Étiquette : 25

  • حالة احتقان بأنتويرب بعد مقتل شاب ريفي طعنا واعتقال مشتبه فيه

    أمرت السلطات القضائية البلجيكية، السبت، بإيداع شاب روماني يبلغ من العمر 25 سنة رهن الاعتقال الاحتياطي، للاشتباه في تورطه في جريمة قتل الشاب المغربي « خالد ه »، البالغ من العمر 30 سنة، والذي لقي مصرعه إثر تعرضه لطعنات قاتلة بمنطقة “كيل” بمدينة أنتويرب.

    وذكرت النيابة العامة البلجيكية أن عناصر الشرطة القضائية الفيدرالية نفذت، مساء الجمعة، عملية مداهمة لشقة تقع فوق متجر “ألبرت هاين” بشارع “سانت برناردسستينفيغ”، في إطار التحقيق المتواصل حول جريمة القتل المرتبطة بالسرقة، والتي وقعت على بعد نحو 200 متر فقط من مكان توقيف…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ما مصير سفينة الركاب التي تفشى على متنها فيروس “هانتا”؟

    تتجه سفينة سياحية تفشى على متنها فيروس هانتا القاتل إلى جزر الكناري الإسبانية، حيث سيتم إجلاء معظم الأشخاص الذين يبلغ عددهم حوالي 150 شخصاً وإعادتهم جواً إلى بلدانهم بعد مكوثهم لأسابيع في البحر.

    ومن المتوقع أن تصل السفينة « إم في هونديوس » التي ترفع العلم الهولندي إلى البحر، قبالة جزيرة تينيريفي الإسبانية، فجر يوم الأحد، ومن المقرر أن يساعد مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، في تنسيق عملية إجلاء السفينة هناك.

    وقد توفي ثلاثة ركاب على متن هذه السفينة، وهما امرأة ألمانية وزوجان هولنديان، بينما أصيب آخرون بالفيروس النادر الذي ينتشر عادة بين القوارض.

    وتم تأكيد الإصابة بفيروس هانتا الوحيد القادر على الانتقال من شخص لآخر، بين أولئك الذين ثبتت إصابتهم، مما أثار قلقاً دولياً.

    • ما هو فيروس هانتا الذي ظهر على متن سفينة سياحية في الأطلسي؟
    • فيروس هانتا: السفينة التي تشهد تفشياً تتجه إلى جزر الكناري

    ورفضت السلطات المحلية بالجزيرة السماح للسفينة بالرسو. وبدلاً من ذلك، ستبقى في عرض البحر، ريثما يتم فحص الركاب وإجلاؤهم بين يومي الأحد والاثنين، قبل أن تسوء الأحوال الجوية في البحر حتى نهاية شهر مايو/أيار بسبب العواصف، وفقاً لما صرح به مسؤولون بالقطاع الصحي.

    وستبحر السفينة « إم في هونديوس » من الرأس الأخضر، حيث تم إجلاء ثلاثة أشخاص مصابين في وقت سابق من الأسبوع.

    وقالت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارسيا غوميز إنه كان من المتوقع وصولها ما بين الساعة الثالثة والخامسة صباحاً بتوقيت غرينتش يوم الأحد، مضيفة أن جزءاً من الطاقم سيبقى على متن السفينة بينما ستواصل رحلتها إلى هولندا.

    وقبل وصولها، كان من المقرر أن يلتقي مدير منظمة الصحة العالمية، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مدريد قبل أن يسافر مع وزيرة الصحة ووزير الداخلية الإسبانيين إلى الأرخبيل في وقت لاحق من يوم السبت.

    يقف ثلاثة رجال يرتدون زي الشرطة على يمين الصورة، بينما يقف اثنان آخران في الخلف على اليسار فوق قماش مشمع لونه يمزج بين  الرمادي والأأصفر، وهم يجهزون ميناء غريناديلا لاستقبال السفينة Reutersتستعد الشرطة الإسبانية في ميناء غريناديلا لاستقبال السفينة « أمفي هونديوس ».فيروس هانتا « ليس كوفيد آخر »

    وطمأن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الذي وصل إلى إسبانيا يوم السبت، سكان جزيرة تينيريفي بأن الخطر الذي يهددهم من السفينة القادمة « منخفض » وشكرهم على « تضامنهم ».

    وكتب في رسالة مفتوحة إلى سكان الجزيرة الإسبانية: « أريدكم أن تسمعوني بوضوح: هذا ليس كوفيد آخر ».

    وفي حديثهما للصحفيين في مدريد، أصرت وزيرة الصحة الإسبانية وكذلك وزير الداخلية الإسباني على أنه « لن يكون هناك أي اتصال » مع السكان المحليين.

    وقال وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا إن عملية الإجلاء ستكون سريعة، وسيتم مغادرة الركاب « في مجموعات حسب جنسياتهم ».

    • ما حقيقة انتشار الفيروسات التنفسية في مصر مع بداية الشتاء؟

    وبعد فحص المسافرين على متن السفينة، سيتم نقلهم على متن قوارب أصغر ثم بالحافلة إلى المطار. ومن هناك، سيتم نقلهم جواً إلى بلدانهم الأصلية، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

    وقال وزير الداخلية الإسباني، غارسيا غوميز، إنه « سيتم إغلاق جميع المناطق التي يمر بها الركاب »، مضيفاً أن منطقة حظر بحري ستُقام حول السفينة.

    وأضاف غارسيا غوميز أنه سيتم إجلاء المواطنين الإسبان الـ 14 الموجودين على متن السفينة أولاً.

    تظهر هذه الصورة بتاريخ 6 مايو/أيارعينات من فيروس هانتا في مدينة أنقرة بتركيا.Arman Onal/Anadolu via Getty Imagesتظهر هذه الصورة بتاريخ 6 مايو/أيارعينات من فيروس هانتا في مدينة أنقرة بتركيا. »تتبع الركاب »

    غادرت السفينة « أم في هونديوس » مدينة أوشوايا بالأرجنتين في الأول من أبريل/ نيسان للقيام برحلة بحرية عبر المحيط الأطلسي إلى الرأس الأخضر.

    وقال مسؤول الصحة الإقليمي، خوان بيترينا، إن هناك « فرصة شبه معدومة » لأن يكون الرجل الهولندي المرتبط بتفشي المرض قد أصيب بالمرض في مدينة أوشوايا الأرجنتينية، استناداً إلى فترة حضانة الفيروس، من بين عوامل أخرى.

    وتقوم السلطات الصحية في العديد من البلدان بتتبع الركاب الذين نزلوا بالفعل من السفينة وأي شخص ربما يكون قد اتصل بهم.

    وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن مضيفة طيران على متن الخطوط الجوية الهولندية، كانت على اتصال براكب مُصاب على متن سفينة سياحية وظهرت عليها لاحقاً أعراض خفيفة، جاءت نتيجة فحصها لفيروس هانتا، سلبية.

    كانت الراكبة، زوجة أول شخص توفي جراء تفشي المرض، قد صعدت لفترة وجيزة على متن طائرة متجهة من جوهانسبرج بجنوب أفريقيا إلى هولندا في 25 أبريل/نيسان، ولكن تم إخراجها قبل الإقلاع.

    وقد توفيت في اليوم التالي في أحد مستشفيات جوهانسبرج.

    وأعلنت السلطات الإسبانية أن امرأة كانت على متن تلك الرحلة تخضع لفحص فيروس هانتا، بعد ظهور أعراض عليها في منزلها بشرق إسبانيا. وقال وكيل وزارة الصحة الإسبانية، خافيير باديلا، إنها تخضع للعزل في المستشفى.

    وقال للصحفيين: « هذه حالة من غير المحتمل إصابتها إلى حد كبير »، مشيراً إلى أنها كانت تجلس على بعد صفين خلف المرأة التي توفيت.

    وأعلنت سلطات المدينة يوم الجمعة أن اثنين من سكان سنغافورة كانا على متن السفينة جاءت نتائج فحوصاتهما سلبية للمرض، لكنهما سيبقيان في الحجر الصحي.

    كما ذكرت السلطات الصحية البريطانية يوم الجمعة أن هناك حالة مشتبه بها في تريستان دا كونا، وهي واحدة من أكثر المستوطنات عزلة في العالم ويبلغ عدد سكانها حوالي 220 نسمة.

    • كل ما تريد معرفته عن ظهور فيروس هانتا في الأطلسي
    • فيروس يهاجم سفينة سياحية في المحيط الأطلسي



    إقرأ الخبر من مصدره

  • في الحاجة إلى توسيع الرقابة على دستورية القوانين العادية

    عبد الغني السرار

    يعتبر القضاء بجميع تشعباته الوجه الآخر للحقوق والحريات المُثْبَتَة في الاتفاقيات الدولية والدساتير والقوانين الداخلية. فهو الملاذ الأخير ليس فقط للأفراد لحماية مراكزهم القانونية (القضاء العادي والإداري)، بل لكونه يختص بالنظر في الخلافات الناشئة بين السلطات العامة، كاختصاص المحكمة الدستورية بالبت في كل خلاف ينشأ بين البرلمان والحكومة، في الحالة التي تدفع فيها الأخيرة بعدم قبول كل مقترح أو تعديل لا يدخل في مجال القانون (الفصل 79 من الدستور)، أو عبر البت في كل ملتمس حكومي يرمي إلى تغيير النصوص التشريعية من حيث الشكل بمرسوم إذا كان مضمونها يدخل في مجال من المجالات التي تختص بها السلطة التنظيمية (الفصل 73 من الدستور)، علاوة على نظرها في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في دعوى قائمة أمام القضاء ودفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور (الفصل 133 من الدستور).

    يعتبر الدستور من حيث تدرج مبادئ الشرعية أسمى قانون في الدولة، ذلك لأنه يضع الأسس التي يجب أن تقوم عليها القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية، سواء العادية أو التنظيمية، بحيث أجمع فقهاء القانون الدستوري على سمو القواعد الدستورية على باقي القواعد القانونية. ومن نتائج هذا السمو ضرورة عدم مخالفة القانون للمبادئ والمقاصد التي يقرها الدستور وأن تكون مطابقة في فحواها لروحه، وأن لا تمس بالحقوق والحريات المدرجة فيه، وأن لا تفرغها من مضمونها، ذلك أن كل قانون يسعى البرلمان أو الحكومة لسنه يجب أن تراعى فيه هذه الشروط، وما عدا ذلك يعتبر خرقا لمبدأ علو الدستور. ويترتب عن هذا السمو نتيجتين: الأولى؛ توسيع مبدأ الشرعية. والثانية؛ إلزام السلطات العامة (التنفيذية والتشريعية) بممارسة وظيفتها التشريعية في حدود ما يسمح به الدستور وعدم المساس بالمراكز القانونية للأفراد وحقوقهم.

