Étiquette : 2014

  • تقرير دولي: المغرب يواجه تحديات متزايدة في مشاريع الطاقة الشمسية الحرارية رغم توسع الاستثمارات المتجددة

    العمق المغربي

    رغم زيادة الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة، يواجه المغرب تحديات كبيرة في تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية الحرارية الكبرى، وفق تقرير دولي نشرته وكالة الطاقة المتجددة الدولية ومبادرة سياسات المناخ، كما أفادت به مصادر Zawya.

    وأشار التقرير إلى أن مشاريع الطاقة الحرارية في المغرب تواجه منافسة متزايدة من مشاريع الطاقة الشمسية الفوتوفولتية مع التخزين بالبطاريات، والتي تُعد خيارًا أقل تكلفة وأكثر مرونة. ويظهر هذا التحول بوضوح في مشاريع المغرب الرائدة، أبرزها محطة نور ورزازات، التي سجلت أعطالًا تقنية متكررة ومشاكل في التخزين خلال عام 2024، أدت إلى توقف المحطة لمدة تسعة أشهر تقريبًا وتكبّد خسائر مالية تقدر بحوالي 47 مليون دولار أمريكي.

    كما تناول التقرير مشروع نور ميدلت الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 800 ميغاواط، موضحا أنه يواجه تأخيرات كبيرة في البناء.

    وتتم حاليا مفاوضات لتغيير التصميم الأصلي للمشروع، الذي كان يعتمد على الطاقة الشمسية المركزة (CSP)، ليشمل استخدام الطاقة الشمسية الفوتوفولتية والبطاريات كحل أرخص وأكثر فعالية.

    وأوضح التقرير أن مشاريع نور ميدلت 2 و3 تحركت في 2024 نحو اعتماد تقنية الفوتوفولتية مع البطاريات بدلا من التقنية الهجينة CSP-PV الأصلية، وهو ما يعكس تحول المغرب نحو تكنولوجيا أسرع وأكثر موثوقية وأقل تكلفة حتى للمشاريع التي كانت مخططة في البداية كطاقة حرارية مركزة.

    ولفت التقرير إلى الدور الحيوي للتمويل الدولي، مشيرا إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها المغرب، شهدت بين 2014 و2018 زيادة في التمويل الموجه نحو مشاريع الطاقة الشمسية الفوتوفولتية من البنوك متعددة الأطراف والبنوك الأوروبية للتنمية. وفي الفترة بين 2022 و2024، ارتفعت الاستثمارات في الطاقة المتجددة في المنطقة بنسبة 62% لتصل إلى 21 مليار دولار، أي ما يعادل 2.6% من التدفقات العالمية.

    لكن التقرير شدد على أن المزيد من الاستثمارات والتكييف في الأطر المالية والتنظيمية ضروري لتحقيق أهداف التحول العالمي للطاقة، وضمان أمن الطاقة عبر التخزين، وإدارة المخاطر التشغيلية العالية للمشاريع الكبرى.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابتدائية صفرو تقرر متابعة PAUSE FLOW في حالة سراح

    قررت المحكمة الابتدائية بمدينة صفرو، اليوم الخميس، متابعة مغني الراب جواد أسرادي المعروف بلقب “بوز فلو” في حالة سراح مقابل كفالة مالية قدرها 100 ألف درهم (أي ما يعادل 10 ملايين سنتيم)، على أن تدفع قبل الجلسة المقبلة المحددة في 11 دجنبر.

    ويأتي هذا القرار بعد أن كان الفنان قد تم متابعته في حالة اعتقال منذ 20 نونبر على خلفية أزيد من عشر أغاني يتهم من خلالها بـ إهانة هيئة منظمة وإهانة موظفين عموميين، وفق الفصلين 263 و265 من القانون الجنائي، بسبب كلمات وعبارات اعتبرت مساسا بهيبة الموظفين أثناء مزاولة مهامهم.

    وفي تصريح له، رحب المحامي إدريس الهدروكي، دفاع الفنان، بقرار المحكمة، مؤكدا أن الأفعال المنسوبة إلى موكله تندرج ضمن حرية التعبير، وأن متابعة “بوز فلو” في حالة اعتقال ليست مبررة قانونيا.

    وأضاف: “طلبنا تأجيل القضية لإعداد الدفاع، وتم تأجيل الجلسة إلى 11 دجنبر، وقرار السراح المؤقت خطوة إيجابية”.

    وتشمل المتابعة كلمات من أغنية “MARIONNETTE”، وشعار غلاف أغنية “PAW BIG 3” الذي صممه صديق الفنان في فرنسا ويظهر أسدا يذبح أسدا آخر، والذي اعتبر رمزيا للدولة، بينما أوضح الفنان أن المقصود منه التعبير الفني تجاه مغني آخر، Don Bigg، وليس الدولة.

    كما تشمل المتابعة كلمات من أغنيتين أخريين هما “112” و“IN TROU”، بالإضافة إلى بعض أعمال قديمة نشرها الفنان وهو قاصر، منها أغاني من ألبومات “OUROBOROS” و“FORNAX A” و“OVERDOSE 2014” و“DOZA” وأعمال مجموعة “حالفين” التي حذفت سنة 2017.

    ومن جهته، اعتبر الفنان المغربي توفيق حازب (Don Bigg) في تدوينة على حسابه بـ”إنستغرام” أن متابعة مغني الراب على خلفية أغانيه أصبحت “عبثا حقيقيا”، مؤكدا على ضرورة إعادة النظر في الجهات والغايات وراء هذه المتابعات، ومشددا على أن حرية التعبير مكفولة دستوريا، وأن القضاء ينبغي أن يركز على قضايا أكثر أهمية.

    وأعرب حازب عن تضامنه مع “بوز فلو” وحمزة رائد، معتبرا ما يحدث “واقعا يعكس فجوة بين القانون والفن في المغرب”.

    ظهرت المقالة ابتدائية صفرو تقرر متابعة PAUSE FLOW في حالة سراح أولاً على Maroc 24 المغرب 24.
    سبورتيف1

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تحولات النيوليبرالية: من الانفتاح الاقتصادي إلى الاستبداد السياسي

    حسن العاصي

    تتمتع الليبرالية الجديدة والاستبداد بروابط نظرية قوية، كما يتضح من السرد النيوليبرالي حول ضرورة وجود دولة قوية، قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس السوق. لا يستطيع النيوليبراليون (وخاصة الليبراليون النظاميون الألمان) التوفيق بشكل كامل بين شكوك الديمقراطية وشغفها وعقلانية السوق. يتطلب نقاء السوق وجود أوصياء، ولا يمكن دائماً اختيار الأوصياء ديمقراطياً. وهذا سيناريو شهدناه يتكشف في الأنظمة التكنوقراطية الأوروبية، ولكن أيضاً في الدول النامية، بدءًا من تجارب أمريكا اللاتينية وآسيا في سبعينيات القرن الماضي. لم يكن الركود الكبير نقطة تحول واضحة، إلا أنه أدى إلى تكثيف العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية.

    أصبح الأوصياء أكثر هيمنة، وغالباً ما رسموا خطاً فاصلاً بين “المواطنين الإثنيين”، الذين يُعتبرون “أكثر ملاءمة” للمنافسة العالمية، و”الأجانب”، وهم عادةً مهاجرون. لقد عادت الرأسمالية جزئياً إلى الحدود الوطنية. حتى في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، تطلّب بقاء الرأسمالية النيوليبرالية سياسات قومية واستبدادية، أعادت تشكيلها بطريقة أكثر محافظةً وقوميةً وحمائية. لقد ظهر ثلاثة أنواع من النيوليبرالية الاستبدادية. الأول هو التكنوقراطية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصادات الأكثر تقدماً وفي بنية الاتحاد الأوروبي نفسها، وخاصةً منذ تسعينيات القرن الماضي. أما الثاني فهو شكل القومية، الذي غالباً ما يكون “إثنيًا” في محتواه ولهجته شعبوية، والذي ترسخت جذوره في العديد من البلدان (بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب)، ولكنه أكثر وضوحاً في شبه أطراف أوروبا الوسطى والشرقية. النوع الثالث هو الاستبداد التقليدي للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تضافرت اقتصادات السوق غير المتقدمة مع وضع التبعية العالمي، مما أدى سريعاً إلى تحول نحو سياسات غير ديمقراطية في التسعينيات. نتناول الليبرالية الجديدة الاستبدادية بمزيد من التفصيل دراسة الثلاث نماذج ذات الصلة: التكنوقراطية في إيطاليا، والنيوليبرالية القومية في المجر، والاستبداد التقليدي في كازاخستان.

    التكنوقراطية الإيطالية

    كانت إيطاليا بعد التوحيد دولة هشة ذات برجوازية ضعيفة، وقد استمرت هذه السمات، إلى جانب الانقسامات المستمرة (شمال/جنوب، مدن/ريف، فاشية/مناهضة للفاشية، أحزاب موالية للغرب/شيوعيين)، حتى ثمانينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من النمو السريع الذي شهدته بعد عام 1945 (في عام 1990 كان اقتصادها سادس أكبر اقتصاد في العالم)، إلا أن إيطاليا اضطرت إلى اللحاق بركب دول شمال أوروبا، ونشرت تكنوقراطيين بشكل متكرر للبقاء في قلب الرأسمالية الليبرالية. تدخل التكنوقراط الإيطاليون في السياسة كوكلاء للجزء الليبرالي والمُدوَّل من رأس المال، وهو تقليد حليف متمركز في المدن الشمالية ومجموعات عابرة للحدود الوطنية مثل شركتي “فيات” Fiat وبيريللي  Pirelli. ومع ذلك، فقد تم استقطاب بعض التكنوقراط من قبل الطبقة البرجوازية المعارضة ذات التوجه الوطني والأكثر محافظة، والتي يتمركز معظمها في الشركات التي تسيطر عليها الدولة والشركات الصغيرة؛ وغالباً ما كانت مصالح هذه الطبقة وأعرافها ممثلة من قبل قوى قومية شعبوية مثل حزب “رابطة الشمال الإيطالية”  Lega Nord، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق “سيلفيو برلسكوني”Silvio Berlusconi.

    تتضح هذه الجدلية من خلال ثلاث فترات في العصر النيوليبرالي الإيطالي: أولاً: فترة التسعينيات، التي اتسمت بالحكومات التكنوقراطية. ثانياً: العقد الأول من القرن الحادي والعشرين التي هيمن عليها برلسكوني. ثالثاً: العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مع الحكومات التكنوقراطية الجديدة وما يصاحبها من صعود القومية الشعبوية.

    سواءً أكانت تكنوقراطية أم قومية، كانت النيوليبرالية الإيطالية في الغالب تجربة من أعلى إلى أسفل، مدفوعة من قبل الدولة. لعب البنك المركزي (بنك إيطاليا) دوراً رئيسياً كحلقة وصل بين السياسة الوطنية والأفكار الدولية، وأصبح المحرك الأساسي للنيوليبرالية. تلقى خبراؤه تعليماً دولياً في كثير من الأحيان، ويعملون كـ”مثقفين عالميين” ويمكن اعتبارهم نموذجاً لبلد موحد حديثاً مثل إيطاليا. في الواقع هم يُفسرون استقلاليتهم كممثلين للأفكار والقيم الأوروبية.

