أطلق صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، مستشار خادم الحرمين الشريفين، أمير منطقة مكة المكرمة، رئيس هيئة جائزة الملك فيصل، صباح اليوم الثلاثاء 27 سبتمبر 2022 في جدة، تطبيق “مائة كتاب وكتاب” المشروع الذي تبنته ونفذته كل من “جائزة الملك فيصل”، و “معهد العالم العربي” في باريس.
يقدم مشروع “مائة كتاب وكتاب” لمجموعة من الباحثين والعلماء الفرنسيين والعرب، بواقع 40 شخصية فرنسية، تم تقديمهم للقارئ العربي و60 شخصية عربية تم تقديمهم للقارئ الفرنسي، من الذين أسهموا في تطوير الحوار الحضاري والتفاعل بين الثقافتين العربية والفرنسية.
وقال الأمين العام لجائزة الملك فيصل الدكتور عبدالعزيز السبيل إن “مائة كتاب وكتاب” هو مشروع تنويري يدعو إلى المزيد من التثاقف والحوار، بأسلوب علمي وحضاري، يقود إلى تحقيق التفاهم الإنساني، والسلام العالمي.
وبين الأمين العام لجائزة الملك فيصل أن المشروع يهدف إلى “التعريف بمائة عالم وباحث عربي وفرنسي.. كرسوا “جهودهم، لتعزيز الحوار الجاد، والتفاعل الخلاق، بين ضفتي المتوسط، خلال القرنين الماضيين. وبفضل منجزاتهم الاستثنائية استحقوا الاحتفاء بهم، والكتابة عنهم، للتعريف بهم لدى الأجيال القادمة”.
وأضاف الدكتور عبدالعزيز السبيل أن “هذه الكتب التعريفية بهؤلاء الأعلام ستفتح مزيدا من آفاق البحث حول منجزهم العلمي، وتراثهم المعرفي” مضيفا أن “كثير من هؤلاء العلماء الفرنسيين أخلصوا للبحث العلمي، وأتقنوا اللغة العربية، وعاشوا كثيرا أو قليلا داخل المجتمعات العربية، ليتشربوا الثقافة ويفهموها من الداخل، وقدموها برؤيتهم للثقافة الفرنسية، والغربية بشكل عام”.
وأوضح السبيل أن المشروع بكامله – وفق توجيهات رئيس هيئة جائزة الملك فيصل الأمير خالد الفيصل- “متاح مجانا للقارئ العربي والفرنسي، في موقعي الجائزة والمعهد، وعبر تطبيق خاص به” فيما “سيتم تزويد الجامعات والمؤسسات العلمية بنسخة كاملة من المشروع، كما ستعقد ندوات علمية حوله، أولها ستكون في معرض الرياض الدولي للكتاب الأسبوع القادم، بعنوان “الشغف بسحر العربية: الاستشراق الفرنسي ورحلة الاكتشاف”.
ويمثل المشروع المكون من مائة كتاب في تقديم كل شخصية بكتاب مستقل يتناول حياته وأعماله الفكرية وأبرز رؤاه الفكرية وما صاحب ذلك من آراء الآخرين في أعماله. وبفضل منجزاتهم الاستثنائية استحقوا الاحتفاء بهم، والكتابة عنهم، من أجل تخليد ذكراهم، والتعريف بهم لدى الأجيال القادمة.
Étiquette : اللغة
-
إطلاق تطبيق مشروع 100 كتاب وكتاب لباحثين وعلماء فرنسيين وعرب
-
رسالة مؤثرة إلى « شكيب بنموسى » حول اللغة العربية وعلاقتها باختيار اللغة الأجنبية الأولى (النص الكامل للرسالة)
أخبارنا المغربية:الرباط
وجه الأستاذ « ناصر ابن الفاسي »، النائب الأول لرئيس رابطة التعليم الخاص بالصخيرات تمارة، ومدير مؤسسة تعليمية خصوصية، رسالة مؤثرة إلى « شكيب بنموسى » وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، حول اللغة العربية.
وتطرق نائب الرئيس في رسالته التي تحصل موقع « أخبارنا المغربية » على نسخة منها، إلى أهمية اللغة باعتبارها جزء لا يتجزأ من هوية الوطن.
واعتبر صاحب الرسالة، المغرب من بين أكثر الدول التي حافظت على هويتها وتاريخها، من خلال احترام مرجعيته اللغوية الأمازيغية والعربية.
كما أوضحت الرسالة، أن اللغة العربية من أكثر اللغات تحدثا، ونطقاً ضمن مجموعة اللغات السامية، وأوسعها انتشاراً في العالم.
وقالت الرسالة، إنه، إذا سلمنا بكون اللغة العربية هي جزء من سيادة الدولة، فإن اختيار اللغة الأجنبية الأولى المعتمدة من طرف الدولة، هي أيضا مظهر من مظاهر تلك السيادة، ومدى قدرة الدولة على اختيار حلفائها الاستراتيجيين بمنطق « رابح رابح »، واستنادا إلى قواعد المعاملة بالمثل.
وهذا النص الكامل للرسالة كما توصل الجريدة بنسخة منه:
إلى
السيد معالي وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة
سلام تام بوجود مولانا الإمام
وبعد، مما لا شك فيه أن اللغة جزءا لا يتجزأ من هوية الوطن بكل مكوناته،ومرجعا تاريخيا لكل شعب من الشعوب، ومحددا أساسيا لحضارته ورقيه، ورمزا من رموز سيادته، وصورة لوجود الأمة بدينها وقيمها وعاداتها وأفكارها وتراثها المعرفي، باعتبارها مكونا وجوديايستمد منه الأفراد أصولهم وهويتهم.
وإن كانت اللغة مجرد وسيلة وأداة للتواصل وربط العلاقات، والتعارف، وتبادل الثقافات، فإنه من الصعب فصلها عن دورها الأساسي كضابط للهوية، يشكل حجر الأساس في المجتمع.
ويعتبر المغرب من بين أكثر الدول التي حافظت على هويتها وتاريخها، من خلال احترام مرجعيته اللغوية الأمازيغية والعربية، ذلك أن اللغة العربية من أكثر اللغات تحدثا ونطقاً ضمن مجموعة اللغات السامية، وأوسعها انتشاراً في العالم.
فإذا كانت اللغة ميثاقا مقدسا يشدنا إلى تراثنا وتاريخنا، ويربطنا بواقعنا المؤسس أصلا على التنافس وفرض الذات،ويمهد لنا الطريق إلى مستقبل أفضل، وتؤدي غرضها المنشود فإنه لابد من رعايتها، وفرضها كمظهر من مظاهر السيادة.
من هذا المنطلق، إذا سلمنا بكون اللغة العربية هي جزء من سيادة الدولة، فإن اختيار اللغة الأجنبية الأولى المعتمدة من طرف الدولة هي أيضا مظهر من مظاهر تلك السيادة،ومدى قدرة الدولة على اختيار حلفائها الاستراتيجيين بمنطق « رابح رابح »، واستنادا إلى قواعد المعاملة بالمثل.
ومما لا يخفى عليكم أن المعاملة بالمثل هي قاعدة من قواعد العرف الدولي تقضي بتعهد دولة ما بمعاملة ممثلي دولة أخرى ورعاياها وتجارتهـا بشكل مماثل أو معادل للمعاملة التي تتعهد هذه الأخيرة بتقديمها لها.