    وهكذا، فسمو الدستور ينظر له بأنه أحد مقومات دولة القانون، التي تعني خضوع الحكام والمحكومين لأحكام الدستور، وإخضاع التشريعات واللوائح والقرارات بدورها لأحكام الدستور. من هذا المنطلق إذن يشكل الدستور بسموه قمة هرم الشرعية القانونية في الدولة، التي تقتضي تدرج القواعد القانونية من الأدنى إلى الأعلى، ويكون هذا السمو موضوعيا وشكليا، بيد أن الذي يهمنا في المقام الأول هو السمو الموضوعي الذي يقصد به سمو مضمون القواعد الدستورية.

    ولضمان سمو الدستور، وحتى تظل الحقوق والحريات الأساسية الواردة فيه، في منأى عن أي شطط أو تعسف من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية، أوجدت غالبية الدول ما يسمى بتقنية الرقابة على دستورية القوانين، التي من خلالها يتم تطهير النصوص القانونية سواء العادية أو التنظيمية من كل مخالفة لمقاصد الدستور. وقد أسندت جل الأنظمة السياسية للقضاء الدستوري هذه المهمة، باعتباره ضامنا وحارسا للدستور ولقيام القانون على أسس دستورية صحيحة.

    ويقصد بمبدأ مراقبة دستورية القوانين التحقق من أن القواعد القانونية العادية والتنظيمية مطابقة للدستور وليس فيها ما يخالفه، ذلك أنه بدون هذه الرقابة يصعب التمييز بين القواعد الدستورية التي يجب أن تكون في مرتبة أعلى والقواعد القانونية الأخرى التي يجب أن تأتي في مرتبة أدنى، وهو ما يترتب عنه إلغاء كل قاعدة تتعارض مع الدستور، وتمثل هذه التقنية إحدى الضمانات لتطبيق مبدأ الشرعية بشكل يتسق ومبدأي سمو الدستور وانسجام وتكامل التشريع، بما يحقق الحفاظ على الحقوق والحريات من جهة. وتراتبية القواعد القانونية من جهة ثانية.

    أولا: الرقابة على دستورية القوانين العادية وتطهير النظام القانوني

    في تعاطي الدستور المغربي مع الرقابة على دستورية القوانين، نجده سلك مسلكين. الأول: يهم بشكل حصري القوانين التنظيمية، وهي إلزامية إذ تحال إلى المحكمة الدستورية بعد مصادقة البرلمان عليها وقبل إصدار الأمر بتنفيذها، ونفس الأمر بالنسبة للأنظمة الداخلية لبعض المؤسسات الدستورية، إذ تحال الأنظمة الداخلية، لكل من مجلس النواب، ومجلس المستشارين، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجالس المنظمة بقانون تنظيمي، إلى المحكمة الدستورية قبل الشروع في تطبيقها، طبقا لمنطوق الفقرة الثانية من الفصل 132. أما المسلك الثاني: فيهم الرقابة على دستورية القوانين العادية، التي تبقى اختيارية بموجب الفقرة الثالثة من نفس الفصل المذكور أعلاه، حيث نص على أنه يمكن أن تحال على المحكمة الدستورية، إما من لدن جلالة الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء المجلس الأول، أو أربعين عضوا من أعضاء المجلس الثاني قبل دخولها حيز التنفيذ.

    وإذا كان الصنف الأول من القوانين التنظيمية لا يثير أية اشكالات ما دام يخضع للرقابة وجوبا قبل اصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية. فإن الصنف الثاني المتعلق بالقوانين العادية، التي يبقى اخضاعها لمراقبة الدستورية اختياريا، يثير العديد من علامات الاستفهام والاشكاليات المرتبطة أساسا بالاتساق والانسجام القانوني، لأنه من غير المستبعد أن تتضمن مقتضيات من شأنها خرق أحد المبادئ الدستورية، وهذا الأمر أكدته المحكمة الدستورية، إذ بمجرد ما أتيحت لها الفرصة للنظر في دستورية بعض القوانين العادية، صرحت بعدم دستورية العديد من المواد منها لمخالفتها للدستور، ونذكر على سبيل المثال القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، المحال إليها برسالة من قبل رئيس مجلس النواب في 9 يوليو 2025، حيث قضت في قرارها 255/25، بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة العديد من مواده مع الدستور.

    نفس الأمر بالنسبة للقانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة الذي تمت إحالته عليها بتاريخ 7 يناير 2026، بمبادرة من ستة وتسعون نائبا، حيث صرحت بموجب قرراها 261/26، بتاريخ  22يناير 2026، بعدم مطابقة بعض مواده مع الدستور، بناء على طلب الإحالة، أو بمبادرة تلقائية منها مبررة الأمر بكونها بصفتها مُراقبة لدستورية القوانين، يعود لها أن تثير تلقائيا ما تراه من أوجه عدم المطابقة أو المخالفة للدستور، متى كان لذلك ارتباط عضوي بالمواد المعروضة في رسالة الإحالة، وكلما تبين لها أن القانون المحال يمس بشكل بَيِّن أحكاما دستورية لم تثرها جهة الإحالة، فضلا عن تحققها من الانسجام التشريعي في مواد القانون الواحد لضمان حسن تطبيقها دون تعارض، مشددة أن مناط السلطة التقديرية للمشرع هو الموضوعية وقرينة الدستورية، بيد أن هذه القرينة إذ امتد إليها الشك، يصبح من واجب المحكمة الدستورية رفع هذا الشك أو “اللايقين”، وذلك بغض النظر عن الموقف البعدي لمقدمي الإحالة المتمثل في التنازل على الإحالة، مبررة ذلك بحرصها على ضمان الأمن القانوني، وهو ما أكدته عبر قرارها رقم 17 /66 بتاريخ 23 دجنبر 2017، وغيرها من القرارات التي لها ارتباط غير مباشر بمتطلبات الأمن القانوني من قبيل “مُراعاة التناسق والتكامل” الذي يُعد قاعدة دستورية يتعين التقيد بها، وهي القاعدة التي تعتبر المحكمة الدستورية مُلزمة بالتثبت والتحقق من مدى احترامها (قرار رقم 93/19 بتاريخ  09يوليوز 2019).

    وفي سياق حديثنا عن الأمن القانوني، يمكن القول بأن انفلات بعض القوانين العادية من الرقابة على الدستورية من المحتمل أن ينتج عنه تسلل بعض المقتضيات القانونية التي فيها مخالفة صريحة أو ضمنية لمقاصد وروح الدستور، سيما وأن العديد من النصوص التشريعية خاصة العادية منها أصبحت تتم صياغة مسودتها الأولية من القطاع الحكومي الوصي بمنطق التوافق حفاظا على التوازنات السياسية، أو تحت الضغط والتأثير الذي تتعرض له السلطة التنفيذية من قبل بعض التنظيمات المهنية أو الاقتصادية …، وقد بدا هذا الأمر، جليا في أكثر من مناسبة عديدة.

    نذكر منها على سبيل المثال بمناسبة إعداد (مشروع القانون رقم 24.19 المتعلق بالمنظمات النقابية، مشروع القانون رقم 15.23 المحدث بموجبه اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، مشروع المرسوم رقم 2.24.140 في شأن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، مشروع قانون رقم 026.25 يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مشروع القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، مشـروع القانـون رقـم 03.23 بتغييـر وتتميـم القانـون رقـم 22.01 المتعلـق بالمسـطرة الجنائيـة). ذلك أن القاسم المشترك بين كل مشاريع القوانين العادية الآنف ذكرها هو أنها صاحبتها معارضة كبيرة من التنظيمات المهنية.

    وهو نفس الأمر الذي تكرر مجددا مع مشروع قانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي لاقى ممانعة قوية من قبل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خاصة بعد أن قررت التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، ابتداء من يوم 6 يناير 2026، رفضا للصيغة النهائية لمشروع القانون المذكور، وردا على التجاهل التام من قبل القطاع الوزاري الوصي للملاحظات والمقترحات التي قدمها المحامون. ولم يتم وضع حد لهذا المشكل إلا بعد استقبال رئيس الحكومة وفدا ممثلا لجمعيات هيئات المحامين يوم 09 أبريل 2026، خُصص لعرض آخر مستجدات مشروع القانون المذكور وإحالته على مكتب مجلس النواب يوم 9 أبريل 2026، الذي أحاله على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات يوم 10 أبريل 2026.

    فإذا كانت أزمة الديمقراطية التمثيلية ظهرت كمحصلة طبيعية لبعض العيوب التي شابتها على المستوى الإجرائي، نتيجة سيطرة أصحاب المصالح والنفوذ على الأحزاب السياسية تحت مسمى الوساطة السياسية، فإنه في المقابل من ذلك قد نسقط في عطب آخر وهو “تَغَوُّل” الديمقراطية التشاركية سيما في حالة ما شابتها وطالتها عيوب على مستوى التطبيق أو في حالة ما بالغت التجمعات المهنية وأصحاب المصالح في تفسير مدلولها الدستوري، بالشكل الذي يجعلها تتحول من دعامة سياسية ودستورية للديمقراطية التمثيلية إلى وسيلة لإقصائها، ذلك أنه من خلال تتبع بعض التأويلات والتفسيرات التي أعطيت لهذا المفهوم (خاصة حينما يتعلق الأمر بصناعة القانون)، يبدو واضحا أن هناك “مغالاة” في تفسير مدلول الديمقراطية التشاركية ببعديها المحلي والوطني، غير أن هذا “الغلو أو المغالاة” تزداد حدته/ها بشكل أكبر على المستوى الوطني، حيث يتم تطبيقها بشكل يعطي الانطباع بأن هناك جنوح نحو إقصاء الديمقراطية التمثيلية التي هي الأساس السياسي والدستوري الذي تأسست عليه الديمقراطية التشاركية.

    وعليه، يمكن القول أنه باسم الديمقراطية التشاركية أصبحت العديد من التنظيمات المهنية تمارس نوعا من الضغط والتأثير على السلطة التنفيذية بمناسبة ممارسة السلطة التشريعية، بل حتى قبل مباشرتها من داخل القنوات والمسارات المحددة لها داخل دفتي الدستور، أي قبل إيداعها من الحكومة لدى مكتب مجلس النواب أو مجلس المستشارين، بموجب الفصل 78 من الدستور، وحتى قبل احالتها على اللجان البرلمانية الدائمة التي يستمر عملها طبقا للفصل 80 من الدستور، وهذا التأثير الخارجي على ممارسة السلطة التشريعية من غير المستبعد أن تكون له تداعيات على الأمن القانوني، الأمر الذي يتطلب مراقبة دستورية القوانين العادية بشكل مستدام ومنتظم.