    بدأ صعود بنك إيطاليا بانفصاله عن وزارة الخزانة عام 1981، واستمر عندما أصبح محافظه السابق وزيراً للخزانة (1989-1992) في الفترة التي سبقت معاهدة ماستريخت. في عام 1992، انهار النظام الحزبي الإيطالي تحت وطأة التحقيقات القضائية، وتولى “التكنوقراط” زمام الأمور، متخفيين في هيئة اقتصاديين أكاديميين من يسار الوسط، وخاصةً رئيس الوزراء “ماتيو سالفيني” Matteo Salvini، وكبار المسؤولين التنفيذيين في بنك إيطاليا.

    ضمت جميع الحكومات بين عامي 1992 و2001 وزراء مستقلين وغير منتخبين؛ وتألفت حكومة ديني فقط من مسؤولين مستقلين، بمن فيهم “سوزانا أنييلي” Susanna Agnelli من سلالة مالكي شركة فيات. أصبح خبراء البنك “مسؤولين تنفيذيين أساسيين” وجلبوا معهم الكفاءة و”أصولاً غير ملموسة” أخرى. في إطار الترويج لأجندة نيوليبرالية، أظهروا قدرةً ثقافيةً وسياسيةً على التأثير. وبشكلٍ عام، تبنوا وجهة نظرٍ “عالمية” مفادها أن “الأوروبية” المستدامة والانفتاح على قوى السوق وحدهما كفيلان بإيصال البلاد إلى الحداثة الكاملة. وبهذا المعنى، كانوا يتبعون أجندةً عبّر عنها بوضوح الزعيم الطموح لحزب يسار الوسط الرئيسي “ماسيمو داليما” Massimo D’Alema في رؤيته لـ”دولةٍ طبيعية”: دولةٌ تتمتع بدولةٍ فعّالة، صديقةٌ للمواطنين، قد لا تكون منتجةً للحليب أو الفولاذ، لكنها تعرف كيف تُوفّر مستوياتٍ أوروبيةً من التعليم والبحث العلمي والخدمات الأساسية. دولةٌ تضمن شبكة أمانٍ اجتماعيٍّ قادرةٍ على تقديم الدعم والأمل والفرص لأضعف أفراد المجتمع، ولا تُسرّب الموارد عبر آلاف القنوات المختلفة التي تُتيحها المحسوبية.

    منطقة اليورو

    انضمت إيطاليا إلى منطقة اليورو منذ نشأتها، لكن الإصلاحات وسياسات التقشف (وخاصة قوانين الميزانية الصارمة) أثّرت سلباً على اقتصادها. فبين عامي 1993 و2000، بلغ متوسط النمو 1.6٪ فقط. أما المحسوبية والفساد، فلم يتراجعا، بل غذّتهما خصخصة شركات مثل عملاق النفط “إيني”  Eni، وشركة الكهرباء “إينيل”  Enel، وشركة التكنولوجيا الفائقة “فينميكانيكا” Finmeccanica. وتُظهر الأبحاث أن الفساد يزداد بعد عمليات الخصخصة عندما تكون هذه الأخيرة “ذات أهمية اقتصادية”، كما كان الحال في إيطاليا. فقد احتفظت الدولة بحصص كبيرة في الشركات المخصخصة، وعُيّنت الإدارة العليا الجديدة من قِبَل الحكومات وفقاً لمعايير سياسية. دفع ترسيخ النخبة والمحسوبية والتقشف العديد من الإيطاليين إلى التخلي عن اليسار وانتخاب “برلسكوني” عام 2001. وبغض النظر عن خطابه الصاخب، لم تُمثل سياسات “برلسكوني” انقساماً جذرياً؛ بل كانت مزيجاً من القومية الشعبوية والتكنوقراطية؛ فلم يكتفِ بتعيين اقتصاديين نيوليبراليين معروفين في مناصب مهمة؛ بل فاز أيضاً في الانتخابات بسبب قدرته المزعومة على إدارة إمبراطورية تجارية.

    استغل “برلسكوني” خيبة أمل الإيطاليين من التسعينيات وحوّلها إلى مشروع سياسي، متجذر في الفردية الصارخة لجزء من البلاد، وخاصةً بين الشركات الصغيرة في شمال إيطاليا، ولكنه أيضاً في “صدع أخلاقي” أوسع بين اليسار واليمين التقليديين. في حين ركز خطاب “برلسكوني” غالباً على الكفاءة وريادة الأعمال، إلا أن سياساته كانت أكثر انتهازية منها ليبرالية؛ بل عملت على حماية مصالح الجزء الأكثر وطنية وقومية من رأس المال الإيطالي، والذي شمل إمبراطورية “برلسكوني” الإعلامية “ميدياست” Mediaset ، وشركات معظمها إيطالية. ورغم وعوده بتخفيضات ضريبية كبيرة، لم يُوفِ بها “برلسكوني” قط. وتعارض دفاعه عن الوضع الراهن مع الأفكار الأكثر ليبراليةً لدى بعض معاونيه، مثل الاقتصادي المستقل “دومينيكو سينيسكالكو” Domenico Siniscalco (وزير الاقتصاد 2004-2005)، الذي استقال بطريقة مثيلرة للفضائح. ومع ذلك، كانت ممارسات الليبرالية الجديدة حاضرة في سوق العمل، حيث أدت “قوانين بياجي” Piaget’s laws (2003) إلى مزيد من انعدام الأمن والهشاشة. وارتفعت نسبة بطالة الشباب في الجنوب إلى 40%؛ وأثرت الوظائف المؤقتة بشكل رئيسي على الأجيال الشابة. وتغلغلت الليبرالية الجديدة في سوق العمل، بالإضافة إلى إدارات المدن والرعاية الاجتماعية المحلية.

    حكومة “ماريو مونتي

    بعد أزمة الديون السيادية وضغوط الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في أواخر عام 2011، أُزيح برلسكوني سريعاً، وحل محله الخبير الاقتصادي والمفوض السابق للاتحاد الأوروبي “ماريو مونتي” Mario Monti الذي أصبح مثالاً يُحتذى به في “التكنوقراطية”.

    لم يكن أيٌّ من مسؤولي مونتي عضواً في الحزب. تبنى “مونتي” تدابير تقشفية صارمة، لا سيما في نظام الضمان الاجتماعي، تحت ضغط الأسواق المالية.

    واجهت إيطاليا ركوداً اقتصادياً حاداً، نتج جزئياً عن سياسات التكنوقراطية التي لم تتوسط فيها الأحزاب. وافق “مونتي” على الطلبات الصارمة من البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية: في عام 2012، اضطرت إيطاليا إلى التكيف مع الميثاق المالي الأوروبي وإدراج التزام بموازنة ميزانية الدولة في الدستور.

    كانت حكومة مونتي مثالاً رئيسياً على الدولة الاستبدادية العابرة للحدود الوطنية في أوروبا. بعد عام 2013، استمرت التكنوقراطية والقومية الشعبوية في لعب دورهما، وغالباً ما كان ذلك معاً. تعاون خليفة “مونتي” مع اقتصاديين سابقين في الحزب الديمقراطي المسيحي وائتلافات يسار الوسط. وظلت وزارة الاقتصاد في أيدي تكنوقراط. في الوقت نفسه، جسّد “ماتيو رينزي” Matteo Renzi الذي تولى رئاسة الوزراء عام 2014 محاولةً من يسار الوسط لإقامة علاقة أكثر مباشرة بين الزعيم والناخبين، دون وساطات أو أيديولوجيات حزبية كبيرة؛ وهو نوع من الشعبوية من يسار الوسط، غنية بالشعارات، ولكنها غامضة وانطباعية بشأن الأفكار والسياسات. في غضون ذلك، واصلت النيوليبرالية شق طريقها خارج السياسة: ففي عام 2017، كان لدى إيطاليا أحد أكبر اقتصادات الظل في العالم) ونقلت شركات كبيرة (مثل فيات) مقراتها إلى الخارج؛ واستمرت الأجور في الانخفاض.

    أدى هذا التوجه النيوليبرالي الزاحف والخفي إلى ظهور مشاعر معادية للنخبوية ومواقف معادية للهجرة ومشككة في الاتحاد الأوروبي، والتي أدت في عام 2018 إلى فوز “حركة النجوم الخمس” Five Star Movement وحزب “رابطة الشمال” Lega Nord (الذي كان حتى عام 2018 حزباً إقليمياً مؤيداً لاستقلال شمال إيطاليا)، والذي شكل ائتلافًا غير عادي “يساري-يميني” ذي دلالات قومية قوية. ومع ذلك، احتفظ التكنوقراط بمناصب متميزة في الدولة ومجلس الوزراء، مثل قيادة وزارتي الاقتصاد والخارجية، حيث أُسندت إلى خبراء مستقلين. في الوقت نفسه، شهدت شعبية زعيم حزب الرابطة “ماتيو سالفيني” Matteo Salvini وزير الداخلية (2018-2019)، على انتعاش القومية الشعبوية في إيطاليا. كان ذلك، من نواحٍ عديدة، عودةً إلى سياسات “برلسكوني”، وإن كان ذلك بنبرة أكثر عدوانيةً ومعاداةً للأجانب، وروحاً أقوى معاديةً لأوروبا وللهجرة.

    حقق حزب “سالفيني” نجاحاً كبيراً، لا سيما بين عمال الاستقلال والمصانع، الذين يُمثلون مصدر الدعم التقليدي لحزب الرابطة. نجح النداء القومي المناهض للهجرة حيث كان انعدام الأمن الاقتصادي والمخاوف العالمية أكبر، بما في ذلك في جنوب إيطاليا، التي كانت في السابق هدفاً للوم من قِبَل حزب الرابطة. هناك أصداء لدعم الطبقة المتوسطة الدنيا للبونابرتية أو الفاشية، كما حللها المنظرين الماركسيين.

