشرات مردودية مرتفعة تشجع الفلاحين وتلبي تطلعاتهم”.

    وجاءت أرقام الإنتاجية المتوقعة حسب تقديرات المهني سالف الذكر، متحدثا إلى هسبريس، متوزعة بين “القمح اللين والقمح الصلب”، و”يُتوقع أن تحقق الحقول متوسط إنتاجية يصل إلى 70 قنطارا في الهكتار”.

    أما بالنسبة لمحصول الشعير، فسجلت الحقول، حسب التقديرات المهنية المتوفرة، “مردودية واعدة بلغت 45 قنطارا في الهكتار”.

    وأوضح عضو الغرفة الفلاحية بجهة الدار البيضاء-سطات أن “بقية الأقاليم التابعة للجهة تستعد لإطلاق موسم الحصاد بقوة خلال شهر يونيو المقبل (مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى)، مما سيعزز المخزون الاحتياطي والإنتاجية الإجمالية من سلاسل الحبوب بالمملكة.

    “تدرّج جغرافي”

    من المعلوم بين المهنيين وعموم المغاربة المهتمين بالشأن الفلاحي أنّ الخريطة الفلاحية المغربية موسومة بـ”تدرج زمني مضبوط” في انطلاق موسم الحصاد، تفرضه الطبيعة المناخية والجغرافية لكل جهة.

    وعادة ما يبدأ الحصاد في فترات مبكرة مع اقتراب فصل الصيف بسهول دكالة، عبدة وسطات، حيث تعتمد هذه المناطق أساسا على التساقطات المطرية (الأراضي البورية)، محققة مردودية لافتة تتراوح ما بين 80 و90 قنطارا في الهكتار لكل السلاسل والأصناف (الشعير، القمح الصلب واللين).

    وتلتحق مناطق الغرب وإقليم الخميسات بالعملية مباشرة بعد السهول الوسطى، لتختم عمليات الحصاد بعدد من المناطق الجبلية والمرتفعات (مثل إقليم بولمان) نظرا لطبيعة مناخها التي تؤخر نضج السنابل قليلا مقارنة بالسهول.

    وحسب ما توفر لهسبريس من معطيات متطابقة، تُجمع المؤشرات المهنية على أن انتظام التساقطات المطرية ونمو المزروعات بشكل سليم، وتتبع الفلاحين إرشادات “التسميد المعقلن” في كافة سلاسل الحبوب وبمختلف الجهات، عامل يسير بالإنتاج الوطني الإجمالي نحو تحقيق “رقم قياسي” يتوقع أن يصل إلى 90 مليون قنطار، في وقت كان آخر مجلس فصلي للبنك المركزي المغربي (17 مارس 2026) توقع 82 مليون قنطار. وبنى بنك المغرب توقعه “على أساس مساحة مزروعة قدرها 3,9 ملايين هكتار”.

    وفي ظل هذه الظروف، يتوقع بنك المغرب، “بعد ارتفاع يُرجح أنه بلغ 5 في المائة في 2025، تزايدا في القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 14,4 في المائة في 2026، يليه تراجع بواقع 5.3 في المائة في 2027 بناء على فرضية العودة إلى محصول حبوب متوسط”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التدريس الجامعي والمحاماة: دفاعا عن منطق التكامل في مواجهة وهم التنافي

    زكرياء العماري

    تقديم:

    يشكل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة محطة تشريعية بالغة الأهمية في مسار تحديث منظومة العدالة بالمغرب، غير أن بعض المقتضيات التي جاء بها المشروع، وخاصة تلك المتعلقة بالعلاقة بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في القانون، تثير نقاشا قانونيا ومهنيا عميقا حول مدى انسجامها مع التقاليد التشريعية المغربية، ومع فلسفة المهنة ذاتها، ومع ما استقر عليه العمل في عدد من الأنظمة المقارنة.

    ومن بين أبرز هذه المقتضيات ما ورد في المادتين 13 و14 من المشروع، اللتين تكرسان استمرار حالة التنافي بين ممارسة المحاماة وممارسة التدريس الجامعي بصورة أصلية أو قارة، مع الاكتفاء بالسماح بالتدريس العرضي فقط. وهو توجه يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الإبقاء على هذا المنع، خاصة إذا استحضرنا أن التشريع المغربي، منذ الاستقلال، لم يكن يعتبر الجمع بين المهنتين أمرا منافيا لطبيعة المحاماة أو لاستقلاليتها، وذلك في انسجام مع الممارسات الدولية الجاري بها العمل في هذا الإطار.

    لقد قام التنظيم التاريخي لمهنة المحاماة بالمغرب، سواء بمقتضى ظهير سنة 1959 أو القانون المنظم للمهنة لسنة 1979، على تصور قوامه التكامل بين الجامعة والمحاماة، باعتبارهما فضاءين متداخلين في خدمة العدالة وبناء الفكر القانوني. فقد كان الأستاذ الجامعي في القانون يتمتع بإمكانية الولوج إلى المهنة وفق شروط تفضيلية، كما أن التدريس الجامعي لم يكن يشكل حالة تناف مع ممارسة المحاماة. كما كان المحامي الممارس الحاصل على شهادة الدكتوراه يتمتع بحق الانخراط في وظيفة التدريس الجامعي دون اشتراط القطيعة مع المهنة أو إلزامه بالاستقالة منها.

    وقد استمر التعايش بين مهنة المحاماة ومهنة تدريس القانون بالمغرب إلى غاية سنة 1993، حيث سيكرس المشرع المغربي ولأول مرة حالة التنافي بين المهنتين بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وقد جاء هذا التوجه في سياق تشريعي وتاريخي خاص ارتبط بمرحلة معينة وباعتبارات ظرفية لم تعد مبرراتها قائمة في ظل التحولات التي عرفتها مهنة المحاماة ومنظومة التعليم العالي وأدوار الجامعة في تكوين وتأهيل الفاعلين في منظومة العدالة.

    ومن ثم، فإن إعادة طرح هذا الموضوع اليوم لا يتعلق بإقرار وضع استثنائي جديد لفائدة فئة معينة، بقدر ما يرتبط بإعادة النظر في خيار تشريعي طارئ، والعودة إلى فلسفة التشريع المغربي الأصلية التي قامت على اعتبار العلاقة بين الجامعة والمحاماة علاقة تكامل لا تناف. كما أن هذا النقاش ينسجم مع التوجهات المقارنة الحديثة، التي تعتبر الجمع بين التدريس الجامعي في القانون وممارسة المحاماة قيمة مضافة للجامعة وللمهنة وللعدالة معا.

    ولا يقتصر أثر هذا التكامل على تمكين الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة فحسب، بل يمتد كذلك إلى إتاحة انخراط المحامي الممارس في سلك التدريس الجامعي متى توفرت فيه الشروط العلمية والبيداغوجية اللازمة، دون أن يفرض عليه التخلي عن مهنته الأصلية. وهو ما يفتح المجال أمام تداول الخبرات بين الجامعة والممارسة المهنية، ويعزز وحدة الحقل القانوني، بحيث تستفيد الجامعة من التجربة العملية للمحامي، كما تستفيد الممارسة المهنية من العمق العلمي والتحليل الأكاديمي الذي يوفره الانخراط في البحث والتدريس.

    وفي هذا الإطار، يبرز السؤال حول مدى انسجام الإبقاء على حالة التنافي مع طبيعة وظيفة الأستاذ الباحث، ومع فلسفة مهنة المحاماة ذاتها، ومع الاتجاهات المقارنة التي لا تعتبر الجمع بين المهنتين إخلالا باستقلال المهنة أو بمقتضياتها الأخلاقية، بل تعتبره رافعة لتطوير البحث العلمي وتحسين جودة الممارسة المهنية والارتقاء بمنظومة العدالة برمتها.

    أولا: الجذور التاريخية للعلاقة بين الأستاذية والمحاماة في التشريع المغربي

    يرتبط النقاش حول الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي بتاريخ التشريع المغربي المنظم للمهنة، والذي قام، منذ الاستقلال، على الاعتراف بخصوصية الأستاذ الجامعي في الحقوق، سواء من حيث الولوج إلى المهنة أو من حيث عدم قيام حالة التنافي بين التدريس الجامعي والمحاماة.