    ثانيا: في مسوغات توسيع الرقابة على دستورية القوانين العادية

    انطلاقا من فرضية التأثير السلبي الذي تمارسه التنظيمات المهنية على العملية التشريعية، بشكل ساهم في “تهريب” النقاش القانوني من داخل قبة البرلمان وسحب البساط من تحت أقدام نواب الأمة بخصوص مشاركتهم في صناعة القوانين العادية، مع احتمالية ما قد يتسلل إليها من مقتضيات غير دستورية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، استحضارا للوسائل الدستورية التي تتحكم بها الحكومة في الإنتاج التشريعي مقابل ضعف المبادرة التشريعية للبرلمان، خاصة في المجالات التي تحتاج قدرا من الكفاءة والتخصص، مع ما قد يترتب على هذا التفوق الحكومي بدوره من تمرير مقتضيات قانونية تتضمن تقييدات غير مبررة لبعض الحقوق الدستورية، خاصة وأن الإحصائيات تؤكد أن اللجوء للرقابة على دستورية القوانين العادية تبقى قليلة. فالمجلس الدستوري أصدر خلال مدة ولايته (1994-2017) حوالي 1043 قرارا، منها 14 قرارا فقط تهم القوانين العادية. أما المحكمة الدستورية، فمنذ إنشائها عام 2017 حتى نوفمبر 2024، أصدرت 246 قرارا منها 5 فقط تتعلق بالقوانين العادية، وهو عدد قليل إذا ما تم النظر إليه من زاوية عدد القوانين والتشريعات العادية التي تصدر عن مؤسسة البرلمان.

    وعليه، فإن توسيع الرقابة الاختيارية على دستورية القوانين العادية قبل دخولها حيز التنفيذ انطلاقا من الاعتبارات المذكورة أعلاه، أصبح ضرورة من ضرورات ضمان الأمن القانوني وتطهير القوانين حتى تتماشى مع مقاصد الدستور. وهو الأمر الذي يقتضي من الجهات المخول لها حق الإحالة الاختيارية بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، خصوصا رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، تفعيل هذه الرقابة بشكل احترازي، خاصة مشاريع القوانين العادية التي تصاحبها نقاشات موسعة أو تحوم حولها شبهة عدم الدستورية.

    هذا، ويمكن القول إن وضع القوانين العادية تحت مجهر واختبار القاضي الدستوري، يجد مبرراته، في القطع مع ثقافة غياب اللجوء إلى المحكمة الدستورية، التي لا يتم اللجوء إليها في هذا النوع من القوانين بشكل كبير، بالرغم من احتمالية تسرب بعض المقتضيات التي تفتقد للأساس الدستوري، خاصة في ظل الضغط الذي أصبحت تمارسه بعض الهيئات والتجمعات المهنية على الحكومة باسم الديمقراطية التشاركية وتوسيع المشاورات “بنوع من الغلو”، الذي من غير المستبعد أن يجعل القانون يتحول إلى تشريع فئوي بخلفية إيديولوجية -سياسية- لخدمة تَوجُّهَات التنظيمات المهنية التي تؤثر فيه، قصد تحصين امتيازاتها أو التوسيع من هامشها، بالشكل الذي يتناقض مع جوهر وروح القانون باعتباره أسمى تعبير عن إرادة الأمة (الفصل 6 من الدستور) وباعتباره حارسا لقيم المساواة والعدل، ذلك أن وظيفة القانون تقتضي أن لا يخضع للمقايضات السياسية أو للحسابات التفاضلية للنخب السياسية والاقتصادية والفئات المهنية.

    وعليه، فكل قانون عادي تثار حوله شبهات أو شكوك بخصوص عدم الدستورية، يجب أن تتم إحالته بشكل احترازي ووقائي، من قبل الجهات المختصة دستوريا على نظر المحكمة الدستورية. بيد أن اللجوء إلى الرقابة الدستورية على القوانين العادية يجب أن لا يُفهم منه أن هناك صراع بين السلطات العامة، المتدخلة في العملية التشريعية (البرلمان والحكومة)، بقدر ما يجب اعتباره تفعيلا لصلاحيات دستورية، ونوع من الحوار الخَلاَّق بين المؤسسات المعنية بالعملية التشريعية وبالرقابة الدستورية وممارسة تروم تطهير القوانين العادية قبل دخولها حيز التنفيذ، حتى لا يكون القانون قائما على أسس مخالفة للمقاصد الكبرى للدستور، سيما توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، وتوسيع مجال الحقوق والحريات الأساسية، وتوازن السلط وتعاونها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب بين النفط والشمس


    الحسن أبكاس
    مدخل: عندما يصطدم الواقع الجيوسياسي بالطموح الطاقي

    في 28 فبراير 2026، لم يكن العالم على موعد مع مجرد تصعيد عسكري آخر في منطقة الخليج، بل مع لحظة فارقة أعادت تعريف مفهوم “الأمن الطاقي” ذاته. الضربات المنسقة التي تبادلها الأمريكان والإسرائيليون والإيرانيون، وما تلاها من ردود طالت الملاحة البحرية في مضيق هرمز، لم تكن مجرد حلقة في سلسلة التوترات الإقليمية، بل كانت اختباراً حقيقياً لهشاشة البنى التحتية الطاقية للدول المستوردة للنفط والغاز، وعلى رأسها المغرب.

    هذه الورقة تحلل تداعيات أزمة هرمز على الأمن الطاقي المغربي من منظور القانون الدولي والعلاقات الدولية، وتتقصى مدى قدرة الاحتياطيات الاستراتيجية للمملكة على الصمود، وتقيّم ما إذا كانت هذه الأزمة ستشكل حافزاً حقيقياً لتسريع وتيرة التحول نحو الطاقات المتجددة.

    أولاً: المغرب في لعبة الأمم الكبرى.. بين مبدأ عدم الانحياز وضرورات التحالف الطاقي إعادة تعريف الحياد الإيجابي في عصر الصراع على الموارد

    في خضم أزمة هرمز، وجد المغرب نفسه مضطراً لخوض معادلة دبلوماسية معقدة: كيف يحافظ على إمداداته الطاقية دون أن يسحب إلى دائرة الصراع المباشر بين الغرب وإيران؟ الإجابة تجلت في استراتيجية أطلق عليها المراقبون اسم “الحياد النشط”، وهو تطور لسياسة “عدم الانحياز الإيجابي” التي طالما تبنّتها المملكة في ملف الصحراء المغربية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    من منظور النظرية الواقعية في العلاقات الدولية (Realism)، فإن الدول الصغرى والمتوسطة في أنظمة ثنائية القطب أو متعددة الأقطاب المتوترة تُجبر على ممارسة “التوازن و”الاستتباع” في آن واحد. فالمغرب، الذي تربطه علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلفائها، لم يستطع تقديم تنازلات تذكر تجاه طهران، التي تظل علاقاته معها محدودة ودون مستوى الطموح.

    وبالمقابل، فإن المملكة، التي تستورد جزءاً كبيراً من نفطها من دول الخليج العربي (السعودية والإمارات)، وقفت مع مجلس التعاون الخليجي في إدانة التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية. هذا الموقف، وإن كان متوقعاً، جعل منها هدفاً غير مباشر للدعاية الإيرانية التي صنفت “الدول الداعمة للعدوان” على طهران.

    خطاب الرباط وطهران: قراءة في الدبلوماسية الطاقية

    كشفت أزمة هرمز عن تحول دقيق في الخطاب الدبلوماسي المغربي. فبينما كانت الرباط تلتزم الصمت حيال الصراع الإيراني-الغربي طوال عقد كامل، باستثناء انتقادات محدودة للتدخلات الإيرانية في الشأن اليمني واللبناني، تغير الأمر بعد فبراير 2026؛ ففي بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية المغربية بتاريخ 4 مارس 2026، لم تكتف الرباط بـ “الدعوة لضبط النفس” كالعادة، بل تحدثت بصراحة عن “تهديد خطير لأمن الطاقة العالمي يؤثر بشكل مباشر على الدول المستوردة للنفط، وعلى رأسها المغرب”. هذا التصعيد اللغوي، وإن كان محسوباً، يعكس إدراكاً بالمصالح الحيوية المباشرة.

    في المقابل، كان الرد الإيراني غير مسبوق في حدته. فوكالة “تسنيم” شبه الرسمية وصفت المغرب في افتتاحية لها بأنه “دولة تابعة لأجندة واشنطن وحلفائها”، ويجب ألا تُعامل بطريقة أفضل من دول الخليج”. كما هددت مصادر دبلوماسية إيرانية، في اتصالات غير رسمية، “بمراجعة حسابات طهران تجاه الدول التي ساندت الحصار البحري على إيران”. هذه التهديدات تحمل أبعاداً طاقية واضحة؛ فإيران كانت، عبر شركات تصدير النفط التابعة للحرس الثوري، أحد الموردين المحتملين للمغرب بأسعار مخفضة، عبر وسطاء في سلطنة عُمان أو تركيا. وبعد الأزمة، أصبح هذا الخيار شبه مستحيل.

    الدروس المستفادة: نحو دبلوماسية طاقية استباقية

    أثبتت الأزمة أن وثائق الاستراتيجيات الطاقية وحدها لن تحمي الدولة من الصدمات الجيوسياسية. ما يحتاجه المغرب هو “دبلوماسية طاقية استباقية” تقوم على ثلاث ركائز:

    تعميق التحالفات مع الدول المالكة للممرات البديلة، عبر تعزيز التعاون مع موريتانيا والسنغال (في المحيط الأطلسي) ومع إسبانيا والبرتغال (كبوابتين للغاز الطبيعي المسال القادم من أمريكا)؛

    آلية للتخفيف من آثار العقوبات، والاستفادة من تجارب دول مثل تركيا والهند في إنشاء آليات مالية ومصرفية بديلة للتعامل مع الدول الخاضعة للعقوبات (كإيران وروسيا) بما لا ينتهك الأطر الدولية؛

    تأمين البنى التحتية كأهداف محتملة، بتحويل موانئ الطاقة (كالجرف الأصفر وميناء طنجة المتوسط) إلى مناطق عسكرية محصنة، وتدريجياً تحويلها إلى “جزر طاقة” متكاملة للتحلية والتخزين.

    ثانياً: تداعيات الأزمة على الأمن الطاقي المغربي.. قراءة في الأرقام حجم الاحتياطيات الاستراتيجية: بين الالتزام القانوني والواقع العملي

    شكّلت أزمة هرمز اختباراً حقيقياً للمنظومة الطاقية المغربية، التي تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد من الخارج. فالمغرب يستورد حوالي 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعله عرضة بشكل كبير لأي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية.

    في هذا السياق، طمأنت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، الرأي العام المغربي إلى أن المخزونات الوطنية من المواد البترولية تظل في وضع طبيعي، وأن المملكة تتوفر على احتياطيات تغطي حوالي 30 يوماً من الاستهلاك لمعظم المواد البترولية، وهو مستوى قد يتجاوز 60 يوماً لبعض المواد، مع الأخذ بعين الاعتبار الشحنات الموجودة في الموانئ.

    وبعد شهر من تفاقم الأزمة، قدّمت الوزيرة أرقاماً محدّثة أمام مجلس النواب في 13 أبريل 2026، حيث أفادت أن مستوى احتياطيات المنتجات النفطية بلغ 47 يوماً من الاستهلاك الوطني بالنسبة للغازوال (الديزل)، وأكثر من 49 يوماً بالنسبة للبنزين.