ففي هذا الإطار وعلى سبيل المقارنة فإن الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي ومحكمة النقض الفرنسية ذهبا إلى القول بأن اللغة الفرنسية هي لغة الوثائق وجوبا استنادا إلى مقتضيات الأمر الملكي المؤرخ في 10/08/1539 والموقع عليه من طرف الملك فرنسوا الأول والذي نص على أن جميع المستندات القانونية والموثقة يجب أن تحرر باللغة الفرنسية وهذا الموقف تدعم بالتعديل الدستوري المؤرخ في 25-06-1992 الذي أصبح، بمقتضاه، ينص الفصل الثاني من الدستور على ما يلي: “الفرنسية هي لغة الجمهورية ” إضافة إلى أن القانون المتعلق باستعمال اللغة الفرنسية بتاريخ 4/08/1994 الذي نص على أن الفرنسية هي لغة المرافق العامة. (Services Publics) جاء في فصله الأول” اللغة الفرنسية هي لغة التعليم، العمل، المبادلات والمرافق العامة” ويقول المجلس الدستوري الفرنسي في قراره عدد 93-373 بتاريخ 9/04/1996 بأن اللغة الفرنسية يشمل نطاقها »الأشخاص المعنوية للقانون العام وأشخاص القانون الخاص وذلك أثناء ممارسة مهمة تتعلق بمرفق عمومي وكذلك بالنسبة للمرتفقين في علاقاتهم مع الإدارات والمرافق العمومية. »
من هذا المنطلق يظهر أن الدولة الفرنسية تعطي الأولوية للغتها الدستورية سواء في المعاملات بين الأفراد أو غيرهم، باعتبار اللغة مظهر من مظاهر السيادة، خاصة أن الدول الأوروبية في علاقتها بالأجانب المقيمين بأراضيها تستند إلى سياسة الاستيعاب، أو إعمال قواعد مصالحها الفضلى في تطبيق القانون في حالة وجود تنازع بين القوانين، خارج ما جرى به العمل من قواعد الإسناد وضوابطه.
هذا وغير بعيد عن موضوع اللغة ومظاهر سيادة الدولة، فإن كل المؤشرات التي تطفو على سطح العلاقات المغربية الفرنسية تؤكد أن الأزمة بين البلدين دخلت منعطفا خطيرا، ومرشحة لمزيد من التعقيد والتأزيم.
ذلك أنه بالنسبة للمملكة المغربية أصبح وضوح الموقف بشأن مغربية الصحراء بمثابة عقيدة المرحلة، وهو ما يبدو أن الدولة الفرنسية لا تريد أن تنخرط فيه، مفضلة تبني موقف ضبابي لا يتسم بالوضوح الكافي.
هذا، وقد شدّد الخطاب الملكي بمناسبة تخليد الذكرى 69 لثورة الملك والشعب على أن الوضوح بشأن مغربية الصحراء هو” النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.“
استنادا إلى ذلك ونظرا للممارسات غير المقبولة من الدولة الفرنسية، سواء من خلال مقررات بعثاتها بالمغرب التي تمس بالوحدة الترابية، مرورا إلى مواضيع عدة من قبيل التأشيرات، واستقبال بعض الانفصاليين بالبرلمان الفرنسي.
ونظرا للتراجع الذي تعرفه اللغة الفرنسيةعلى مستوى تطوير الكفاءات والبحث العلمي، خاصة مع الثورة العلمية والصناعية التي تعرفها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي تقتضي الانفتاح على المنهج الأنجلوسكسوني ، فإنه قد حان الوقت وأصبح أكثر إلحاحا لتبني اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية أولى، خاصة أنكم تتبنون نفس الطرح، من خلال إعلانكميوم الثلاثاء 6 شتنبر 2022، أنكم تولون أهمية كبيرة لتدريس اللغة الإنجليزية، مؤكدين أن 2000 مؤسسة، يدرس بها قرابة 9 آلاف أستاذ، تدرس اللغة الإنجليزية، واضفتم أنكم في طور التشاور بخصوص توسيع تدريس اللغة الإنجليزية في السلك الإعدادي
ولعل هذا المطلب ولارتباطه الوثيق بسيادة الدولة أكثر من أي شيء، فإن الضرورة تقتضي اعتماد هذه اللغة بشكل عاجل وفقا للمناهج والأرضيات المعتمدة من الدول العربية التي سبقتنا بهذا الشأن، والتي تعتلي مناصب رفيعة على مستوى المنظومة التعليمية.
وتفضلوا بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام./.
إمضاء
ذ. ناصر ابن الفاسي
مدير مؤسس لمدرسة خصوصية بمدينة تمارة
النائب الأول لرئيس رابطة التعليم الخاص بالصخيرات تمارة
-
قراءة مختصرة في رواية الأَفْرُو-أمريكي
هذه الرواية/الملحمة، تتألف، بالإضافة إلى الإهداء، من تسعة فواصل، كما أسماها مُؤَلِّفُها، وهي عبارة عن مَشاهد، لكن، لكل مشهد من هذه المشاهد مَناظِرُ متعدِّدَةٌ، وأحداثٌ متشابكةٌ متكاثفةٌ، تتناسقُ مرةً، وتتباينُ في أخرى، تأتلِف مرة، وتتنافر في أخرى، تتضاربُ مرة، وتتوحد في أخرى، بين مَدٍّ وجَزْرٍ، وتَغُورُ حيناً وتطفو في أخرى… ومعنى هذا، أنَّ الروايَةَ شاملةٌ، جامعةٌ بين أنماط مختلفة من السرديات، تتأرجح بين أدب الرِّحْلَةِ وأدب السيرة، والرواية. وعليه، فعنوان الرواية صادمٌ مُسْتَفِزٌّ، مما يجعل القارئَ في حيرةٍ من أمرِه من هذا الأفرو-أمريكي، الذي أثخن المؤلفُ في التنقيب عن شخصيته.
إنه الأزمُّوري / البِّينْسَكُولاَيِي، أو الدُّكَّالِي / الْفْلُورِيدِي، أو السي مصطفى الأزمُّوري، أو استِبانيكو، أو صُرْدُوكِ دُكَّالَة، أو الرجل الإفريقي، الذي وطِئَتْ قَدَماهُ الحافيتان ترابَ القارَّة الأمريكية، تُرْبَةِ العالَم الجديد، في قرنٍ، {1528م} كانت الرِّحْلَةُ فيه ضرْباً من المغامرة والموت المحقق، والنجاة من أهوال المسالك والممالك ضربا من الخيال. فهو أسطورة حقيقة، أبهرت كثيرا من الباحثين، والمهتمين، والمؤرخين، والأنثروبُّولوجيِّين، فراحوا يتصيَّدون أخبارَه من هنا وهناك، ويزيدون، ويؤلفون، وينسبون، كُلٌّ حسب هواه، وتخيُّلاتِه. ولعل استاذَنا، السي عبد العزيز ايت بنصالح، استطاع، بحنكة الناقد الذكي، والباحث الفاحص والمُمَحِّص، وخبرة الروائي المبدع، أن يضع حدا لبعض هذه التجاوزات العلمية، والفنية، والتاريخية، بالربط بين الميثاقين الأساسَيْن في السيرة والرِّحلة، الميثاق المرجِعي والميثاق النوعي، في تناغم وتناسق، ولياقة، ورشاقة، وأناقة، من حيث الأسلوبُ الساحرُ الجميلُ، والرؤى العميقة. والأستاذ، مشكوراً، على إنصافِه لهذه المدينة الصغيرة، الجميلة، الهادئة من خلال تتبُّعِه للنقَطِ المضيئة في حياة امصطيفى، البطلِ الخارق، والشيطان المارق، كما كان يراه بعضهم، هناك، في أراضي كريستوف كُولُمْبُسْ.