    فقد نص الظهير الشريف رقم 1.59.102 بشأن تنظيم هيئات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة الصادر سنة 1959، في الفقرة الثانية من الفصل 48، على أنه:

    “تتنافى مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية أو القضائية وكذا مع أية مهمة يعهد بها من طرف القضاء ولاسيما مهمة خبير.

    غير أنها لا تتنافى مع وظيفة أستاذ أو مکلف بدروس في الحقوق في الكليات أو المدارس ووظيفة نائب قاضي صلح بلا مرتب، على أن المحامي الذي يمارس وظيفة نائب قاضي الصلح لا يجوز له أن يقوم بأي إجراء من إجراءات مهنته لدى القسم الذي يترأسه بمحكمة الصلح.

    كما أن مهنة المحاماة لا تتنافي مع ممارسة أية وظيفة سياسية سواء كانت بمرتب أو بغير مرتب کوظيفة وزير أو عضو في الدواوين الوزارية أو مدير إدارة مركزية أو أية مهمة أخرى تكتسي نفس الصبغة، ويبقى المحامي الذي تناط به إحدى هذه الوظائف السياسية مقيدا في الجدول بحسب رتبة أقدميته، لكنه لا يجوز له أن ينتصب أو يمثل أو يدافع أمام القضاء“.

    كما كرس القانون رقم 19.79 المنظم لنقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة هذا التوجه بشكل أكثر وضوحا، إذ نص الفصل 19 منه على إعفاء أساتذة كليات الحقوق الذين زاولوا التدريس لمدة معينة من التمرين ومن شهادة الأهلية لمزاولة المهنة، حيث ورد فيه ما يلي: حيث ورد فيهما ما يلي:

    ” يعفى من التمرين ومن شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة:

    1- قدماء القضاة من الدرجة الثانية أو من درجة تفوقها غير الحاصلين على الإجازة في الحقوق والذين تم قبول طلبهم بالإحالة إلى التقاعد أو قدموا استقالتهم بشرط أن يكون الغرض من هذه الاستقالة الحصول على التقييد في إحدى نقابات المحامين وقبلت استقالتهم من طرف المجلس الأعلى للقضاء؛

    -2قدماء القضاة الذين قضوا ست سنوات على الأقل في مزاولة المهام القضائية بعد حصولهم على الإجازة في الحقوق وقبلت استقالتهم من المجلس الأعلى للقضاء لأجل الحصول على التقييد في إحدى نقابات المحامين؛

    3- قدماء المحامين الذين سبق تقييدهم مدة خمس سنوات على الأقل بدون انقطاع في جدول نقابة أو عدة نقابات للمحامين بالمغرب أو نقابة أو عدة نقابات للمحامين بإحدى الدول الأجنبية التي أبرمت مع المغرب اتفاقية دولية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بمزاولة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى؛

    4- أساتذة كرسي الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس مدة خمس سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغرب.

    كما نص الفصل 77 من نفس القانون على أن مهنة المحاماة لا تتنافى مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات، حيث ورد فيها ما نصه:

    تتنافي مهنة المحاماة مع جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكذا مع كل مهمة يكلف بها من طرف القضاء ولاسيما مهمة خبير.

    غير أنها لا تتنافى مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات ومع العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا.

    وقد استمر هذا التعايش بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي بالمغرب إلى غاية سنة 1993، حيث سيكرس المشرع المغربي ولأول مرة حالة التنافي بين المهنتين بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وذلك في مادتيه 7 و9 و18.

    وهكذا، فقد كرست المادة 7 من الظهير المذكور حالة التنافي بين جميع الوظائف الإدارية والقضائية وكل مهمة يكلف بها المحامي من قبل القضاء، دون أي استثناء يتعلق بالتدريس الجامعي حيث ورد فيها:

    ” تتنافى مهنة المحاماة مع كل نشاط من شأنه أن يمس باستقلال المحامي والطبيعة الحرة للمهنة، وخاصة:

    (..)

    5- جميع الوظائف الإدارية والقضائية، وكل مهمة يقع التكليف بها من طرف القضاء.”

    وجاءت المادة 9 من نفس الظهير لتسقط التدريس بكليات الحقوق من قائمة المهام التي لا تتنافى مع مزاولة مهنة المحاماة، إذ نصت على ما يلي:

    ” لا تتنافى مهنة المحاماة مع:

    1- العضوية في الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى وفي المحكمة العليا؛

    2- العضوية في المجلس الإداري لشركة“.

    أما المادة 18، فقد جاءت لتضع حدا صريحا لحق للأساتذة الجامعيين في الجمع بين المهنتين، إذ ألزمتهم بالاستقالة أو الإحالة على التقاعد قبل الانخراط في ممارسة المحاماة، مع إعفائهم من شهادة الأهلية أو فترة التمرين، شريطة استكمال ثماني سنوات في التدريس بعد الترسيم، حيث نصت على أنه:

    “يعفى من الحصول على شهادة الأهلية لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين:

    (..)

    4- أساتذة التعليم العالي الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس مدة ثماني سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغربـ وذلك بعد قبول استقالتهم أو إحالتهم إلى التقاعد.”

    أما القانون رقم 28.08 الجاري به العمل حاليا، فقد حافظ على المبادئ التي أرساها الظهير الشريف رقم 1.93.162 الصادر سنة 1993، إذا كرس بدوره حالة التنافي بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة في المواد 7 و9 و18، بل إن هذا القانون جاء بشروط إضافية في المادة 18، إذ ألزم الأستاذ الجامعي الذي يرغب في الانخراط في المحاماة بعد إحالته إلى التقاعد أو استقالته، بقضاء تدريب مدته ستة أشهر بمكتب محامي يعينه النقيب، وذلك قبل فتح مكتبه الخاص.

    ثانيا: الأساس القانوني الداعم للجمع بين المهنتين

    لا يقوم الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي على اعتبارات تشريعية تاريخية فقط، بل يجد أساسه كذلك في قراءة منسجمة لمقتضيات قانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، بما يفيد عدم قيام أي مانع قانوني يحول دون الجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي في القانون.

    فإذا كان الفصل 15 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ينص، من حيث المبدأ، على منع الموظف من مزاولة أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر دخلا، فإنه استهل هذا المنع بعبارة ذات دلالة حاسمة هي: “مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات“، بما يفيد أن المشرع لم يقرر حظرا مطلقا، وإنما وضع قاعدة عامة ترد عليها استثناءات مرتبطة بخصوصية بعض الهيئات والأنظمة الأساسية الخاصة.1

    وهذا الاستثناء ليس هامشيا، بل يعكس اعتراف المشرع بإمكان خروج بعض الفئات، بحكم طبيعة وظائفها، عن المنع العام، متى وجد لذلك سند قانوني خاص. وهي حالة هيئة الأساتذة الباحثين، التي تخضع لنظام أساسي خاص يكرس خصوصيتها الوظيفية والعلمية.

    ويتعزز هذا التصور بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لوضعية الأستاذ الباحث، باعتبارها تختلف عن سائر الوظائف الإدارية التقليدية، من حيث تنظيم الزمن المهني، وطبيعة الالتزامات الوظيفية، وارتباط الوظيفة الجامعية في جوهرها بالإنتاج العلمي والانفتاح على محيطها المهني والمؤسساتي. لذلك ظل التدريس الجامعي، بخلاف الوظائف الإدارية المحضة، ذو قابلية للارتباط بأنشطة علمية أو مهنية متصلة بطبيعة التخصص، ومنها المهن القانونية.

    كما أن المحاماة، بالنسبة لأستاذ القانون، لا تشكل نشاطا أجنبيا عن الوظيفة أو منافسا لها، وإنما تعد امتدادا طبيعيا لها، باعتبارها ممارسة مهنية متفرعة عن ذات الحقل المعرفي الذي يدرسه ويبحث فيه. ومن ثم، فإنها تدخل ضمن منطق التكامل الوظيفي لا منطق التنافي.

    ويتعزز هذا الطرح بما ورد في المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، التي أسندت صراحة إلى الأساتذة الباحثين، ضمن مهامهم، القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل2.