    هذه الأرقام، رغم كونها مطمئنة نسبياً، تثير تساؤلات قانونية وسياسية مهمة. فالقانون المغربي رقم 71.09 المتعلق بتخزين المواد البترولية يُلزم الفاعلين في القطاع بتوفير مخزون احتياطي يغطي ستين يوماً من الاستهلاك. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل التزمت الشركات بهذا الالتزام القانوني؟ أم أن الأزمة كشفت وجود فجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي؟

    تُظهر التصريحات الرسمية وجود تباين في الأرقام، حيث تتحدث الوزيرة أحياناً عن 30 يوماً وأحياناً أخرى عن 47 أو 49 يوماً، بينما ينص القانون على 60 يوماً. قد يُفسّر هذا التباين باعتبار أن الأرقام المعلنة لا تشمل جميع المنتجات، أو أنها تعكس واقعاً متغيراً بسبب استنزاف المخزون دون قدرة على التعويض بسبب إغلاق المضيق. كما أن الاعتماد على الشحنات “الموجودة في الموانئ” كمخزون هو أمر محفوف بالمخاطر، فالموانئ نفسها قد تكون هدفاً محتملاً أو تعاني من ازدحام شديد.

    2. آلية الاستجابة للأزمة: خلية اليقظة وتنويع المصادر

    لم تقتصر استجابة الحكومة المغربية على طمأنة الرأي العام، بل اتخذت إجراءات عملية لمواجهة الأزمة. فقد تم تفعيل “خلية يقظة “(Cellule de veille) مكلفة بمتابعة تطورات الأسواق الطاقية بشكل يومي والتنسيق مع فاعلي القطاع. كما اعتمدت المملكة على استراتيجية تنويع مصادر التوريد، بالتحول نحو الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية. هذا التنويع يندرج في إطار استراتيجية أوسع للحد من الاعتماد على منطقة الخليج، التي أثبتت الأزمة مدى هشاشة الإمدادات القادمة منها.

    وعلى صعيد حماية القدرة الشرائية، خصصت الحكومة ميزانية تقدر بـ 1.6 مليار درهم لدعم أسعار المواد الطاقية، منها 600 مليون درهم موجهة لدعم قنينات غاز البوتان، ومليار درهم لدعم قطاع الكهرباء والنقل. هذا الدعم، رغم كونه ضرورياً للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، يُثقل كاهل الميزانية العامة ويطرح تساؤلات حول استدامته على المدى الطويل.

    ثالثاً: الاختبار الحقيقي.. هشاشة البنية أم حافز للتغيير؟ نقاط الضعف التي كشفتها الأزمة

    كشفت أزمة هرمز عن ثلاث نقاط ضعف جوهرية في المنظومة الطاقية المغربية:

    – محدودية القدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية؛ ذلك أن الاحتياطيات الحالية، حتى لو بلغت 60 يوماً، تظل محدودة في مواجهة أزمة قد تطول لأشهر. فالعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، والحظر النفطي، والصراع العسكري المفتوح، كلها عوامل قد تؤدي إلى إغلاق طويل الأمد للمضيق، وهو ما يتجاوز قدرة أي دولة ذات مخزون محدود على الصمود.

    – الاعتماد شبه الكامل على استيراد المحروقات؛ على عكس دول الجوار التي تمتلك احتياطيات نفطية أو غازية، يظل المغرب رهيناً للتقلبات الجيوسياسية والأسعار العالمية. وزيرة الانتقال الطاقي نفسها اعترفت بأن فاتورة الطاقة تظل “مرتفعة جداً”.

    – هشاشة البنية التحتية الاستراتيجية، حيث تتركز معظم المنشآت النفطية والغازية في الموانئ الرئيسية، مما يجعلها أهدافاً محتملة في حال امتداد الصراع. كما أن الاعتماد على مخزون “في الموانئ” يعني أن أي هجوم أو حصار لتلك الموانئ سيؤدي إلى شلل فوري في الإمدادات.

    الطريق نحو السيادة الطاقية: التحول المؤسسي والتنظيمي

    في مواجهة هذه التحديات، بدأ المغرب في اتخاذ خطوات جادة نحو تعزيز سيادته الطاقية، مستلهماً نموذج نجاح مجموعة OCP للفوسفاط، التي أصبحت أكثر تنافسية دولية بعد تحولها إلى شركة مساهمة.
    فمشروع القانون رقم 56.24، الذي يقضي بتحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة يخضع للرقابة العامة، يُعد خطوة استراتيجية بهذا الاتجاه. وزيرة الانتقال الطاقي شددت على أن هذا التحول “ليس خوصصة ولا استسلاماً”، بل هو “تعزيز لأسس السيادة الطاقية والمعدنية للدولة”.

    هذه الرؤية تجسد مقولة “المساعدة الذاتية “(Self-help) في نظرية العلاقات الدولية الواقعية، حيث تسعى الدولة إلى تعزيز قدراتها الداخلية للحد من هشاشتها في وجه التهديدات الخارجية، بدلاً من الاعتماد على الضمانات القانونية الدولية التي أثبتت الأزمة محدودية فعاليتها.

    تسريع التحول الطاقي: من الالتزام الدولي إلى الضرورة الوجودية

    لطالما كان المغرب رائداً في مجال الطاقات المتجددة على المستوى الإقليمي، حيث تشكل المصادر المتجددة حالياً حوالي 45% من المزيج الكهربائي. لكن أزمة هرمز أعطت زخماً جديداً لهذا التوجه، محولة إياه من التزام طوعي في إطار اتفاقية باريس للمناخ إلى ضرورة وجودية مرتبطة بالأمن القومي.

    جاء تفعيل الإطار القانوني للإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية (القانون 82-21 والمرسوم 2-25-100) في هذا التوقيت ليشكل نقلة نوعية في السياسة الطاقية المغربية. هذا الإطار يسمح للمنشآت الصناعية والتجارية وللأسر بإنتاج الكهرباء للاستهلاك الذاتي من مصادر متجددة، وبيع الفائض إلى الشبكة الوطنية.

    من منظور القانون الدولي، هذا التوجه يتسق مع مبادئ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية (Permanent Sovereignty over Natural Resources)، وهو مبدأ من مبادئ القانون الدولي العام الذي يؤكد حق كل دولة في استخدام واستغلال مواردها الطبيعية وفقاً لأولوياتها الوطنية، دون إكراه خارجي. فبالانتقال إلى الاعتماد على الشمس والرياح، وهما موردان متجددان لا يمكن احتكارهما أو تقييدهما بواسطة قوى خارجية، يعزز المغرب سيادته الطاقية بشكل لا يمكن لأي قوة عسكرية أو جيوسياسية انتهاكه.

    كما أن استراتيجية المغرب لا تقتصر على التوليد الذاتي، بل تمتد إلى بناء بنية تحتية بديلة، أبرزها مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال الأولى بطاقة 5 مليار متر مكعب سنوياً في ميناء وادي الذهب الجديد، والتي من المتوقع أن تدخل الخدمة في الربع الرابع من 2026. هذا المشروع، رغم كونه مرتبطاً بالغاز الأحفوري، يمثل خطوة انتقالية مهمة نحو تنويع مصادر الإمداد والحد من الاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من الشرق.

    الخلاصة.. نحو نموذج جديد للدولة الطاقية

    لم تكن أزمة هرمز مجرد حلقة عابرة في تاريخ التوترات الجيوسياسية، بل كانت اختباراً حقيقياً لهشاشة الدولة القومية في وجه قوى العولمة والصراع، كما تصف نظرية العلاقات الدولية. فالمغرب، رغم كل إجراءات الطمأنة والمرونة التي أبدتها حكومته، لا يمكنه أن ينعم بالأمان الطاقي الكامل طالما ظل رهيناً لمضيق يبعد عنه آلاف الكيلومترات.

    لكن، كما تحمل الأزمات في طياتها فرصاً للتغيير، فإن أزمة هرمز قد تكون الصدمة الخارجية التي يحتاجها المغرب لتسريع وتيرة تحوله الطاقي. فالانتقال من منطق “المستهلك السلبي” إلى منطق “المنتج النشط” للطاقة لم يعد ترفاً اقتصادياً أو التزاماً بيئياً، بل أصبح ضرورة سيادية وجودية.

    المسار الذي رسمته الحكومة، مدعوماً بالدروس المستفادة من لعبة الأمم الكبرى، يضع المملكة أمام فرصة تاريخية: إما البقاء رهينة للممرات المائية البعيدة، أو قيادة نموذج إفريقي-متوسطي جديد للسيادة الطاقية القائمة على اللامركزية والطبيعة والتكنولوجيا.

    في النهاية، الاختبار الوطني الحقيقي ليس في قدرة المغرب على تجاوز هذه الأزمة العابرة، بل في مدى استفادته منها لبناء دولة لا تُهدد احتياطياتها الاستراتيجية إلا إذا تعرضت الشمس والرياح للنفاد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل

    عبد الفتاح الحيداوي

    ملخص الدراسة

    تتناول هذه الدراسة التحولات البنيوية في المشهد الأمني والسياسي بجمهورية مالي منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، مع التركيز على انتقال الحركات الجهادية من طابعها العابر للحدود إلى نموذج )الجهادية المحلية( ذات الجذور العرقية والقبلية. ترصد الدراسة نشأة تنظيم )أنصار الدين( بقيادة إياد أغ غالي، وتمدده نحو الوسط المالي لإنتاج )كتائب ماسينا( بقيادة حمادو كوفا، وصولا إلى الاندماج الاستراتيجي في )جماعة نصرة الإسلام والمسلمين( عام 2017. يحلل البحث كيف وظفت هذه التنظيمات المظلوميات العرقية (الطوارق والفلان) لتعزيز نفوذها، ومستقبل الصراع في ظل انسحاب القوى الدولية وبروز فاعلين جدد.

    مقدمة:

    شهدت منطقة الساحل الإفريقي، ومالي على وجه الخصوص، تحولات جيوسياسية عميقة وغير مسبوقة منذ عام 2011، إثر سقوط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا. لم يقتصر تأثير هذا الحدث على الساحة الليبية فحسب، بل امتد ليشكل )زلزالا( أمنيا وسياسيا هز الاستقرار الإقليمي، وفتح الباب أمام تدفق هائل للأسلحة والمقاتلين إلى شمال مالي1 . هذا التدفق، بالإضافة إلى الفراغ الأمني الذي خلفه ضعف الدولة المالية في أطرافها الشمالية، أوجد بيئة خصبة لبروز وتنامي تنظيمات جهادية ذات طابع محلي، تختلف في طبيعتها وأساليبها عن الجماعات الجهادية العابرة للحدود التي سبقتها 2.

