Étiquette : Les

  • Comment choisir un bon matelas pour un sommeil réparateur

    Un sommeil de qualité repose sur un matelas adapté à vos besoins. Le bon choix améliore le confort, soutient le corps et préserve la santé. Voici les critères essentiels à prendre en compte. 1. Identifier vos besoins et habitudes de sommeil Chaque dormeur est unique. Votre morphologie, votre position préférée et vos éventuels problèmes de […]

    L’article Comment choisir un bon matelas pour un sommeil réparateur est apparu en premier sur Media7.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • L’ONDA célèbre les Marocains du monde dans tous les aéroports du Royaume

    Le 10 août 2025, à l’occasion de la Journée Nationale des Marocains Résidant à l’Étranger, l’Office National des Aéroports (ONDA) a mis à l’honneur ses compatriotes venus des quatre coins du monde. Dans tous les aéroports du Royaume, un dispositif d’accueil inédit a été déployé, combinant hospitalité, animations culturelles et qualité de service. Cet événement […]

    L’article L’ONDA célèbre les Marocains du monde dans tous les aéroports du Royaume est apparu en premier sur Media7.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فراقشية الانتخابات”: “الأعيان” ريع دائم وإرث خالد!

    الحسين نصر الله – نائب برلماني

    في القاموس الشعبي للسياسة المغربية، يطلق البعض على فئة من الفاعلين المحليين وصف “فراقشية الانتخابات”. التسمية، وإن بدت هجومية في ظاهرها، تعكس بدقة الدور الذي يلعبه هؤلاء “الأعيان” في التحكم في مسار الاستحقاقات، من خلال شبكات ولاء تمتد داخل الدوائر الانتخابية المغلقة، حيث يعرفون كل صوت، ويستثمرون كل درهم وكل علاقة على اختلاف طبيعتها ومستوياتها.

    الأحزاب، على اختلاف مرجعياتها، تدرك تمام الإدراك أن هؤلاء “الأعيان” يمثلون اختصارًا للطريق نحو المقاعد البرلمانية. فهم قادرون، عبر رصيدهم من السطوة الاجتماعية والاقتصادية، على تحويل الدائرة الانتخابية إلى خزّان أصوات مضمون. وهكذا تتحول التحالفات معهم من خيار سياسي إلى ضرورة انتخابية، حتى وإن كان الثمن هو جعل القرار الداخلي رهينة بين أيديهم – les partis sont pris en otage – في معادلة تجعل الأحزاب أسيرة أشخاص لا يمكن تجاوزهم في أي استحقاق انتخابي.

    تاريخيًا، يعود حضور “الأعيان” إلى بدايات التجربة التمثيلية في المغرب، حين تداخلت بنية السلطة المحلية مع آليات الانتخاب، لتنتج نخبة هجينة تجمع بين الشرعية التقليدية وقدرة التعبئة الانتخابية. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه المواقع حتى بات من الصعب منافستها، ليس فقط بسبب المال أو النفوذ، بل بفعل شبكة مصالح متداخلة، متنوعة، وعلى مستويات أحيانًا متناقضة.

    وفي السياق نفسه، أحدثت اللائحة الوطنية والجهوية في الأصل بهدف تجديد النخب البرلمانية وإعطاء فرص أكبر للشباب والنساء، غير أن الحصيلة الفعلية على مستوى الأداء داخل المجلس أظهرت محدودية هذا التجديد. فبدل أن تشكل مدخلًا لضخ دماء جديدة في الحياة البرلمانية، تحولت لدى “الأعيان” إلى امتداد لاحتكار الدوائر الإقطاعية وتجسيدًا لارتهانها للأحزاب، عبر ترشيح الأبناء والبنات والزوجات، مما عمّق منطق القرابة والولاء العائلي على حساب الكفاءة والالتزام الوطني.

    ولعل أبرز إشارة رسمية إلى هذه الظاهرة جاءت في خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله أمام البرلمان في 10 أكتوبر 2014، حين قال:

    «… وعلى بعد أقل من سنة على الانتخابات المحلية والجهوية، أتوجه إلى جميع الفاعلين السياسيين: ماذا أعددتم من نخب وبرامج، للنهوض بتدبير الشأن العام؟
    إن التحدي الكبير الذي يواجه مغرب اليوم، لا يتعلق فقط بتوزيع السلط بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة المواطن».

    وفي مرحلة فاصلة من تاريخ المغرب، وفي أفق الاستحقاقات القارية والدولية التي تنتظر البلاد، نكاد لا نحتاج إلى خطابات أو شعارات بقدر ما نحتاج إلى كفاءات متشبعة بالحس الوطني، قادرة على تحويل الأهداف الوطنية الكبرى إلى إنجازات عملية، بالشكل المطلوب وفي الزمن المفروض، زمن لا يسمح بأي تأجيل أو تردد. فالتحديات التي يواجهها المغرب اليوم تتطلب تمثيلية سياسية قائمة على القدرة على الإنجاز، لا على شبكات النفوذ التقليدي.

    من هنا، يبرز السؤال الحاسم: هل يمكن تحرير القرار الحزبي من هيمنة “فراقشية الانتخابات” دون أن ينهار التوازن الانتخابي للأحزاب؟ وهل تمتلك هذه الأخيرة الجرأة على بناء شرعيتها عبر العمل الميداني والالتزام الوطني، بدل الارتهان لـ“الأعيان” الذين يملكون مفاتيح صناديق الاقتراع؟

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Évasion fiscale et rôle de l’intelligence artificielle dans sa lutte : approche analytique

    par Hani El Mokhtar

    Depuis l’Antiquité, les modes d’acquisition des ressources ont varié parmi les peuples et sociétés humaines, passant de l’agriculture et de l’élevage au commerce et à l’industrie. Avec le développement de ces activités et le besoin croissant de protection des biens, des personnes et des échanges commerciaux, s’est imposée la nécessité d’un cadre politique et institutionnel capable de fournir des services essentiels tels que la santé, le logement et les infrastructures. Cette organisation a conduit les États à diversifier leurs sources de revenus, notamment par l’élargissement de l’assiette fiscale et la multiplication des impôts, allant des taxes sur les récoltes et le bétail aux taxes foncières et sur les revenus.

    Au début du XXe siècle, les systèmes fiscaux se sont complexifiés, intégrant des impôts sur les revenus du capital, les bénéfices des entreprises, les investissements et les salaires. Cette complexité a poussé certains…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ذكرى “باريسية” مع ولي العهد وهكذا بدأت المهام مع بن بركة

    في اليوم الموالي للقاء الأولي بين مولاي المهدي العلوي وولي العهد، رتب العلوي لقاء لزملائه الطلبة، حتى يلتقوا بدورهم مع ولي العهد الذي بدا مهتما جدا بلقاء فوج من الطلبة المغاربة في باريس، والتعرف عليهم:

    “رحب ولي العهد بالأمر أيما ترحيب وأذن لي بترتيب اللقاء، بعد أن وافق على ما طلبته منه، أي أن يقتصر دوري على تنظيم الاجتماع وعدم الكلام فيه أو إبداء الرأي في أي موضوع من المواضيع التي ستُطرح خلاله.

    بعد انتهاء ذلك اللقاء، الذي استغرق وقتا أكثر مما كُنت أتخيل، استأذنت سمو الأمير بالمغادرة، إلا أنه أصر على أن يوصلني شخصيا بسيارته إلى فندق “كريبون” الالتقاء مجددا في اليوم الموالي بمبنى السفارة المغربية في الساعة الحادية عشرة صباحا.

    في اليوم الموالي، كُنا في الموعد، وكانت جنبات مبنى السفارة تدب بالحركة على غير العادة؛ فقد اتفقتُ مع باقي الرفاق على الالتقاء في المكان قبل الموعد بنحو نصف ساعة، بينما رافقني المرحوم “عمر بن جلون” وإخوة آخرين من مكتب هيئة الطلبة الاتحاديين إلى الاجتماع، الذي انطلق مباشرة بعد التحاق ولي العهد.

    بعد تحية الحاضرين، أعاد مولاي الحسن التأكيد على المواقف التي سمعتها منه بالأمس، مبرزا أنه لا يعارض التجربة الحكومية (بقيادة عبد اللّٰه إبراهيم)، ولكنه يُقدر صعوبة الظرفية التي تبقى غير مواتية لتحقيق سياساتها، مما جعلنا أمام اختيارات صعبة شكلت موضوعا لنقاش طويل وصريح مع الطلبة استغرق زهاء ساعة ونصف، أعرب في نهايته ولي العهد عن ارتياحه للنتائج التي سيحرص على نقلها بأمانة لجلالة الملك محمد الخامس، مع التأكيد على أن الوطن يعتز بأبنائه، الذين يقدمون صورة مشرقة عن بلادهم في الخارج بحضورهم المتميز كسفراء ناجحين.