    ودلالة هذا المقتضى تتجاوز مجرد السماح بأنشطة عرضية موازية، إذ يكشف أن المشرع لا يتصور الأستاذ الباحث في وضع انغلاق مهني أو تفرغ يحول دون انخراطه في الممارسة التطبيقية المرتبطة بتخصصه، بل يعتبر الانفتاح على الخبرة والاستشارة جزءا من وظائفه الأصلية.

    وإذا كانت الخبرة والاستشارة القانونية، بنص هذا المرسوم، تدخلان ضمن المهام الموكولة للأستاذ الباحث، فإن منطق الأشياء يقتضي أن الممارسة المهنية للمحاماة– باعتبارها أعلى صور الممارسة التطبيقية للمعرفة القانونية– لا يمكن النظر إليها، من حيث المبدأ، باعتبارها غريبة عن طبيعة هذه الوظيفة أو منافية لها، بل تدخل في الامتداد الطبيعي لها، ما دام ممارستها تتم مع احترام الضوابط الأخلاقية ومتطلبات استقلال المهنة وسير المرفق العام.

    ويزداد هذا التأويل قوة إذا استحضرنا أن مقتضيات التنافي في الوظيفة العمومية تروم حماية غايات محددة، أهمها منع تضارب المصالح، وضمان حياد الموظف، وصيانة السير العادي للمرفق العام، وهي اعتبارات يمكن كفالتها بقواعد التأطير الأخلاقي والتنظيمي، دون أن تستوجب تقرير منع تشريعي مطلق للجمع بين المهنتين.

    بل إن القراءة المنسجمة للفصل 15 مكرر مع المادة 4 المذكورة تقود إلى نتيجة مؤداها أن الوضع القانوني الحالي لا يتضمن حظرا صريحا على هذا الجمع، بل يتضمن، على العكس، مؤشرات تشريعية داعمة لإمكانه، بالنظر إلى خصوصية هيئة الأساتذة الباحثين.

    ومن ثم، فإن الجمع بين المهنتين لا يشكل استثناء على قواعد الوظيفة العمومية، وإنما ينسجم مع بنيتها ذاتها، ويترجم ما تسمح به نصوصها العامة والخاصة، مع إعادة التوازن بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في القانون في إطار من التكامل لا التنافي.

    ثالثا: التدريس الجامعي لا يشكل حالة تناف مع المحاماة

    إن المتفحص في المقتضيات المنظمة لحالة التنافي في إطار القانون المنظم لمهنة المحاماة، سواء في القانون الحالي رقم 28.08 أو في إطار مشروع القانون رقم 66.23، سيقف على أن الأمر يتعلق إما بمهن ووظائف وأعمال تمس استقلالية المحامي بشكل مباشر، أو بمهن ووظائف تقتضي تفرغا كاملا لممارستها، بحيث يستحيل الجمع بينها وبين ممارسة المحاماة دون الإخلال بالالتزامات المفروضة بموجب إحدى المهنتين.

    ومن هذا المنطلق، فإن ممارسة المحامي لمهنة التدريس الجامعي لا تشكل أي تهديد لاستقلاليته المهنية، إذ لا تفرض قيودا على قراراته ولا على ممارسة مهامه القانونية بشكل مستقل، كما أنها لا تخلق تضارب مصالح من شأنه أن يحد من حرية التصرف المهني، وهو المعيار الأساسي الذي يستند إليه عند تقرير حالة التنافي.

    ويزداد الأمر وضوحا عند النظر إلى أن القانون المنظم لمهنة المحاماة يسمح صراحة بالتدريس العرضي في الجامعات، ما يشير إلى أن التدريس الجامعي بطبيعته لا ينطوي على أي تعارض أو مساس بالمبادئ المؤطرة لمهنة المحاماة، ما دام الالتزام بالضوابط الأخلاقية والمهنية محفوظا. وهذا الواقع يؤكد أن الجمع بين المهنتين لا يمس بالاستقلالية المهنية، ويؤكد المنطق القانوني القائم على أن التنافي ينطبق فقط على الوظائف التي تؤثر مباشرة على حرية المحامي في اتخاذ قراراته، أو تتطلب تفرغا كاملا يجعل الجمع مستحيلا، وهو ما لا ينطبق على التدريس الجامعي.

    رابعا: إيجابيات متعددة للتكامل بين المهنتين

    إن اعتبار ممارسة الأستاذ الجامعي لمهامه العلمية بصورة أصلية أو قارة حالة تناف مع المحاماة يفتقر إلى مبرر موضوعي، لكون التدريس الجامعي في القانون ليس نشاطا تجاريا ولا مهنة حرة منافسة، ولا وظيفة تمس باستقلال المحامي أو حياده، بل هو امتداد طبيعي للرسالة العلمية والفكرية التي تقوم عليها المحاماة ذاتها.

    فالجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي في القانون من النماذج المهنية المتميزة التي تجمع بين النظرية والتطبيق، وتسهم في الارتقاء بجودة التكوين القانوني وتعزيز فعالية الممارسة المهنية. فكل من المهنة الأكاديمية والممارسة العملية تغني الأخرى، وتخلق تكاملا معرفيا ومهنيا يعود بالنفع على الأستاذ والطالب والمتقاضي، بل وعلى منظومة العدالة برمتها، وهو ما يبرز من خلال النقط التالية:

    1- التكامل بين النظرية والتطبيق

    تعنى الجامعة بتأصيل المفاهيم وبناء التصورات النظرية وتحليل النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، بينما تجسد المحاماة الجانب العملي للنصوص في ساحات المحاكم وأروقة العدالة. وعندما يجمع الشخص بين الصفتين، فإنه يضفي على دروسه بعدا تطبيقيا حيا، فيربط القواعد القانونية بواقع النزاعات، ويثري المحاضرات بأمثلة واقعية وتجارب عملية.

    كما أن الاحتكاك اليومي بالمحاكم، لاسيما بمحكمة النقض، يمكن الأستاذ المحامي من مواكبة أحدث التوجهات والاجتهادات القضائية، ونقلها مباشرة إلى الطلبة، مما يعزز قدرتهم على فهم القانون في حركيته لا في جموده النصي فقط.

    2- الارتقاء بجودة البحث العلمي وبالأداء المهني لمنتسبي العدالة

    يساهم الانخراط في الممارسة المهنية في إغناء البحث العلمي إسهاما مباشرا وملموسا، إذ إن القضايا المعروضة على المحاكم تفرز باستمرار إشكالات واقعية معقدة لا تكشفها الدراسة النظرية المجردة للنصوص القانونية. هذه الإشكالات تشكل بدورها أرضية خصبة للتفكير الأكاديمي، لأنها تدفع الباحث إلى إعادة قراءة النصوص القانونية في ضوء الواقع العملي، وإعادة مساءلة بنياتها المفاهيمية، وتحليل مكامن القصور أو الغموض أو التعارض التي قد تعتريها، واقتراح حلول تفسيرية أو تشريعية بديلة أكثر ملاءمة لاحتياجات العدالة.

    وفي هذا الإطار، فإن المحامي الذي يجمع بين الممارسة والتدريس يكون أكثر قدرة على التقاط هذه الإشكالات في لحظتها العملية، وأكثر دقة في استشعار مواطن الضعف أو النقص في المنظومة التشريعية، أو التباين في الاجتهاد القضائي بين مختلف الجهات القضائية. وهو ما ينعكس بشكل مباشر على إنتاجه العلمي، حيث تتسم أبحاثه ودراساته بقدر أكبر من العمق، وبنزعة تطبيقية واقعية تجعلها أكثر ارتباطا بمشاكل العدالة الفعلية، وأقرب إلى إيجاد حلول عملية قابلة للتنزيل.

    وفي المقابل، فإن التكوين الأكاديمي الرصين يشكل رافعة أساسية لتجويد الأداء المهني للمحامي، إذ يمنحه أدوات التحليل القانوني المنهجي، ويكسبه قدرة أعلى على التأصيل الفقهي للنصوص، وعلى بناء الحجج القانونية بشكل متسلسل ومتماسك. كما ينعكس هذا التكوين على جودة المذكرات والمرافعات التي يقدمها، حيث تصبح أكثر دقة في الصياغة، وأقوى في التعليل، وأعمق في الاستناد إلى الفقه والاجتهاد القضائي.