    شهدت إيطاليا تحولين آخرين منذ أغسطس 2019، أولاً: أُجبرت الرابطة على الانضمام إلى المعارضة بسبب صعود ائتلاف غير متوقع بين الديمقراطيين وحركة النجوم الخمس، التي لا يزال يقودها “جوزيبي كونتي” Giuseppe Conte وهو أكاديمي قانوني ذو جذور راسخة في المؤسسات الكاثوليكية في روما. ثانياً: في خضم جائحة كورونا، استعادت التكنوقراطية كامل سلطتها، بتعيين محافظ البنك المركزي الأوروبي السابق “ماريو دراجي” Mario Draghi رئيساً للوزراء في 2021. قاد “دراجي” ائتلافاً كبيراً وحكومة تضم 9 تكنوقراط و13 عضواً في الحزب. بدت مهمته أقل توجهاً نحو الليبرالية الجديدة، حيث تعين عليه إنفاق المبلغ الكبير الممنوح لإيطاليا من صندوق الإنعاش الأوروبي. مرة أخرى، تعين على الحكومات الإيطالية غير المنتخبة إنقاذ القدرة التنافسية للرأسمالية الإيطالية والأوروبية (هذه المرة في مواجهة الولايات المتحدة والصين). لكن هل يُعد هذا انحرافاً حقيقياً عن الليبرالية الجديدة؟

    النيوليبرالية القومية المجرية

    عادةً ما تُربط المجر بشبه المحيط الليبرالي الرأسمالي. خرجت من سياسات نيوليبرالية قاسية بمزيج من النيوليبرالية والقومية غير الليبرالية المتمركزة حول العرق. ورغم أن هذا لم يُترجم إلى استبداد كامل، تبنى رئيس الوزراء “فيكتور أوربان” سياسات عرقية وسلطوية متزايدة منذ 2010. ساهمت المجر تاريخياً في الفكر النيوليبرالي، إذ تعود جذوره إلى خمسينيات القرن الماضي وحوار بين الشرق والغرب، حيث استخدم اقتصاديون لغة المدرسة النمساوية لاقتراح إصلاحات وانتقاد التخطيط المركزي. كما في إيطاليا، يمكن تقسيم العصر النيوليبرالي إلى أربع مراحل: الأولى من الانتقال حتى حكومة أوربان الأولى، الثانية 1998-2002 بسياسات محافظة وقومية، الثالثة حتى الانهيار المالي وتدخل صندوق النقد الدولي (2000-2010)، والرابعة عودة أوربان ببرنامج قومي أكثر استبدادية. لعب التكنوقراط دوراً مهماً في التسعينيات خلال الانتقال إلى الرأسمالية ومفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي. كان معهد البحوث المالية منذ السبعينيات ناقلاً رئيسياً للأفكار النيوليبرالية، وأصبحت توصياته عام 1987 أساساً للانتقال إلى اقتصاد السوق. قاد “جوزيف أنتال” أول حكومة بعد الانتقال (1990-1993) وأطلق إصلاحات نيوليبرالية دون علاج بالصدمة، لكنه واجه تقشفاً مع خطة “كوبا”. أدى اتباع سياسات صندوق النقد الدولي إلى انتشار الفقر والبطالة، وانقسام المحافظين، وظهور حزب قومي متطرف جديد (MIEP) هاجم بيع الأصول للشركات الأجنبية.

    صعود أكبر للقومية الشعبوية

    كافأت انتخابات 1994 الحزب الشيوعي المُصلح (MSZP) الذي شكل حكومة مع الليبراليين، ملتزمين بالتكامل الأوروبي. فرضوا خطة تقشف صارمة “حزمة بوكروس” لخفض الرواتب والإنفاق الاجتماعي وتعزيز النمو القائم على التصدير، ما رسخ وضع المجر شبه الهامشي. تمت خصخصة شركات وبيعها لمستثمرين غربيين، ومنحت مناصب للتكنوقراط. لكن غياب برجوازية وطنية قوية أدى إلى صعود القومية الشعبوية. في 1998 فاز ائتلاف يمين الوسط، وأصبح أوربان زعيماً شاباً لحزب فيديس ورئيساً للوزراء. شكّل حكومة نصف وزرائها مستقلون، وعين ليبرالياً وزيراً للمالية، ما أبرز التكامل الغامض بين التكنوقراطية والقومية. اكتسب الخطاب القومي والشعبوي أهمية مع السياسات النيوليبرالية. قدّم أوربان تخفيضات ضريبية وتقشفاً للانضمام للاتحاد الأوروبي، وعزز برجوازية وطنية. ساعده قطب الإعلام “لاجوس سيميسكا” في تمويل الحزب. بعد 2001، عزز الأشغال العامة والبنى التحتية لدعم نخبة اقتصادية وطنية مستقلة. رغم التنافس الأيديولوجي بين القومية والنيوليبرالية، ظلت القومية محدودة بسبب أهمية الانضمام للاتحاد الأوروبي. في 2002 استعاد الاشتراكيون السلطة بفارق ضئيل، لكن تدهور الحسابات العامة وتراجع الاستثمار الأجنبي أدى لتقشف جديد في عهد رئيس الوزراء “جيوركساني” (2004). مهدت ولايته لعودة القومية، خاصة بعد خطابه السري عام 2006 الذي اعترف فيه بالكذب حول الوضع الاقتصادي. أصيب النمو بالركود وتزايدت التصورات بوجود تواطؤ بين النخب الوطنية والأوروبية، ولم يعد ممكناً إخفاء وضع المجر كاقتصاد تابع.

    الانهيار الاقتصادي 2008

    أثر انهيار أوروبا الغربية عام 2008 بشدة على المجر. دفع العجز وضعف العملة والمديونية “جيوركساني” لطلب دعم صندوق النقد الدولي، مقترناً بفضائح فساد، ما أدى لاستقالته عام 2009. في انتخابات 2010 انتصر اليمين القومي، وحصل حزب فيديس على 52.7% من الأصوات وثلثي المقاعد، ودخل حزب “يوبيك” المتطرف البرلمان، وعاد أوربان رئيساً للوزراء. رغم خطابه عن “الثورة”، لم تحدث ثورة فعلية. يمكن وصف نظامه بأنه “ليبرالية جديدة في بلد واحد”، حيث تتشابك السياسات المؤيدة للسوق مع القومية والعرقية الإقصائية، في مزيج من رعاية اجتماعية محدودة للمجريين “العرقيين” ونيوليبرالية قمعية للآخرين، خاصة الروما والمهاجرين. شهدت المجر في عهد أوربان معدلات متزايدة من الفقر والحرمان. بعد سداد القرض، تخلت الحكومة عن صندوق النقد الدولي، وعززت خطابها المناهض للعولمة والاتحاد الأوروبي، وأعادت تأميم قطاعات استراتيجية. ترافق ذلك مع إشادة بالتجانس العرقي، تعبئة المجريين بالخارج، واعتماد دستور جديد عام 2011 يتضمن إشارات للمسيحية و”الوطن الأم”. مع ذلك، لم تحِد المجر عن النموذج النيوليبرالي، إذ اعتمد أوربان ضريبة ثابتة 16%، وبرنامج عمل اجتماعي يلزم العاطلين بالأشغال العامة، مع تخفيضات كبيرة في المزايا الاجتماعية. سُلّمت وزارات رئيسية لخبراء مستقلين، واستمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة من شركات السيارات الألمانية. تفسر إمكانات المجر كمستقبل للاستثمار الأجنبي محدودية ردود الفعل الأوروبية على سياساتها القومية. تشترك المجر والشركات الأوروبية في مصالح رئيسية، وسياسة أوربان الصارمة بشأن الهجرة ليست جديدة. تستمر المعارضة الاشتراكية والليبرالية في التفكك، وأصبح حزب يوبيك ثاني أكبر حزب. وهكذا، ترسخت “العرقية” كعلامة مميزة لهذا الشكل الغامض من الليبرالية الجديدة القومية.

    الاستبداد التقليدي في كازاخستان

    تُعد كازاخستان أغنى جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية، بمساحة تقارب الهند (2,724,900 كيلومتر مربع) وعدد سكان نحو 19 مليون نسمة، ولم تتخلَّ عن نهجها الاستبدادي منذ استقلالها عام 1991، لتُمثل نموذجاً لليبرالية الجديدة الاستبدادية. كانت موطناً لسكان رُحَّل، واستوطنها الروس تدريجياً في القرن التاسع عشر، ثم شهدت تحولاً صناعياً مكثفاً في الحقبة السوفيتية أضرّ بالبيئة وبالسكان الأصليين. منذ التسعينيات، مرّ الاقتصاد السياسي بثلاث مراحل: الأولى صراع الدولة الجديدة بقيادة “نزارباييف” مع العواصف النيوليبرالية وترسخ السلطوية، الثانية نمو قائم على الموارد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والثالثة آثار “الركود الكبير” والانفتاح على الصين وترسيخ الاستبداد الرئاسي. أدى الاستقلال إلى تحديات كبرى: غياب طبقة حاكمة أو قومية مهيمنة، إذ شكّل الكازاخستانيون 39.7% والروس 37.8% عام 1989، إضافة إلى قربها من روسيا بحدود طولها 7000 كيلومتر. تولى “نزارباييف” قيادة الدولة حتى 2019، متكيفاً مع موسكو، لكنه تبنى أيضاً توجهاً أممياً بحثاً عن فرص اقتصادية غرباً وشرقاً. لكن التحرير الاقتصادي والخصخصة بين 1991-1995 خفضا الناتج المحلي 40%، وانهار القطاع العام، وانتشر الفقر والجريمة. ورغم جذب بعض الاستثمارات، جلبت الخصخصة فساداً ومحسوبية، وظهرت رأسمالية جامحة. عززت الأزمات الاستبداد، فحدّ دستور 1995 من البرلمان، ومدد ولاية نزارباييف عبر استفتاء، ثم دعا لانتخابات بعد حظر منافسه. وفي خطابه عام 1997 أكد أن دور الدولة يقتصر على تهيئة الظروف لعمل المواطنين والقطاع الخاص.

    النموذج الكازاخستاني للنيوليبرالية

    لم يكن بناء النموذج النيوليبرالي سهلاً، لكن ظهرت منظمات غير حكومية غربية، وتغلغلت النيوليبرالية في الرعاية الاجتماعية، فيما أسهم تأسيس العاصمة “أستانا” في تعزيز الأعمال والاستهلاك. حقق الاقتصاد نمواً بمعدل 10.2% بين 2000 و2007، مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع، مما أدى إلى صعود التكتلات الصناعية المالية المرتبطة بالعائلة الرئاسية والنخبة. أصبح صهرا نزارباييف، “كوليباييف” و”علييف”، مليارديرين يقودان إمبراطوريات من النفط إلى الإعلام والأمن. ومع الإرث السوفيتي والتقاليد العشائرية، نشأت أوليغارشية اقتصادية متشابكة. توسعت السلطوية مع التنافسات الأوليغارشية، فحُلّ حزب الاختيار الديمقراطي عام 2005، وتوفي “علييف” في سجن بالنمسا بعد تورطه بجرائم. منذ 2007 حصل نزارباييف على امتيازات إضافية دون أن يصبح رئيساً مدى الحياة. النمو السريع المدعوم بالنفط قوّض فرص التحول الديمقراطي، إذ لم يخلق حوافز لمعارضة الاستبداد. كما أدت “الثورات الملونة” في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان إلى مزيد من التشدد في أستانا. في المقابل، عززت الروابط مع أسواق رأس المال العالمية بقاء القيادة وازدهارها. مثال ذلك شركة الموارد الطبيعية الأوراسية في لندن، وشركة “كازاخميس” بقيادة الملياردير “فلاديمير كيم”. تعلمت الشركات الكازاخستانية التعامل مع العصر العالمي عبر استغلال الروابط خارج الفضاء السوفيتي. كما أطلقت الحكومة خطط تحديث تكنوقراطية، مستلهمة تجارب شرق آسيا مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية التي جمعت بين النيوليبرالية والاستبداد.