وفي فقرة الإهداء، مَتَحَ الكاتب من بحر الشاعر جرير، في خطابٍ راقٍ، بْلُغَةٍ راقيةٍ عالمةٍ، تجمع بين الحقيقة والانزياح، بين المتخيَّل والواقع، بين بساطة اللغة الواصفة ومَتانَتِها، فكأنها أمواجٌ تتلاطم مرةً في صعود وسموٍّ، وفي أخرى في زَجْرٍ وانخِفاضٍ، تربط جهةً مقصودة، ومدينة مقصودة، وقبيلة مقصودة، وولاية تَوْأَمٌ، ولاية فلوريدا، بالولايات المتحدة الأمريكية، ومدينة أزمور المغربية الأفريقية، والتي بعثت ببرقية بشرية من الشرق إلى الغرب، بين ضفتي المحيط الأطلسي: شخصية إستبانيكو، مصطفى بن حدو الأزموري، الرائد المفقود في خِضَمِّ الزُّنوج والهنود الحمر. وقد طبع لغة الرواية ذلك الحوارُ الداخلي المُتَّزِنُ، حيث البلاغةُ تغمُر أحداث الرواية وعرضها في انزياح أنيق، ينمُّ عن ثقافة المرسِل/الباثِّ، وعن رسالته ومَقَاصِدِهِ النافذة، والخيطِ الناظم بين سائر مكونات النص الروائي.
إلا أن عنونةَ الفواصل، أو المشاهد، حالت دون التسلسل الذهني للمتلقي، وكأن الروايةَ ستبدأ من جديد، (وهذا رأيي الخاص)، إذ أرى أن المؤلف، أو الروائي، أو الراوي، أو السارد، قد حاول إشراكَ المتلقِّي المُحتَمَل، وعن طريق العناوين، إشراكَهُ معه في نشج الرواية وأحداثها، وتِلْكَ تَقَنِيَّةٌ، تتزلَّف للمستقبل، وتسهل له عملية تقسيم الرواية إلى مواقفَ يُمكن أن يستريح بين فواصلها، والأوْلَى، أن يُحِسَّ المتلقي بتعب المتابعة والتسلسل حتى النهاية، فيشعرَ بِما يشعرُ به المتفاني في إدراك المَغْزَى بعد جُهْدٍ جهيدٍ. وهذا قد شوَّش عليَّ الربطَ بين الفواصل، لأنَّ الرواية بَدَتْ متصلةَ الأبعادِ، في غِنىً عن عناوين تقريبية. كما أن عمق الرؤى من خلال مَقَاصِدِهَا المتعددة، حمَّلت الروايةَ أجملَ الأحلام، وسبحت بنا في فضاءاتٍ بين الخيال والواقع.
ففي المشهد الأول، لوحةٌ بَانُورَامِيَّةٌ وعميقة لمدينة تتباهى بتواضعها، حيث تمنح الفرصة لزائرها كي يكتشفَ سِحرَها جمالَها، فيتمتَّعَ به: ماءٌ وخضرةٌ ووجهٌ حسنُ، وزينةُ الملبَس والمأكل ولباقةُ الحديث، والبداهةُ في الخِطاب، فنرى أنَّ البطلَ استشعرَ تَرَبُّصَ البرتغال بالمدينة، في محاولة لاستتباب الأمر لهم فيها، فكانت رؤيتُه ثاقبةً لِمَا يُخَطِّطُ له الغُزاةُ في حَسْرَةٍ وتأثُّرٍ. إلا أننا نجد معطياتِ الحكي متوفرةً بحدةٍ، حيث تترابطُ عناصر المتن الحكائي السردي، وعناصر السرد، فيتعاضد الأسلوب السردي بالأحداث، وبالشخوص، وبطريقة عرض هذه الأحداث، في زخم مُتَتَالٍ، يربط النسق الغني للرواية. فلغة الرواية عالمة أكاديمية، وشعبية في آنٍ، رصينةٌ ومتينةٌ في جل الأحيان، ومبسَّطَةٌ في حالاتٍ تستوجب البساطةَ والسهولة.
فتوظيف الحوارات المتعددة، بين الشخوص المتعددة، يَسَّرَ لنا إدراكَ شخصية البطلِ (الصُّرْدُوكِ)، وانبهار الشخصيات الأخرى المحاورة لها، بما ينبعث من خلالها من تصرفات وأفكار، تنفي عنها صفةَ العُبوديةِ والرِّقِ، تسمو بها إلى مصاف المفكِّر العالِم بخبايا النفس البشرية، خاصة في العصر الوسيط. لِذا، يمكن اعتبار سي مصطفى، بن حدو، شخصية مهيمنة، مسيطرة بآرائها المتنورة، والسابقة لزمانها، وهنا تبرز فنِّيَّةُ الروائي في المزج بين الميثاقيْن الأساسيْن في الحكي. فقد قصد الكاتب إلى توظيف بعض الأحداث التاريخية الحقيقية، في قالَبٍ فنيٍّ راقٍ ورائقٍ، وإسنادِها إلى الأبطال حسب أهميتِها، وحسب تراتبيَّتِها في المتن الحكائي.
وفي حنايا المؤلف أمثلة حوارية بين شخصيات، استدعاها المؤلف، كأداةٍ نافذة إلى أعماق المتلقي، فيتأثر بما يسمع من حوار، بعد قراءته، وبما يُعْرَضُ عليه من الأحداث المتسارعة، والعبارات، والجمل القاصفة. وعلى الرغم من أن طول نفَس الرواية يحتم عليَّ أن لا أجتَزِئَهَا، لأنَّ هذا الاِجتزاء، أو هذا الفعلَ التجزيئِيَّ يُعتبر تعَسُّفاً على النص السردي المتناسق (انظر صفحة الغلاف الأخيرة). وأستسمح على هذا التصرف النقدي لبلوغ الهدف من الرواية، وحتى يستسيغ المتلقي مقصدي من هذا التجزيء.
إنَّ الفاصل الأول/المشهد الأول، وحده، كافٍ للتعبير عن شخصية استِبانيكو، وعن غيرته، وروحه المقاوِمة للمستعمر، سلاحُه الوحيد هو الإيمان، وحب الوطن، وعن الأوضاع التي طبعت مدينة أزمور، في هذه الفترة العصيبة، من خِذْلانٍ، وأنانية بعض المتسلقين المتملقين، في خُبْثٍ، ونوايا ناسفة لكل ما هو جميل. أما في الفاصل الأخير، أو المشهد الأخير، والذي اعتبرته دَفَّةً جديدةً، تلاءمت في تناسق مع المشهد الأول، وكأننا أمام باب ذي مصراعين، نفتح مصراعا فَنُلْفِي فيه ما يسحرنا من قول وفعلٍ وحوارٍ، ثم ما نكاد نُغلقُه حتى ننبهر بمصراع آخر، لا يقل أهمية عن صِنْوِهِ الأوَّل، إلاَّ أنَّ ما أضفى عليه جَمالاً، هو استحضارُ الأُنثى ودورِها في الرواية، بربط الحاضر بالماضي، حياةِ الصُّردوك وعِشْقِه الأُنْثَوِي (والذي تُمَثِّلُه عائشة البحرية: الكُنْدِسَّةُ، التي ما يزال يلهث خلفها، طَمَعاً في الظَّفَرِ بِها…) فيسبَح به خيالُه بين عائشة الهندية، وعائشة الأزمُّورية. إلا أنَّ الأُنثى لا بد أن تبقى أُنثى، يستعصي على عائشةَ إدراكُها بسهولة ويسرٍ. ومن الحب ما قتل.