    ويترتب عن هذا التفاعل المتبادل بين المعرفة النظرية والممارسة العملية أثر إيجابي مزدوج، يتمثل من جهة في تطوير البحث العلمي القانوني ليصبح أكثر ارتباطا بالواقع، ومن جهة أخرى في الارتقاء بجودة العمل المهني والقضائي، سواء على مستوى مذكرات الدفاع أو على مستوى التعليل القضائي للأحكام، بما يسهم في تحسين جودة العدالة ككل.

    3- تكوين جيل من القانونيين ذوي الكفاءة

    يقدم الأستاذ/المحامي للطلبة نموذجا مهنيا يحتذى، إذ يجسد صورة القانوني الممارس الواعي بأبعاد القانون النظرية والعملية معا. فهو لا يكتفي بشرح النصوص القانونية في بعدها التجريدي، ولا يقف عند حدود التفسير النظري لمضامينها، بل يعمل على ربطها مباشرة بالواقع القضائي والمهني من خلال استحضار الملفات والنزاعات العملية التي تبرز كيفية تطبيق هذه النصوص أمام المحاكم.

    ومن خلال هذا التفاعل الحي بين النص والواقع، يضع الطلبة أمام تطبيقات عملية ملموسة تكشف لهم كيفية اشتغال القاعدة القانونية في السياق العملي، وما قد يعتريها من صعوبات في التفسير أو التعارض أو القصور التشريعي. وهذا الأسلوب في التكوين لا يرسخ فقط الفهم السليم للقانون، بل يسهم أيضا في تنمية الحس النقدي لدى الطلبة، حيث يدفعهم إلى مساءلة النصوص القانونية، وتحليل مدى نجاعتها وفعاليتها، واقتراح تأويلات أو بدائل أكثر ملاءمة للواقع العملي ومتطلباته.

    وبذلك يتحول الدرس الجامعي من مجرد نقل للمعرفة النظرية إلى فضاء للتفكير القانوني النقدي والإبداعي، يعد الطالب لممارسة مهنية واعية، قادرة على الجمع بين الدقة العلمية والفعالية العملية في آن واحد.

    كما أن إشراف الأستاذ/المحامي على بحوث الإجازة والماستر والدكتوراه يكون أكثر ارتباطا بالإشكالات الواقعية التي تفرزها الممارسة القضائية وأروقة المحاكم، مما يضفي على البحث الجامعي طابعا تطبيقيا، ويسهم في تجديد الفكر القانوني وإغناء النقاش الفقهي والقضائي.

    4- الإسهام في تطوير المنظومة القانونية

    إن التفاعل المستمر بين الجامعة والمحكمة يخلق دينامية إيجابية عميقة الأثر في تطوير التشريع والاجتهاد القضائي، ذلك أن هذا التفاعل لا يقتصر على تبادل معرفي نظري، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر حقيقي بين إنتاج المعرفة القانونية في الفضاء الأكاديمي وبين تطبيقها العملي داخل المنظومة القضائية. وفي هذا السياق، يبرز دور الأستاذ/المحامي باعتباره فاعلا مزدوج الانتماء، يجمع بين الحس العلمي القائم على التحليل والتجريد، والخبرة المهنية المستمدة من الممارسة اليومية أمام المحاكم.

    فهذا التموقع المزدوج يؤهله لأن يكون حلقة وصل فعالة بين البحث العلمي وصناع القرار التشريعي والقضائي، إذ يكون قادرا على نقل الإشكالات الحقيقية التي تفرزها القضايا المعروضة على المحاكم إلى الفضاء الأكاديمي، حيث يتم تحليلها وتأصيلها واقتراح حلول لها في إطار من البحث العلمي الرصين. وفي المقابل، يتيح له انخراطه في الوسط الجامعي تحويل هذه الخلاصات العلمية إلى مقترحات عملية قابلة للتنزيل داخل المنظومة التشريعية والقضائية.

    كما أن هذا التفاعل المستمر يمكن الأستاذ/المحامي من تقديم اقتراحات عملية دقيقة، لا تنبع من مجرد تصورات نظرية، بل تستند إلى معطيات ميدانية واقعية مستخلصة من الممارسة اليومية، مما يجعلها أكثر قابلية للتطبيق وأكثر قدرة على معالجة الإشكالات التشريعية والعملية التي قد تعتري النصوص القانونية.

    وبهذا المعنى، يصبح الأستاذ/المحامي فاعلا محوريا في تطوير المنظومة القانونية، ليس فقط من خلال تفسير النصوص أو تطبيقها، بل أيضا من خلال المساهمة في إعادة صياغتها وتجويدها، بما يحقق الانسجام بين النص القانوني والواقع العملي، ويعزز جودة العدالة وفعالية التشريع.

    خامسا: المرجعية الدولية والتجارب المقارنة: داعم أساسي للجمع بين المحاماة والتدريس الجامعي

    يجد الجمع بين مهنة التدريس الجامعي ومهنة المحاماة سنده كذلك في المرجعيات الدولية ذات الصلة بالتعليم العالي، إذ أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، في إطار توصيتها بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي المعتمدة من طرف المؤتمر العام المنعقد في دورته التاسعة والعشرين ما بين 21 أكتوبر/12 نوفمبر 1997 بباريس، على حق أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم الجامعية، خاصة الأنشطة التي من شأنها تعزيز مهاراتهم المهنية أو تمكينهم من تطبيق معارفهم الأكاديمية على مشكلات المجتمع. كما شددت التوصية على أن ممارسة هذه الأنشطة تظل مشروعة ما دامت لا تتعارض مع الالتزامات الأصلية للأساتذة تجاه مؤسساتهم الجامعية، ووفقا للقوانين والأنظمة الوطنية المعمول بها.

    وهكذا، نصت الفقرة 30 من هذه التوصية على ما يلي:

    “ينبغي أن يتمتع أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي بالحق في الاضطلاع بأنشطة مهنية خارج إطار وظيفتهم، لاسيما الأنشطة التي تعزز مهاراتهم المهنية أو تمكنهم من تطبيق المعارف على مشكلات المجتمع المحلي، شريطة عدم تعارض هذه الأنشطة مع التزاماتهم الأصلية إزاء المؤسسات التي يعملون معها بصورة رئيسية، وذلك وفقا للسياسات والأنظمة المؤسسية أو للقوانين والممارسات الوطنية إذا وجدت“.

    ويبرز من خلال هذه التوصية أن المرجعية الدولية لا تنظر إلى الانخراط المهني للأساتذة الجامعيين باعتباره وضعية تناف أو إخلالا بواجباتهم الوظيفية، بل تعتبره وسيلة لتقوية الصلة بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي والمهني، وآلية لتطوير جودة التكوين والبحث العلمي والخبرة التطبيقية.

    وانسجاما مع هذا التوجه، يكشف استقراء عدد من التشريعات المقارنة أن العديد من الأنظمة القانونية لا تعتبر الجمع بين مهنة الأستاذ الجامعي في القانون وممارسة المحاماة حالة تناف، بل تنظر إليه باعتباره مظهرا من مظاهر التكامل بين البحث العلمي والممارسة المهنية، ومصدرا لإثراء المهنتين وتجويد أداء الجامعة والعدالة معا. فالأستاذ الممارس للمحاماة يكتسب، من خلال احتكاكه اليومي بالواقع العملي للقانون، خبرة تطبيقية تغني تدريسه وبحثه العلمي، كما تستفيد الممارسة المهنية بدورها من العمق النظري والمنهجي الذي يوفره التكوين الأكاديمي. ونورد فيما يلي بعض النماذج من التشريعات الغربية والتشريعات العربية على سبيل المثال لا الحصر:

    1: التشريعات الغربية

    ففي القانون الفرنسي، نص المرسوم رقم 2023-552 بتاريخ 30 يونيو 2023 بشأن مدونة أخلاقيات المحامين، في المادة 21، على ما يلي:

    La profession d’avocat est incompatible avec l’exercice de toute autre profession, sous réserve de dispositions législatives ou réglementaires particulières.