    وختم الأمير كلامه للطلبة الحاضرين: “إن بلادكم اليوم لا يمثلها في فرنسا سفير واحد – هو المرحوم الدكتور عبد اللطيف بنجلون آنذاك – بل كلكم سفراء يعتز المغرب بكم وسأنقل ذلك إلى جلالة الملك”.

    اكتسب مولاي المهدي العلوي تجربة كبيرة، وتكوينا سياسيا، خصوصا سنتي 1954 و1955، في أسلوب المشاركة في لقاءات من هذا النوع، وهذه الأهمية. ورغم أنه كان وقتها قد حصل للتو على شهادة الباكالوريا ولم يبدأ الدراسة العليا بعدُ، إلا أنه كان واعيا بالمحيط السياسي وتطورات الساحة الفرنسية وأدوار الشخصيات ومواقفها من استقلال المغرب.

    وبعد الاستقلال، استثمر مولاي المهدي العلوي معارفه المكتسبة، وظهر مدى تأثيره في أوساط الطلبة المغاربة والأساتذة الفرنسيين، خلال زيارة ولي العهد التي تمت أواخر سنة 1960.

    كان المغرب وقتها يتجه نحو فترة احتقان، سببها صراع الأجنحة السياسية وأذرعها النقابية وقدماء المقاومة.. تأسس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة المهدي بن بركة، وكان مولاي المهدي العلوي من الذين لم يُخفوا نهائيا تأييدهم لبن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم.

    كيف إذن بدأت علاقة مولاي المهدي العلوي بالمهدي بن بركة؟ يحكي العلوي في مذكراته، عن بداية المهام والثقة المتبادلة بينهما، قائلا:

    ” بعد نهاية مفاوضات إيكس ليبان  Aix – les – bains، صادف أن كنت في عطلة بالمغرب في شهر يوليو 1955، فطلبني المهدي بن بركة إلى بيته في ديور الجامع بالرباط، ثم طلب مني أن أحمل رسالة شفوية منه إلى الحاج أحمد بلافريج بمقر إقامته بمدريد، وذلك في طريق عودتي إلى فرنسا.

    ألغيت حجزي في الطائرة لأستقل القطار بعد أن رتبتُ برنامجي لأكون في العاصمة الإسبانية في وقت مناسب من النهار، ولأتمكن من الاتصال هاتفيا بالحاج بلافريج على الرقم الذي منحني إياه بن بركة.

    ضرب لي الحاج أحمد بلا فريج موعدا في إحدى مقاهي مدريد وكانت قريبة من مقر إقامته؛ وحين التقينا حدثته عن الأوضاع في المغرب، فوجدته غير مرتاح لما دار في محادثات إيكس ليبان. وهي المحادثات التي ينقل البعض أنها جمعت وفدا من الحكومة الفرنسية مع وفد من الشخصيات الحزبية والسياسية والوجهاء المغاربة (غشت 1955)، وأنها هي التي وضعت معالم حصول المغرب على استقلاله عن فرنسا عبر إنهاء نظام الحماية، وبلورة تصور للعلاقات المستقبلية بين البلدين (..)

    بعد ذلك، عبر لي الحاج أحمد بلافريج عن ترحيبه برسالة المهدي بن بركة، مبديا احترامه للجهود التي تُبذل في سبيل استقلال البلاد، وهو موقف ينسجم في واقع الأمر مع ما اكتشفته في شخصيته من دعة واتزان وهدوء من دون ادعاء أو تصنع.

    بعد هذا اللقاء، دعاني الحاج أحمد بلافريج إلى مكتبه بوزارة الخارجية التي كان يرأسها أثناء مرحلة حكومة امبارك البكاي الأولى، وذلك عن طريق صديقي سيدي أحمد الشرقاوي، ليسند إلي أول مهمة دبلوماسية في باريس، ظنّا منه، ربما، أنني سأكون أهلا لها، لما خلفه لديه لقاؤنا الأول من انطباعات إيجابية.

    عند وصولي إلى مقر الوزارة، استقبلني صديقي الشرقاوي، وأوصلني إلى حيث يوجد مكتب مدير الديوان، الذي كان يشغله آنذاك الأستاذ امحمد بوستة، فتقدمت نحوه مبتسما، وخصني بسلام حار، مُعتذرا لي عن عدم تمكن الوزير من مقابلتي لالتزامات طارئة خارج مبنى الوزارة”.

    تشعبت الملفات التي كان مولاي المهدي العلوي قريبا منها بفضل هذه الاتصالات.. ومع اقتراب سنة 1961، بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني، كان الواقع السياسي يتجه نحو المراحل الحاسمة..

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابتسامة السيادة .. الصورة البروتوكولية تمثيل بلا مضمون وإيحاء بلا معنى

    عبد الفتاح لحجمري
    “Une bonne photographie consiste à savoir capturer la profondeur des sentiments, pas la profondeur du champ.” Peter Adams “La meilleure chose à propos d’une image est qu’elle ne change jamais, même lorsque les personnes qui y figurent changent.” Andy Warhol “Ce que j’aime dans les photographies, c’est qu’elles capturent un moment qui est parti pour toujours, impossible à reproduire.” Karl Lagerfeld بورتريه السلطة: عندما يُعاد تشكيلُ الواقع وُقوفاً

    لسْتُ مُتأكدًا تمامًا متى بدأ وَلَعي العجيب بالصّور البروتوكولية، لكنني أستطيع القول بثقة، هي صنف من الصّور التي تُثير في نفسي ما لا تُثيره اللّوحات الفنية، ولا الكتب الفلسفية، ولا حتى أحاديث المقاهي؛ إنها تحفٌ بشرية مُؤطرة بالإجبار، تشبه ضحكة موظف في عزّ التقشف.

    لماذا إذن أحبّ الصّور البروتوكولية؟ ربما لأنها تُقدّم لنا أعمق خطاب من دون أن تنطق بكلمة؛ صورة واحدة تكشف حجم الكذب البَصَري الذي نعيشه يوميًا، لكنها تفعل ذلك بربطة عنق مُتقنة، ونظرة بعيدة، وخلفية وطنية. ولماذا تثير انتباهي؟ لأن كل شيء فيها مدروس حدّ العبث: الكرسي ليس للجلوس، وإنما لتأكيد المقام؛ والوثيقة على الطاولة ليست للقراءة، وإنما للتوقيع الفوتوغرافي؛ وأما الابتسامة فلا تعكس السّرور، بقدر ما هي للضرورة البَصَرية. لماذا أتأملها بلهفة؟ لأنها اللحظة التي يمنح فيها الحضور الإنساني للسّلطة طابعًا شبه مقدّس؛ وربما لأنها معْمودية المسؤول: لا يُعترف به إلا حين يظهر محاطًا بجمهور واقف بعناية، وسجادٍ أحمر، وستارة توحي بوقار المؤسسة (حتى لو كانت مُفلسة). ولذلك فهي صورة تُلخّص كل شيء: اجتمعوا، تصافحوا، ناقشوا شيئًا ما، اتفقوا على شيء غير محدد… انصرفوا وكلّهم أمل في أن تُنشر الصورة قبل أن تُنسى المناسبة. لأجل ذلك كله تُضحكني الصّور البروتوكولية بقدر ما تُخيفني، تُريني وجهًا رسميًا للحياة شديد الهشاشة، كأنني أشاهد تمثيلية يؤديها الجميع باحتراف، ولا أحد يجرؤ على نسيان دوره، ولو لثانية. فمن يخطئ في وقفته، أو يضحك في غير أوانه… قد لا يظهر في الصّورة القادمة.

    احتفالٌ بالعَلامة حين تنفَصلُ عن المرجع

    من منظورٍ سيميائي ليست الصورة البروتوكولية مجرّد تمثيل لواقعة سياسية أو إدارية، بقدر ما هي نظام دلالي قائم بذاته، يصنع واقعه بدل أن يُحاكيه. من هذا المنظور فهي تُوثّق حدثًا، وتُنتجه رمزيًا في الآن ذاته؛ فالاجتماع ربما لم يكن مُثمرًا، والحوار قد يكون سطحيًا، لكنّ الصّورة تعلن نهاية ناجحة، مهما كانت البداية هزيلة. في هذا السياق تتحوّل الصورة إلى ما يُسميه رولان بارت “العلامة المجرّدة” وقد انفصلت عن مرجعها الواقعي، لتُصبح رمزًا مستقلًا بذاته، يُؤدّي وظيفة اجتماعية ومعرفية. فمن يُشاهد صورة لوزير يُصافح نظيره لا يسأل أبدًا: ماذا دار بينهما؟ لأنه يكتفي بما تقوله الصورة بصمتها السّاحر: “هناك علاقة، هناك تواصل، هناك سياسة قيد التشكل”. ولو لم يكن هناك شيء فالعَدسة كَفيلة باختلاق شيءٍ منه.