هذا هو البطل، الطبيب، الساحر، الحكيم، الإنسان…
فها هو يرى حشوداً من الحسناوات يخرجن من سبعة أبوابٍ، لِكُلِّ بابٍ حرفٌ يرمز إلى ذكاء المؤلف في اختيار الاسم المناسب لهذه اللحظات، المؤثِّرَة في حياة البطل، والذي ما يفتأ يسترجع ذكرياته من خلالِها، فيستحضر الأبواب السبعة لمدينة أزمور المغتصَبَة. فالباب الأوَّل رمزُ مِفتاحِه: حرف الدال (1)، والثاني رمز حرفِه الكاف (2)، والثالث رمز حرفِه الأِلِف (3)، والرابع رمز حرفِه اللام (4)، والخامس رمز حرفِه الياء (5)، والسادس رمز حرفِه الألِف (6)، والسابع رمز حرفِه التاء (7)، لتكون الحصيلة مفاجئة:
دكَّــــــــاليــــــات
ولعل لدلالة العدد (سبعة) رمزية في المحكي الشفاهي للمدينة، من أنها غرِقت سبع مرات، ثم انبعثت من جديد، كأنها عنقاءٌ ثارت من رمادها المخيِّم عليها، ثم دلالة سبعة آلاف حسناء يخرجن من كل باب، أو حكاية: (لالَّة بنت منصور، الخارجة من سْبَعْ قْصُورْ، والقَاطْعَةْ سْبَعْ بْحُورْ)، كل هذا يوحي، بأن الكاتبَ قضى فترة من عمره باحثا، مستقصيا أخبارَ وتاريخَ مدينة حسناء جميلة، استفزَّته بطهارتِها، عله يعتر على حقيقتها، وسِرِّ غِوايَتِها. فرواية المفاتيح السبعة للأبواب، والبعة آلاف من الحسناوات النابعات من كل باب، يحاولن ربطَ المَرَاقِ، عموديا وأفقياً، ربط الحاضر بالماضي، ربط الإنسانَ الإفريقيَّ القديمَ بالإنسان الأمريكي الجديد، بين الدكالي الأزمُّوري، والدكاليات اللواتي يخلدن في ذاكرته حتى آخر رَمَقٍ من العمر: إنه حب الوطن، والموطن، ومتعة الانتماء إليه:
زكم منزل يألفه الفتى *** وحنينُه أبدا لأوَّل منزِلِ
ما يُشبه الخلاصة
وعلى كُلٍّ، فرواية الأستاذ الجليل، عبدالعزيز ايت بنصالح، تستحق أن تُسْتَثْمَرَ كشريط سينمائي في مجال المغامرَة والاستكشاف، على نمطِ الأشرِطَة السينمائية الهوليودية، إذ وأنا أتتبع مَاجَرِيَاتِ الأحداثِ، ومغامرات البطل في الرواية، أشعر وكأنني أتابع بشَغَفٍ، وشوقٍ، وتأثُّرٍ شديدٍ أحداثَ شريطٍ سينمائيٍّ راقٍ وناجحٍ، يحمل من التوجس والانتظار ما يجعلُه موفَّقاً في الربط بين الموسيقى التصويرية، من حيث الهدوءُ، والصمتُ، والصَخَبُ، والهَرْجُ، والمَرْجُ، والفوضى، والخوفُ، والبُكاءُ والدُّمُوعُ، والفرَحُ، والعِشْقُ الأبَدِيُّ. والروايةُ، في حَدِّ ذاتِها، وطنٌ بين ساحليْن: حياة مليئةٌ بالمُغامرات، مغامرة الرحالة الأزموري النشأة والأصل، ورحالةُ مستكشفٍ متعدِّدِ الاختصاصات: عالم جامع مانع، يجد القارئ بينهما متعة استكشاف شخصية البطل الوحيد والأوحد: تاريخ أزمور المنسي.*كتِب المقال من لدُن ناقد من أزمور:
د: أحمد صديق: أزمور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وظَّف ذو الوزارتين، صفة صردوك، في كتابه: “نُفَاضَةُ الجِرابِ في عُلالة الاغتِراب” بتحقيق الدكتور أحمد المختار عبادي، حيث سرد لسان الدين بن الخطيب أحداثَ رحلتِه بالمغرب، إبَّانَ فترة نفيِه من الأندلس إلى المغرب في ضيافة السلطان المريني، في ق8هـ.
أما معنى كلمة صردوك، فهي ذات الجدر الثلاثي: صَرَدَ، بمعنى أخطأ. وصرد عن الشيء: انصرف، وصرد (بالتضعيف) قلَّل. فيُقالُ: صرد العَطاءَ، قلَّلَه. والصرد: طائر أكبر من العصفور، ضخم الرأس والمِنقار، يصيد صغار الحشرات. وهو يُتَشَاءَمُ به.
أما في المعجم الوسيط، فقد ورد بالسين أيضاً، وهو من الجذر الثلاثي: سرد: وسرد الجلد، إذا ثقبه وخرزه. والسردوك، هو الديكُ باللسان الدارج. وقد ورد في المعاجم بالصاد والسين، وهو الديك. -
طلحة جبريل: ما يرتاح حتى يكذب كل نهار على الموتى.. ففي المغرب العريض الشاسع رجال تعلموا وعلموا دون ان يختلقوا اشياء عن الاموات

الدكتور طارق الكروان – كود ///
وعدتكم ان اعود للحديث عن استاذنا الجليل طلحة الذي يملأ الفضاء الازرق بحكاياته وبطولاته ودروسه في الصحافة وكل علوم الاعلام حتى تلك التي لم يمارسها ولم يدرسها لانه ببساطة لم يتجاوز في دراسته بالجامعة ثلاث سنوات.
اسفي على وقته الذي ضاع بين الحافلات للوصول الى مدن المغرب القصية بدافع التدريس( الصحافي) ، وأسفي اكبر على العقول الفتية التي يملأ اذهانها بترهات علوم لم توجد بعد، واخرى خبرها وانفق عليها بحثا وتدقيقا لكن النتيجة واحدة لا تتغير ، سواء كان بالحديث عن الصحفي المشاء او صاحب اخر النظريات في الاعلام . كل ذلك يقود في النهاية الى رواية واحدة عنه هو ، مغامراته ،اكتشافاته ،قراءاته المعمقة ولقاءاته مع الكبار من الحسن الثاني الى سياد بري وصولا الى باراك اوباما .
محسوبكم طلحة جبريل ، كما يكتب عن نفسه، رجل دقيق في المعارف يكتب للجمهور المغربي عن اشياء مهمة وجديدة و للمبالغة في الشرح يستعمل كلمة انجليزية مرادفة(English).
هل سمعتم ورأيتم من يشرح لغة بأخرى لمن هم متحدثوها وقراؤها ، اللهم اذا كان الهدف من ذلك هو إعلام القراء انه يتحدث الانجليزية ، وهي لغة حتى الصغار في هذا البلد يتحدثونها دون تبجح او منة.
فهل يلجأ جبريل الى ذلك لتوضيح المعاني ؟ وهل تحتاج اللغة العربية إلى تبيان ام أن ذلك إيغال في استمالة البهرجة ،وخطف انظار الشبان والفتيات من تلامذته في مدن المغرب القصية ، التي يعلمهم فيها ما لا يعلم.
مازالت حيرتي كبيرة ازاء هذا الصحفي الذي جعل من بلدنا موطنا، ورحبنا به ، وفرشنا له مهجنا ، ثم بادلنا الحب بالتجني على موتانا حتى وصفه أحدهم بانه “لا يهنأ حتى يكذب على الموتى كل يوم”.
لا اعرف ما الذي جعله في طريقي حتى أضيع حبرا كان مكانه هو وصفات مرضاي وليس صحفي سوداني غريب اوطان.