    La profession d’avocat est compatible avec les fonctions d’enseignement, les fonctions de collaborateur de député ou d’assistant de sénateur, de membre assesseur des tribunaux pour enfants ou des tribunaux paritaires de baux ruraux, de conseiller prud’homme, de membre du pôle social du tribunal judiciaire, avec les fonctions juridictionnelles limitativement prévues par le code de l’organisation judiciaire, ainsi qu’avec celles d’arbitre, de médiateur ou de séquestre.

    ويكشف هذا النص أن المشرع الفرنسي، رغم إقراره المبدئي بحالة التنافي بين المحاماة وبعض الأنشطة الأخرى، عاد ليستثني صراحة وظائف التدريس من هذا المنع، بما يعكس إدراكا تشريعيا لخصوصية الوظيفة التعليمية وعلاقتها العضوية بالممارسة القانونية.

    بل إن التشريع الفرنسي يذهب أبعد من ذلك ويذهب التشريع الفرنسي أبعد من ذلك، ويضع بمقتضى قانون الوظيفة العامة الفرنسي، مبدأ عاما بموجبه لا تتنافى أعمال التدريس مع المهن الحرة المنبثقة عن طبيعة مهام التدريس، حيث تنص المادة L123-3 من القانون العام للوظيفة العمومية الفرنسي على ما يلي:

    L’agent public membre du personnel enseignant, technique ou scientifique des établissements d’enseignement ou pratiquant des activités à caractère artistique peut exercer les professions libérales qui découlent de la nature de ses fonctions.

    ودلالة هذا النص أن المشرع الفرنسي لا يعتبر المهن الحرة المرتبطة بطبيعة الوظيفة التعليمية خروجا عن مقتضيات الوظيفة العمومية، وإنما امتدادا طبيعيا لها، وهو ما يشكل أساسا قانونيا داعما للجمع بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية للمحاماة.

    أما في القانون البلجيكي، فإن مدونة أخلاقيات المحاماة تعتمد بدورها مقاربة مرنة تقوم على حماية استقلال المحامي دون منع الجمع بصورة مطلقة. فقد نصت المادة 2.4 على ما يلي:

    L’avocat qui exerce une autre activité dans les liens d’un contrat de travail ou d’un statut, ne peut intervenir pour son employeur ou contre celui-ci. Cette interdiction s’étend aux avocats avec lesquels il exerce en commun la profession et à ses stagiaires.

    غير أن المادة 2.5 من نفس المدونة جاءت لتقرر استثناء واضحا لفائدة التدريس، حيث نصت على ما يلي:

    Par dérogation à l’article précédent, l’avocat qui exerce une activité d’enseignement est autorisé à intervenir pour l’établissement dans lequel il enseigne, sauf si son indépendance risque d’être mise en péril.

    ويبرز من خلال هذا التنظيم أن المشرع البلجيكي لم يعتبر التدريس في ذاته نشاطا منافيا للمحاماة، بل تعامل معه باعتباره نشاطا مشروعا ما دام لا يؤدي إلى الإخلال باستقلال المحامي أو خلق حالة فعلية من تضارب المصالح.

    وفي إيطاليا، كرس القانون رقم 247 الصادر بتاريخ 31 ديسمبر 2012 والمتعلق بالتنظيم الجديد لمهنة المحاماة، مبدأ التوافق بين المحاماة والتدريس أو البحث العلمي. فقد نصت المادة 19 المتعلقة بـ “استثناءات قواعد عدم التوافق” على ما يلي:

    1– In deroga a quanto stabilito nell’articolo 18, l’esercizio della professione di avvocato è compatibile con l’insegnamento o la ricerca in materie giuridiche nell’università, nelle scuole secondarie pubbliche o private parificate e nelle istituzioni ed enti di ricerca e sperimentazione pubblici.

    2- I docenti e i ricercatori universitari a tempo pieno possono esercitare l’attività professionale nei limiti consentiti dall’ordinamento universitario. Per questo limitato esercizio professionale essi devono essere iscritti nell’elenco speciale, annesso all’albo ordinario.

    3- È fatta salva l’iscrizione nell’elenco speciale per gli avvocati che esercitano attività legale per conto degli enti pubblici con le limitate facoltà disciplinate dall’articolo 23.

    استثناء مما هو منصوص عليه في المادة 18، فإن ممارسة مهنة المحاماة تكون متوافقة مع التدريس أو البحث العلمي في المواد القانونية داخل الجامعة، أو في المدارس الثانوية العمومية أو الخاصة المعادلة، وكذلك في مؤسسات وهيئات البحث والتجربة العامة.

    ويجوز للأساتذة والباحثين الجامعيين المتفرغين (بدوام كامل) ممارسة النشاط المهني في الحدود التي يسمح بها النظام الجامعي. وبالنسبة لهذا الممارسة المهنية المحدودة، يجب تسجيلهم في قائمة خاصة ملحقة بالجدول العام للمحامين.

    كما يحفظ حق التسجيل في القائمة الخاصة للمحامين الذين يمارسون النشاط القانوني لصالح الهيئات العامة، مع الصلاحيات المحدودة المنصوص عليها في المادة 23.“

    ويكشف هذا النص بوضوح، أن المشرع الإيطالي لا يكتفي بالإقرار النظري بإمكان الجمع بين المهنتين، بل ينظم هذا الجمع بصورة صريحة، بما يسمح للأساتذة والباحثين الجامعيين بممارسة النشاط المهني في الحدود التي يحددها النظام الجامعي، وهو ما يعكس فلسفة تشريعية قائمة على التأطير والتنظيم بدل المنع المطلق.

    أما التجربة الإنجليزية، فتقوم على مقاربة مختلفة، حيث لا ينظم الجمع بين مهنة المحاماة والأنشطة الأخرى مثل التدريس أو البحث العلمي من خلال قائمة تشريعية لحالات التنافي، كما هو الحال في الأنظمة اللاتينية، بل يعتمد النظام على مبدأ التنظيم القائم على المبادئ(principles-based regulation) .

    ويستند هذا الإطار أساسا إلى Legal Services Act 2007 وإلى قواعد السلوك المهني الصادرة عن الهيئات المنظمة للمهنة Bar Standards Board وSolicitors Regulation Authority ووفقا لهذه المنظومة، يسمح للمحامي (سواء كان Barrister أوSolicitor ) بممارسة أنشطة مهنية خارج نطاق عمله القانوني، بشرط احترام الواجبات الأساسية مثل الحفاظ على الاستقلال المهني، وتجنب تضارب المصالح، وعدم الإخلال بالثقة العامة في المهنة، وضمان الكفاءة في أداء العمل القانوني.

    وعلى هذا الأساس، يعد التدريس الجامعي والبحث الأكاديمي والاستشارات غير القضائية أنشطة جائزة للمحامي في بريطانيا، ليس بنص إباحة صريح، وإنما باعتبارها تدخل ضمن مفهوم “العمل الخارجي” المسموح به ما دام لا يتعارض مع هذه المبادئ الجوهرية.

    2: التشريعات العربية

    وعلى المستوى العربي، تبرز عدة تشريعات اتجهت بدورها إلى استثناء أساتذة القانون من حالات المنع أو التنافي. ففي مصر، نصت المادة 14 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 على أنه:

    “لا يجوز الجمع بين المحاماة والأعمال الآتية:

    (…) 3 – الوظائف العامة في الحكومة والهيئات العامة والإدارة المحلية. والوظائف في شركات القطاع العام أو الوظائف الخاصة، فيما عدا العمل بالإدارة القانونية المصرح لها بذلك طبقا لأحكام هذا القانون، وفيما عدا أساتذة القانون في الجامعات المصرية في الحالات التي يجيزها هذا القانون.

    ولا تعد العضوية في اللجان الحكومية العلمية أو المؤقتة أو القيام بمهام ذات صفة عرضية لا تستغرق أكثر من ستة شهور أو الندب لتدريس القانون في الجامعات والمعاهد العليا وظيفة يحظر معها الجمع بينها وبين المحاماة.

    وباستثناء ما ورد بالبند (3)، يشترط التفرغ للمحاماة.”