    بهذا المعنى، حين نُحلّل الصّورة البروتوكولية لا نحلّل وجه الوزير أو زاوية الالتقاط فحسب، بيد أننا نهتمّ أكثر بتحليل بنية خطابية كاملة: ملابس، ترتيب مكاني، خلفية، تعابير وجه، توقيت النّشر، والتعليق المُرفق. فكل عنصر في الصورة يُنتج معنى، ويُحيل على شيء “واقعي”، وعلى “السّلطة بصيغتها المثالية”. بهذا الخيار يتقاطعُ التحليل السيميائي مع رؤية جان بودريار التي يدافع فيها عن فكرة اعتبار الصورة مثالًا ناصعًا على “محاكاة المحاكاة”، حين لا تُحاكي واقعًا سياسيًا، وإنما تحاكي صورة مثالية سابقة عن “كيف يجب أن تبْدوَ السّلطة”.

    في الصورة البروتوكولية لا أحد يُدير ظهره لأحد. كل الأكتاف متجاورة، كل الرؤوس مُنتصبة، وكل العيون تنظر إلى عدسة المصوّر وكأنها تنتظر خَلاصها: رؤساء، وزراء، وفود رسمية، وحتى مُصافَحاتٌ لا أحد يذكر بعدها ما الذي اتُّفِق عليه. المهم أن الصورة وُثِّقت، والربطة مُنسَّقة، والبذلة خالية من التجاعيد. أحيانًا، يتفوّق المصوّر على الفيلسوف، فهو الوحيد القادر على جعل الوقت يبدو ثابتًا، والموقف واضحًا، رغم أن لا أحد يفهم ما الذي يحدث حقًا. خذْ أيَّ صورة لمؤتمر دوْلي سترى المشاركين يقفون مثل تماثيل شمْعٍ مُحترمة، لكنهم في الواقع يُفكّرون في أشياء شديدة الخصوصية: أحدهم يتمنى لو لم يأكل ثومًا في الفطور؛ والآخر لا يتذكر اسم الزميل الذي يقف بجانبه. لكن، هل تساءلنا يومًا: من يلتقط الصور للبؤساء؟ للفقراء؟ للمُعلّمين المُنهكين؟ للمُزارعين الذين لا يعرفون معنى كلمة “بروتوكول”؟ لا أحد؛ لأنهم ببساطة لا يرتدون بذلات رسمية، ولا يقفون على سجاد أحمر، ولا يهم إن كانت ربطات أعناقهم متناسقة.

    السُّلطة المَرْئية: حين يُصبحُ الظهور بديلاً عن الإنْجاز

    في أنظمة تُحب الطقوس أكثر مما تُحب النتائج تُصبح الصورة البروتوكولية دليلاً على الفعل، حتى وإن لم يحدث الفعل؛ إنها “دليل إثبات رمزي”، كأن الوزير لا ينجز شيئًا حتى تُلتقط له صورة، وكأن المؤسسة لا تُوجد إلا عندما تُعلن عن نفسها بصريًا. ولذلك تُنتج الصورة الرسمية شعورًا جماعيًا بـ”وجود الدولة”؛ إنها الطمأنينة البصرية التي نشتري بها القليل من المعنى في عالم تغيب فيه الفعالية. في النهاية، الصورة البروتوكولية ليست كذبًا، إنها صدقٌ من نوع خاص: صدق شكلاني، بارد، محسوب، يُرضي الحاجة إلى المعنى دون أن يُشبعها؛ هي قناعٌ فلسفي ترتديه السلطة حين لا تجد ما تُفصح به؛ تَعِد بكل شيء… دون أن تُلزِم نفسها بشيء.

    لست مفتونًا بالصورة البروتوكولية لأنّها جميلة، فهي نادرًا ما تكون كذلك، ولست مأخوذًا بها لأنها عفوية، فهي لا تعرف إلى العفوية سبيلاً؛ أفتتن بها لأنها تمثّل أسمى درجات “التمثيل”، وأقصى ما يمكن أن تبلغه الواجهة حين تنفصل عن الجوهر.

    يتحقّق في الصورة البروتوكولية شيء نادر الحدوث: تجمُّع بشري يتّفق فيه الجميع على الصّمْت، وعلى الظهور، دون أي التزام بالمحتوى؛ إنها لحظة تتجمّد فيها الحياة، لا من أجل التأمل، وإنما من أجل الإيحاء بأن شيئًا مهمًّا قد حدث؛ إنّها التجلّي البَصَري لإرادة الدولة في أن تقول دون أن تتكلّم، وأن تُعلن دون أن تُفكّر، وأن تُمسك الحقيقة من عنقها… ثم تُطلقها لاحقًا عبر بيان صحفي مكتوب بلغة مُحايدة.

    هل لاحظتَ كيف يقف الجميع في الصورة؟ الرؤوس مرفوعة، والأكتاف مصفوفة، والعيون تنظر نحو الأفق، كأنهم جنود في جيش لا يخوض حربًا، بيد أنه ينتصر فقط في ساحات الفلاش، كأنهم يُشاركون في طقسٍ حديثٍ من طقوس السلطة: حيث الرمزية تحلّ محلّ الفعل، والظهور محلّ الإنجاز، والبذلة محلّ الرؤية. المدهش أن هذه الصور تتكاثر، وتتناسخ، وتتشابه. لا تكاد تفرّق بين لقاء وزاري هنا، ووفد رسمي هناك، ومؤتمر دولي في قاعة مُكيّفة. الابتسامات هي ذاتها، الوثائق هي ذاتها، وحتى النوايا المُعلَنة… محفوظة ومتكررة، كأن الزمن لا يتقدّم، لكنه يدور حول عدَسة مُعلّقة فوق التاريخ. أكادُ أجزم أنّ الصور البروتوكوليةلا تُوثّق لما حدث، وإنما لما نُريد أن نُقنع به أنفسنا بأنه حدث؛ من ثمة فهي لا تُخاطب الحاضر، لأنها تُصمَّم خصيصًا للمُستقبل:كي نقول، ذات يوم، “كنا هناك” حتى لو لم يكن هناك شيء.

    المقعد الجانبي الذي صنع التاريخ

    في كل صورة بروتوكولية هناك مقعد جانبي يُحشر فيه موظف لا يعرف لماذا جِيء به، ولا متى يُفترض أن يغادر. ذلك الكرسي يجلس عليه شخص يحمل ملفًا بلا أوراق، أو أوراقًا بلا معنى، أو لا يحمل شيئًا سوى نظرات مُترددة تتساءل: “هل أبتسم؟ هل أنا فعلاً في الصورة؟ هل أنا موظف؟ هل أنا موجود؟”؛ ولأنه لا يريد أن يُظهر جهله بالموقف فإنه يُطبّق أرقى تقنيات البقاء الإداري: يتظاهر بالفهم؛ لا أحد يعلم اسمه، لكنه يظهر في كل الصور، كأنّه “شاهد” في محكمة الحداثة الشكلانية.

    هو لا يوقّع على شيء، لكنه يحرص على وضع نظاراته في جيب سترته كما يفعل الكبار، يبدّل موضع قدميه بانضباط تام، كأن كل إيماءة جزء من بروتوكول دولي صارم؛ ولو اقتربت من ملفه لا تجد فيه سوى وثيقة قديمة منتهية الصلاحية، أو مذكرة داخلية لا تخصه، لكنه يعرف أن الظهور نصف البقاء، وأن حركة الرأس المدروسة تُغني أحيانًا عن ألف وثيقة؛ هو متخصص في فن التموقع، ذلك الفن الذي لا يُدرّس في الجامعات، بل يُكتسب عبر التسلل الصامت إلى هامش الصورة. وفي خلفية الصورة يدرك المصوّر المحترف أن هذا الكائن الجانبي ضرورة جمالية: هو من يُحدث التوازن البَصَري، يمنح المشهد بعدًا بيروقراطيًا يُرضي الذوق الإداري العام؛ وجوده مثل الفاصلة في الجملة الطويلة، لا تغيّر المعنى لكنها تُريح العين. لكن العجيب من كل ذلك أن هذا الموظف، بعد عشرين عامًا، سيعتمد تلك الصور بوصفها دليلاً على مسيرته المهنية، سيعرضها على أبنائه كأثر من زمن الظهور، وسيُقنع نفسه أن قربه من السلطة كان له مغزى، وأنه في لحظة ما لعلّه ابتسم الابتسامة الصحيحة إلى الكاميرا الصحيحة؛ وكأنَّ الحداثة الشكلانية، وقد استدعته يومًا شاهدًا، قررت أن تُبقيه إلى الأبد في أرشيفها، كبرهان حي على أن المجهول قد يصير جزءًا من المشهد، بمجرد أن يتقن فنّ الجلوس بدون أن يطرح أيّ سؤال.