    الاتجاه شرقاً

    منذ “الركود الكبير”، اتجهت كازاخستان نحو الشرق، خصوصاً الصين، مع استمرار روابطها بروسيا والغرب. نمت التجارة مع الصين بشكل كبير، واستثمرت بكين بكثافة في الطاقة. أصبحتا شريكين استراتيجيين عام 2011، وأطلق الرئيس شي مبادرة الحزام الاقتصادي في أستانا عام 2013. ومنذ 2009، ربطت خطوط أنابيب الغاز والنفط البلدين بعيداً عن روسيا. كما يشتركان في منظمة شنغهاي للتعاون وأهداف مكافحة الإرهاب والانفصالية. لا يوجد دليل مباشر على دعم الصين للاستبداد، لكنها تؤيد مبدأ السيادة وعدم التدخل، ما ينسجم مع النظم السلطوية. نفوذها لا يخدم الديمقراطية، فيما حافظت النخب الكازاخستانية على روابطها الغربية. تزايد ارتباط كازاخستان بعالم الشركات الخارجية والملاذات الضريبية، حيث برزت هولندا وجزر فيرجن كمستثمرين رئيسيين. كما استثمرت الشركات الكازاخستانية في هذه الملاذات لتقليل التكاليف. وبرز الوسطاء وشركات المحاماة كحلقة وصل بين النخب والغرب. أكد مركز أستانا المالي الدولي انخراط البلاد في عالم الشركات الخارجية، مستنداً إلى القانون الإنجليزي وبدعم من بورصتي “ناسداك” و”شنغهاي”. وبرزت مجموعة “كاسبي” بطرحها العام الأولي في لندن عام 2020. بدأ الاستبداد كرد فعل على مشاكل النيوليبرالية، لكنه اندمج معها تدريجياً. أصبح الاستبداد القائم على المحسوبية والقومية والتكنوقراطية وسيلة للتواصل مع الاقتصاد المالي العالمي، مانحاً النخب امتيازات وبعض الرخاء للبلاد. ويبقى السؤال: هل يصمد النظام بعد رحيل مؤسسه نزارباييف؟

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مصرع طفلين نواحي القصر الكبير‬


    هسبريس من القصر الكبير

    عثر صباح اليوم الأربعاء 26 نونبر الجاري على جثتي طفلين من مواليد 2010 و2014 داخل حوض مائي بجماعة سوق الطلبة، التابعة للمركز الترابي للدرك بمدينة القصر الكبير، بإقليم العرائش.

    وانتقلت عناصر دركية وأمنية مكونة من الشرطة القضائية والعلمية والوقاية المدنية والسلطات المحلية إلى مكان الحادث، حيث عملت على انتشال الجثتين من الحوض ونقلهما عبر سيارة لنقل الأموات إلى مستشفى القرب بمدينة القصر الكبير من أجل إخضاعهما للتشريح الطبي، لتحديد الأسباب الحقيقية للوفاة.

    وينحدر الطفلان من حي الشرفاء بمدينة القصر الكبير، وكانا اختفيا عن الأنظار منذ عصر الإثنين المنصرم بدراجتيهما الهوائيتين.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وخلف الحادث حالة من الحزن العميق في صفوف أسرتي الطفلين وساكنة الحي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بحث يرصد الهشاشة في إدارة الهجرة


    هسبريس من الرباط

    في الوقت الذي يتعالى الخطاب الدبلوماسي حول “الشراكة المتوازنة” بين المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة، كشفت دراسة حديثة للباحث حسن بنطالب عن واقع مغاير تماما خلف الكواليس؛ واقع تحكمه “هيمنة هيكلية” للأموال الأوروبية، حولت الفاعلين المحليين إلى مجرد أدوات تنفيذية، ورسخت أولويات أمنية تخدم “القلعة الأوروبية” على حساب الاحتياجات التنموية والحقوقية للمغرب.

    الدراسة التي نشرتها منصة “ميغرا برس”، تسلط الضوء على آليات تدفق الأموال وسلطة القرار منذ عام 2014، كاشفة عن اختلالات عميقة في “حوكمة الهجرة”.

    تشير الأرقام إلى ضخامة الاستثمار الأوروبي في هذا الملف، حيث قدم الاتحاد الأوروبي منذ عام 2013 حوالي 342 مليون يورو لدعم الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء. إلا أن الدراسة تنتقد بشدة مسار هذه الأموال.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    فبدلا من تمكين المجتمع المدني المغربي، يذهب القسط الأكبر من التمويلات، عبر أدوات مركزية مثل “صندوق الطوارئ الائتماني لأفريقيا”، مباشرة إلى المنظمات الدولية الكبرى مثل المنظمة الدولية للهجرة، والمفوضية السامية للاجئين، أو وكالات التنمية الأوروبية.

    يخلق هذا النظام ما يسميه الباحث “تسلسلا هرميا دقيقا”؛ إذ تحتكر المنظمات الدولية التصميم والتمويل، بينما يُترك للجمعيات المغربية الفتات عبر عقود من الباطن، قائلا: “تجد المنظمات المحلية صعوبة في الوصول إلى العقود الكبيرة المباشرة، وتتلقى منحا فرعية أقل، وغالبا ما تهمش في تصميم المشاريع”.

    وأحد أخطر ما تكشفه الدراسة هو كيف يفرض الممول الأوروبي أجندته السياسية والأمنية على الواقع المغربي؛ فجزء كبير من التمويلات موجه للسيطرة على التدفقات، تعزيز الحدود، وعمليات العودة الطوعية.

    وتصف الدراسة وضع المنظمات غير الحكومية المغربية بأنه تحول من دور “الفاعل الاستراتيجي” إلى دور “المنفذ التقني”، قائلة إنها تندرج غالبا ضمن “كونسورتيوم” تقوده منظمات أوروبية، حيث يتم اختيار الشريك المحلي فقط لخبرته الميدانية وقدرته على الوصول للمستفيدين، وليس للمشاركة في صنع القرار، ويفرض هذا الواقع على الجمعيات المغربية العمل وفق منطق “النتائج الكمية” (عدد المستفيدين، عدد العائدين) لإرضاء المانح، مما يفرغ العمل الإنساني من بعده التشاركي والحقوقي.

    وفي مواجهة هذا المد، ترصد الدراسة تحولا في الموقف الرسمي المغربي. المغرب لم يعد يقبل بلعب دور “الدركي” أو المنطقة العازلة، بل يسعى لفرض سيادته على ملف الهجرة. ويصف الباحث هذا النهج الجديد بـ “التعاون تحت السيطرة”.

    وتخلص الدراسة إلى أن استمرار تصميم المشاريع في بروكسل وتنفيذها في المغرب من دون شراكة حقيقية، يولد “شراكة قسرية ومحبطة”. والحل يكمن في تمكين الفاعل المحلي بشفافية، وتحويل السياسات من أدوات للهيمنة والسيطرة إلى رافعات حقيقية للتنمية وحقوق الإنسان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بينها دولتان عربيتان.. تقرير عالمي يكشف أكثر 10 دول مديونية واليابان تتصدر القائمة

    العمق المغربي

    كشفت توقعات المحللين الاقتصاديين لدى مؤسسة “فوكس إيكونوميكس” عن قائمة الدول العشر الأكثر مديونية في العالم لعام 2025، والتي أظهرت تباينا كبيرا في الخارطة الاقتصادية العالمية بضمها دولا متقدمة ذات اقتصادات ضخمة جنبا إلى جنب مع دول نامية تواجه تحديات هيكلية.

    ولفت التقرير الانتباه بشكل خاص إلى وجود دولتين عربيتين هما البحرين والسودان ضمن هذه القائمة التي تعتمد في تصنيفها على قياس نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وليس القيمة المطلقة للدين، باعتبار هذه النسبة المؤشر الأدق لقدرة الدول على خدمة ديونها وسدادها مقارنة بحجم اقتصادها الكلي ومتانة وضعها المالي.

    أوضحت البيانات الواردة في التقرير أن اليابان تتصدر المشهد العالمي كصاحبة أعلى نسبة دين عام متوقعة لهذا العام بواقع 242 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو عبء تضخم بشكل متسارع مقارنة بعام 1990 حين كانت النسبة لا تتجاوز 50 في المئة، وذلك نتيجة الإنفاق الحكومي القوي ومشاريع البنية التحتية الضخمة التي أطلقتها الإدارات المتعاقبة لإنعاش الاقتصاد ومكافحة الانكماش، إضافة إلى تكاليف الشيخوخة السكانية السريعة، ورغم ضخامة هذا الرقم، أشار المصدر ذاته إلى أن الدين الياباني لا يعطل الاقتصاد لكونه مملوكا غالبا لمستثمرين محليين وبنك اليابان، مما يبقي تكاليف الاقتراض منخفضة، مع وجود مخاطر طويلة الأجل في حال ارتفاع أسعار الفائدة.

    أشارت التوقعات الاقتصادية إلى أن سنغافورة ستحل في مراتب متقدمة بدين عام يبلغ 173 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، غير أن المصدر أكد أن هذا الرقم نتاج سياسة حكومية متعمدة لتطوير السوق المالي ودعم نظام الادخار الإلزامي وليس بسبب ضائقة مالية، حيث تحافظ الدولة على فوائض ميزانية واحتياطيات ضخمة، وفي المقابل، ذكر التقرير أن إريتريا ستسجل نسبة 210 في المئة نتيجة الصراعات العسكرية المطولة والخدمة العسكرية الإلزامية التي استنزفت القوى العاملة، فضلا عن السياسات التقييدية والعزلة الدولية التي تعيق فرص تخفيف الديون وتكرس الفقر.

    سلطت القائمة الضوء على التواجد العربي عبر مملكة البحرين التي توقع المحللون أن تصل نسبة ديونها إلى 131 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ويعزى هذا الارتفاع الكبير الذي تضاعف ثلاث مرات تقريبا بين 2012 و2023 إلى انهيار أسعار النفط العالمية في الفترة ما بين 2014 و2016 مما قلص الإيرادات ورفع العجز، إضافة إلى تكاليف مبادرات تنويع الاقتصاد، كما ضمت القائمة دولة السودان التي يتوقع أن يبلغ دينها العام 128 في المئة، وهو رقم يعادل ضعف متوسط الأسواق الناشئة، نتج عن الصراعات الداخلية المزمنة وسوء الإدارة والعقوبات، والآثار المدمرة لانفصال جنوب السودان وفقدان إيرادات النفط، مما أجبر الحكومة على الاقتراض الخارجي المفرط لتمويل العجز.

    بينت التحليلات الخاصة بالقارة الأوروبية استمرار معاناة اليونان التي رغم انخفاض عبء ديونها بأكثر من 50 نقطة مئوية منذ الجائحة، لا تزال تسجل نسبة مرتفعة تبلغ 149 في المئة بسبب تراكمات الأزمة المالية والتهرب الضريبي، تليها إيطاليا بنسبة 138 في المئة، والتي وصفها التقرير بالحلقة المالية الأضعف في منطقة اليورو بسبب النمو البطيء والإنفاق السخي على المعاشات، في حين حلت فرنسا في القائمة بنسبة متوقعة تبلغ 116 في المئة، نتيجة عجز الميزانية المستمر منذ عام 1975 ونفور الجمهور من سياسات الضبط المالي التي تتجلى في احتجاجات مثل حركة السترات الصفراء.