    ويعزز هذا التوجه ما نصت عليه المادة 39 من نفس القانون، حيث جاء فيها:

    “يشترط لقبول طلب القيد بجدول المحامين أمام محكمة النقض أن يكون طالب القيد من الفئات الآتية:

    (..) 2- الشاغلون لوظيفة أستاذ في مادة القانون بالجامعات المصرية.“

    ويكشف هذا المقتضى عن المكانة الخاصة التي يمنحها المشرع المصري لأساتذة القانون، واعتباره الكفاءة الأكاديمية القانونية مؤهلا مهنيا رفيعا يبرر الاستفادة من وضع خاص داخل المهنة.

    أما القانون الأردني، فقد نص في المادة 11 من قانون نقابة المحامين النظاميين على ما يلي:

    “1- لا یجوز الجمع بین المحاماة وما یلي:

    (..).

    ج– الوظائف العامة أو الخاصة الدائمة والمؤقتة براتب أو مكافأة عدا من یتولى من المحامین الأساتذة أعمال المحاماة في مؤسسة رسمیة أو شبه رسمیة أو شركة.

    (…)

    و– جمیع الأعمال التي تتنافى مع استقلال المحامي، أو التي لا تتفق مع كرامة المحاماة

    -2لا تسري أحكام هذه المادة على الاشتغال بالصحافة الحقوقیة والثقافیة وعضویة المجالس التمثیلیة وعضویة هيئات التدریس في كلیات الحقوق الأردنية أو العمل في نقابة المحامین بتفرغ كامل أو جزئي.“

    وهو ما يشكل استثناء تشريعيا صريحا لفائدة أساتذة القانون.

    كما تبنى المشرع الإماراتي بدوره توجها مماثلا، إذ نصت المادة 21 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2022 في شأن تنظيم مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية بدولة الإمارات العربية المتحدة على ما يلي:

    “لا يجوز الجمع بين القيد في جداول المحامين المشتغلين، وبين ممارسة أي عمل من الأعمال الآتية:-

    (..) 3– الوظيفة العامة، ويجوز للجنة وفقا لما تحدده اللائحة التنفيذية لهذا المرسوم بقانون استثناء أعضاء هيئة تدريس القانون أو الشريعة والقانون بإحدى الجامعات أو الكليات من مواطني الدولة من حملة درجة الدكتوراة.

    وفي الجزائر، جاء الموقف أكثر وضوحا، حيث نصت المادة 27 من القانون رقم 13-07 المؤرخ في 24 ذي الحجة 1434 الموافق ل 29 أكتوبر 2013 المتضمن لتنظيم مهنة المحاماة على ما يلي:

     تتنافى ممارسة مهنة المحاماة مع ممارسة الوظائف الإدارية أو القضائية ومع كل عمل إداري أو إدارة أو تسيير شركة أو مؤسسة سواء كانت تابعة للقطاع العام أو للقطاع الخاص و مع كل نشاط تجاري أو صناعي و كل عمل ينطوي على علاقة التبعية.

    لا يمكن المحامي العضو بالبرلمان أو المنتخب المنتدب أن يمارس خلال عهدته الانتخابية مهنة المحاماة.

    لا تتنافى مهنة المحاماة مع وظائف التدريس في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

    كما تبنت التشريعات السورية والسودانية والقطرية الاتجاه نفسه. فقد نصت المادة 11 من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 بتاريخ 11 يوليوز 2010 على استثناء “أساتذة الجامعات” من حالات المنع، حيث ورد فيها أنه:

    “أ– لا يجوز الجمع بين عضوية النقابة وما يلي:

    1- الوظائف العامة أو الخاصة دائمة كانت أو مؤقتة براتب أو تعويض مهما كان نوعها ويستثنى من ذلك أساتذة الجامعات والمحامون العاملون في الصحافة الحقوقية والمحامون المكلفون من نقابة المحامين العمل في إدارة هذه النقابة ومنظماتها“.

    كما نصت المادة 25 من قانون المحاماة السوداني على استثناء “أعضاء هيئة تدريس القانون في أية جامعة في جمهورية السودان”، حيث تمنت ما يلي:

    1– لا يجوز الجمع بين المحاماة وبين ما يأتي:

    (..) ج) التوظيف لدى الأفراد أو في أية جهة حكومية كانت أو غير حكومية بما في ذلك التوظيف في الجمعيات أو الشركات أو الهيئات أو المؤسسات بوجه عام ، ويستثنى من ذلك رئيس أو عضو مجلس الإدارة في الجهات المذكورة وكذلك محاميها أو مستشارها القانوني أن لم يكن له عمل آخر فيها يتقاضى عنه أجرا ويستثنى كذلك أعضاء هيئة تدريس القانون في أية جامعة في جمهورية السودان .

    بينما نصت المادة 19 من قانون المحاماة القطري رقم (23) لسنة 2006 المحاماة على ما يلي:

    “لا يجوز الجمع بين مزاولة المهنة والأعمال الآتية :

    (…) 4- الاشتغال بأي عمل يتنافى مع كرامة المحامي، أو لا يتفق مع مقتضيات المهنة. ويستثنى من حكم عدم الجمع، أعضاء هيئة التدريس القطريين الحاصلين على درجة الدكتوراه، الذين يقومون بتدريس القانون في إحدى الجامعات المعترف بها.“

    ويستفاد من مجمل هذه النماذج المقارنة أن الاتجاه التشريعي الغالب لم يعد يقوم على الفصل الجامد بين الجامعة والمحاماة، وإنما على اعتبار الجمع بينهما قيمة مضافة للمهنة وللعدالة وعلى بناء علاقة تكامل بين المجالين، قوامها الاستفادة المتبادلة بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية. كما تكشف هذه التشريعات أن معيار التنافي الحقيقي لا يرتبط بمجرد ممارسة نشاط مواز، وإنما بمدى تأثير ذلك النشاط على استقلال المحامي أو نزاهته أو تفرغه بصورة تجعل الجمع مستحيلا. ومن ثم، فإن التدريس الجامعي في القانون لا يقدم في التجارب المقارنة باعتباره نشاطا منافيا للمحاماة، بل باعتباره قيمة مضافة تسهم في تطوير البحث العلمي، وتحسين جودة التكوين، والرفع من مستوى الممارسة المهنية والقضائية.

    وبناء عليه، فإن إتاحة الجمع بين المهنتين لا ينسجم فقط مع المرجعية الوطنية التاريخية، بل يقرب التشريع المغربي من اتجاه تشريعي مقارن واسع، يقوم على اعتبار الأستاذ المحامي رافعة لتطوير المهنة، لا حالة تناف ينبغي تقييدها.

    سادسا: أعلام الفقه القانوني المغربي والمقارن شواهد حية على تكامل الأستاذية والمحاماة

    إن عدم اعتبار الجمع بين مهنة الأستاذ الجامعي في القانون ومهنة المحاماة حالة تناف، لا تؤكده النصوص المقارنة فحسب، بل يعززه كذلك تاريخ الفقه القانوني في عدد من الأنظمة القانونية، حيث ارتبط تطور الفكر القانوني الحديث بنماذج لفقهاء جمعوا بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة، بما جعل هذا التداخل مصدر إثراء للفقه والقضاء والممارسة المهنية على حد سواء.

    وفي التجربة المغربية، يبرز عدد من أساتذة القانون الذين جمعوا، في وقت سابق، في مسارهم المهني بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة بدرجات متفاوتة، في سياق قانوني كان يسمح تاريخيا بالجمع أو التداخل بين الوظيفة الأكاديمية والممارسة المهنية، ومن بين هؤلاء نجد: محمد جلال السعيد، أحمد الخمليشي، أحمد شكري السباعي، عمر عزيمان، تاج الدين الحسيني، إدريس العلوي العبدلاوي، ادريس السماحي، عمر أبو الطيب، عز الدين الكتاني…، الذين أسهموا في تطوير الفقه القانوني المغربي.

    وعلى المستوى العربي، يبرز عدد من أعلام الفقه القانوني الذين جمعوا بين التدريس ومهنة المحاماة بدرجات مختلفة، مثل: أحمد أبو الوفا، سليمان الطماوي، أحمد فتحي سرور، فتحي والي، أمينة النمر، وجدي راغب، حسن كيرة، سميحة القليوبي… حيث أسهموا في ترسيخ المدرسة القانونية العربية من خلال الجمع بين التدريس الجامعي والمشاركة في العمل القانوني التطبيقي عن طريق مهنة المحاماة، بما يعزز فكرة التكامل بين النظرية والممارسة في بناء المعرفة القانونية.