    حينما تُغيّر الكاميرا لغة الجسد

    بمجرد أن تدخل العدسة القاعة تتحوّل لغة الجسد إلى مسرحية صامتة بامتياز. من كان يصرخ يُهدّئ نبرته فجأة، ومن كان يشرب القهوة كأنه في استراحة مطعم شعبي يُخفي الكأس كأنها دليل إدانة؛ حتى من كان نائمًا نصف نومة إدارية مقدّسة يستيقظ تلقائيًا، ويأخذ هيئة “المفكّر الذي يُدبّر أمر أمة”. الكاميرا تُربّي أكثر من قوانين الوظيفة العمومية، إنها العين التي تحكم، والعدسة التي تُجمّل؛ وهي حين تشتغل تُعيد ترتيب ما يجب أن يُحدث، تُجبر الواقفين على الوقوف بشكل عمودي أكثر؛ تُولد فجأة كيمياء جماعية من التصنّع، يُصبح فيها الجميع أكثر حضورًا مما هم عليه فعلاً، وكأن الانتماء للمشهد يمر من بوابة اللقطة المُتقنة، لا من صميم الفعل أو صدق الانشغال.

    إنها لحظة إعادة تعريف الذات في ثوانٍ: يتحوّل الموظف العادي إلى شخصية اعتبارية، وتتحوّل العبثية اليومية إلى مناسبة تاريخية. كل تفصيل، من ربطات العنق إلى الحواجب المرفوعة، يُعاد إنتاجه بوصفه تمثيلًا للجدية الوطنية. ثم، بعد مغادرة المصوّر تعود الحياة إلى عشوائيتها المُحببة: صوت الهاتف المزعج، وجلسات تذمر. لكن شيئًا ما يبقى معلقًا في الهواء… إحساس غامض بأن الصورة أهم من الواقع.

    والأخطر أن هذه الصور ستغدو بعد حين وثائق إدارية تُعتمد كدليل مشاركة، ستُدرج في التقارير السنوية، وتُعرض على الزوار، وتُطبع في الكُتيبات الرسمية. هكذا تصنع الكاميرا وهْمَ الإنجاز: تجعل من حضور عابر مناسبة دائمة، وتمنح للمسرح الإداري صفة الأثر.

    لكن، ألا يحقّ لنا أن نتساءل: ما عدد العقول التي تعمل فعلًا حين تشتغل الكاميرا؟ وهل يُعتبر “تعديل ربطة العنق” قرارًا إستراتيجيًا؟ من أين يأتي هذا الحماس الفوتوغرافي المفاجئ؟ ولماذا تتحوّل نظرات الحضور إلى تأملات وجودية لا نراها في بقية أيام الأسبوع؟ وهل الابتسامة البروتوكولية تُحسب ضمن ساعات العمل؟ ثم من يجرؤ أصلًا على فرك عينه أو تعديل جوربه في لحظة تاريخية كهذه؟ ألسنا في حضرة العدالة البصرية، حيث كل حركة تُحسب، وكل وقفة تُؤوّل، وكل نظرة قد تترقى في أرشيف الوزارة؟.

    اليدُ المرتَبكَة

    هذه اليد المرتبكة ليست مجرد عضو، إنها مرآة داخلية للفوضى الذهنية. اليد التي لا تجد لها موضعًا هي يد تُعبّر عن ضياع أوسع: في الهوية، في الدور، في التمثيل. وربما لهذا السبب تُصبح الصور الرسمية مضحكة أكثر مما هي ملهمة، فبينما يصرّ العنوان الصحفي على أن “الوفد يمضي بثقة” تهمس اليد المرتبكة بالحقيقة: “نحن لا نعرف حتى أين نضع أطرافنا”.

    المدهش ألاّ أحد يُفكر في تدريب اليدين، مع أن البروتوكول يدرب على كل شيء: طريقة الجلوس، نبرة الخطاب، توقيت الابتسامة. اليد تُترك وحيدة، تخوض معركتها أمام الكاميرا بلا دليل ولا مرشد؛ وحدها تقرر، تخون أو تنجو، تُعبّر أو تُربك. وهكذا، تتحوّل الصورة من لحظة تمثيل رسمي إلى درس مفتوح في الفلسفة الحركية: كيف نبدو واثقين حين نكون خائفين؟ كيف نقنع الناس أننا نمسك زمام الأمور، بينما لا نعرف ما نفعل بأيدينا؟.

    ولأن الصورة تُنشر فإن اليد المرتبكة تُصبح مادة للتأويلات: يكتب أحدهم في تعليق على “فيسبوك” ساخرا: ” شوفو اليد اللي كتقول: خرجوني من هنا!”، بينما يرد آخر بمكر: “اليد ديال واحد ماقاريش المذكرة، وكيتمنا الوزير ما يسولوش!”…وهكذا، تتحول اليد من جزء بيولوجي إلى نص سياسي، ومن ارتباك شخصي إلى دليل عام على هشاشة التمثيل في مؤسسات تُجيد الظهور أكثر مما تُجيد التدبير.

    التّرتيبُ الصّفّي للهَيْبَة

    لا شيء يُترك في الصور البروتوكولية للصّدفة حتى ترتيب الوقوف: الوزير في الوسط، بالطبع، لا لأنه المركز المعرفي أو الأخلاقي، وإنما لأنه “المحور اللُّوجسْتي للعَدسة”؛ إلى يمينه المدير صاحب الصوت الجهوري والحضور الباهت، وإلى يساره مستشارة تُجيد التظاهر بالاهتمام، وتدير رأسها نحو الوزير بزاوية 43 درجة، وهي الزاوية المثالية للظهور بمظهر “الإنصات”. أما البقية فهم ديكور بشري ضروري لتوازن اللقطة.

    المشكلة لا تكمن في الصورة، بل في الطقوس التي تسبقها وتليها. قبل الالتقاط بدقائق تسود حالة استنفار شاملة: يُنفخ الهواء في الصّدور، تُرفع الذّقون برصَانة شبه عسكرية. أحدهم يسأل: “هل أنا على اليمين بما يكفي؟” وآخر يتساءل: “هل يدي اليمنى أعلى من اليسرى؟” إنه هندسة رمزية للهيبة، تُمارس بلا مرآة داخلية. وما إن تومض الفلاشات حتى يدخل الجميع في سبات بصري: شللٌ مؤقت اسمه “الهيبة اللَّحْظية”.

    وبعد الصورة ينتهي كل شيء كما بدأ: يسقط الذقن من عليائه، ترتخي الكتفان، ويعود المدير إلى نبرة النّواح المعتادة. يتنفس الجميع بارتياح وكأنهم خرجوا من جلسة تعذيب فوتوغرافي. الوزير نفسه قد لا يتذكر الحدث أصلًا، لكنه سيطلب نسخة عالية الجودة “مع إطار أنيق”، لتُعلّق لاحقًا في قاعة الاجتماعات.

    ثم يأتي السؤال الأهمّ: ما وظيفة هذه الصور؟ أرشيف؟ تذكارات؟ تمائم إدارية؟ أليست أقرب إلى “بصمات حضور” في سجل الطقوس الوطنية؟ وهل يمكن أن يفتح موظف بسيط تحقيقًا لأنه ظهر في الظل؟ أليس من المفترض أن يكون “اللا-ظهور” شكلًا من أشكال الاحتجاج البصري؟ أم إن الصورة، في نهاية المطاف، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن توازن الزَّيْف؟.

    وزير في الصورة: مَن يبتسم أخيرًا؟

    الوزير، حين يدخل إطارَ الصورة لا يعود إنسانًا، يتحوّل إلى كائن بروتوكوليّ مَهيب، تُصبح قامته أكثر انتصابًا، ونظرته أكثر تركيزًا، وابتسامته نصف دافئة ونصف باردة تمامًا كما يجب أن تكون الدبلوماسية الناجحة؛يقف في المنتصف غالبًا، لأن المنتصف يُشبه السلطة: لا يميل لأحد، لكنه يُراقب الجميع. وبجانبه يقف المدير العام، الذي لا يعلم إن كان يجب أن يضع يديه أمامه، خلفه، أم في جيبه، ثم يتذكر أن الجيب يُعتبر خيانة للوقار الإداري.