    لقد كانت منطقة أزواد في شمال مالي، قبل عام 2011، مسرحا لنشاط جماعات جهادية ذات قيادات أجنبية، مثل )المختار بلمختار(، لكن سقوط القذافي أحدث نقطة تحول جوهرية. فمع عودة المقاتلين الطوارق الذين كانوا يخدمون في جيش القذافي، محملين بالأسلحة والخبرات العسكرية، ظهر أول تنظيم جهادي محلي ذي طابع عرقي-قبلي، وهو تنظيم )أنصار الدين( بقيادة الزعيم الطارقي )إياد أغ غالي( . هذا التنظيم، الذي ضم مقاتلين من قبائل الإفوغاس الطارقية، لم يكن مجرد امتداد عقائدي لتنظيم القاعدة، بل جاء في سياق انهيار الدولة المالية في الأطراف الريفية، وتصاعد النزاعات بين الرعاة والمجموعات الزراعية، وتفاقم الشعور بالتهميش داخل وسط مالي .

    تطورت هذه الظاهرة لاحقا لتشمل قومية )الفلان( في ولايتي موبتي وسيكو وسط البلاد، مع ظهور تنظيم (كتائب ماسينا) مطلع عام 2015، بقيادة الداعية الفلاني (حمادو كوفا) . هذا التنظيم، الذي ارتبط بـ(أنصار الدين) ببيعة مشتركة لأميرهم (إياد أغ غالي)، سرعان ما أصبح قوة ضاربة، مستفيدا من المظلوميات العرقية والاجتماعية. وبلغت هذه التحولات ذروتها في مارس 2017، بإعلان الاندماج بين )أنصار الدين( و)المرابطون( و)إمارة الصحراء( و)كتائب ماسينا(، تحت قيادة )إياد أغ غالي(، ليشكلوا معا )جماعة نصرة الإسلام والمسلمين( (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة1 .

    تهدف هذه الدراسة إلى تحليل معمق لهذه التحولات، وكيف استطاعت هذه التنظيمات الجهادية التكيف مع البيئة المحلية، وتوظيف الأبعاد العرقية والقبلية، والمظلوميات الاجتماعية، لتشكيل تهديد جدي ليس فقط لمالي بل لدول المنطقة بأسرها. كما ستسعى الدراسة إلى استشراف مستقبل الصراع في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، بما في ذلك انسحاب القوات الفرنسية والأممية، وتصاعد النفوذ الروسي، وتداعيات ذلك على استراتيجيات هذه الجماعات .

    تنظيم )أنصار الدين( والخصوصية الطارقية

    )كتائب ماسينا( وتوظيف المظلومية الفلانية

    )جماعة نصرة الإسلام والمسلمين( (JNIM): الاندماج الاستراتيجي

    التحليل الاستراتيجي للوضع الراهن والرؤية المستقبلية

    الخاتمة والنتائج

    تنظيم (أنصار الدين) والخصوصية الطارقية

    تعتبر نشأة تنظيم (أنصار الدين) في شمال مالي نقطة تحول محورية في مسار الحركات الجهادية بالمنطقة، إذ مثل أول تنظيم جهادي محلي يرتكز على قاعدة عرقية-قبلية واضحة . تأسس التنظيم على يد الزعيم الطارقي(إياد أغ غالي)، المكنى (أبو الفضل)، الذي كان له تاريخ طويل في التمردات الطارقية القومية قبل أن يتحول إلى الفكر الجهادي . هذا التحول لم يكن مفاجئا تماما، بل جاء في سياق استغلال الفراغ الأمني والسياسي الذي أعقب سقوط نظام القذافي في ليبيا عام 2011، والذي أدى إلى تدفق الأسلحة والمقاتلين الطوارق العائدين من ليبيا إلى شمال مالي.

    استفاد (أنصار الدين) بشكل كبير من الانتماء القبلي لزعيمه، حيث ضم في صفوفه عشرات المقاتلين من قبائل الإفوغاس الطارقية، التي تنتشر في منطقة )آدرار الإفوغاس( شمال شرق البلاد . هذا الارتباط العرقي منح التنظيم حاضنة اجتماعية محلية، ومكنه من التغلغل في النسيج القبلي للمنطقة، وهو ما يفسر قدرته على الصمود والتوسع في بيئة معقدة. لقد نجح إياد أغ غالي في دمج المطالب القومية الطارقية، التي طالما شعرت بالتهميش من قبل الحكومة المركزية في باماكو، مع الأيديولوجية الجهادية، مقدما نفسه كحام للمجتمع الطارقي ومدافع عن الشريعة الإسلامية في آن واحد 3.

    تجلت العلاقة الجدلية بين المشروع الإسلامي والمطالب الانفصالية للأزواد في خطاب )أنصار الدين( وممارساته. حيث أعلن التنظيم ولاءه لتنظيم القاعدة وسعيه لتطبيق الشريعة الإسلامية. هذا التزاوج بين الأيديولوجية الجهادية والمظلومية العرقية-القبلية سمح للتنظيم باكتساب شرعية محلية، وتجنيد المقاتلين، والسيطرة على مناطق واسعة في شمال مالي خلال عامي 2012 و2013، قبل التدخل العسكري الفرنسي . لقد أظهر (أنصار الدين) بذلك نموذجا جديدا للجهادية في الساحل، يعتمد على التوطين والاندماج في البيئة المحلية، بدلا من الاقتصار على الأجندات العابرة للحدود.

    (كتائب ماسينا) وتوظيف المظلومية الفلانية

    مع بداية عام 2015، شهد وسط مالي ظهور تنظيم جهادي جديد أحدث تحولا نوعيا في المشهد الأمني، وهو تنظيم (كتائب ماسينا)، بقيادة الداعية الفلاني (حمادو كوفا) . جاء تأسيس هذا التنظيم في أعقاب التدخل الفرنسي في مالي وسقوط مدن الشمال من أيدي الحركات الجهادية، مما دفع هذه الحركات إلى إعادة التموضع والبحث عن مناطق نفوذ جديدة، ووجدوا في وسط مالي بيئة خصبة لذلك [4].

    تميزت(كتائب ماسينا) بتبني استراتيجية غير معهودة لدى التنظيمات الجهادية السابقة، تمثلت في رفع مظلومية ذات طابع قومي وعرقي تتعلق بشعب (الفلان) (أو الفولبي) . استغل حمادو كوفا، وهو زعيم ديني فلاني، الشعور بالتهميش والإقصاء الذي تعاني منه هذه القومية في منطقة غرب إفريقيا عموما، وفي مالي خصوصا، لتحويل النزاعات المحلية القائمة بين الرعاة الفلان والمجموعات الزراعية إلى صراع ذي بعد جهادي [5]. وقد نجح كوفا في خطاباته ورسائله المصورة والمسموعة في مخاطبة مجموعات الفولبي في جميع أنحاء غرب إفريقيا، وحثهم على الالتحاق بصفوف المقاتلين الجهاديين .

    كانت هذه الدعوات ذات تأثير كبير، حيث أصبحت (كتائب ماسينا) أسرع التنظيمات الجهادية نموا وتوسعا في مالي، وامتدت فروعها إلى دول الجوار مثل بوركينافاسو والنيجر وساحل العاج وبنين وتوغو . وقد استطاع التنظيم تجنيد آلاف الشباب من الرعاة وطلاب المدارس الدينية، ونفذ هجمات عنيفة في تلك البلدان، ليصبح القوة الضاربة الأولى لـ(جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) في منطقة الساحل والغرب الإفريقي .

    إن انتقال الصراع من الشمال إلى وسط مالي، وتحديدا ولايتي موبتي وسيكو، يعكس استراتيجية (كتائب ماسينا) في استغلال الفراغات الأمنية وتوظيف المظلوميات المحلية. ففي هذه المناطق، حيث تتداخل النزاعات على الموارد بين الرعاة والمزارعين، قدمت (كتائب ماسينا) نفسها كقوة قادرة على فرض العدالة وحماية الفلان، في ظل غياب أو ضعف سلطة الدولة . هذا التكتيك سمح للتنظيم باكتساب حاضنة اجتماعية قوية، وتحويل الصراعات التقليدية إلى وقود للجهاد العرقي، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة [5].

    (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) (JNIM) الاندماج الاستراتيجي

    شكل شهر مارس/آذار من عام 2017 نقطة تحول استراتيجية في المشهد الجهادي بالساحل، بإعلان الاندماج الرسمي لعدد من الجماعات الجهادية النشطة في مالي تحت راية واحدة، هي )جماعة نصرة الإسلام والمسلمين( (JNIM)، بقيادة )إياد أغ غالي( [6]. ضم هذا الاندماج كلا من )أنصار الدين(، و)كتائب ماسينا(، وتنظيم )المرابطون( (الذي كان يقوده مختار بلمختار)، و)إمارة الصحراء( التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي [7]. هذا التحالف لم يكن مجرد تنسيق عسكري، بل عكس مشروعا إقليميا يسعى إلى إدارة التمرد المسلح عبر شبكات متعددة إثنيا وجغرافيا، تشمل الطوارق والفولان والعرب وغيرهم .

    تعتبر البيعة المشتركة لـ)إياد أغ غالي( كأمير للتنظيم الجديد حلقة وصل رئيسية بين القاعدة والمجتمعات المحلية، حيث يمتلك أغ غالي شرعية قبلية طارقية، بالإضافة إلى خبرته الجهادية [8]. وقد مكن هذا الاندماج )جماعة نصرة الإسلام والمسلمين( من توحيد الجهود والموارد، وتوسيع نطاق عملياتها، وتجنب الصراعات الداخلية التي قد تضعف التنظيمات الجهادية. كما أن الارتباط بتنظيم القاعدة العالمي منح الجماعة شرعية أيديولوجية ودعما لوجستيا .

    تعتمد )جماعة نصرة الإسلام والمسلمين( استراتيجية )التغلغل البطيء(، التي تختلف عن نموذج )الصدمة العنيفة( الذي يتبناه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) . فبينما يميل داعش إلى فرض السيطرة بالقوة السريعة والتوحش الإعلامي وإلغاء الخصوصيات المحلية، تعتمد جماعات القاعدة في الساحل، ومنها JNIM، على بناء النفوذ التدريجي، وعقد التحالفات مع القبائل المحلية، واستثمار الأخطاء الحكومية، وتقديم نفسها كجزء من النسيج المحلي لا كجسم وافد عليه [9]. هذه الاستراتيجية مكنت JNIM من التكيف بشكل أفضل مع طبيعة المجتمعات المحلية في الساحل، حيث تلعب القبيلة والعرق والتحالفات التقليدية دورا أكبر من الولاء العقائدي المجرد .

    لقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها، حيث تمكنت JNIM من التوسع في مناطق واسعة من مالي وبوركينا فاسو، بينما عانى داعش من صراعات متكررة مع القبائل والتنظيمات المنافسة . ويعكس هذا النموذج بشكل واضح تجربة طالبان في أفغانستان، التي أثبتت أن التركيز على البيئة المحلية، واستنزاف الدولة تدريجيا، وتجنب المواجهة الدولية المباشرة، قد يكون أكثر فاعلية من استراتيجية )العدو البعيد( التي تبناها الجيل القديم من القاعدة .