    تابعت المؤسسة الاقتصادية رصدها لتشمل الولايات المتحدة الأمريكية التي يتوقع أن يواصل دينها العام اتجاهه التصاعدي ليصل إلى 124 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مدفوعا بالتخفيضات الضريبية المتكررة والإنفاق على الشيخوخة والرعاية الصحية، ورغم محاولات الحكومة الجديدة بقيادة دونالد ترامب خفض الإنفاق عبر وزارة الكفاءة الحكومية، إلا أن المحللين يتوقعون أن تسجل واشنطن أكبر عجز في مجموعة السبع، مع استمرار حالة عدم اليقين السياسي حول رفع سقف الدين، بينما يظل الوضع قابلا للإدارة بفضل مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية.

    ذكرت المعطيات الختامية للتقرير دخول جزر المالديف دائرة الخطر بتصاعد ديونها إلى 125 في المئة، نتيجة الاقتراض المكثف لمشاريع البنية التحتية الطموحة مثل جسر الصداقة مع الصين وتوسيع المطار، إضافة إلى تضرر قطاع السياحة جراء جائحة كورونا، ورغم الدعم المالي الأجنبي خاصة من الهند، فإن البلاد ستظل معرضة لخطر ضائقة الديون مع توقع ارتفاع تكاليف الخدمة المالية في السنوات القادمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أزمة المدرسة…


    عبد الرحمان زيطان
    أم أزمة نموذج إصلاحي؟

    إصلاح المدرسة المغربية من القضايا التي تظهر في النقاش العمومي تارة وتختفي تارة، وتُضخَّم كتلتها في ميزان الأولويات تارة وتُقلَّص تارة أخرى، وذلك تبعا للسياقات، ورهانات الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. وهذا، بالطبع، لا ينفي ولا يخفي كونها القضية الثانية في سلم الأولويات بعد قضية الوحدة الترابية، أو هذا ما يجب أن يكون. وأنها من بين أهم المجالات المعنية بالتحول في إطار نموذج تنموي جديد من المفروض، في سياق التحولات العالمية الجارية، وتحديات السياق الوطني، ورهانات التنمية البشرية، أن يكون منتجا وفعالا يضمن مزيدا من الانسجام بين البنى الاجتماعية، ومزيدا من الارتقاء الفردي والمجتمعي.

    وحيث إن إصلاح المدرسة المغربية، في أفق تحقيق نهضتها المأمولة، رهان صعب، يرتبط بجملة رهانات أخرى: سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، إلى جانب الرهان الخاص بمنظومات التربية والتعليم والتكوين والتأهيل المهني ذاتها ومعها النظام التربوي في علاقته بالمشروع المجتمعي والنموذج التنموي لأمة صاعدة، فإن النموذج الإصلاحي في بلدنا، اليوم، كما في كل بلدان العالم، معني أكثر من أي وقت مضى باستيعاب كل ما عرفته الساحة الوطنية والدولية من تحولات. كما هو معني بالسعي إلى مزيد من التلاؤم والتكيف مع التحولات التي تواجهها هذه المنظومات، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نوعين من التحديات:

    أولهما، التحديات التي تطرحها الهيمنة الرهيبة للنموذج الرأسمالي الليبرالي الجديد على مختلف مجالات الفعل الإنساني وحياته اليومية، وضمنها التغول المفرط للسوق وتحكمه في الإنتاج والخدمات والاستهلاك وسوق الشغل والمهن، وفق منظور جديد للفرد والمجتمع والدولة، ومنظور جديد للأخلاق والقيم ومعايير العيش المشترك، بل ومعنى الحياة العامة والخاصة كذلك. وسعيه المتواصل والدؤوب إلى رفع كل القيود والضوابط والمعايير التي تضعها الدولة لعقلنة حريته ونزعاته وتطلعاته في إطار وظيفتها الرقابية وتدخلاتها الاجتماعية وفعالية وظيفتها الرعائية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لم تسلم المدرسة بدورها من هذه الهيمنة الشاملة بغاية تحويلها إلى بنية خاضعة لمعادلة العرض والطلب، وفق فلسفة السوق، من حيث كونها مجالا استثماريا ذا مردودية، ومجالا خدماتيا ذا فعالية اجتماعية ورمزية. ليس فقط لأن المدرسة كانت وما زالت، مع تفاوت في درجات الفعالية، آلية من آلية إعادة إنتاج نموذج العلاقات الاجتماعية القائمة والحفاظ على ثبات واستقرار البنى الاجتماعية، أو لأنها واحدة من مؤسسات الدولة الوسيطة للتحكم في التوازنات الاجتماعية وضبط السيولة والتدفق الاجتماعي، وإنما أيضا لأن المدرسة أصبحت آلية ضمن آليات النظام الرأسمالي التي يسعى من خلالها إلى ترسيخ رؤيته الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر تحكمه وهيمنته على منافذ القرار التربوي وعلى صناعة المعرفة والثقافة وتسويق المعلومات والبيانات.

    ثانيا، التحديات المتنامية التي تطرحها الثورة التكنولوجية والرقمية وفي صلبها ثورة الخوارزميات الموجهة والضابطة التي اخترقت الحدود الوطنية وحتى خصوصيات الأفراد. وهي تحديات ما فتئت تهدد بشكل فظيع سوق التعليم والتعلم والشغل والمهن التقليدية، وتطرح بالمقابل مهناً جديدة في نوعها وطبيعتها والكفايات والمهارات التي تحتاجها، وتهدد كذلك حتى النمط الكلاسيكي لسبل ومصاعد الارتقاء الاجتماعي، والتراصف الداخلي للبنيات الاجتماعية. كما تعيد بناء مفهوم المواطنة ومنظومات القيم والمعايير والمقاييس الاجتماعية المرتبطة بالعيش المشترك وأنماط الروابط الاجتماعية والعلاقات السائدة، وبنية السلطة في معناها العام. بما أدى إلى انبثاق وهيمنة سلطتين جديدتين هما: سلطة المعرفة المرتبطة باقتصاد المعرفة وبسوق المعلومات ومصادر تجميع واستثمار وتسويق البيانات، وبالتفوق في التصنيع التكنولوجي الخارق والإنتاج الرقمي الصلب والناعم. وهو ما أصبح يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للدول المستهلكة، ليس فقط على مستوى اقتصادياتها، وإنما بشكل أكثر خطورة على مستوى سيادتها الوطنية وأمنها العام واستقرارها السياسي والاجتماعي وخصوصياتها الثقافية. ثم سلطة المال، التي، بإمكانياتها الصلبة والناعمة، وقدرتها الاختراقية السائلة، باتت على استعداد متواصل لالتهام باقي السلط، ما لم تنجح الدولة في حماية وظائفها وتأمين فعالية القوانين وتحصين استقلالية باقي السلط ومؤسساتها وباقي مؤسسات الحكامة والوساطة. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى الأثر الكبير الذي تحدثه هذه الثورة الرقمية المتواصلة بشكل مريع على الروابط والعلاقات الاجتماعية، وعلى سيرورة النمو المعرفي والنفسي والعاطفي والاجتماعي للأفراد عامة، وعلى سيرورة النمو المعرفي والمهاراتي للأطفال، وعلى ذكاءاتهم المختلفة، وعلى علاقتهم بالأجهزة الرقمية الوسيطة وثقتهم العمياء فيما توفره لهم من معارف وإمكانيات للتعلم والمتعة والفرجة بأقل تكلفة وبأكثر ثراء وانسيابية.

    أمام هذه التحولات والتحديات التي أحدثتها هذه الثورة التكنولوجية والرقمية وخاصة على مستوى مواقع التواصل الافتراضي والاتصال الرقمي، كان لا بد أن تتأثر المدرسة، تبعا لذلك، بالتحول النوعي الذي عرفه الفضاء العمومي في انتقاله من محدودية المكان إلى افتراضية الكينونة الرقمية، والمجال العمومي بانتقاله من الوضع المادي الصرف إلى الوضع المزدوج: المادي المؤسساتي والرقمي الشابك، والحقل الاجتماعي بانفتاحه على الرأسمال اللامادي والخلفيات الثقافية والرمزية والمكانة الاجتماعية كآليات للهيمنة والانتماء إلى مربع السلطة والنفوذ.

    وعلى هذا الأساس، لم تعد المدرسة تحتكر وحدها وظائف التعليم والتعلم والتثقيف والتكوين والتنشئة الاجتماعية، أو على الأقل لم تعد تحتل تلك المكانة المحورية التي كانت تحظى بها في السابق؛ وإنما صارت مجرد مورد من الموارد، إن لم نقل أقلها فعالية وتأثيرا، بعدما تمكن هذا النموذج الرأسمالي عبر ترسانته الإنتاجية والإعلامية من إدماج الجيل الجديد من المتعلمين في عالم الخوارزميات والوسائط الذكية، وساهم بقوة في توسيع الفوارق في الولوج إلى المعرفة ومصادرها الجيدة، وتمكن في موازاة ذلك، من تقليص الأدوار التقليدية للأسرة في أنشطة التربية والتنشئة الاجتماعية والحد من فعالية المواكبة الوالدية. وتبعا لذلك، صار التعليم والتعلم استثمارا في بورصة المصعد الاجتماعي، يتحكم فيه حجم الرأسمال المادي والرمزي الثقافي والاجتماعي للأسر، وصار لمعيار الاستحقاق معنى آخر غير الجدارة والكفاءة، ولمقاييس النجاح معاني أخرى غير الاجتهاد والمثابرة. ومن ثمة، فقد أضحت المدرسة أكثر ارتباطا بالسوق وأكثر ارتباطا بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأسر على حساب ارتباطها الطبيعي بالتنشئة الاجتماعية والتثقيف وبناء نموذج المواطنة.

    وهكذا ربما في القريب العاجل ستصبح المدرسة، في نموذجها التقليدي، عاجزة عن القيام بوظائفها، ما لم تُعِد النظر في ذاتها، من حيث وظيفتها الاجتماعية والمجتمعية، ومن حيث فعاليتها في التربية على الحياة المتضمنة للتربية على القيم والتربية على الاختيار والتربية الرقمية وتنمية وتطوير التعلمات الوظيفية الأساسية والكفايات النوعية والمهارات الحياتية ومهارات التفكير العليا، ومن حيث المقاربات البيداغوجية والديداكتيكية والعلاقات البيداغوجية، ومن حيث فعالية وملاءمة البيئة المدرسية مع حاجات التعلم والمتعلم، ومن حيث آليات المواكبة للمشاريع الشخصية للمتعلمين، وآليات تقييم الأداء وتقييم التعلمات وتقييم المردودية المؤسسية.