ان اعجابي بهذا الصحافي تحول الى هم حين استمعت الى كثير من الروايات التي تنسف كل ما بناه من مجد صحافي بدءا من زعمه حصوله على سبع شهادات دكتوراه، التي حصل عليها خلال مقامه الامريكي ، الذي يضج بتلك الرائحة، وهي شهادات جامعية عليا قد تنضاف الى عجائب الدنيا السبع، اضافة الى ادعائه المعرفة العميقة بعلوم الاعلام وحديثه عن بحوث وما اكثرها لكنه لم يحك لنا قط عن قصة تركه لاقامته الامريكية، وما جرى فيها من مغربات لم يسنح الوقت لشرحها وتسليط الضوء عليها لأن وراء الاكمة ما وراءها
وكما وعدت، ها أناذا عدت، ومن الاكيد انني ساعود اليه لاحقا مادام يملأ عقول ابنائنا التواقين الى عوالم صحافية نقية لا تشوبها شائبة بحكاياته التي لا أساس لها ولا بنيان . فالحق في المعلومة الصحيحة قانون ثابت وحق لا جدال عليه.
اتمنى من الاخ طلحة، بمناسبة الدخول الدراسي الجديد، ان يتحلى بقليل من التواضع والدقة، وان لا يستصغر العقول ويستخف بها لدى الحديث عما لا يعرفه ولا يسبر أغواره. فلو اكتفى بالحديث عن تجربته الصحافية فمن حقه ذلك، ولو تحدث عن اساليب التحرير الصحافي يحق له ايضا ذلك . لكن كفى من التجني واختلاق الروايات.
إن في هذا المغرب العريض الشاسع يوجد رجال تعلموا وعلموا لكنهم لم يكذبوا على احد من الاموات.
-
الطلبة المهندسون يحتجون ضد إدماج زملائهم القادمين من أوكرانيا
النعمان اليعلاوي :
أعلن الطلبة المهندسون بـ26 مدرسة وطنية ومعهد عالي للتكوين الهندسي العمومي، خوضهم إضرابا وطنيا شاملا، طيلة الأسبوع القادم، احتجاجا على إغلاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، باب الحوار بخصوص إدماج الطلبة العائدين من أوكرانيا. وعبرت التنسيقية الوطنية للطلبة المهندسين بالمغرب، في بلاغ أعقب جموع مكاتب وجمعيات الطلبة المهندسين ب26 مؤسسة عمومية، عن استنكارها إغلاق باب الحوار على الرغم من البيانات الصادرة عن مختلف مكاتب وجمعيات الطلبة الرافضة لقرار إدماج الطلبة العائدين من أوكرانيا.
وشددت التنسيقية، على أن قرار الإدماج، استهداف مباشر لمبدأ تكافؤ الفرص والمعايير البيداغوجية المؤطرة للتكوين الهندسي في تجاوز غير مسبوق في تاريخ التكوين الهندسي، كما أكد الطلبة، أن «معركتهم ليست ضد الطلبة العائدين من أوكرانيا»، داعية الوزارة الوصية، إلى إنصافهم دون المساس بمبدأ تكافؤ الفرص، كما أعلنت التنسيقية، تنظيمها وقفات احتجاجية وطنية أمام المؤسسات والجامعات أيام 27 و28 شتنبر الجاري، بالإضافة إلى وقفة احتجاجية وطنية، يوم الخميس 29شتنبر أمام مقر البرلمان.
وخلف قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إدماج الطلبة العائدين من أوكرانيا بالمدارس والمعاهد الوطنية ذات الاستقطاب المحدود، سخطا بين جموع الطلبة المهندسين، لما يشكله من ضرب مباشر لمبدأ تكافؤ الفرص وتعميقا لأزمة الاكتظاظ في ظل غياب مشاريع لتطوير البنيات التحتية لهاته المؤسسات، حيث راسلت تنسيقية الطلبة المهندسين بالمغرب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عبد اللطيف ميراوي، من أجل فتح حوار مباشر ومستعجل، وهو الطلب الذي لم ترد عليه الوزارة.
ومن جهته صرح اليوسفي عبدالقادر، رئيس الجمعية الوطنية لأمهات وآباء طلبة المغرب بأوكرانيا، أن «الكثير من المشاكل واجهت الطلبة العائدين من أوكرانيا بكلية الطب والصيدلة، حيث إن الامتحان كانت مدته ساعة ونصف، بالإضافة إلى أنه يحمل مئة سؤال بالطريقة الكندية QCM، كما اعترضت الطلبة عدة مشاكل من ضمنها أن أغلبية الأسئلة كانت تتخللها المصطلحات الطبية المختصرة، بدون الإشارة إلى المصطلح بأكمله، مما جعلهم يضيعون الأجوبة، علما أن هؤلاء الطلبة كانوا يدرسون باللغة الإنجليزية والأوكرانية والروسية والامتحان كان باللغة الفرنسية».
واعتبر اليوسفي أن هذا الأمر «مسألة تعجيزية لم يؤخذ فيها بعين الاعتبار، مسألة أن اللغة التي كانوا يدرسون بها هي الإنجليزية والأوكرانية والروسية، ما دفع أغلبية الطلبة إلى التوقيع على ورقة الحضور و الخروج من الامتحان»، وقال نفس المتحدث إن اللوائح التي تم الإعلان عنها والتي تحمل 700 طالب غير حقيقية، حيث تواصل معنا العديد من الطلبة الذين قالوا إنهم لم يقوموا بالتسجيل في هذه المباراة، وأنهم لا يريدون الاندماج في الجامعة الخصوصية، إلا أنهم وجدوا أسماءهم في هاته اللوائح، ما يعني أنها غير حقيقة، فلم يتجاوز عدد الذين حضروا الامتحان 58 طالبا.
-
كتاب يتنبأ بوفاة إليزابيث 2 يتصدر أكثر الكتب مبيعا بعد تحقق “نبوءاته”
أوردت صحيفة تايمز (the Times) أن كتاب العرّاف الفرنسي الشهير نوستراداموس تصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا، بما فيها قائمة صنداي تايمز، بعد نبوءته حول وفاة الملكة إليزابيث الثانية.
وقالت الصحيفة البريطانية في تقرير إن وفاة الملكة فاجأت كثيرين، ولكن يبدو أن عالم الفلك نوستراداموس، والذي توفي قبل أكثر من 450 عاما، لم يكن كذلك.
وأضافت أن كتاب “نوستراداموس: النبوءات الكاملة للمستقبل، بقلم ماريو ريدينغ” المنشور عام 2006 والذي يحتوي على “تفسير” كتابات نوستراداموس، تصدر قائمة الكتب ذات الأغلفة الورقية العادية بعد بيع ما يقرب من 8 آلاف نسخة منه الأسبوع المنتهي في 17 سبتمبر الجاري، رغم أنه لم يبع منه سوى 5 نسخ فقط في الأسبوع الذي سبق وفاة الملكة.
ويتكون هذا الكتاب الأكثر شهرة، النبوءات (Les Prophéties) من 942 “كوبليها شعريا- رباعيات شعرية” يُزعم أنها تتنبأ بالأحداث. ويقال إنه كان يمليها على سكرتيرته عندما يكون منتشيا بجوزة الطيب التي تسبب الهلوسة عند تناولها بجرعات كبيرة، وعندما يشاهد رؤى في حوض من المياه .
ووفقا لتفسير ريدينغ لإحدى الرباعيات “ستموت الملكة إليزابيث الثانية، حوالي عام 2022، عن عمر يناهز 96 عاما”. ومن المحتمل أن يكون نجاح الكتاب مدفوعا بالمقتطفات التي انتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي.