    وفي الاجتماعات ينظر الوزير نحو الوثيقة وعيناه على الكاميرا، بينما يتظاهر المدير العامّ بتدوين ملاحظات، لكنه في الحقيقة يرسم دائرة حول كلمة “ميزانية”. بينما يهمس المصور: “من فضلكم… نظرة جدّية… نعم، تمامًا… معالي الوزير، لو سمحتم، الرأس قليلًا إلى اليمين… ممتاز… الآن ابتسموا!”، ثم تُنشر الصورة في الصفحة الرسمية للوزارة، مع تعليق من طراز: “في إطار تعزيز النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، انعقد اجتماع رفيع المستوى لتدارس سبل تفعيل مقاربة تشاركية مستدامة متعددة الأبعاد…”. ولا أحد يعلم ماذا جرى في الاجتماع، ولا إلى أيّ بُعد ذهبت المقاربة، لكن الصورة كانت واضحة: الوزير موجود، والمدير منتبه، والابتسامة مُبرمجة بدقة رُوبُوتية.

    هل رأيت من قبل كيف يُمسك الوزيرُ المقصَّ لقصّ شريط التدشين؟ المقص مطلي بالذهب، الشريط أحمر، والحضور مكوّن من موظفين مدفوعي الأجر لتصفيقٍ محسوب، ثم تُؤخذ الصورة؛ ويُعاد الشريط لاحقًا ليُقصّ من جديد في افتتاحٍ آخر، لأن العبرة ليست في المشروع، وإنما في ” لقطة الافتتاح”. أجل، الصورة البروتوكولية لا تكذب… لكنها أيضًا لا تقول الحقيقة؛

    هي نسخة محسّنة من الواقع، كما يريد الوزير أن يراه، وكما يُحب المدير العامّ أن يُنشر في التقرير السّنوي. وبين الفلاش والفلاش تُمارسُ السلطة هوايتها القديمة: الإيحاء بأنها تُفكّر، دون أن تكون مضطرة لفعل ذلك حقًا.

    المدير الذي عاشَ اللَّحظة أكثر من اللازم

    في كل مؤسسة يوجد مدير يُحب الكاميرا أكثر مما يحب عمله، يرتدي بذلة جديدة كلما شمّ رائحة عدسة، يمشي أمام الوزير وكأنه المترجم الفوري لنواياه، ويُحني رأسه في الصور كأنّه يُلخّص المسافة بين الحلم والتقارير السنوية. هذا المدير لا يرى في الصورة تذكارًا، لكنه يعتبرها بالمقابل “إستراتيجية تواصل”، يرفقها لاحقًا مع طلب الترقية، ويُعلّق نسخة منها فوق مكتبه، ويُرسلها في رسائل “واتساب” لعائلته مع تعليق: “ها أنا مع الكبار… قريبًا أكون واحدًا منهم!”؛ لكنه لا يعلم أن كل “كبير” في الصورة يُفكّر في كيفية التخلّص من “المتسلّقين الودودين”.

    هذا المدير لا يُخطئ في زوايا الوقوف، يعرف تمامًا أين تقف الهالة، وأين تذوب الكاريزما، هو لا يبتسم كثيرًا، بل يمنح الكاميرا تعبيرًا مركبًا: نصف جدية، ربع دهشة، وربع “أنا جاهز للمناصب العليا”. وإذا حدث وابتعد المصور قليلًا تجده يتحرك معه تلقائيًا، كأن بينهما عقدًا غير مكتوب: “صوّرني، إذًا أنا موجود”. إنه النموذج الإداري الجديد: مدير لا يقرأ التقارير، لكنه يُجيد قراءة الضَّوْء.

    وبين الزملاء يتحوّل حضوره في الصورة إلى ظاهرة تفسيرية: أحدهم يهمس “ها هو مرة أخرى في الصف الأمامي”، وآخر يضحك “كم بذلة يمتلك هذا الرجل؟”، بينما الموظف الصامت في الخلف يدوّن سرا: “في المؤسسة، كلما زادت الصور، قلّ العمل”. لكن المدير لا يلتفت، هو مشغول بحساب زاوية الإضاءة الأمثل، وشدّ البطن، وتثبيت الكتفين، كأنه في مهمة دبلوماسية، لا في إدارة عمومية تعاني من نقص الأقلام. والأطرف من كل هذا أن المدير يتوهّم أن الصورة ستصنع له مسارًا، كما تصنع المجلات أبطال الموضة. لكن الكاميرا، على عكس ما يعتقد، لا تمنح الشرعية، هي فقط تمنح فرصةً للناس أن يروا الوَهْم بوضوح أكبر؛ وحتى وإن نجح يومًا في الترقية، فسيظل محاصرًا بالسؤال البصري القاسي: هل حصل على المنصب بالكفاءة، أم بجودة طباعته الفوتوغرافية؟ وهل هو حقًا مع الكبار… أم فقط أقرب إلى العَدَسة؟.

    الدليل المختصر للمسؤول في حضرة الكاميرا

    عزيزي المسؤول، إن كنت مقبلاً على التقاط صورة بروتوكولية، لا تقلقْ، إليكَ هذا الدليل المختصر لتنجو من العدسة دون أن تُصاب بالحقيقة:

    ابتسم نصف ابتسامة، النصف الأول يُعبّر عن الانفتاح، والنصف الثاني عن الصرامة. دع الناس يتساءلون: “هل هو وَدُود… أم يُفكر في إقالة أحد؟”.

    لا تنظر مباشرة في العدسة، انظر قليلاً فوقها، لتوحي بأنك تفكر في المستقبل. المستقبل، في النهاية، لا يُرى بالعين المجرّدة.

    اضبط ربطة العنق لإنها إيماءة السلطة، لا علاقة لها بالملابس.

    لا تقرأ الوثيقة أمامك. انظر إليها كأنها تحتوي أسرار الدولة، بينما هي في الحقيقة قائمة الحُضور.

    اجعلْ يديك مرئيتين، الناس تريد أن ترى اليد التي تدير الأمور… حتى لو لم تكن تُدير شيئًا.

    إن ضحك أحدهم لا تلحق به. الضحك الجماعي في الصورة يُفسد الإخراج، ويجعل الاجتماع يبدو إنسانيًا أكثر مما يجب.

    تذكّر: ليس المهم ماذا قلت، بل كيف بدَوْت وأنت لا تقول شيئًا.

    وفي الأخير، حين تنتهي من الصورة، لا تنسَ أن تسأل المصوّر السؤال الرسمي الوحيد:

    ” بغيتْ غير نعرفْ… خْرجتْ زْوينْ؟”.

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • محمد أبو العلا: المسرح المغربي يعيش حرية التجريب ويتجاوز أوهام الهوية القاتلة (حوار)

    رشيد الكامل

    اقتفى الناقد والباحث المسرحي محمد أبو العلا أثر علامات التقاطع التي يجسدها المسرح بين الأدب والفن، وكيف يخرج النص من عزلته الأدبية إلى الركح، كما أوضح كيف يكون المسرح مرآة للذات والوجود.

    وتطرق أبو العلا، في حوار مع جريدة “العمق المغربي”، إلى ارتباط الفن السابع بالزمن المغربي وكيف استطاع أن يعكس المفارقات التي يخلقها هذا الزمن في أبعاده الاجتماعية والسياسية، وتحويل التوتر إلى لحظة تجل على الخشبة.

    وفيما يلي نص الحوار:

    كيف يمكن للمسرح أن يترجم التجربة الإبداعية، حيث يصبح الأدب (رواية، قصة، شعرا..) لحظة للتفكير العميق والتجديد الداخلي، وينعكس ذلك على السلوك الإنساني؟

    يتصف المسرح بازدواجية الخطاب، فهو من جهة ينتسب إلى قارة الأدب بناء على حاجته إلى شعرية الكلمة، كما ينتمي من جهة ثانية إلى قارة الفن بفعل كتابة مشهدية، وهي ما يفكر فيه المؤلف أثناء عملية التخييل الدرامي، ثم كتابة أخرى مضاعفة من توقيع المخرج، ينقل من خلالها النص الدرامي ذاته من حالة كمون إلى تحقق مادي مسمى، هو ما يعاينه المتلقي أثناء العرض، وما يقتفي أثره من علامات. بناء على هذا التقاطع، يبدو المسرح الجنس الأقرب إلى ترجمة نصوص الإبداع بفعل ما يسمى بالمسرحة، التي تسمح بإخراج هذه الأجناس من عزلتها الأدبية في أفق تجاورها إبداعيا مع أجناس أخرى فنية، موسعا بذلك من دائرة تلقيها من خلال جعل المتلقي لها جمهورا واسعا وليس قارئا مفترضا، وهو ما ينعكس إيجابا على الجنس الأدبي الممسرح ذاته (سرد أو شعر..)، وعلى الجمهور الذي يقبل على النص الأدبي الممسرح بشهية أخرى، مادامت قد أضيفت له توابل من الخارج، خارج دائرة أدبيته.