    أما في التجربة الفرنسية، فيتجلى هذا النموذج بشكل أوضح من خلال شخصيات مثل: Jacques Ghestin؛Georges Ripert ؛ Emmanuel Gaillard؛ Philippe Fouchard؛ Louis Vogel؛ Pierre Mayer ؛ Jean-Denis Bredin؛ Thomas Clay؛ الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي العالي والممارسة المهنية للمحاماة، بما يعكس تقليدا راسخا في ربط الفقه القانوني بالممارسة العملية.

    ودلالة هذه النماذج، التي هي على سبيل المثال، هي أن الجمع بين الأستاذية والمحاماة لم يكن في أي وقت إخلالا باستقلال المهنة أو أخلاقياتها، بل كان على العكس رافعة لتطوير الاجتهاد القانوني، وتجويد الدفاع، وإغناء الفكر القضائي، والرفع من جودة التعليم الجامعي.

    ختاما:

    إن النقاش المرتبط بحالة التنافي بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي في القانون يتجاوز مجرد الجانب الفئوي أو المهني الضيق، ليرتبط بطبيعة التصور الذي يراد اعتماده للعلاقة بين الجامعة ومنظومة العدالة.

    فإما أن ينظر إلى الجامعة باعتبارها فضاء معزولا عن الممارسة القانونية، وإما أن يتم التعامل معها باعتبارها شريكا أساسيا في إنتاج المعرفة القانونية وتطوير الاجتهاد والممارسة المهنية.

    وفي هذا السياق، يبدو أن إعادة النظر في حالة التنافي بين المهنتين لا تعني إحداث وضع استثنائي جديد، بقدر ما تمثل عودة إلى الاختيار التاريخي الذي تبناه التشريع المغربي لعقود، وانسجاما مع اتجاه تشريعي مقارن واسع يعتبر الأستاذ المحامي قيمة مضافة للجامعة وللمهنة وللعدالة معا.

    1– ينص الفصل 15 مكرر من الظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبرير 1958 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على ما يلي:

    مع مراعاة الاحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات، يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر عليه دخلا كيفما كانت طبيعته، تحت طائلة المتابعة التأديبية….”.

    2– تنص المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 صادر في 15 من محرم 1445 (2 أغسطس 2023) بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، على ما يلي:

    ” يعهد إلى الأساتذة الباحثين بالمهام التالية:

    – (…)

    القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل.

    * ذ. زكرياء العماري، أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “وفاسلف” تحتفل بمرور 40 عاما على تأسيسها وتكشف عن رؤيتها الاستراتيجية لـ 2030

    إسماعيل الأداريسي

    احتفلت شركة وفا سلف بمرور أربعين سنة على تأسيسها، خلال حفل جمع المؤسسين والشركاء والأطر الإدارية والتنفيذية للشركة، إلى جانب عدد من المسؤولين البنكيين والماليين والشركاء الاقتصاديين والفاعلين من عالم الأعمال والتمويل، في محطة شكلت مناسبة لاستعراض مسار المؤسسة وتقديم رؤيتها الاستراتيجية الجديدة في أفق سنة 2030، بالإضافة إلى تقديم نتائج “مرصد وفا سلف للاستهلاك”، وهي دراسة جديدة ترصد تحولات أنماط الاستهلاك بالمغرب خلال الأربعين سنة الماضية.

    وفي كلمة افتتاحية خلال الحفل، أكد إدريس فضول رئيس مجلس إدارة “وفا سلف”، أن المؤسسة لا تحتفي فقط بمسار مهني أو تجاري، بل بتاريخ من “الثقة والتحول والالتزام”، مشيرا إلى أن الشركة واكبت على مدى أربعين سنة تطور المجتمع المغربي وتغير احتياجات الأسر والمقاولات.
    وأضاف قائلا: “وراء هذه الأربعين عاما من الوجود، هناك أكثر من مجرد شركة. هناك قصص حياة، مشاريع تحققت، ومراحل تم تجاوزها. أربعون عاما من التأثير، والالتزام، والمسؤولية في خدمة المجتمع والمواطنين المغاربة”.

    وأشار إلى أن “وفا سلف” لم تكن مجرد ممول، بل “ميسّر للوصول إلى مشاريع الحياة”، سواء للأسر أو للمقاولات، مؤكدا أن سر استمرارية هذه العلاقة الفريدة يكمن في مفهوم “العِشرة”، تلك الثقة التي تغذت على الالتزام الدائم تحت شعار “ديما معاك”، والذي أصبح رمزا للقرب والوفاء والمواكبة.

    وأوضح أن المؤسسة تخدم اليوم أزيد من مليوني زبون، مع شبكة من ألف مستخدم ومستخدمـة ساهموا في بناء صورة الشركة وتطوير خدماتها، مؤكدا أن الرهان المقبل سيكون مواصلة الابتكار والاستجابة لتحولات المجتمع المغربي والاقتصاد الرقمي.

    من جهته، اعتبر محمد الكتاني، رئيس مجموعة التجاري وفا بنك، أن “وفا سلف” نجحت في أن تتحول من مشروع ناشئ سنة 1986 إلى “فاعل مرجعي” في سوق التمويل الاستهلاكي بالمغرب، مبرزا أن الشركة ساهمت في تحديث أنماط الاستهلاك ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المملكة منذ مرحلة التقويم الهيكلي في ثمانينيات القرن الماضي.

    وأشار إلى أن المؤسسة أصبحت اليوم “الزعيم غير المنازع” لسوق القروض الاستهلاكية، بحصة سوقية بلغت 29 في المائة، ومحفظة قروض تناهز 44 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، إلى جانب حضورها داخل أكثر من 2000 نقطة بيع مرتبطة بقطاعي التجهيز والسيارات.

    وأكد الكتاني أن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بالأرقام، بل بعدد المشاريع والأسر المغربية التي تمكنت من تحقيق أحلامها بفضل حلول التمويل التي وفرتها، مشددا على أن “وفا سلف” حرصت دائما على مواكبة الزبناء دون إدخالهم في دوامة المديونية المفرطة، عبر تقديم المشورة والحلول الملائمة.

    الحفل عرف كذلك بث رسالة مصورة من ستيفان بريامي، المدير العام لـ”كريدي أجريكول لتمويل الأفراد والتنقل” (CAPFM)، الشريك المساهم الثاني، الذي تعذر عليه الحضور بسبب التزامات مهنية بفرنسا، حيث أعرب عن “إعجابه الشديد” بـ “وفا سلف”، واصفا إياها بأنها “شركة عالية الأداء، صارمة، ومبتكرة بشكل استثنائي”.

    وأكد المتحدث أن المؤسسة أظهرت “صلابة كبيرة” خلال فترات الأزمات، خصوصا خلال جائحة كورونا، مشيرا إلى أن الشركة أصبحت مرجعا داخل المجموعة الفرنسية في مجالات الرقمنة، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، وتطوير الخدمات الموجهة للزبناء.

    تحولات المستهلك المغربي

    وشكل الحفل فرصة للكشف عن أبرز نتائج “مرصد وفاسلف للاستهلاك”، وهي مبادرة تهدف إلى فهم التحولات العميقة في عادات الاستهلاك لدى المغاربة خلال الأربعين سنة الماضية، حيث أوضحت نتائج الدراسة أن المجتمع المغربي يعيش اليوم مفارقة تجمع بين “تبسيط الحياة اليومية” بفضل التكنولوجيا والرقمنة، و”تعقيد الحياة” بسبب تسارع الإيقاع وتغير القيم والضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

    وكشفت الدراسة عن تقسيم جديد للأجيال المغربية حسب علاقتها بالاستهلاك والمال، من بينها فئة “الرقميون غير الصبورين” بين 20 و30 سنة، وهم يعيشون في اللحظة، والاستهلاك بالنسبة لهم وسيلة للتعبير عن الذات والهوية الاجتماعية، و”البناة تحت الضغط” وهم فئة في مرحلة بناء حياتهم، ويواجهون تحدي الموازنة المستمرة بين المشاريع والقيود والمفاجآت.