    التحليل الاستراتيجي للوضع الراهن والرؤية المستقبلية

    يواجه المشهد الأمني في مالي والساحل تحولات عميقة تتطلب تحليلا استراتيجيا دقيقا لفهم الوضع الراهن واستشراف الرؤى المستقبلية. فبعد انسحاب القوات الفرنسية (عملية برخان) وقوات الأمم المتحدة (مينوسما) من مالي، وتراجع نفوذ القوى الغربية، برزت تكتيكات جديدة للجماعات الجهادية، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، بالإضافة إلى دخول فاعلين جدد على الساحة مثل القوات الروسية .

    من أبرز التكتيكات التي تتبناها JNIM، وخاصة كتائب ماسينا، هو استراتيجية )خنق المدن وحصار المراكز الحيوية بدلا من السيطرة المباشرة عليها . لقد استلهمت هذه الاستراتيجية من دروس الماضي، حيث أدركت الجماعات الجهادية أن السيطرة على المدن الكبرى عام 2012 قد جلب معها أعباء إدارية واقتصادية لم تكن مستعدة لها، بالإضافة إلى تحفيز التدخل العسكري الأجنبي . اليوم، تركز JNIM على قطع الطرق المؤدية إلى المدن، مثل محور )دكار-باماكو( الحيوي، الذي يشكل شريان الحياة الاقتصادي للعاصمة المالية التي لا تتوفر على منفذ بحري . يهدف هذا التكتيك إلى دفع السكان للتمرد على الحكومة العاجزة عن توفير الأمن والغذاء والدواء، وبالتالي إضعاف شرعية الدولة وتعزيز نفوذ الجماعات الجهادية بشكل غير مباشر .

    تطرح هذه الاستراتيجية إشكالية حكم الأقليات، حيث أن مقاتلي كتائب ماسينا ينتمون في أغلبهم إلى قومية )الفلان(، التي تشكل أقلية نسبية في مالي، بينما تشكل قوميات )البمبارة(و)السونغاي( و)السوننكي( أغلبية سكان المدن المستهدفة . هذا التباين العرقي قد يؤدي إلى مقاومة ورفض شعبي لسيطرة مقاتلين من قوميات أقلية، خاصة وأن العلاقة بين هذه القوميات تتسم بالحساسية والتعقيد نتيجة تراكمات تاريخية واجتماعية . ومع ذلك، تحاول JNIM التخفيف من هذا الهاجس العرقي من خلال تعيين قيادات من قوميات مختلفة في مناطق نفوذها، كما حدث مع تعيين القيادي الموريتاني عبد الرحمن ولد الحسن مسؤولا عن منطقة المثلث الحدودي بين مالي وموريتانيا والسنغال .

    أما الرؤية المستقبلية، فتشير إلى أن الساحل يتجه نحو نموذج شبيه بأفغانستان أكثر من اتجاهه نحو نموذج العراق أو سوريا . هذا يعني أننا قد نكون أمام جماعات مسلحة تفرض نفوذا تدريجيا على الأرياف والمناطق الحدودية، وتتحول مع الوقت إلى سلطات أمر واقع يصعب استئصالها بالقوة العسكرية التقليدية . فالجماعات الجهادية اليوم لم تعد تتحرك بمنطق التنظيمات المغلقة، بل بمنطق الشبكات المرنة والتحالفات المؤقتة، مستفيدة من هشاشة الدول في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتراجع النفوذ الفرنسي والغربي .

    في المقابل، فإن التدخل الروسي، سواء عبر مجموعة فاغنر أو الفيلق الإفريقي، لم يشكل تهديدا جديا للجماعات الجهادية قياسا على التهديد الذي شكلته القوات الفرنسية والإفريقية سابقا . فالقوات الروسية أقل عددا وعدة، وتركيز روسيا على الصراع في أوكرانيا يقلل من فعاليتها في الساحل . هذا الوضع، بالإضافة إلى ضعف الجيوش المحلية وتفكك التحالفات الإقليمية مثل )تجمع دول الساحل(، يعزز من قدرة JNIM على التوسع والتحول إلى القوة الجهادية المهيمنة في الساحل، ليس فقط لقوتها العسكرية، بل لقدرتها على فهم الجغرافيا السياسية والاجتماعية للمنطقة والتكيف معها .

    الخاتمة والنتائج

    يظهر نشأة وتطور الحركات الجهادية في مالي، من أنصار الدين إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، أن الصراع في الساحل قد تجاوز كونه مجرد حرب ضد الإرهاب ليصبح صراعا على إدارة الفراغ الذي خلفه ضعف الدولة وتراجع القوى الدولية . لقد أثبتت هذه الجماعات، وخاصة JNIM، قدرة فائقة على التكيف مع البيئة المحلية، وتوظيف المظلوميات العرقية والقبلية، واستغلال النزاعات الاجتماعية والاقتصادية، مما منحها حاضنة شعبية وشرعية محلية يصعب مواجهتها بالمقاربات العسكرية الصرفة .

    تتمثل النتائج الرئيسية لهذه الدراسة في أن:

    1.فشل المقاربات العسكرية الصرفة حيث أثبتت التجربة أن الاعتماد الكلي على الحلول العسكرية، سواء من القوات المحلية أو الدولية، لم ينجح في استئصال هذه الجماعات، بل دفعها إلى التكيف وتغيير تكتيكاتها، كما هو الحال في استراتيجية (خنق المدن) بدلا من السيطرة المباشرة .

    2.أهمية البعد العرقي والقبلي: فنجاح أنصار الدين وكتائب ماسينا في التغلغل داخل المجتمعات الطارقية والفلانية، على التوالي، يؤكد أن البعد العرقي والقبلي ليس مجرد عامل ثانوي، بل هو محرك أساسي في تجنيد المقاتلين وتوفير الحاضنة الاجتماعية، مما يجعل هذه الجماعات أكثر خطورة من التنظيمات الجهادية التقليدية .

    3.الاندماج الاستراتيجي لـ JNIM شكل نقطة قوة، حيث سمح بتوحيد الجهود والموارد، وتبني استراتيجية التغلغل البطيء الأكثر فعالية في البيئة الساحلية مقارنة بنموذج الصدمة الداعشي .

    4.تغير موازين القوى الإقليمية والدولية حيث أدى انسحاب القوات الفرنسية والأممية، ودخول فاعلين جدد مثل القوات الروسية، إلى تغيير في موازين القوى، مما قد يعزز من نفوذ JNIM ويجعلها القوة الجهادية المهيمنة في الساحل، ليس فقط لقوتها العسكرية، بل لقدرتها على فهم الجغرافيا السياسية والاجتماعية للمنطقة .

    5.أفغنة الساحل تشير الرؤية المستقبلية إلى أن الساحل يتجه نحو نموذج شبيه بأفغانستان، حيث تفرض الجماعات المسلحة نفوذا تدريجيا على الأرياف والمناطق الحدودية، وتتحول إلى سلطات أمر واقع يصعب استئصالها بالقوة العسكرية التقليدية.

    قائمة المراجع

    [1] محمد محمود أبو المعالي، “الجهاديون الفلان في مالي والسيناريوهات المحتملة”، مركز الجزيرة للدراسات، 30 يوليو 2025، http://studies.aljazeera.net/ar/article/6278.

    [2] Fadoua Ammari & Rida Lyammouri, “Genèse et évolution des groupes extrémistes armés au Sahel dans un contexte de crise multidimensionnelle”, Policy Center for the New South, Mars 2025, https://www.policycenter.ma/sites/default/files/2025-03/RP_01-25%20%28Rida%20Lyammouri%20%26%20Fadoua%20Ammari%29.pdf.

    [3] Boukary Sangaré, “Le Centre du Mali : épicentre du djihadisme ?”, Note d’analyse, 20 mai 2016, https://sahelresearch.africa.ufl.edu/wp-content/uploads/sites/170/NA2016-05-20FR_B-SANGARE.pdf.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إعفاءات جمركية لمغاربة العالم .. سقف 25 ألف درهم وشروط صارمة

    تفتح إدارة الجمارك باب الإعفاء من الرسوم والضرائب أمام المغاربة المقيمين بالخارج المزاولين لأنشطة تدر دخلاً، سواء كانوا أجراء، أو أصحاب مهن حرة، أو عمالاً موسميين. هذا الامتياز مخصص حصرياً للأغراض ذات الطابع الشخصي أو العائلي، وبعيد كل البعد عن أي أهداف ربحية أو تجارية.

    وحددت الجمارك القيمة الإجمالية لهذه الإعفاءات في مبلغ 25,000 درهم كحد أقصى خلال السنة الواحدة. غير أن القوانين تمنع « تركيز » هذا المبلغ في صنف واحد من المنتجات؛ فجلب كميات وافرة من الأحذية أو الملابس بنفس القيمة المالية يُخرجها من نطاق « الاستعمال الشخصي » ويضعها في خانة « السلع التجارية » الخاضعة للتعشير.

    يجب على أفراد الجالية الانتباه إلى أن الإعفاء لا يشمل جميع المقتنيات؛ حيث تُستثنى منه بشكل قطعي الأثاث المنزلي، الأجهزة الكهرومنزلية، أجهزة التلفاز، والدراجات بمختلف أنواعها (باستثناء دراجات الأطفال). أما فيما يخص الزرابي، فإن القانون يسمح بإدخال زربية واحدة فقط ضمن نظام الإعفاء السنوي.

    وتحذر مصالح الجمارك من أن أي شحنة تثير الشكوك بطبيعتها أو كميتها قد يتم اعتبارها بضائع موجهة للبيع. في هذه الحالة، يصبح المسافر ملزماً بالتصريح بها وأداء ما بذمته من حقوق وضرائب، وذلك لقطع الطريق أمام استغلال تسهيلات عملية « مرحبا » في ممارسات تجارية غير مهيكلة.

    وتؤكد الضوابط الجاري بها العمل أن هذه التسهيلات تمنح لمرة واحدة فقط كل سنة، وتشمل حصرياً الأمتعة والأغراض التي ينقلها المسافر معه بشكل مباشر، مما يستوجب على مغاربة العالم ترتيب أولوياتهم عند اقتناء هدايا العودة لتجنب أي تعقيدات في الموانئ أو المطارات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اكتظاظ بواخر الحبوب بميناء البيضاء


    هسبريس – حمزة فاوزي

    كشفت الفيدرالية الوطنية للمطاحن عن تراكم كثيف لواردات الحبوب بميناء الدار البيضاء، مما صعّب عمليات التفريغ في مشهد غير معتاد، ووضع المستوردين المغاربة أمام تكاليف جديدة.

    وقال عبد القادر العلوي، رئيس الفيدرالية الوطنية للمطاحن، إن هذه المشاكل الحالية ناتجة عن توقف عمليات تفريغ البواخر لمدة تقارب 25 يوما، مما أدى إلى تراكم الواردات التي شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الأشهر الخمسة الماضية، خاصة فيما يتعلق بمواد “المايز” و”القمح” و”الصوجا” و”السكر”.