    كيف يتفاعل المبدع مع لحظات الكتابة التي ترتبط بحالة نفسية وجدانية؟ وكيف يمكن لهذه اللحظات أن تتحول إلى أداة درامية تساهم في تشكيل النص المسرحي؟

    إذا كنت أستاذ رشيد تقصد لحظة الكتابة، فهذه اللحظة تختلف من حيث طقوسها من كاتب إلى آخر. لحظة متصلة بصفاء الحالة النفسية، وإقبال الذات المبدعة على فعل الإبداع دون منغصات خارجية تحول بين الكتابة وبين استرسالها اليومي. إلا أن هذه الضغوطات البرانية قد تتحول في نظري المتواضع إلى حبر لكتابة جوانية، بما تفجره من مشاعر وأفكار، وما توفره للكاتب من مادة خام تنتقل من دائرة الذاتي إلى التداول العمومي، بناء على ما يضفيه عليها الكاتب من إضافات، هي ما يصب في قالب أدبي ما، رواية أو قصة أو شعرا. أما بالنسبة للمسرح، فبحكم أنه جنس أدبي وفني مبني على الصراع، فهو الأقرب إلى تحويل صراع الذات الكاتبة مع محيطها الخارجي إلى مادة درامية. والأعمال المسرحية العظيمة التي أغنت ذاكرة المتلقي، بنيت على هذا التجاذب، أي تحويل مرجع الذات بآلامها وآمالها إلى متخيل.

    في حضرة المسرح، كيف يعيد الجسد المسرحي اكتشاف ذاته عبر الشعور بالفرح أو الألم أو الانتظار؟ وهل يمكن للجسد أن يتحول إلى رمز “مقدس” موسوم بالمثالية في النصوص المسرحية، أم أن هذا الفعل مجرد سوريالية مبتورة عن الواقع؟

    في حضرة المسرح، يُمسرح الجسد أولا، فهو عماد العرض وبيت قصيده. فالممثل، ناطقا أو غير ناطق، هو ما يبحث عنه المتلقي ويقتفي أثره في عرض ما. فمهما بالغت في الديكور أو الإضاءة أو أجدت في كتابة نص درامي باذخ، فبدون الممثل تبوء كل هذه التحضيرات بالفشل. الممثل الموهوب يستطيع وحده، بتقلب أحواله على الركح من فرح إلى ترح، من ألم إلى أمل، من غضب إلى دعة واستكانة، أن يضع الذات البشرية فوق سرير التشريح والتشخيص أمام المتفرج الذي يشاركه هذه الذات. وما تصفيقه تقديرا إلا دليل على تماهيه مع الذات اللاعبة عند عبورها نحو هذه الروح، الروح البشرية بتشخيص مقنع، أو صفيره استهجانا عند عدم قدرتها على هذا العبور بفعل تشخيص كاذب.

    أما بخصوص الجسد المقدس، فيقودنا شطر سؤالك إلى دائرة المسرح في علاقته بأنثروبولوجيا المسرح أو أنثروبولوجيا الفرجة، حيث تقتضي دراسة جسد الممثل باعتباره امتدادا للثقافة الحاضنة له. وهي ما عنى به أنثروبولوجيو المسرح وصفها ببحث موسع للسلوكيات البيولوجية والثقافية للإنسان في حالة عرض. ويشكل المقدس جزءا من هذه الثقافة التي انتقلت في إطار التمسرح من المعابد اليونانية إلى أركاحها، ليتحول القناع بذلك من سياقه الطقسي إلى سياق اللعب. إضافة إلى ارتباط هذا القناع على مستوى الأشكال الفرجوية بالطقوس الزراعية والأسطورية والدينية. ويذكرنا الجسد الإفريقي في هذا الباب، من خلال منسوبه الحركي الزائد أثناء الرقص والاحتفال، بهذا الحضور لقوى ماورائية تتلبسه، أو يشير إلى تماهيه بها من خلال القناع، كما هو حال الهنود الحمر.

    هل يستطيع المسرح (مسرحنا) أن يعكس المفارقات التي يخلقها الزمن المغربي (في أبعاده الاجتماعية والسياسية) في الروح والجسد؟ وكيف يمكن تحويل هذا التوتر إلى لحظة تجل على الخشبة؟

    فعلا، استطاع المسرح المغربي أن يعكس هذه المفارقات من خلال ارتباطه بالزمن المغربي، بتعدد أزمنته ووهج واقعه الذي أفرز ما يسمى بمسرح الهواة، زمن الاحتدام بين السلطة والمجتمع، حيث جاءت عروض السبعينيات محتقنة بشعارات المرحلة. ثم جاءت مرحلة الدعم التي شكلت، في ارتباطها بسياق المصالحة، مرحلة أخرى ترجمها المبدع المسرحي إبداعا لم يعد فيه ما يستدعي شعارات غدت بائدة بفعل متغيرات عديدة. لكن يبقى أهم ما نستخلصه من هذه الأزمنة هو أنه، رغم أن مياها كثيرة سالت تحت الجسر وتغير بفعلها موضوع ومفهوم المسرح، إلا أن لكل زمن إشراقاته مثلما له أعطابه. منها أن المسرح الجديد، الذي وفرت له الدولة الدعم المادي والمعنوي وبنيات راقية لتصريف الفرجة، أنتج سياقا مخمليا استكان فيه المبدع للخمول بدل الاجتهاد، بتكراره لنفس النصوص أو اقتباس أخرى، أو كتابة متسرعة تحت الطلب. وهذا ما يتنافى مع الإبداع في جوهره، الذي لا يرتبط بزمن، ولا يمكن أن يتوهج في سياق تنافس براغماتي نفعي على كعكة الدعم. إذا كانت هذه الأسئلة مرتبطة بهذا المتغير، متغير الدعم، فمرحلة مسرح الهواة لم تكن مقيدة بزمن ما بقدر ما كان مبدعوها مقيدين بزمن الإبداع ذاته، الذي لا زمن له، وهو ما أفرز تجارب رائدة شكلت مرجعا للجيل الحالي. إلا أن ضغط السياسي جعل الإيديولوجي يكاد يكون مهيمنا، مقتطعا مساحات من التخييل والإبداع في تساوق مع نقد إيديولوجي كان مهيمنا أيضا.

    كيف يمكن أن تتجسد التربية والقيم في النص المسرحي كتابة وعرضا، باعتبارها إعلاء للروح وانتماء جديدا للوجود؟

    فعلا أستاذ رشيد، الانتماء للوجود يمر عبر الانتماء للوطن. ومفهوم الوطن هنا مفهوم حمّال لقيم تشكل سقف هذا الانتماء، وعلى رأس هذه القيم قيمة التواصل، في زمن قل فيه التواصل، وفي زمن فرّقتنا فيه الآلة بشتى أنواعها وعلى اختلاف عنفها اليومي. لهذا، فالمسرح كفضاء وفن جمالي جماعي يبدو جامعا للناس ومانحا إياهم دفء وحرارة اللمات التي صارت عزيزة، وبعيدة التحقق بغير المسرح. وإذا كان الكبار يستشعرون هذا الاحتياج لهذا التفاعل المفتقد، فما بالك بأبنائنا وبجيل أمسى يبتعد بفعل علاقات افتراضية عن حرارة العلاقات الأسرية، وعن الحوار اليومي الذي لم تعد حتى وجبات الأكل توفره، بفعل انخراط حثيث في فضاء مفارق ومدمر لكل ما هو واقعي.