    ليس هناك اختلاف كبير حول تشخيص الوضعية الراهنة للمدرسة المغربية، إن على مستوى عدالة وجودة الولوج، أو على مستوى جودة الأداء، أو على مستوى جودة التعلمات والمخرجات. ولا حتى هناك اختلاف كبير حول طبيعة أزمة المدرسة البنيوية الممتدة جذورها في الماضي ولعقود متراكمة. لكن لا بأس أن نشير إلى أمور نجدها جوهرية مرتبطة بهذه الأزمة البنيوية ومنها:

    أولا، التنوع المعيب بمقياس التوحيد كمبدأ أساس من المبادئ الأربعة الذي شكلت دعامة من دعامات الوعي الإصلاحي الذي تبنته الحركة الوطنية الديموقراطية في العقود الأولى من الاستقلال إلى جانب مبادئ المغربة والتعميم والتعريب. لأنه لا يمكن الحديث عن المدرسة كمؤسسة للتربية والتنشئة الاجتماعية وللتعليم والتثقيف والتكوين والتأهيل المهني، في دولة صاعدة، موحَّدة في ترابها وفي نظامها وفي ثوابتها الجامعة، إلا باعتبارها مؤسسة موحَّدة في نموذجها البيداغوجي وموحِّدة للهوية المشتركة والمصير المشترك ولمعايير العيش المشترك. وهنا لا بد من التمييز بين التنوع في النموذج البيداغوجي وبين تنويع العرض المدرسي من جهة، وبين التنوع في النموذج البيداغوجي وبين تنويع المقاربات البيداغوجية وتنويع الأطر المنهجية لتصريف هذا النموذج البيداغوجي من جهة ثانية. كما لا بد من التأكيد على أن التنويع في العرض التربوي والتنويع في المقاربات وفي الأطر المنهجية لتصريف النموذج البيداغوجي لا ينفي وجود مدارس القطاع الخاص إلى جانب مدارس القطاع العام والمدارس الشريكة ما دام النموذج البيداغوجي موحَّد في مكوناته بين مختلف هذه المدارس، وتعمل جميعها على إنتاج نفس المخرجات ونفس المواصفات ونفس ملمح التخرج، سواء تعلق الأمر بمجال التنشئة الاجتماعية أو بمجال الكفايات والمهارات وباقي المؤهلات؛

    وثانيا، تحول المدرسة المغربية إلى آلية من آليات الفرز الاجتماعي الناعم، نتيجة انقسامها النوعي إلى بنيتين ترتبط كل منهما بخلفية سوسيو اقتصادية: بنية مدرسية خصوصية مرتبطة ببنية اقتصادية نافذة كمجال استثماري ريعي، وكفضاء خدماتي محدود الاستقطاب وشروط الاستحقاق ومنفتح على الفئات والشرائح الاجتماعية المقتدرة ماديا. غايتها إنتاج النخب الاستثمارية والقيادات والمديرين التنفيذيين. مقابل بنية مدرسية عمومية معتلة غارقة في مشاكلها المتراكمة وأزماتها البنيوية التي لم تستطع جملة الإصلاحات التي خضعت لها الوصول إلى مفاتيح انقاذها وإخراجها من تحت مطرقة هذه الأزمة البنيوية الهيكلية المتراكمة. والغاية من هذه البنية المدرسية إنتاج الأطر الإدارية والنخب الوسيطة والأطر التنفيذية والتقنية العليا والأطر التقنية المتخصصة واليد العاملة المؤهلة والمدربة؛

    ثالثا، تراجع المدرسة العمومية عن دورها الاجتماعي كمصعد للارتقاء الفردي والاجتماعي، وعن دورها التاريخي في تنمية الطبقة الوسطى وإغناء أدوارها لدعم التحول وتحقيق التنمية، إذ لا يخفى على أحد دور الطبقة الوسطى في تنمية الإنتاج وتحريك السوق والمساهمة في الاستقرار الاجتماعي وحفظ التوازنات بين البنى الاجتماعية. وفي غياب هذا الدور الذي كانت تلعبه المدرسة، إلى جانب عوامل أخرى، بدأت الطبقة الوسطى تتلاشى أطرافها وتتقهقر في اتجه الطبقة الدنيا التي لا تزداد تحت ضغط الحياة اليومية وتدني القدرة الشرائية إلا اتساعا وتركيبا وإنتاجا للحقد الاجتماعي والعنف ولمختلف عوائق التنمية والاستقرار الاجتماعي.

    رابعا، ما انتهت إليه المدرسة العمومية في العقود الأخيرة من وضع مترد بالجملة (تعثر في تعميم بنية الاستقبال – ارتباك في ترسيخ مقومات الحكامة وتدني مؤشرات النجاعة – رداءة الخدمات- الهشاشة الوظيفية- ضعف التأثير والفعالية– عدم ملاءمة المخرجات- …).كل هذا جعل البنية المدرسية العمومية فاقدة للثقة، ضعيفة المردودية الاجتماعية، وغير فعالة في التنمية، وداعمة للفرز الاجتماعي وتعميق الفوارق بين الفئات والشرائح الاجتماعية.

    ليس من الصعب إذن تفسير أو حتى تبرير هذا الاهتمام الكبير الذي صار يحظى به موضوع التربية والتكوين في الآونة الأخيرة من قبل الدولة والمجتمع على حد سواء. ومع ذلك، ليس بالأمر الهين الإحاطة بكل ما يمكن أن يكون موضوعا للتداول في ساحة النقاش العمومي حول المدرسة وتجاربها الإصلاحية المتعددة. ومع ذلك، لا بد، في هذا الإطار، من التأكيد على أن الحديث عن تطور النموذج الإصلاحي للمدرسة المغربية يقتضي التمييز بين أربع مراحل أساسية من تاريخها وهي: مرحلة ما قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، التي اتسمت فيها التجارب الإصلاحية، عموما، بانفراد الدولة واستحواذها على القرار المدرسي والتربوي في الرؤية والتخطيط والتنفيذ، علما بأن هذا القرار لم يكن قرارا مستقلا عن الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا حتى عن توجيهات صندوق النقد الدولي وخاصة منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. ثم مرحلة ثانية هي مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى حدود سنة 2011، أطرتها التحولات السياسية التي سادت بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكانت من بين مستلزمات الانتقال الديموقراطي. وهي مرحلة اتسمت فيها تجربة إصلاح منظومة التربية والتكوين، ولأول مرة في تاريخها، منذ الاستقلال، بالتوافق بين الدولة والمجتمع في تشخيص حالة المنظومة وبناء الاختيارات والرؤية الإصلاحية، لكن مع ذلك، ظلت الدولة تحتفظ بقرار التخطيط والتنفيذ في إطار تدبيرها للسياسات العمومية لهذا القطاع.

    ثم مرحلة ثالثة هي مرحلة ما بعد دستور 2011، واتسمت بارتباك ملحوظ في قيادة الإصلاح وتوجيه مساره وتدبيره وتنفيذه وخاصة أنها انبثقت من رحم مزدوج: البرنامج الاستعجالي (2009-2012) الذي لم يكن قد استنفذ مداه، ولم يكن قد حقق أهدافه، بل ولم يتم حتى تقييمه، ثم المخاض الاجتماعي والمستجدات الدستورية والسياسية التي حملتها هذه النسخة الدستورية. ومع ذلك، يمكن اعتبارها مرحلة غنية ونوعية في سيرورة تجديد المدرسة المغربية. لأنها شهدت ميلاد النص المؤسس للمدرسة الجديدة المتمثل في الرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، وانتهت كذلك بالارتقاء بالتوافق الأخلاقي الذي أسس له الميثاق الوطني للتربية والتكوين كجواب إصلاحي ممكن في سياقه، إلى التعاقد القانوني الملزم لتأطير النموذج الإصلاحي، وهو ما يمكن اعتباره انتقالا نوعيا في نموذج إصلاح المدرسة المغربية، بحيث جعل الرؤية الإصلاحية رؤية ضابطة للرؤية السياسية المرحلية وللحسابات السياسية للفاعل السياسي والإداري، بل وقدم هذا التعاقد القانوني الملزم نفسه باعتباره مرجعا أساسيا للاحتكام والتحكيم والمساءلة والمحاسبة، وباعتباره مرجعا يجب أن تمتح منه البرامج التنفيذية للسلطات الحكومية تصوراتها المرحلية. ثم مرحلة رابعة بدأت مع خارطة الطريق (2022-2026)، جاءت في خضم التحولات السياسية التي عرفتها البلاد مع انتخابات 2021، وفي ظل النموذج التنموي الجديد الذي دعا إلى إحداث نهضة تربوية تكون في صلب هذا النموذج، وفي ظل مشروع الدولة الاجتماعية كذلك التي أطلقه جلالة الملك. وهي مرحلة اتسمت بربط النموذج الإصلاحي بالزمن الانتخابي من حيث الرؤية والتخطيط والتنفيذ بما جعل هذه التجربة الإصلاحية تنـزاح عن مسار الإصلاح، وتنحاز إلى الرهان الانتخابي والمصلحي للنخب المالية المهيمنة ورهانات المؤسسات النقدية الدولية والاستثمار العابر للقارات على حساب الرهان الوطني المتطلع إلى ترسيخ العدالة المدرسية كمدخل من مداخل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. ومن ثمة يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة نوعية فارقة سيكون لها ما لها وما عليها في سيرورة بناء المدرسة المغربية الجديدة.

    بناء على كل هذا، يصير السؤال الأكثر جدية هو: أما زال مقبولا الحديث اليوم، بعد كل هذه التجارب والإجراءات الإصلاحية عن أزمة المدرسة التي وُصفت بشكل متواتر بالأزمة البنيوية المركبة، أم هو دعوة للحديث عن أزمة النموذج الإصلاحي، ذاته، الذي ظل يراوح مكانه ويدور في دوائر مغلقة من إصلاح الإصلاح حتى مع وجود نص مؤسس للمدرسة الجديدة ونص قانوني ملزم يحدد الاختيارات والتوجهات ويؤطر مسارات تفعيل الإصلاح؟

    لا شك، أن إصلاح منظومة التربية والتكوين كان ولا زال مطلبا اجتماعيا بامتياز، تدفقت من أجله الاحتجاجات من داخل المنظومة ومن خارجها، طيلة تاريخ منظومة التربية والتكوين. وأصبح هذا المطلب أكثر كثافة وعمقا مع العهد الجديد بعدما تم ربط التنمية البشرية بتحقيق العيش الكريم والعدالة الاجتماعية والمجالية.

    لكن الملاحظ منذ بداية العقد الثالث من هذا القرن، وخاصة مع توالي الأزمات (أزمة كوفيد 19 – التضخم وتراجع القدرة الشرائية – ضعف النمو- التطور التكنولوجي – فقر التعلم -…) من جهة، والتحول الذي عرفته بلادنا على مستوى تدبير السياسات العمومية في ظل التصريح الحكومي (2021) من جهة ثانية، تم إقرار نموذج إصلاحي جديد تضمنته خارطة الطريق (2022-2026)، منطلقا من تشخيص، يحتاج في اعتقادنا إلى كثير من التدقيق، وثَّقه الموقع الرسمي” مدرستنا – madrastna.ma). من بين ما تضمنه: ” لقد استمرت أزمة المدرسة المغربية لأكثر من عقدين من الزمن رغم سلسلة من مبادرات الإصلاح انطلقت مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، وتواصلت مع البرنامج الاستعجالي (2008)، والتدابير ذات الأولوية (2014)، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030 (2015)، ثم القانون الإطار رقم 51.17 (2019). وعلى الرغم من طموح كل هذه المبادرات، نحو إحداث التغيير، إلا أنها فشلت في تصحيح مسار المنظومة التربوية، وبالتالي فقد أصبح من اللازم، اليوم، العمل على تقليص الفجوة الفارقة الموجودة بين السياسة التربوية وبين الواقع الميداني وما يجري داخل الفصل الدراس”.