وقال أنصار نوستراداموس، أو ميشيل دي نوستريدام المولود في بروفانس عام 1503، إنه تنبأ بحدوث حريق لندن العظيم، و صعود نابليون للحكم، و هبوط أبولو على سطح القمر، وهجمات 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة.
يشار إلى أن ريدينغ، وهو باحث في اللغة الفرنسية بالعصور الوسطى، لم يعش ليرى نجاحه الأخير، إذ توفي عام 2017 عن عمر ناهز 63 عاما.
-
وزارة التعليم العالي تتراجع عن شروط توظيف أساتذة الكليات
النعمان اليعلاوي :
تتجه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، نحو التراجع عن مشروع لمراجعة كيفيات توظيف أساتذة التعليم العالي المساعدين، والذي قالت إنه يستجيب «لمتطلبات تنزيل النموذج الجديد للجامعة المغربية، كما ستمكن هذه المراجعة من إتاحة الفرصة لإعادة تشكيل هيئة التدريس وفرق البحث، خصوصا في ظل سياق يتسم بالإحالة المرتقبة على التقاعد خلال السنوات القليلة القادمة لثلة من خيرة الأساتذة الباحثين». وعلمت «الأخبار» من مصادر مطلعة داخل الوزارة، أن الشبكة التي كانت قد وجهتها الوزارة الوصية، بخصوص شروط توظيف أساتذة التعليم العالي، لم تلق قبولا من طرف رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، كما أثارت موجة استياء واسعة في صفوف الأساتذة الجامعيين والدكاترة، الذين رأوا في الشروط الجديدة المعلنة من لدن الوزارة «إقصاء واضحا لفئات مهمة من الباحثين، وضربا لمبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص»، حسب الأساتذة الغاضبين على المشروع الجديد لوزارة عبد اللطيف ميراوي.
في السياق ذاته، بينت مصادر الجريدة أن رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، إلى جانب الأساتذة، رفضوا تغيير الشروط الواردة في النصوص التنظيمية الجاري بها العمل في توظيف أساتذة التعليم العالي المساعدين، فقد أوجب المشروع الجديد، الذي كشفته مراسلة وجهتها الوزارة إلى رؤساء الجامعات (تتوفر «الأخبار» على نسخة منها)، ضرورة «إيلاء عناية خاصة لبعض المعايير الأساسية المندرجة في عملية الانتقاء، منها التوفر على رصيد علمي مهم، من خلال إصدارات ومقالات منشورة في مجلات علمية محكمة ذات عامل تأثير عال؛ والتمكن الجيد من اللغات (بواقع لغتين على الأقل: لغة التدريس ولغة أجنبية)، من خلال شهادات تثبت ذلك، بالإضافة إلى التأشير على مسار أكاديمي متميز، مشفوع بتجربة بيداغوجية ناجحة تثبت القدرة على مزاولة مهنة التعليم العالي والإلمام بالمقاربات المبتكرة في هذا المجال. وأضافت المصادر ذاتها أن «مكمن رفض السلسلة المعلنة من لدن الوزارة، هو ضربها لمبدأ تكافؤ الفرص، وأن شرط اللغة الثانية وإن سيكون تحصيل حاصل، إلا أنه لا يمكن تطبيقه بالنسبة لأصحاب الدكتوراه القدامى».
وإلى جانب ذلك كانت الوزارة الوصية أوجبت في المترشحين لمباريات أساتذة التعليم العالي «التوفر على الكفايات الذاتية والأفقية التي يستلزمها شغل منصب الأستاذية، والتوفر على رصيد علمي مهم من خلال إصدارات ومقالات منشورة في مجلات علمية، بالإضافة إلى إعداد شبكة للتقييم من طرف لجنة المباراة»، وهي الشبكة التي أوصت الوزارة بأن تكون بمثابة معيار لاختيار الأساتذة الجامعيين الجدد، وتضمنت تلك الشبكة أربعة معايير لاختيار الأساتذة وتهم جانب «الإنتاج العلمي»، و«اللغات والانفتاح الدولي» بالإضافة إلى «المسار الجامعي» و«التجربة البيداغوجية».
-
الأمن يوقف أستاذا بتهمة الاغتصاب بالقصر الكبير
نجحت عناصر الأمن بمدينة القصر الكبير، في توقيف أستاذ يعمل بإحدى المؤسسات التعليمية بالمدينة ذاتها، يشتبه في تورطه في علاقة غير شرعية وإقامة علاقة جنسية وافتضاض بكارة طالبة.
وحسب المعطيات المتوفرة، فالطالبة التي تنحدر من وجدة، تقدمت بشكاية تتهم فيها أستاذ مادة اللغة الفرنسية بالإغتصاب، حيث أفادت بأن الأستاذ الذي كانت تربطه معها علاقة غير شرعية منذ حوالي ستة عمد إلى افتضاض بكارتها داخل شقاه بمدينة القصر الكبير.
ووفق المعطيات نفسها، فإن الأستاذ الموقوف متزوج، وكان يمارس نزواته بالتراضي مع عشيقته بطريقة سطحية قبل أن يعمد إلى اغتصابها، يوم أمس.
وقد تم توقيف المشتبه فيه ووضعه تحت تدبير الحراسة النظرية إلى حين تقديمه إلى العدالة. -
القصر الكبير : إعتقال أستاذ لعلاقته بتهم أخلاقية
الأحداث
ألقت شرطة القصرالكبير القبض على أستاذ ليلة البارحة الخميس 23 شتنبر الجاري بعد شكاية تقدمت بها شابة لتعرضها للإجبار على ممارسة الجنس
وحسب شكاية تقدمت بها الشابة المنحدرة من مدينة وجدة ،ضد أستاذ لمادة اللغة العربية المنحدر من مدينة فاس الذي يشتغل بالقصر الكبير ، تضمنت تعرضها الى الإستدراج والممارسة الجنسية بالإكراه، مما دفع رجال الأمن التحرك وفتح تحقيق في الموضوع، وبعد إشعار النيابة العامة بملابسات الحادث أعطت تعليماتها بتوقيفه ووضعه رهن تدابير الحراسة النظرية وفق الإجراءات القانونية الجاري بها العمل لعرضه عليها.هيئة التحرير23 سبتمبر، 2022
إقرأ الخبر من مصدره
-
سينما المؤلف بين الواقع والإبداع
إعداد وتقديم: سعيد الباز
بدأت السينما أو الفنّ السابع بخطوة صغيرة تتلمس طريقها بين الفنون السابقة عنها، وإذا كان المسرح وكلّ أشكال الفرجة المرتبطة به قد استحوذ على اهتمامها في البداية، فإن التطور التكنولوجي في مجال التصوير والإضاءة وما شهدته الرواية في العالم منذ مطلع القرن العشرين من كشوفات سردية وتنوع أنماط الحكي وأشكال الكتابة وصيغها المختلفة والمبتكرة، جعلها تأخذ مسارا ثابتا نحو خلق خصوصياتها الأسلوبية والجمالية. هنا كان من الحتمي أن ينتقل التأليف السينمائي من مفهوم مخرج السينما إلى مفهوم سينما المؤلف. فإذا كان الأوّل مهمته الأساس نقل نص الحكاية إلى صورة وبالتالي يغلب على عملية الإخراج الطابع التقني المحض، فإنّ الثاني يقوم بإعادة عملية كتابة نص الحكاية وفق رؤيته الخاصة باعتباره مؤلفا وليس منفذا للعمل معتمدا على أدواته التعبيرية الخاصّة التي اصطلح عليها مصطلح اللغة السينمائية وعملية الإخراج في مجملها تمّ اعتبارها كتابة سينمائية.