    وأشار العلوي، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن الأزمة لا تقتصر على الحبوب فقط، بل شملت أيضا واردات الفحم والحديد ومواد أخرى، مؤكدا أن الأرصفة المينائية الحالية بميناء الدار البيضاء لم تعد كافية لاستيعاب هذا الحجم الكبير من البواخر التي توافدت بكثافة قبل نهاية شهر ماي لتفادي تجاوز قرار توقف واردات الحبوب المرتقب بداية شهر يونيو القادم.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وكشف المتحدث أن هذا الاكتظاظ تسبب في استنزاف العملة الصعبة، حيث تُدفع مبالغ ضخمة كغرامات تأخير (Surestaries) بلغت ملايين الدولارات، وهي أموال تذهب لأصحاب السفن الأجانب دون أن تستفيد منها الدولة أو أي طرف محلي آخر.

    وفيما يخص التكاليف اليومية، أفاد العلوي بأن كل باخرة عالقة تكلف مبالغ كبيرة تختلف من واحدة لأخرى لكنها تقدر بآلاف الدولارات كل يوم، وهو ما يؤثر مباشرة على هوامش ربح المستوردين الذين يتحملون هذه الخسائر، حيث تصل التكلفة الإضافية إلى حوالي 20 درهما في القنطار الواحد.

    وطمأن المتحدث العموم بأن هذه الأزمة لن تؤثر على أسعار الحبوب في الأسواق المغربية، نظرا لأن “الدولة تضع سقفا محددا للسعر عند 270 درهما، مما يجعل المستورد هو الطرف الوحيد الذي يتكبد خسائر هذه التأخيرات الناتجة عن وضعية الموانئ”، وفق تعبيره.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مونديال الأغنياء.. “فيفا” يرفع ثمن نهائي كأس العالم إلى 33 ألف دولار

    0

    أعاد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” الجدل حول كلفة حضور مباريات كأس العالم 2026 إلى الواجهة، بعدما رفع أسعار أفضل التذاكر الخاصة بالمباراة النهائية إلى مستويات غير مسبوقة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول تحول المونديال إلى حدث يصعب على فئات واسعة من الجماهير الوصول إليه.

    وبحسب المعطيات المتداولة، فقد قفز سعر المقاعد المميزة الخاصة بنهائي كأس العالم 2026، المرتقب يوم 19 يوليوز على ملعب “ميتلايف” بمدينة إيست روثرفورد بولاية نيوجيرسي الأمريكية، إلى حوالي 33 ألف دولار، بعدما كان سعر الفئة الأولى يقارب 11 ألف دولار.

    وأدرج “فيفا” هذه المقاعد ضمن الفئة الأولى الأمامية على منصته الإلكترونية الخاصة ببيع التذاكر، في وقت كانت فيه هذه الفئة متاحة، ليلة الخميس، كمقاعد مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة.

    ولم يقتصر ارتفاع الأسعار على المباراة النهائية، إذ بلغت أسعار تذاكر مباراة نصف النهائي المقررة يوم 14 يوليوز على ملعب AT&T في أرلينغتون بولاية تكساس مستويات تراوحت بين 11 ألفا و130 دولارا و4 آلاف و330 دولارا و3 آلاف و710 دولارات و2705 دولارات.

    أما مباراة نصف النهائي الثانية، التي ستجرى في اليوم الموالي على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، فقد عُرضت تذاكرها بأسعار بلغت 10 آلاف و635 دولارا و3545 دولارا و2725 دولارا.

    وشملت الأسعار المرتفعة أيضا مباريات المنتخب الأمريكي في دور المجموعات، حيث تراوحت تذاكر مباراته الافتتاحية أمام باراغواي، يوم 12 يونيو على ملعب سوفي في إنغلوود بولاية كاليفورنيا، بين 2735 دولارا و1940 دولارا و1120 دولارا.

    كما بلغت أسعار تذاكر مواجهة الولايات المتحدة أمام أستراليا في سياتل، يوم 19 يونيو، حوالي 2715 دولارا، فيما تراوحت تذاكر المباراة الأخيرة للمنتخب الأمريكي في دور المجموعات أمام تركيا، يوم 25 يونيو في إنغلوود، بين 2970 دولارا و1345 دولارا و990 دولارا و840 دولارا.

    وتطرح هذه الزيادات أسئلة جديدة حول سياسة “فيفا” في تسعير تذاكر النسخة المقبلة من المونديال، خاصة أن البطولة ستقام في ثلاث دول هي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وسط توقعات بإقبال جماهيري واسع وطلب كبير على المباريات الكبرى.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأمة مصدر السلطة السياسية وأصل شرعيتها (7)

    محمد النجدي

    قد لا يسعنا المجال للحديث عن تعريف الأمة لغة واصطلاحا، غير أنها تطلق على الجماعة من الناس تجمعهم عوامل مشتركة كالدين واللغة والتاريخ والثقافة، أما في السياق الإسلامي فتعني جماعة المسلمين “المؤمنين بالله ربا واحدا لا شريك له، وبمحمد رسولا ونبيا لا نبي بعده، وبالإسلام دينا جامعا لا دين حقا سواه. فالأمة مراد بها عموم المسلمين وكافتهم”، وكما أشرنا سابقا، فالخطاب الشرعي في أمور السياسة وفي غيرها كذلك موجه للأمة، باعتبارها هي الأصل وصاحبة الشأن العام، “والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكنه مستناب في تنفيذ الأحكام”، كما أن”هناك عدد كثير من النصوص التكليفية الشرعية تفهم وتؤخذ عادة على أنها خطاب خاص ومباشر لأولي الأمر من ذوي السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، أي أنها من شؤون الدولة واختصاصاتها، مثل النصوص المتعلقة بإقامة العدل والقسط والجهاد والقتال، وتنفيذ الحدود والحكم بما أنزل الله وتنظيم شؤون الزكاة والأسرة والمجتمع… ولكن الخطاب فيها هو أساسا وابتداء للأمة ولجماعة المسلمين، وعن هذا الأصل يتفرع الاختصاص بقدر ما تقتضيه المصلحة وتمليه الضرورة”، أي أن النصوص الشرعية المتعلقة بقضايا الحكم والسياسة والعدل ونبذ الظلم والأسرة والمجتمع نصوصا متعلقة وموجهة للأمة والمسلمين.

    الأمة في الإسلام نشأت قبل الدولة وخصها الله بالخيرية ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ ٱُمَّةٖ ۷خْرۣجَــتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ۱لْمُنكَرۣ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِؐ ﴾ آل عمران: 110، “ومن هنا أهمية البدء بها تأصيلا وتحصيلا”، فهي التي تاريخيا كانت تدبر وتدير شؤونها الدينية والثقافية والتعليمية، وتحل مشاكلها المعيشية، وتلبي حاجاتها الاجتماعية، وتنهض بمشاريعها العلمية، وتحقق إنجازاتها الحضارية المختلفة، و”كانت الدولة تشجع وتساعد وتنظم فقط، وقد تضعف، فتصبح عالة على المجتمع، وقد تنحرف، فتصبح عائقا في طريقه، أو تطغى، فتصبح سيفا على رقاب أبنائه، ولكن المجتمع رغم هذا كان يظل نشيطا متجددا في طاقاته وعطاءاته”، فالأمة عندما يمكّن لها وتكون في موقع القيادة، ولها من القوة والمناعة تصبح هي المتحكمة في الشأن العام والموجهة للدولة ومؤسساتها وضامنة لاستمراريتها واستقامتها، بل حتى درع حمايتها وسر استقرارها وديمومتها.

    فبما أن الأمة هي الأصل فهي مصدر السلطة وعنوان الشرعية حيث لا يمكن تصور قيام نظام سياسي شرعي دون تأشيرة الأمة وموافقتها ورضاها “فهي مصدر السلطة ابتداء وانتهاء، كما قال تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورۭيٰ بَيْنَهُمْ ﴾ الشورى: 38، بما في ذلك اختيار السلطة، فالشورى كانت من أسس الخطاب السياسي وتعني حق الأمة في اختيار الإمام ابتداء، وحقها أن لا يقطع أمرا دون إذنها ورضاها انتهاء،” لذلك فالأمة هي صاحبة الأمر “والتوجيه لسلطات الدولة السياسية والتنفيذية”. فالأمة المسلمة “ضرورة وفريضة، والسلطة المسلمة.. كذلك ضرورة وفريضة..”، أي ضرورية ومهمة لقيام الدين وتنزيل وظيفة الاستخلاف في الأرض وعمارتها، وفريضة أي لا وجود للدولة التي بدورها تعتبر ضرورة وفريضة إلا بوجود الأمة، فهي مصدر وجودها واستقرارها واستمراريتها. “فلقد جاء الإسلام بهدم الهرمية الفرعونية وقلب الهرم السلطوي رأسا على عقب فجعل قاعدته فوق قيمته، وذلك حين وضع المنصب السياسي بيد الأمة، تستأمن عليه من تشاء وتنزعه ممن تشاء، باعتبارها صاحبة السيادة ومصدر الشرعية السياسية، وجعل الأمير مجرد أجير لديها”، أي أن الأمة هي صاحبة القرار السياسي وصاحبة التفويض، توليه من تشاء، وتنزعه ممن تشاء.

    ولتأكيد مكانة الأمة واعتباريتها في إدارة شؤون الأمة انتقد ابن تيمية ما كان سائدا قبله بأن الإمام هو خليفة رسول الله في حفظ الدين وسياسة الدنيا كما هو معروف عند الماوردي، “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة بحراسة الدين وسياسة الدنيا”، بينما الأمر يختلف عند ابن تيمية حيث قامت الأمة عنده مقام الخليفة عند الفقهاء. “ومن هنا يمكن القول بأن نظرية ابن تيمية نظرية في خلافة الأمة بينما نظرية الفقهاء نظرية في خلافة الفرد” وشتان بين خلافة الإمام وخلافة الأمة، فهذه الأخيرة وبالموجب الشرعي هي من تكلفت بحفظ الدين وسياسة الدنيا إما مباشرة أو بتفويض منها، “فسيادة الأمة هي الأصل، وهي الأحفظ والأبقى لتطبيق الشريعة وسيادتها، فهي الأسلم للشريعة من عوارض الهوى، والاستغلال والتلاعب من سيادة الحاكم الفرد المستبد المتغلب”. حيت جرى تاريخيا تسمية الحاكم السياسي خليفة للرسول “ولكن من حيث الوظيفة وليس من حيث الاختصاص، فالأمة بمجموعها هي المختصة بالخلافة عن الرسول وليس لأحد من الناس الخصوصية في ذلك وهي التي تختار عن شورى ورضى من يقوم عنها بهذه الوظيفة (وظيفة الخلافة ) وكالة ونيابة وليس أصالة” وضرورة التفريق والتمييز بين الوظيفة والاختصام تمييز منهجي وأساسي في بناء التصور.