    أما الفئة الثالثة فهي بين 30 و45 سنة، وأسمتهم الدراسة بـ ”البراغماتيون الحذرون”، حيثيتبنون نهجا عمليا، ويبحثون عن الاستقرار والأمان، مع استهلاك أكثر تفكيرا وتوجها نحو المدى الطويل، ثم “حراس البركة” (60 سنة فما فوق)، وهي فئة متجذرة في قيم النقل والتضامن، واستهلاكهم يركز على الأساسيات.

    وأبرزت نتائج المرصد أن مفهوم النجاح لدى المغاربة لم يعد مرتبطا فقط بالامتلاك والمظاهر، بل أصبح يقوم أكثر على التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، والبحث عن الراحة النفسية والمعنى. كما أظهرت الدراسة أن 43 في المائة من المستهلكين المغاربة باتوا يراقبون التخفيضات والعروض قبل الشراء، بينما يقلص 34 في المائة نفقاتهم على الكماليات، ويتجه 14 في المائة إلى اقتناء المنتجات المستعملة، خصوصا السيارات والتجهيزات المنزلية.

    وفي ما يتعلق بالرقمنة، أوضحت الدراسة أن 82 في المائة من المغاربة يستعملون التطبيقات البنكية لإجراء المدفوعات والمشتريات، فيما أصبح 31 في المائة يشترون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في مؤشر على التحول السريع في سلوك الاستهلاك.

    الرؤية الاستراتيجية لـ 2030

    في الجزء الأخير من الحفل، عاد إدريس فضول وفريقه من الإدارة الجماعية لتقديم الرؤية المستقبلية الطموحة “معاك 2030″، حيث أوضح فضول أن هذه الرؤية تهدف إلى الانتقال بـ”وفاسلف” من مجرد رائد في السوق إلى “رائد من الجيل الجديد”، يعمل كمطور للسوق والاستخدامات الجديدة، ومركز خبرة معترف به.

    وتستند هذه الرؤية على أربع ركائز استراتيجية؛ وهي الشمولية، حيث أوضح أنس الصقلي عضو الإدارة الجماعية، أن هذه الركيزة تهدف إلى توسيع نطاق العملاء ليشمل فئات جديدة مثل التجار والحرفيين والمهنيين، بهدف الوصول إلى نموذج أكثر شمولية وقربا من واقع السوق المغربي. كما تركز على مواكبة التحولات في قطاع التنقل، الذي يشهد نموا كبيرا في حلول الإيجار والخدمات الموجهة للشركات.

    أما الركيزة الثانية فتهم “الانتقالات”، تحدثت مريم عباسي، عضو الإدارة الجماعية، عن التزام الشركة بلعب دور فاعل في دعم الانتقالات المجتمعية، حيث يشمل ذلك تنظيم وهيكلة سوق السيارات المستعملة، الذي يمثل ثلاث أضعاف سوق السيارات الجديدة، عبر تقديم حلول خبرة وإعادة تأهيل، مما يضع الشركة كـ”طرف ثالث موثوق”. كما يشمل دعم الانتقال نحو التنقل الأخضر، بهدف تمويل سيارة واحدة من كل خمس سيارات صديقة للبيئة بحلول عام 2030، بالإضافة إلى التزام الشركة بخفض بصمتها الكربونية.

    ويعد “الابتكار” الركيزة الثالثة في الاستراتيجية، حيث أكد ياسر كحلاني، عضو الإدارة الجماعية، أن الابتكار يركز على إعادة التفكير في تجربة العميل والشريك لجعلها أكثر بساطة وسلاسة وفورية. ويتم ذلك من خلال حلول الدفع المقسّط (BNPL) مثل “فصل سمارت”، والاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين المسارات والقرارات، مبرزا أن الهدف هو تحقيق أوقات استجابة قياسية (أقل من 5 دقائق)، وتوفير مسارات رقمية بالكامل، وخدمات ما بعد البيع ذاتية.

    أما الركيزة الرابعة في “الرأسمال البشري”، حيث عادل إدريس فضول لتفصيلها، مؤكدا أن كل التحولات الرقمية لا قيمة لها دون البعد الإنساني. وتتجلى هذه الركيزة في محورين: الأول هو الحفاظ على العلاقة الإنسانية في خدمة العملاء، عبر نموذج “رقمي 100% وإنساني 100%”، حيث تظل الوكالات والمستشارون متاحين لتقديم الثقة والمشورة. والمحور الثاني هو جعل “وفاسلف” “صاحب عمل مرجعي”، من خلال الاستثمار في الموظفين عبر تطوير المهارات، وتحديث العمليات، وترسيخ ثقافة مؤسسية قوية قائمة على المشاركة والشمولية.

    واختتم فضول كلمته قائلا: “هذا الحفل يمثل نقطة انطلاق نحو مستقبل نريده أكثر تأثيرا، ونبدأ في كتابته معا”، مجددا شكره لجميع الحاضرين على ثقتهم و”العشرة” التي استمرت 40 عاما، والتي ستستمر في التغذي والتطور في السنوات القادمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • طقس الخميس.. ارتفاع في درجات الحرارة وأمطار خفيفة بهذه المناطق

    تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية، بالنسبة ليوم الخميس، أن ترتفع درجات الحرارة مع طقس حار نسبيا إلى حار بعدد من مناطق البلاد، بما في ذلك السهول الشمالية والوسطى، ومنطقة سوس، والجنوب الشرقي، وجنوب المملكة.

    ويرتقب تشكل كتل ضبابية أو نزول أمطار جد خفيفة ومحلية، خلال الصباح والليل، بالساحل المتوسطي والشمال الغربي للأقاليم الصحراوية للمملكة، فيما ستكون الأجواء قليلة السحب إلى غائمة جزئيا فوق مرتفعات الأطلسين الكبير والمتوسط.

    كما يتوقع تسجيل هبات رياح قوية نوعا ما، مصحوبة بتطاير الغبار محليا فوق كل من منطقة طنجة، والأطلس الصغير، وشمال الأقاليم الصحراوية للمملكة.

    وستتراوح درجات الحرارة الدنيا ما بين 05 و13 درجة بمرتفعات الأطلس والريف، وما بين 22 و27 درجة بكل من الجنوب الشرقي وسوس والشياظمة، وما بين 14 و21 درجة فيما تبقى من ربوع المملكة.

    أما درجات الحرارة خلال النهار فستكون في ارتفاع بوجه عام.

    وسيكون البحر هادئا إلى قليل الهيجان بالواجهة المتوسطية، وقليل الهيجان إلى هائج بالبوغاز، وعلى طول الساحل الأطلسي وسيكون محليا قليل الهيجان ما بين طرفاية والداخلة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نتائج كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة دور المجموعات

    -الجولة 1
    ــ الأربعاء 13 ماي 2026
    مصر ـ إثيوبيا: 0 – 0
    كوت ديفوار ـ الكامرون: 2 – 0
    أوغندا ـ جمهورية الكونغو: 3 – 0
    المغرب ـ تونس: 1 – 1
    ــ الخميس 14 ماي 2026
    مالي ـ أنغولا: 0 – 0
    تانزانيا ـ موزمبيق: 3 – 0
    السنغال ـ جنوب إفريقيا: 1 – 2
    الجزائر ـ غانا: 2 – 2
     
    < الجولة 2
    ــ السبت 16 ماي 2026
    تونس ـ مصر: 1 – 2
    الكامرون ـ أوغندا: 1 – 0
    المغرب ـ إثيوبيا: 2 – 1
    كوت ديفوار ـ جمهورية الكونغو: 1 – 0
    ــ الأحد 17 ماي 2026
    أنغولا ـ تنزانيا: 0 – 3
    السنغال ـ غانا: 1 – 0
    جنوب إفريقيا ـ الجزائر: 0 – 2
    مالي ـ موزمبيق: 1 – 1
     
    < الجولة 3
    ــ الثلاثاء 19 ماي 2026
    الكامرون ـ جمهورية الكونغو: 1 – 0
    كوت ديفوار ـ أوغندا: 2 – 2
    المغرب ـ مصر: 2 – 1
    تونس ـ إثيوبيا: 0 – 1
    ــ…

    إقرأ الخبر من مصدره