انطلقت فكرة «سينما المؤلف» من خلال مقال للمخرج والكاتب الفرنسي ألكسندر أستروك في مجلة «الشاشة الفرنسية» سنة 1948 يحمل هذا العنوان المثير «مولد سينما طليعية جديدة.. الكاميرا قلم» الذي سرعان ما تحوّل إلى شعار لمرحلة جديدة في عالم السينما قوامها تحول السينما إلى لغة والكاميرا إلى قلم. هذه الفكرة وجدت حماسا كبيرا من قبل الناقد الفرنسي أندري بازان الذي اعتبر: «الفيلم يجب أن ينسب إلى مخرجه ما دام المخرج يتحكم في مكونات الصورة والصوت، ولا بد للمخرج أن يكون مؤلفا مثله مثل الأديب، سواء اشترك في كتابة السيناريو أم لم يشترك». من هنا تأسس هذا المفهوم الجديد وأصبح تيارا طليعيا في السينما العالمية والنقد السينمائي.
FILE — Swiss-French director Jean-Luc Godard during the award ceremony of the ‘Grand Prix Design’, in Zurich, Switzerland, Nov. 30, 2010. Director Jean-Luc Godard, an icon of French New Wave film who revolutionized popular 1960s cinema, has died, according to French media. He was 91. (Gaetan Bally/Keystone via AP, file)جان لوك غودار.. سينما موت المؤلف
وفاة المخرج السويسري الفرنسي جان لوك غودار Jean-Luc Godard، أخيرا، كانت بمثابة إعلان عن نهاية حقبة هامة في السينما العالمية. غودار، الذي ظل طيلة حياته مهووسا بفكرة الموت من خلال أفلامه ومقالاته النقدية والفكرية، يموت منتحرا في بيته عن عمر 91 سنة مستعينا بالمساعدة القانونية التي يجيزها القانون السويسري لممارسة الموت الرحيم في حالات معينة. وقال مستشاره القانوني: «استعان جان لوك غودار بمساعدة قانونية في سويسرا كي ينهي حياته بشكل طوعي بعد أن عانى من أمراض متعددة شلّت حياته»، وفي حوارات سابقة كان يردد دائما أنه لا يعاني من المرض فقط بل من الانهاك الشديد. إنّ هذه النهاية التراجيدية تمنحنا صورة إشكالية عن شخصية جان لوك غودار الصادمة والجريئة في كل إبداعاته وآرائه النقدية ومسيرته الفنية في مجملها.
أتى جان لوك غودار إلى السينما من بوابة النقد قبل أن يحمل الكاميرا ويؤلف العديد من الأفلام التي كسرت العديد من التقاليد السينمائية الراسخة وجعلت منه أحد الآباء المكرسين لسينما ما بعد الحداثة. بدأت رحلة غودار السينمائية من خلال كتاباته النقدية في مجلة «كراسات سينمائية» التي تأسست سنة 1951 وضمت العديد من الكتاب والنقاد، على رأسهم أندري بازان وفرانسوا تريفو وإيريك رومير وكلود شابرول، وأفضت في النهاية إلى ما أطلق عليها الموجة الجديدة للسينما الفرنسية. الانطلاقة الحقيقية لجان لوك غودار بدأت عقب نجاح زميله فرانسوا في شريطه «400 ضربة» وحصوله على جائزة أحسن مخرج في مهرجان «كان» سنة 1959 لتتوالى أعماله السينمائية التي جعلت منه عراب الموجة الجديدة وأكثرهم إثارة للجدل، خاصة في فيلمه الأول «منقطع الأنفاس» الذي وصفه بكونه تميز بكل ما صنعته السينما… ووضع حدا للأسلوب القديم. لقد كانت نزعته التجريبية واضحة في مجمل أعماله السينمائية خلال مسيرته الفنية، وانطبعت برؤاه الفلسفية والجمالية دون التقيّد بالقواعد والأسس التي انبنت عليها السينما الكلاسيكية. فهو، على حد قول صاحب كتاب «فهم السينما» لوي دي جانيتي، «أكثر المجددين تطرفًا في السينما المعاصرة، وإن مداه الطرازي رفيع واسع بشكل لا يصدق، ويشمل -وغالبًا ضمن نفس الفيلم- أساليب السينما التسجيلية، إضافة إلى أكثر مبالغات السينما الطليعية بذخًا». إنّ تمسّك غودار بحريته في شق الطريق إلى الإبداع والتجديد لم يجلب له الطريق نحو النجاح الجماهيري، رغم تأثيره الواسع على أغلب المخرجين السينمائيين، كما كان لمواقفه السياسية الجريئة دور كبير في عزلته داخل الوسط الفني والسينمائي الذي تبادل معه في ندية متعالية الازدراء والتجاهل. إنّ ما يسجله المتتبع لمسار المخرج جان لوك غودار أنّ كل أعماله تطرح إشكالية التلقي وصعوبته بالنسبة للمشاهد غير المتمرس بالكتابة السينمائية ذات المستويات المتعددة والمفتوحة على مساحات واسعة في القراءة والتأويل. فخصوصية عمله السينمائي والإبداعي الذي يفصل على سبيل المثال بين الصوت والصورة وضرورة فهمهما واستيعابهما باعتبارهما عنصرين مستقلين، فضلا عن تعاقب المشاهد المتسارعة التي تتطلب من المشاهد خلفية سينمائية وفكرية تسهم في قراءة الفيلم من خلال إيحاءاته ودلالاته.


كيفين كوستنر.. الرقص مع الذئاب
كان الفيلم السينمائي «الرقص مع الذئاب» علامة فارقة في السينما الأمريكية، ليس فقط بسبب العدد الهائل من الجوائز التي حازها والنجاح الجماهيري المنقطع النظير، ولكن بسبب كونه أوّل عمل سينمائيّ للأمريكي كيفين كوستنرKevin Costner الذي لم يكتف بإنتاجه وإخراجه والقيام بدور البطولة، بل إنّ فكرة العمل في مجملها كانت قد بدأت على شكل سيناريو كتبه صديقه مايكل بلاك فنصحه كوستنر بتحويله إلى رواية تحمل العنوان نفسه قبل إنتاجها سينمائيا. كان هذا الفيلم قد أثار عدة أفكار جريئة، من بينها ضرورة إعادة قراءة التاريخ الأمريكي خارج المنظور الرسميّ الذي تبنته أمريكا لنفسها وقدمته في الكثير من أعمالها الأدبية والسينمائية، إضافة إلى أنّ الكتابة السينمائية التي اعتمدها كيفين كوستنر في إخراجه للعمل تميزت بروح شاعرية بالغة الصفاء مزجت بين العديد من العناصر الجمالية المستمدة من الطبيعة والقدرات التعبيرية التشخيصية في المشاهد الأساسية لهذا الفيلم السينمائيّ المميّز.
تنطلق أحداث فيلم «الرقص مع الذئاب» خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حيث سيتم إرسال الضابط الأمريكي (جون دنبار) إلى حصن بعيد في الغرب الأمريكي المجاور لقبائل الهنود الحمر، وفي عزلة تامة عن العالم تبدأ علاقة غريبة بينه وذئب يجاوره في المكان يقدم له الطعام ويرقصان معا حول نار المعسكر. تبدأ أيضا علاقة أخرى بجيرانه من الهنود الحمر فيتعلم لغتهم ويشرع في الاستئناس بقيمهم الاجتماعية ومدى احترامهم للطبيعة والأخلاق الإنسانية الرفيعة، وشيئا فشيئا سيتبنى تقاليدهم في اللباس والمعاشرة. لكن قدوم الجيش الأمريكي إلى المنطقة سيجعله في منظوره خائنا ما يستدعي محاكمته… بعد أن يتم تحريره من قبل قبيلة الهنود الحمر التي أصبحت تلقبه بالراقص مع الذئاب سيخاطبه زعيم القبيلة بقوله: «إن الشخص الذي يبحث عنه الجيش الأمريكي لا وجود له أنت الآن فرد من قبيلتنا واسمك (الراقص مع الذئاب)».