    ولهذا، فالمسرح هو الجنس الفني الأنجع لردم هذه الهوة، هوة اللا تواصل واللا حوار، ما دام في جوهره خطاب حوار: حوار تخييلي أفقي بين الممثل والممثل، بين الشخصية والشخصية، وبين الركح والجمهور. أما قيمة الصمت فتتجلى ضمنيا في ما يستدعيه الحوار بين شخصية وأخرى من إنصات إلى أن ينهي الآخر الحوار، ثم إنصات الجمهور إلى أن ينتهي العرض، حيث الانتظار هنا هو في صلبه بياض فني يعلمنا قيمة الصمت كأحد أركان الحوار. وهو ما نفتقده في حياتنا اليومية، حيث لا أحد ينصت لأحد آخر، إضافة إلى ما يحمله الحوار ذاته من قيم، هي ما يبثه الكاتب المربي في نصه المسرحي التربوي من رسائل.

    في ضوء رؤيتكم للإبداع المسرحي باعتباره احتفالا بالحياة ومن خلال تكسير النمطية التقليدية، هل تعتقدون أن المسرح المغربي استطاع أن يتحرر فعلا من قوالب المسرح الغربي، أم أنه لا يزال عالقا بين محاكاة الآخر/ الغريب، والبحث عن هوية مفقودة؟

    المسرح المغربي مسارح، وليس مسرحا واحدا. فقد بدأ هذا المسرح في سياق التأرجح بين الأنا والآخر، مسرحا متماهيا، متشبعا بأصول المسرح الغربي، متمرسا على نماذجه. حيث كان هذا التمرس من الأولويات كما ذهب إلى ذلك الدكتور حسن المنيعي. وقد تم ذلك من خلال الترجمة، أو الاقتباس لغاية تجريب أشكاله الكلاسيكية، ثم الطليعية وغيرها من التجارب الغربية.

    أما مرحلة التأصيل، فهي بمثابة بحث عن قالب آخر نكاية في الغرب، تأصيل فرضه التموقع من خطاب أمة ظلت إلى عهد قريب غازية، مستنزفة لثرواته، وفي الوقت ذاته استعراض لإمكانيات الذات الفرجوية. كما هو الحال مع مسرح الطيب الصديقي التراثي، الذي شكل شبه قطيعة مع القالب المسرحي الغربي، أو المسرح الاحتفالي الذي كان سقف احتفالياته تنظيرا وإبداعا هو القطيعة بشكل تام مع هذا النموذج.

    من هنا، فالتأرجح المذكور إن كان وليد مرحلة حارقة بسؤال المثاقفة الضاغط، فيبدو اليوم أن المسرح المغربي قد تحرر من هذا الضغط، بفعل تجريب بلا سقف، وبلا حدود، سواء كانت حدودا متعلقة بالأنا أو بالآخر، أو حدودا أجناسية. بعد أن تخطى مسرح ما بعد الدراما حدود قارة الدراما، لينفتح على السرد، مثلما انفتح على الهوامش التي كانت مقصية بفعل التمركز.

    كيف يمكن للمسرح المغربي أن يكون حاضنا للهوية الثقافية المحلية في تنوعها وتعددها؟ أي كيف يمكن تدبير هذا الاختلاف الثقافي حتى يعكس واقع الحال دون أن ينفصل عن واقعنا التاريخي؟

    التعدد الثقافي هو جزء من هويتنا المغربية الباذخة، مشكلا عند انتقاله إلى المسرح مصدر غنى تخييلي وفرجوي لا تخوم له. في هذا السياق، أعتقد أن من حسنات الدعم أنه شرع الباب أمام تجارب مسرحية منتسبة لجغرافيات متعددة، منفتحة في أحايين عدة على مخزونها المحلي والجهوي، وذلك في إطار بلورة مشروعها المسرحي المقدم للدعم.

    وقد سنحت لي الفرصة معاينة تجارب من هذا القبيل تمتح من هذا المخزون الفرجوي، لغاية ابتداع مسرح ذي هوية محلية، أو تبيئة تجارب أجنبية من خلال محكي محلي. أتحدث هنا، على سبيل المثال لا الحصر، عن مسرحية “كدور الذهب” لفرقة “أدوار للمسرح الحر” لواد نون، مسرحية راشحة بمخيال حساني موصول بمجال الصحراء، وهو اختيار دراماتورجي فني موفق، اقترح له المخرج عبد اللطيف الصافي صيغة التجاور والتحاور بين نص الحكاية العراقية الأصل، ونصوص المحكي الحساني، واستثمار شعرية القول، لغاية ابتداع تجربة مسرحية بعمق إفريقي.

    في ظل التحولات الفكرية والاجتماعية التي أفرزتها العولمة والثورة الرقمية، كيف يواجه المسرح المغربي مسؤولية نقل الواقع كحقيقة إلى جمهور انغمس في الشبكات الافتراضية أكثر من العالم المادي الفيزيائي؟

    أعتقد أن المسرح قادر على إنزالنا من قارة الوهم التي انغمسنا فيها جميعا، لمعانقة الواقع بدل الافتراض، وذلك لما يتمتع به هذا الفن من قدرة على الجذب. فالمفقود في حرارة التفاعل، الذي غيبته الفردانية والانقطاع عن الواقع كما سبق الذكر، يوفره المسرح باعتباره لقاء جمعيا، ليس فقط لحظة العرض والاستمتاع بجماليات الحوار، بل بما قبل وبما بعد العرض أيضا. أحياز زمنية يستعيد فيها الفرد حوارا آخر أمسى مفقودا بفعل الآلة الجهنمية Machine Infernale التي دخلت حياتنا فحولتنا إلى ذوات مونولوجية.

    كيف يمكن للمسرح أن يصبح محاكاة فكرية للمثاقفة والتداخل الهوياتي الذي يشهده العالم، إلى درجة أصبحنا نتحدث عن هويات صلبة وأخرى سائلة، على أن يكون الإبداع المسرحي والفني عموما آلية نقدية تثير أسئلة فلسفية حول واقع الإنسان ومعنى الحياة في زمن الحروب؟

    المسرح اليوم قادر، في غياب التمركز المفرط، على إرساء حوار بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب. ذلك لأن قدر الفرجة هو العبور والتفاعل، وليس الانحباس في فضاء ما، بفعل تنسيب هذه الفرجة قسرا لجغرافيا مفترضة نتاج هوية قاتلة. وقد خرجت تجارب عديدة، منتسبة لأصقاع مختلفة من المعمور، من هذه الدائرة المغلقة نحو الكونية، بفعل الإبداع، وبفعل التنظير الذي وعى أصحابه من الشمال والجنوب بضرورة تحصين هذا المنحى الإبداعي الفرجوي بنظريات مقوضة للتمركز، بالتناسج. الشيء الذي جعل مدار هذه الفرجات هو كينونة الإنسان، في تعاليها عن سياق محتدم بالحروب والفجائع، كما ذكرت.

    كيف يمثل المسرح الاحتفالي نوعًا من العودة إلى الجذور، بحيث يعكس التنوع الثقافي الشعبي؟ وكيف يُعيد هذا النوع من المسرح بناء الذاكرة الجمعية للمتلقي؟

    غاية المبدع الاحتفالي عبد الكريم برشيد، تنظيرًا وإبداعًا، هي هذه العودة إلى الجذور: أي إلى التراث الفرجوي العربي الشفوي والمكتوب، وإلى الثقافة الشعبية والعالمة، وإلى الطقوس الجماعية للمغاربة، طقوس الأفراح والجنائز، التي شكلت في عمومها ذاكرة ووجدان أمة، قادرة، إن هي استثمرته، أن تؤسس لمسرح آخر مفارق لمسرح الآخر.

    ولعل ما جعل برشيد يرافع عن هذا النموذج الاحتفالي باعتباره مسرحًا مغايرًا للوافد، هو آلية تصريف فرجة مغايرة، متعالية على براجماتية العرض الغربي وتبضيعه (البضاعة في نظره هي التي تُعرض)، بينما المسرح الاحتفالي فهو يُعاش من خلال الاحتفال. ثم إن الاحتفال لا يقتصر على العارض فقط، بل هو انخراط جماعي للمشخص وللمتلقي.

    إذا كان هذا هو ملمح المسرح الاحتفالي وسقف طموحاته بحثًا عن هوية غائبة، فإن هذه التجربة لم تسلم من النقد؛ نقد لا يسمح حيز هذا الحوار بالتطرق إلى تفاصيله، وإلى الردود التي تحولت في فترة ما إلى سجال.

    هل يمكن للمسرح المغربي أن يُعيد تشكيل العلاقة بين الممثل والجمهور في ضوء التحولات الثقافية والاجتماعية والقيمية؟ وهل يمكنه أن يُعيد بذلك بناء الذاكرة الجمعية؟

    أكيد، فقد جرب المسرح المغربي إعادة تشكيل هذه العلاقة من خلال إبدالات متواترة اضطلع بها هذا المسرح على امتداد تاريخه الحديث. منها تأثره في البداية بالنموذج الأرسطي، حيث العلاقة بين الممثل والجمهور هي علاقة توهيم وتخدير، ثم تجارب مسرحية وجدت ضالتها في المسرح البريختي، الذي من بين مرتكزاته الجمالية إقامة مسافة بين الممثل والشخصية، وكسر الجدار الرابع لدرء أي توهيم وجعل المتلقي مشاركًا في العرض المسرحي.