    هو نموذج إصلاحي جديد، على ما يبدو، تم اعتباره بديلا لتجاوز الأزمة التي استمرت ” أكثر من عقدين من الزمن” ولتجاوز فشل” مبادرات الإصلاح” و” لتصحيح مسار المنظومة التربوية”. وفي ظله أصبحت الاحتجاجات أكثر كثافة ونوعية منذ مطلع الموسم الدراسي (2022-2023)، حيث خرج المدرسون للاحتجاج تحت سقف تنسيقياتهم الوطنية ونقاباتهم المهنية (2023) والترافع من أجل نظام أساسي عادل وضامن للحق في الاستقرار الوظيفي وللحق في الترقي، ومن أجل تحسين الأجور وظروف العمل. وهي احتجاجات ما زالت مستمرة، بشكل أو بآخر، من طرف هذه الفئة أو تلك، وإن كانت قد صارت محدودة الفعالية والأثر، حتى بعد إقرار نظام أساسي جديد، دون أن يفوتنا التذكير بأن عددا من مواد هذا النظام الأساسي ما زالت أحكامها تنتظر التفعيل التنظيمي والإجرائي رغم أنها ليست مقتضيات هامشية وإنما هي مقتضيات تنظيمية وإجرائية جوهرية بعضها يرتبط حتى بتفصيل مهام الأطر وتأطيرها الوظيفي. كما تدفقت من رحم العالم الافتراضي، منذ الأسبوع الأخير من شهر شتنبر الماضي (2025) دعوة أطلقها الشباب للاحتجاج من أجل مطالب قاعدية أساسية منها التعليم والصحة قبل أن يتم توسيع هذه المطالب وتأطيرها تحت شعار العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة وتفعيل المبادئ الدستورية وعلى رأسها ربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة.

    في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن الحكومة من خلال خارطة الطريق 2022-2026 لتصحيح مسار الإصلاح راهنت بقوة على إدخال تعديلات جوهرية تمس في العمق البعد الوظيفي لهذا القطاع الاجتماعي الاستراتيجي في إطار منظورها للتحول نحو المستقبل. وكانت قد جعلت منه واحدا من أهم بنود برنامجها الانتخابي وكموضوع ذي أولوية ضمن تعاقدها الانتخابي مع كتلة الناخبين وخاصة في إطار برنامجها التنفيذي لخيار الدولة الاجتماعية كخيار استراتيجي.

    ومع ذلك يجب التأكيد على أن هذه التعديلات التي جاءت بها الحكومة “لتصحيح المسار” على حد قولها، وتضمنتها خارطة الطريق (2022-2026) من أجل تعليم ذي جودة للجميع، حددت أهدافها بدقة. وتضمنت جملة إجراءات تخص ثلاثة محاور هي: التلميذ والأستاذ والمؤسسة. واعتمدت اثني عشر التزاما ومجموعة معايير تستهدف تيسير وتحسين الولوج وتحسين شروط الاحتفاظ وتحسين سيرورات الأداء والنتائج وتحقيق الأثر. وهي من دون شك، تشكل انتقالا نوعيا في الرؤية التنفيذية الإجرائية إذا ما تمت مقارنتها بالعمليات والإجراءات التنفيذية التي سبقتها، على الأقل خلال العشر سنوات الأخيرة. وهي كذلك تحقق تراكما حقيقيا على مستوى جودة الأداء، وجودة التدبير التقني، وجودة آليات التقييم والمواكبة وقياس الأثر. لكن ما يجب التأكيد عليه في المقابل، هو أن تقديم هذه الرؤية التنفيذية تم بيدين متقابلين وعلى التوازي: يد أولى استهدفت تحسين الوضعية المادية للأطر العاملة بالقطاع وتعديل معايير الترقي والاقتراب الفعلي من وضعية الهشاشة المرصودة في البنية التحتية وفي التجهيزات وفي بنية التنفيذ وفي التكوين والتأطير والممارسات المهنية وعلى رأسها مهام التدبير والتدريس، في مقابل إجراء تحولات عميقة في الأدوار والوظائف والمهام والعلاقات المهنية ومنظومة الأداء بما يجعل تقييم فعالية ومردودية التلميذ ومختلف الفاعلين (المدرس- أطر الدعم والتوجيه- المدير- المفتش) والمؤسسة أيضا أمرا ممكنا على أساس عقود نجاعة الأداء. ويد ثانية استهدفت تصحيح مسار الإصلاح عن طريق تدقيق الأهداف وربطها بالزمن الانتخابي القابل للملاحظة وقياس الأثر الكمي، في مقابل إجراء تحول عميق في الاختيارات البيداغوجية ومقاربات التدريس في أفق إعادة بناء صنافات الوظائف المنوطة بمدرسة المستقبل ضمن المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يدعمها النموذج الرأسمالي الليبرالي الجديد في صيغته المحلية. وهو ما يعني شكلا من أشكال تجميد فعالية النص المؤسس للمدرسة الجديدة، أو على الأقل وفي أحسن الأحوال، التحكم في سرعته، كما يعني خروجا عن منهجية النموذج الإصلاحي التي كان قد أقرها القانون الإطار 51.17، ووضع لها إطارا زمنيا ومسارات وتدابير كفيلة بتحقيق التفعيل الجيد لمختلف أحكامه. لكن في مقابل ذلك، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السياق والتراكمات ومختلف الإكراهات والتحديات التي كانت تواجهها الإجراءات التنفيذية السابقة، من حيث الملاءمة والانسجام بين الرؤية وواقع التنـزيل، بسبب هشاشة الفاعلية الوسيطة وضعف المواكبة المهنية ومحدودية قدرة المؤسسات الإدارية الوسيطة على الاجتهاد والمبادرة والتعبئة والتواصل، يمكن اعتبار خارطة الطريق، هذه، بمثابة تدابير ذات الأولوية، كبيرة الأهمية، تغطي مرحلة انتقالية محدودة في الزمن، منفتحة على التحول بشكل مرن، وعبر مسار أكثر متانة وقوة، لترسيخ جيل جديد من الإصلاح، ينسجم مع الآفاق التي تطلع إلى تحقيقها القانون الإطار، ويتلاءم ورؤية 2035 التي اعتمدتها لجنة النموذج التنموي الجديد. وإذا ما اعتبرنا كذلك هذه التدابير ضرورية لإحداث التحول في الرؤية التنفيذية والتخطيط والأداء وخاصة أنها اعتمدت حقيبة من البرامج الدقيقة في أهدافها، وفي إجراءاتها، وفي معاييرها ومؤشراتها، وفي قدرتها على تحقيق الأثر القابل للملاحظة والقياس في المدى الزمني القريب والمتوسط.

    اسنادا إلى ما سبق، يبدو أن المدرسة المغربية اليوم أمام سؤالين مختلفين: سؤال أزمتها البنيوية المركبة والمتراكمة عبر عقود من الزمن، وسؤال أزمة تعاقب التجارب الإصلاحية “غير المجدية” والتي لم تحقق أهدافها. وإذا كانت أزمة المدرسة هي في عمقها أزمة مرتبطة بنموذج تفعيل الإرادة السياسية، وأزمة نموذج مدرسي يتطلع النظام الرأسمالي ومعه النخب المالية المحلية إلى ترسيخه، وأزمة حكامة في تدبير التقائية السياسات العمومية في قطاع التربية والتكوين، وأزمة حكامة تدبيرية للقطاع وخاصة على مستوى تفعيل مبدأ الجهوية المتقدمة في قطاع التربية والتكوين، وأزمة تعبئة المجتمع السياسي والمدني حول التحديات التي تواجهها مدرسة اليوم والمستقبل؛ فإن عناصر الجواب عن سؤال أزمة الإصلاح تكمن في طبيعة النموذج الإصلاحي، ذاته، وفي شرطياته وآفاقه وشروط إنجازه. بما يفيد أن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يكون إصلاحا تقنيا أو جزئيا أو اختزاليا غارقا في نماذج التجريب والوصفات المستوردة من خلال مخططات وبرامج تنفيذية محدودة الأفق، ومرتبطة في الوقت ذاته بالأزمنة الانتخابية، وإنما يجب أن يكون إصلاحا بنيويا يتجه أولا إلى الاختيارات الموجهة للمدرسة ضمن بنية الاختيارات المتعلقة بالدولة الاجتماعية ورهانات العدالة الاجتماعية والمجالية، والسيادة التربوية، وبرهانات التنمية المندمجة التي يجب أن تلعب فيها المدرسة ذلك الدور الأساس والقاطرة التي تنتج الأفق وتحدد معالمه وتدعمه بالبحث العلمي والاستجابات العلمية والقيمية والمهاراتية التي تعطي للإصلاح معنى، وتعطي للمدرسة قيمتها بين مؤسسات الدولة والمجتمع، ويعطيها دورا محورية في بناء مسارات التحول وصناعة مستقبل الوطن. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا على أساس التوحيد الذي في قلبه يتمركز النموذج البيداغوجي الموحد في كل مكوناته، من مصفوفة الاختيارات المؤسسة للنموذج المغربي في المواطنة إلى عمليات التقييم والامتحانات الوظيفية، مرورا بالمقاربات البيداغوجية والهندسة اللغوية وخيارات التوجيه والمواكبة الفردية للمتعلمين في مشاريعهم الشخصية. وهذا التوحيد لا يمكن أن يكون متلائما ومنسجما مع شرطيات الإمكان التاريخي والسياق الراهن لمنظومات التربية والتعليم والتكوين والتأهيل المهني إلا استنادا إلى التوجيهات الملكية السامية، ثم استنادا إلى النص المؤسس للمدرسة الجديدة (الرؤية الاستراتيجية 2015-2030)، وفي إطار أحكام القانون الإطار 51.17، والتعاقد المجتمعي الجديد حول منظومة التربية والتكوين الذي دعا إليه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في دجنبر 2024. وأن كل محاولة إجرائية للإصلاح من خارج هذا الإطار المتعدد المداخل يعتبر انزياحا وخروجا مقصودا عن سكة الإصلاح الحقيقي مهما كانت المبررات، وخاصة إذا تعلق الأمر بالنموذج البيداغوجي الذي هو جوهر عمل المدرسة وقيامها بوظيفتها.