    فالتصور الإسلامي الذي تم طمسه وتغييبه تاريخيا مما أثّر على شرعية الاجتماع السياسي هو “أن الأمة هي صاحبة السيادة ولا يحق لأحد أن يستأثر بهذه السيادة من دونها وليس في الإسلام ما يدل على أن السيادة محصورة في فرد معين أو في سلالة معينة أو في طائفة معينة أو في جنس معين بل بالعكس، تضافرت النصوص والأدلة على تأكيد أن الأمة بمجموعها هي الأصل، وأنها مصدر السلطات ومنبع الشرعية السياسية”، وهذا لا يتحقق إلا إذا مكّنت لنفسها وامتلكت الشروط اللازمة لذلك، وهي الوعي أولا بدورها، ثم امتلاك القوة والريادة، واستقلالية قرارها، وغيرها من الشروط الضرورية لتضطلع بأدوارها. “فسيادة الأمة مقدمة أولية وضرورية لأجل تطبيق الشريعة “، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لذلك “فالأمة هي صاحبة السلطة والحفيظة عليها، ومن حق الأمة وواجبها أن تظل حارسة على مواطن الاستعمال لما هو منها وإليها” أي إن مؤسسات الحكم بما في ذلك سلطة الحكم التنفيذية ليست هي الدولة بل هي إحدى مؤسسات نظام الحكم في الدولة. والأمة والشعب هما الأساس والعنصر الأهم في توجيه السياسة العامة، وفي تكوين الدولة، ومنهم وحدهم تستمد شرعية الحكام والأحكام وهذا من هدي مفاهيم الدين وقيمه ومقاصده”.

    ومن دلالات خطاب الله تعالى للمؤمنين بطاعة (أولي الأمر) “أن السلطة العليا في الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي لابد أن تكون جماعية شورية، لا فردية استبدادية ﴿يَـٰٓـأَيُّهَا ۰لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ۴للَّهَ وَأَطِيعُواْ ۴لرَّسُـولَ وَٱُوْلِى ۱لاَمْرۣ مِنكُمْؐ ﴾ النساء: 59.”، كما تدل على أن “أولي الأمر الذين يتولون السلطة في الدولة والمجتمع والأمة، الذين لهم الطاعة، لابد أن يكونوا من الأمة مختارين منها بالشورى والاختيار والبيعة، ومعبرين عن هويتها الحضارية، ومصالحها الشرعية المعتبرة، لا مفروضين عليها بسلطة القهر والتغلب أو بوسائل الغش والتزوير. بمعنى أن التعبير عن سلطة الأمة يتم باختيار من تفوضهم الأمة للنيابة عليها، ويجب أن يختاروا بالشورى الجماعية عبر آلية البيعة التي هي عقد بين طرفين. “فمن المداخل التي تؤكد سيادة الأمة هو عقد البيعة، فالعلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقد بين طرفين تكون الأمة فيه هي الأصل والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شؤونها، فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي وليس بالحق الموروث، بل بعقد البيعة بين الأمة والإمام”، فهي المؤسس وصاحب الحق والضامن لاستمرار الشرعية وديمومتها.

    والأمة هي من تعطي للدولة الإسلامية طبيعتها المدنية، التي تقوم على المؤسسات “والشورى هي آلية اتخاذ القرارات في جميع مؤسساتها، والأمة فيها هي مصدر السلطات، شريطة أن لا تحل حراما أو تحرم حلالا جاءت به النصوص الدينية قطعية الدلالة والثبوت…فهي دولة مدنية لأن النظم والمؤسسات والآليات فيها تصنعها الأمة وتطورها وتغيرها بواسطة ممثليها…” .

    فالآثار المترتبة على كون الأمة مصدر السلطات “جعل الخلافة بالبيعة والعقد والاختيار من ممثلي الأمة، وجعل للأمة الحق في مراقبة الحاكم ومحاسبته، بل توجب ذلك عليها … ،فالإمارة بعد النبي صلى الله عليه وسلم شورى بينهم، فهم الذين يختارون خليفتهم برضاهم وشوراهم، فلا ملوك ولا ورثة، ولا قهر، ولا مغالبة، كما أن الأمر شورى في كل أمر من أمور حياتهم، مما لا نص فيه، إذ أن حق التشريع المطلق لله وحده، أما الأمة فلها حق التشريع المقيد، كالشورى في اختيار السلطة، وفي التشريع فيما لا تشريع فيه، وفيما فيه تشريع يحتاج في تطبيقه وتنزيله على أرض الواقع إلى اجتهاد وشورى” ومما يجعل الأمة قائمة بهذا الحق عصمتها،”فعصمة الأمة مغنية عن عصمته (أي الإمام) وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة، فقالوا: لأن من كان من الأمم قبلنا كانوا إذا بدلوا دينهم بعث الله نبيا يبين الحق وهذه الأمة لا نبي بعد نبيها، فكانت عصمتها تقوم مقام النبوة”، ليبقى المجتمع هو الأهم والأدوم، وهو الأصل والمنبع. فالأمة هي من تحمي الشرعية وتحمي أمن الدولة والمجتمع واستقرارهما معا، وهي من يحقق التنمية بإشرافها وهيمنتها على الدولة.

    1- الريسوني، الأمة هي الأصل، ص: 9.
    2- الجويني، غياث الأمم، ص: 276.
    3- الريسوني، الأمة هي الأصل، ص: 12.
    4- هبة رؤوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت – القاهرة، ط 1، 2015م، ص: 117.
    5- الريسوني، الأمة هي الأصل، ص:27.
    6- حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان، ص: 30.
    7- عبد الحميد أحمد أبو سليمان، إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي، ص: 24.
    8- علي جريشة، أركان الشرعية الإسلامية حدودها وآثارها، ص:33.
    9- الشنقيطي، الأزمة الدستورية، ص: 120.
    10- الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص: 3.
    11- حسن كانوكاتا، النظرية السياسية عند ابن تيمية، ص: 114.
    12- عبد الله المالكي، سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، ص: 4.
    13- عبد الله المالكي،المرجع نفسه، ص: 130.
    14- عبد الله المالكي، المرجع نفسه، ص: 120.
    15- عبد الله المالكي، المرجع نفسه، ص: 143.
    16- علال الفاسي، النقد الذاتي، ص: 137.
    17- عبد الحميد أحمد أبو سليمان، إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا
    – الولايات المتحدة الأمريكية، ط: 2، 1433هـ – 2012م، ص: 29.
    18- محمد عمارة، ثورة 25 يناير وكسر حاجز الخوف، ص: 14.
    19- محمد عمارة، المرجع نفسه، ص: 14.
    20- عبد الله المالكي، سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، ص: 132.
    21- محمد عمارة، ثورة 25 يناير، ص: 86.
    22- حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان، ص: 153.
    23- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 3/ 272-273.
    24- الريسوني، فقه الاحتجاج والتغيير،ص: 124.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مونديال 2026..حكيمي آخر الملتحقين بمعسكر “الأسود”

    خ ج

    يزيد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، من حجم الضغط على اتحادات كرة القدم ومنتخباتهم الوطنية المشاركة في النسخة المقبلة من نهائيات كأس العالم 2026، وذلك مع اقتراب قص شريط انطلاق العرس الكروي العالمي، بعدما حدد يوم 25 ماي المقبل، موعدا لبدء فترة الراحة والاستعداد والسماح للاعبين بالانضمام لمنتخباتهم، أي في اليوم التالي لآخر مباراة رسمية يشارك فيها اللاعبون مع أنديتهم، مع وجود استثناءات السماح للاعبين بالانضمام لمنتخباتهم، تشمل اللاعبين المشاركين في نهائيات بطولات الأندية القارية حتى 30 ماي الجاري، وذلك مرهونا بموافقة “فيفا”، على أن يفرض عقوبات على الأندية التي لا تلتزم بالموعد المحدد، باستثناء تلك المتأهلة لنهائي دوري أبطال أوروبا (باري سان جيرمان الفرنسي وأرسنال الإنجليزي(.

    وسيكون الدولي المغربي أشرف حكيمي بشكل رسمي آخر الملتحقين بالمعسكر الإعدادي للمنتخب الوطني الأول، ببلوغ فريقه الباريسي نهائي دوري أبطال إفريقيا، على حساب نادي بايرن ميونيخ الألماني، على الرغم من غيابه الاضطراري عن مباراة الإياب بداعي الإصابة، إذ سيحاول الطاقم الطبي الفرنسي، استعادته بشتى الوسائل، لاسيما وأن إصابته العضلية لا تدعو للقلق، خاصة وأنه رافق بعثة باري سان جيرمان في رحلتها إلى ألمانيا، واحتفل بشكل طبيعي مع زملائه وشاركهم فرحة التأهل إلى المباراة النهائية.

    وحسم محمد وهبي مدرب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم، في برنامجه الإعدادي تحسبا لخوض غمار “المونديال”، إذ يرتقب أن تنطلق التحضيرات بمركب محمد السادس بالمعمورة منتصف الشهر الجاري على أن يخوض “أسود الأطلس” مجموعة من المباريات الودية في إطار التحضير التقني والبدني للاستحقاق العالمي، في انتظار الحسم نهائيا في وديتين، أمام منتخب بروندي يوم 26 ماي 2026، على أرضية مركب محمد السادس لكرة القدم، في غياب الحضور الجماهيري (ويكلو)، في فرصة مناسبة للوقوف على جاهزية العناصر الوطنية وإتاحة المجال للطاقم التقني لتجريب أكبر عدد منهم، والثانية ضد منتخب مدغشقر، على أرضية المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، يوم 2 يونيو المقبل، أي قبل 24 ساعة فقط من موعد شد الرحال إلى أمريكا، استعدادا للودية الثالثة أمام منتخب النرويج يوم 7 يونيو 2026 بمدينة نيويورك.

    هذا، وحسمت “فيفا”، أول أمس الأربعاء، تاريخ الإعلان عن القوائم النهائية للمنتخبات المشاركة في نهائيات كأس العالم الصيف المقبل، وذلك يوم الثاني من يونيو المقبل، مشيرا إلى أن الاتحادات 48 المشاركة في البطولة، ستزوّد “فيفا” بلوائح أولية تضم ما بين 35 و55 لاعباً بينهم أربعة حراس مرمى، وستُستخدم بشكل مؤقت لأغراض داخلية فقط ولن ينشرها الاتحاد الدولي لكرة القدم، على أن تضم القوائم النهائية بين 23 إلى 26 لاعبا بينهم ثلاثة حراس مرمى، كما تم اعتماده في كأس العالم “قطر 2022”.

    كما منع “فيفا” في بيان نشره على موقعه الرسمي، استبدال أي لاعب في القائمة النهائية إلا بلاعب من القائمة الأولية، وذلك فقط في حال الإصابة الخطيرة أو المرض الشديد، على أن يتم ذلك في موعد أقصاه قبل 24 ساعة من المباراة الأولى لمنتخبه في كأس العالم 2026، مع إمكانية استبدال حارس مرمى من القائمة النهائية بحارس آخر من القائمة الأولية في حال الإصابة الخطيرة أو المرض الشديد، وذلك في أي وقت خلال البطولة، كما سمح الاتحاد الدولي لأي منتخب من المنتخبات المشاركة الإعلان عن قائمته في أي وقت، لكنها لا تعتبر رسمية إلا بعد اعتمادها في الثاني من يونيو المقبل.

    إقرأ الخبر من مصدره