    أما على مستوى بناء الذاكرة الجمعية، فأعتقد أن من بين المداخل الأساسية لذلك، هو مدخل التراث الشفوي والمكتوب باعتباره ذاكرة مشتركة. إلا أن آليات تحيين هذا التراث هي جوهر هذه العملية، بمعنى: هل ستكون هذه الاستعادة بالنقل فقط؟ وهذا له تبعات فنية وثقافية. أو عبر التسفير الناجع لهذه الذاكرة نحو شعرية المسرح؟

    وهذا يمر عبر السؤال التالي: ما هي المردودية المسرحية وراء إعادة منسوب فرجوي موسوم بعفويته داخل سياق مسرحي موسوم بتعالمه؟ وداخل برنامج مخرج توسل في تنفيذه بآليات وإواليات وافدة؟ حيث إن العديد من دراماتورجيينا لا يولون لهذا التحضير أهمية.

    على خلاف هذه التجارب، أشيد دائمًا في هذا الباب بتجربة “بشار الخير” للمبدع محمد الكغاط، الذي وعى بهذه الاستراتيجية، فقدم شخصية السمايري المتحدرة من الفرجة الشعبية خارج الستار، محتفظًا بلباسه وبلغته وبسرده اليومي في الساحات العمومية، ثم السمايري عند التحامه مع شخصية السارد داخل متخيل المخرج، وهو ما توحي به اللغة بانتقالها إلى مستوى أرقى من الشاعرية والتكثيف الدلالي.

    هل يمكن للمسرح المغربي أن يقدم تجربة جديدة تعكس وعيا جديدا في ظل التشظي الأنطولوجي للوجود الفردي والجماعي المحكوم بالعزلة؟

    يتقاسم المسرح الغربي والمغربي مسرحة هذا التشظي الوجودي، فردا وجماعة، من خلال مسرح ما بعد الدراما الذي واكب ويواكب هذه العزلة ويحتفي بها مسرحا، حيث غدت العزلة أحد الموضوعات المركزية في هذا النوع من المسرح.

    الشيء الذي استدعى عند تشكل هذه العروض الانفتاح على السرد، مادام السرد يتوافق فنيا مع هذه الحالة الإنسانية التي أفرزها العصر، بدل الحوار، حيث أضحى المونولوج يتمتع بمساحة أكبر، فهو ما تبقى أمام الممثل للبوح، والتعبير عن الذات/ الذوات المتشظية.

    إلا أنه، على الرغم من سرد العزلة المشترك في مسرحنا وفي مسرح الآخر، فإن سرد العزلة عندنا استدعاه فداحة غياب الآخر، وليس نفيه من حساب الذات، كما هو حال العزلة في مسرح ما بعد الدراما في الغرب، سواء عند صامويل بيكيت أو كولتيس، هذا الأخير الذي يقول إن كل الناس يعيشون العزلة، وإن الإنسانية برمتها تعيش وحيدة تماما، وإن وجود اثنين معا ينتهي في نظره بفاجعة.

    في حين يؤشر غياب الآخر في تجاربنا المغربية على فاجعة. بمعنى أن العزلة عندهم مطلوبة، ألم يقل سارتر: “الآخر هو الجحيم” (L’enfer, c’est les autres)، أما عندنا فـ غياب الآخر/ الآخرون هو الجحيم.

    سؤال أخير، يهم مؤلفك النقدي الأخير “هجنة المتخيل السردي والمسرحي من النقد المحايث إلى تهجين النقد”، ما الأسئلة التي حملها الكتاب في علاقته بما سبق من مؤلفاتك، وفي علاقته أيضا بأسئلة النقد المغربي المسرحي والسردي؟

    يأتي هذا الإصدار، الصادر عن الموجة الثقافية موسم 2024، بعد إصدار سابق موسوم بـ**”المسرح والسرد: نحو شعريات جديدة”** عن دار فالية ببني ملال سنة 2018. المشترك بين الكتابين هو مشروع خيط ناظم بين تمظهرات السرد في المسرح بشكل خاص، وبين التفرغ في الكتاب الأخير لدراسة متون سردية وأخرى مسرحية، شيد متخيلها خارج حدوده الأجناسية.

    لقد نظر هذا الكتاب إلى هذا الانزياح كظاهرة نصية جديدة، بقدر ما أغنت المسرح والسرد بهجنة متبادلة، استدعت في نظرنا قراءة مغايرة، مدار مباحث إجرائية خلصنا من خلالها إلى ما يمكن أن يقدمه نقد مهجن مساوق لهجنة موضوعه.

    بمعنى، هناك حاجة ملحة اليوم إلى التوليف بين الدراماتورجيا والسرديات في سياق تعاطينا مع نصوص من هذا القبيل، إضافة إلى إعادة النظر طبعا في شعرية أرسطو التي لم تعد تستوعب هذا الإبدال الخارج عن دائرة تنظيرها المتجاوز.

    كما ضم الكتاب دراسة للتراث (نوادر الجاحظ ومقامات الهمذاني)، دراسة منضبطة لما سبق، ومنفتحة في الوقت نفسه على البحث عن إبدالات أخرى خارج ضغط الحجاج المهيمن على نقد التراث.

    في الأخير، أشكرك الإعلامي المقتدر رشيد الكامل على دعوتك الكريمة، وعلى عمق الأسئلة التي يحتاج بعضها، في نظري، إلى حيز أكبر للنقاش والتفكير، دون أن ننسى منبر “العمق المغربي” كفضاء للحوار والتطارح الهادف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Leïla Benali, l’ingénieure discrète de la souveraineté énergétique marocaine

    Silencieuse, méthodique et résolument tournée vers l’avenir, Leïla Benali, ministre de la Transition énergétique et du Développement durable, incarne une nouvelle génération de décideurs publics au Maroc. Technocrate venue de l’international, elle dirige l’un des chantiers les plus stratégiques du pays : assurer une transition énergétique durable, équilibrée et souveraine.

    Ingénieure de formation, économiste de l’énergie, diplômée de Sciences Po Paris et passée par les grandes structures mondiales comme Saudi Aramco et APICORP, Leïla Benali n’est pas issue du monde politique partisan. Sa nomination en 2021 traduit une volonté claire d’injecter rigueur scientifique et vision stratégique dans un secteur longtemps prisonnier de la dépendance aux énergies fossiles.

    Sous sa conduite, le Maroc a franchi un seuil symbolique : plus de 44 % de la capacité électrique installée provient désormais des énergies renouvelables. Elle a accéléré les projets liés à…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Renault Boreal : le SUV stratégique pour la conquête des marchés mondiaux

    Renault dévoile le Boreal, un SUV compact conçu spécifiquement pour les marchés hors Europe, avec un lancement prévu fin 2025 au Brésil, suivi d’un déploiement en 2026 dans la région MENA, en Turquie et en Amérique latine. Ce modèle symbolise un virage stratégique pour le constructeur français, qui vise à doubler la valeur générée par […]

    L’article Renault Boreal : le SUV stratégique pour la conquête des marchés mondiaux est apparu en premier sur Media7.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Au-delà de l’accoutumé

    Lhoussain BOUKHARTA
    Allongé sur mon canapé, en cette journée exceptionnellement chaude et ensoleillée, je laissais mon esprit vagabonder. Il était 10h00, un matin pas comme les autres. Dès les premières heures de la nuit, à 00h30 précisément, les camarades de classe de ma fille échangeaient fébrilement les résultats de l’examen régional du baccalauréat marocain (Bac1).
    Toutes les demi-heures, je l’interrogeais : « Y a-t-il des nouvelles, ma petite ? »
    Elle me répondait inlassablement : « Je n’arrive pas à accéder au site officiel MASSAR. »
    Je n’avais d’autre choix, dans cette situation mêlée d’émotion et d’impatience, que de lui faire confiance. Mon esprit s’est alors mis à turbiner, s’ouvrant comme un nuage tentaculaire. Je construisais mentalement un algorithme complexe, à boucles conditionnelles et répétitives, espérant toucher enfin le point de convergence de mes aspirations.
    Rien d’étonnant, finalement. Je suis un père engagé, militant pour le…

    إقرأ الخبر من مصدره