    خلاصة القول: إن إصلاح المدرسة إصلاحا بنيويا وجريئا كاختيار استراتيجي من بين الاختيارات الاستراتيجية التاريخية لأمة صاعدة، ولأمة في وضعية تحول عميق يستجيب لتطلعات الدولة والمجتمع، وفي وضعية انتقال تاريخي نوعي محكوم بسياق الوضع المتقدم الذي عرفه ملف قضية وحدتنا الترابية، وما يستلزمه هذا الانتقال التاريخي من تحصين لمنافذ التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها المدرسة، لترسيخ الهوية المشتركة المتعددة الروافد، وترسيخ الثوابت الجامعة للأمة المغربية الموحَّدة والموحِّدة، وترسيخ منظومة القيم ومعايير العيش المشترك، وتأمين المصير المشترك من جهة أولى، وكخيار من خيارات ترسيخ مستلزمات العدالة الاجتماعية والمجالية التي تعتبر العدالة المدرسية والإنصاف في صلبها، من جهة ثانية، وكمجال من مجالات تفعيل الحق في التنمية وعلى رأسها الحق في تعليم عصري ميسر الولوج جيد وذي جدوى انسجاما مع المقتضى الدستوري من جهة ثالثة، هو مطلب وطني أساسي قائم على التعاقد المجتمعي حول المدرسة وعلى الإلزام القانوني والمؤسساتي. ومن ثمة، لا يمكن أن يكون مجالا للمزايدة السياسية والإيديولوجية، ولا أن يكون مجالا خاضعا لهيمنة اللوبيات مهما كانت طبيعتها، ولا مجالا ريعيا أو استثماريا مدرا للربح الفاحش. مادامت قضية التربية والتكوين هي القضية الثانية بعد قضية وحدتنا الترابية، تقتضي التحصين المؤسساتي؛ وأن في تحصينها تحصين لوظائفها المتعددة؛ وفي تحصين هذه الوظائف، باختياراتها ومضامينها المحددة، تحصين لنموذج مواطن الغد الذي تسهم في بنائه وفي تعزيز خصوصيته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تقرير دولي يرصد تحديات كبرى أمام مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب


    هسبريس من الرباط

    كشف تقرير “المشهد العالمي لتمويل تحول الطاقة 2025″، الصادر بالاشتراك بين الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ومبادرة سياسة المناخ، عن استمرار التحديات التي تواجه مشاريع الطاقة المتجددة الكبرى في المغرب، ولا سيما في قطاع الطاقة الشمسية الحرارية، رغم النمو المتزايد للاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة.

    ويؤكد التقرير أن الاستثمارات في قطاع الطاقة الحرارية في المغرب تواجه منافسة متزايدة من مزيج الطاقة الشمسية الكهروضوئية مع أنظمة تخزين البطاريات، الذي يُنظر إليه على أنه بديل أرخص؛ وقد انعكس هذا الاتجاه بوضوح في مشاريع الطاقة العملاقة في البلاد.

    ورصد المستند تحديات مشاريع “نور” الكبرى، ومنها محطة نور ورزازات، إذ أفاد بأن الأخيرة، التي تبلغ طاقتها 150 ميغاواط، واجهت أعطالًا فنية متكررة وانهيارات في التخزين عام 2024، ما أدى إلى توقف تقديري لمدة تسعة أشهر وخسائر مالية تُقدر بنحو 47 مليون دولار أمريكي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتحدث المصدر ذاته عن مشروع نور ميدلت، الذي تبلغ قدرته 800 ميغاواط، موردا أنه يواجه تأخيرات كبيرة في البناء. فيما تجري مفاوضات حاليًا لتحويل التصميم الأصلي المعتمد على تكنولوجيا الطاقة الشمسية المركزة إلى استخدام وحدات كهروضوئية و/أو تخزين البطارية، وذلك بحثًا عن بدائل أقل تكلفة.

    أما بالنسبة لنور ميدلت 2 و3 فقال التقرير إنه تم المضي قدمًا في هذين المشروعين بالفعل باعتبارهما من مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية بالإضافة إلى البطارية عام 2024، متخليين عن التكنولوجيا الهجينة بين الطاقة الشمسية المركزة والطاقة الكهروضوئية المخطط لها في الأصل.

    تشير هذه التطورات إلى تحول إستراتيجي في المغرب نحو تقنيات الطاقة الشمسية الأكثر نضجًا والأسرع انتشارًا والأقل تكلفة، وهي الطاقة الكهروضوئية، حتى في المشاريع التي كانت مخصصة تقليديًا للطاقة الشمسية المركزة بسبب قدرتها على التخزين الحراري.

    وفي سياق التمويل أشار المستند إلى الدور الذي لعبه التمويل الدولي في المنطقة، موضحا أنه كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تشمل المغرب، شهدت ارتفاعًا في التمويل المدفوع بالتأثير عامي 2014 و2018، مفيدا بأن هذا التمويل جاء بشكل أساسي من المؤسسات المالية الإنمائية متعددة الأطراف والوطنية الأوروبية، وكان يركز على مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية.

    وبشكل عام تظهر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموًا ملحوظًا في استثمارات الطاقة المتجددة، حيث ارتفعت هذه الاستثمارات بنسبة 62% بين متوسط الفترة 2022/2023 وعام 2024، لتصل إلى 21 مليار دولار أمريكي. ويمثل هذا الرقم 2.6% من إجمالي التدفقات العالمية. ورغم هذا النمو مازالت دول المنطقة مطالبة بتكثيف استثماراتها بشكل كبير لتحقيق أهداف تحول الطاقة العالمية.

    يُسلط التقرير الضوء على أن التحدي الأكبر للمغرب ودول المنطقة يكمن في كيفية تكييف الأطر التنظيمية والمالية لاستيعاب التطورات التكنولوجية المتسارعة، وضمان أمن الطاقة من خلال تقنيات التخزين، مع إدارة المخاطر التشغيلية الكبيرة التي تظهر في المشاريع الرائدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • واشنطن بوست تفجّر الملف: صحفي فرنسي يُدان بالإرهاب بالجزائر لأنه سعى لكشف حقيقة وفاة لاعب كاميروني والنظام الجزائري في موقع الاتهام

    الدار/ مريم حفياني

    في تقرير مطوّل نشرته صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 15 أكتوبر 2025، أعيد فتح ملف الصحفي الفرنسي المعتقل كريستوف غليزيز الذي تحوّل من صحفي محترم مكلّف بتحقيق صحفي في الجزائر إلى متهم بـ”تمجيد الإرهاب” في محاكمة وُصفت بأنها سريعة ومشحونة سياسياً. التقرير كشف أن غليزيز كان بصدد التحقيق في ملابسات وفاة لاعب كرة القدم الكاميروني ألبرت إمبوسي عام 2014، وهي قضية ما تزال تُثير الكثير من الشكوك، خصوصًا بعد تداول فرضيات حول تورط أجهزة جزائرية في الحادث بهدف توظيفه سياسياً ضد الحركة القبائلية.

    واشنطن بوست أشارت إلى أنها تواصلت مع كل من فرحات مهني وأكسيل بيلعباسي، اللذين أكدا أنهما تبادلا المعلومات مع غليزيز قبل اعتقاله، وأنهما يعتقدان بأن وفاة إمبوسي لم تكن طبيعية، وأن التحقيق الصحفي الذي كان الصحفي الفرنسي يعمل عليه قد جعله هدفًا مباشراً للاستخبارات الجزائرية. كلا الرجلين يعيش في المنفى بفرنسا، ويتشاركان الاعتقاد نفسه الذي تبناه غليزيز قبل توقيفه.

    التقرير كشف أيضًا أن المحاكمة التي انتهت بإدانته لم تستغرق سوى أقل من ساعتين، قبل أن يعلن القاضي الحكم، في خطوة وصفها مراقبون بأنها دليل إضافي على تسييس القضاء في الجزائر. والدة الصحفي، سيلفي غودار، عبّرت في تصريح للصحيفة عن صدمتها بالقول:

    “كان الأمر بمثابة صفعة.. بدا وكأن الحكم مُعد مسبقًا”.

    القضية لم تبق داخل حدود القضاء الجزائري، بل امتدت إلى الشارع الفرنسي، حيث خرجت عائلة غليزيز ومناصرون له في مسيرات بأفينيون حاملين لافتات كُتب عليها: “الصحافة ليست جريمة”، في رسالة مباشرة إلى السلطات الجزائرية وإلى الرأي العام الدولي.

    تغطية صحيفة أمريكية بحجم واشنطن بوست لهذا الملف ليست تفصيلاً عادياً، بل مؤشّر على أن القضية تتحول إلى فضيحة حقوقية دولية تضع النظام الجزائري في موقع محرج أمام العالم، خصوصًا في ظل سجل أسود يتعلق بتضييق الحريات الإعلامية، قمع الأصوات المعارضة، واستعمال القضاء كسلاح سياسي.

    ويبقى السؤال الذي وضعته الصحيفة في خلفية التقرير دون أن تنطق به صراحة:
    هل سيدفع صحفي ثمن الحقيقة لأنه تجرأ على الاقتراب من ملف يُخيف النظام؟ أم أن الضغط الدولي قد يفتح باب العدالة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • النجم التركي إنجين ألتان دوزياتان في مهرجان الدوحة السينمائي:

    ناقش الممثل التركي إنجين ألتان دوزياتان، المعروف بدوره الرائد في الدراما التاريخية « قيامة أرطغرل »، الانتشار العالمي اللافت للمسلسل خلال مشاركته في إيجاز صحفي في مهرجان الدوحة السينمائي، من تقديم مؤسسة الدوحة للأفلام.
      وقال دوزياتان في حديثه عن تفاعل الجمهور في الدول العربية: « تشترك شعوب المنطقة العربية معنا في العديد من القيم والتقاليد، وخاصة قيم الضيافة، وإلى حدّ كبير ننظر إلى العالم بطرق متقاربة ». وأضاف أنّ ندرة الأعمال التلفزيونية التي تسرد قصص أبطال مسلمين كانت عاملاً رئيسيًا في نجاح العمل.
      وبصفته ضيفًا خاصًا في المهرجان، أعرب دوزياتان عن تقديره لحجم المحبة الواسعة التي يحظى بها على مستوى العالم، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية وأجزاء من آسيا، قائلاً « هناك محبة كبيرة واحترام لي ولعملي، وأنا أقدر ذلك كثيراً ».
      عُرض مسلسل « قيامة أرطغرل » بين عامي2014 و2019، ويتناول حياة أرطغرل بن سليمان شاه، والد عثمان الأول مؤسّس الدولة العثمانية، ويُبرز قيادة قبيلة الكايي عبر صراعات سياسية ومعارك مع المغول والبيزنطيين والصليبيين، بالإضافة إلى التحديات في الأناضول. وقد رسّخ المسلسل مكانته كظاهرة ثقافية عالميًا، حتى لُقّب بـ « لعبة العروش التركية ».
      وفي حديثه عن استعداده للدور، أوضح دوزياتان بأنّ خبرته في ركوب الخيل منذ الطفولة، إلى جانب تدريبه الجامعي على استخدام السيف، جعلت الجانب الحركي للدور أكثر سهولة. 
      وعلى الرغم من مسيرته الطويلة في تركيا منذ سن الـ21، أكّد الممثل البالغ 46 عامًا من العمر، بأنّ دور أرطغرل يحتل مكانة خاصة لدى جمهوره الدولي، معربًا عن تطلعه لتقديم أعمال مميزة تلامس المشاهدين حول العالم. وأشار في حديثه إلى دور السينما والتلفزيون في بناء جسور ثقافية بين الشعوب، مضيفاً « هذا يأتي في صميم رسالة مهرجان الدوحة السينمائي الرامية إلى ربط الجمهورين الإقليمي والعالمي ».
      يستمر مهرجان الدوحة السينمائي 2025 لغاية 28 نوفمبر، ليشكّل فصلًا جديدًا في مسيرة مؤسسة الدوحة للأفلام في دعم المواهب الإقليمية وتعزيز القصص الأصيلة والآنية في عالم السينما.
     

    إقرأ الخبر من مصدره