إنّ رمزية مشهد رقصة (جون دنبار) مع الذئب إحالة مباشرة إلى العلاقة الحميمة التي نسجها بطل الفيلم مع الهنود الحمر الذين عادة ما وسمتهم الثقافة الأمريكية بالتوحش واللاإنسانية. وفاز الشريط بسبع جوائز «أوسكار» وجائزة «جولدن جلوب» لأفضل فيلم درامي في الولايات المتحدة كما اختارته مكتبة الكونغرس الأمريكي ليكون ضمن مركز الأرشيف الوطني كأبرز عمل درامي من الناحية التاريخية والثقافية والجمالية.
إنّ نجاح كيفن كوستنر في هذا العمل الملحمي مرده إلى موهبته في الكتابة والأداء والإخراج، وربما كان لأصوله المختلطة، الألمانية والإيرلندية إضافة إلى الهنود الحمر وتحديدا قبيلة «الشوروكي»، دور كبير في ذلك.
يطرح شريط «الرقص مع الذئاب» إشكاليات عدة مرتبطة بالعلاقة بين الحضارات، ويندرج كذلك في إطار إعادة قراءة التاريخ الأمريكي، وإضافة إلى ذلك تميز عن غيره من الأفلام السينمائية الأمريكية ليس فقط على مستوى مضامينه وأبعاده الدلالية فحسب، ولكن على مستوى لغته السينمائية التى تمزج بين العنف الصارخ ومسحة رومانسية شفافة. كما أنّ كيفن كوستنر أبان عن احترافية عالية في توظيف أدوات الخطاب السينمائي التي تمزج بشكل عفوي اللغة والحركة والصوت واللون في التحام وانسجام بديعين.

أليخاندرو خودوروفسكي.. أن تكون شاعرا في الشيلي
يجمع الكثير من النقاد والمتابعين على أنّ أليخاندرو خودوروفسكي Alejandro Jodorowsky أكثر المبدعين إثارة للجدل في المجال الفني والأدبي، ليس فقط لتنوع اهتماماته وانشغالاته، فهو شاعر وممثل، وكاتب ومسرحي، ومخرج سينمائي ومحلل نفسي، ورسام للرسوم المتحركة، ولكن في طبيعة أعماله الجريئة والصادمة أحيانا. يقرّ الجميع بسعة خياله ووفائه للإرث السوريالي. أليخاندرو خودوروفسكي فرنسي الجنسية ولد في الشيلي من والدين أوكرانيين. بدأ حياته الفنية كاتبا وممثلا في المسرح الصامت (الميم أو البانتوميم) مع عبقري هذا الفنّ مارسيل مارسو. ارتبط بالحركة السوريالية لكنّه سرعان ما انفصل عنها متهمّا إياها بالجمود والمهادنة، فأنشأ رفقة فرناندو أرابال ورولون توبور حركة «هلع Panique» وكتب وأخرج عديدا من الأعمال المسرحية الطليعية وذات منحى تجريبي. انتقل إلى السينما وبالروح السوريالية نفسها أخرج وشخص أدوارا في أفلامه، مثل «ربطة عنق» و«سارق قوس قزح» و«شعر لا نهائي» و«الجبل المقدس» و«رقصة الواقع». الجدير بالذكر أنّ أليخاندرو خودوروفسكي أخرج جلّ أعماله السينمائية خارج مؤسسات الإنتاج السائدة، فهو كان يرفض النموذج الهوليودي، واستعان في الكثير من الأحيان بمساعدة الأصدقاء والفنانين والتقنيين واضطر إلى فتح باب الاستكتاب وجمع التبرعات من الجمهور والمعجبين بأعماله.
أليخاندرو خودوروفسكي هو الآخر نموذج للشاعر والكاتب الذي انتقل بكلّ أريحية من عالم الورق والكتاب إلى عالم الكاميرا والشاشة الكبيرة. يقول عن تجربته الإبداعية الفريدة: «في الشيلي، في الأربعينيات، كنت في الرابعة والعشرين من العمر. كانت فترة رائعة. الحرب مندلعة في كل مكان على هذا الكوكب باستثناء الشيلي. كأنها جزيرة وحيدة ونائية. ربما لأنها تقع بين الجبال والمحيط. لا حرب في الشيلي لأننا بعيدون ومنفصلون عن العالم: لا تلفزيون، فقط جبال ومحيط وسلام وراديو. والنبيذ كان أرخص من الحليب. لذلك كان الجميع يسكر في الشيلي. ولا أعرف لماذا الشيلي كلها كانت تعجب بالشعر. كانت الحياة مسالمة وآمنة. كانت جميلة. بعدئذ حدثت المعجزة: الشعر جاء إلى البلاد. شعراء عظام بدؤوا في كتابة قصائد رائعة ومدهشة. اثنان منهم حازا على جائزة نوبل: بابلو نيرودا وغابرييلا ميسترال، أبونا وأمنا. آنذاك كل شيء صار شعراُ. عشنا مراهقتنا في هذا الوضع: شعر في كل مكان. شعراء كثيرون في الشيلي. المعجزة الغريبة: حضور الشعر. السكارى شكّلوا جوقات تردّد أشعار نيرودا. الشعر صار موضع احترام وتقدير. أن تكون شاعراً في الشيلي فتلك هي مهنتك. لا تحتاج أن تفعل شيئاً آخر، لا تحتاج أن تمتهن وظيفة أخرى. أنت شاعر. لقد كانت حياة فيها اكتشفنا الحرية.
في مراهقتي، كان مهماً عندي أن أكتشف نفسي. تحرّرت من عائلتي، واكتشفت الكثير من الأمور. عندما تكون في العشرين، كل التجارب تغدو مهمة. وأدركت حينذاك أنني أرغب في أن أكون شاعراً…
أنا فنان. بالنسبة لي، الفيلم أشبه بقصيدة. حين تخلق فناً، فإن هذا لا يأتي من موضع فكري، بل يأتي من الجزء الأعمق من لا وعيك، من روحك. وتكون في حالة شبيهة بالمسّ، حيث تعمل أي شيء للحصول على البصري. تصبح شخصاً آخر. تصبح فناناً في حركة. وعندئذ تأتي الكثير من المعجزات. الكثير من الاكتشاف. إنه شيء معقّد جداً».

شادي عبد السلام.. الإنسان الواقع والإنسان التاريخ
ما زال فيلم «المومياء» للمخرج السينمائي المصري شادي عبد السلام (1930-1986) يعتبر أفضل فيلم مصري وعربي بشهادة كبار المخرجين في العالم. شادي عبد السلام، الذي أتى إلى السينما من الهندسة المعمارية واشتهر في البداية مهندسا للديكور، ورغم دراسته فنون المسرح في لندن، لم يكن لديه ما يؤهله تماما لولوج عالم السينما سوى حبه للشاشة الكبيرة. بدأ تقنيا بسيطا مع المخرج صلاح أبو سيف وارتقى شيئا فشيئا إلى مساعد في الإخراج في العديد من الأفلام المصرية، كما عمل مصمما للديكور في أفلام أجنبية. في سنة 1969 أقدم على إخراج باكورة أعماله فيلم المومياء الذي استوحاه من أحداث حقيقية وقعت في إحدى مناطق الآثار الفرعونية في مصر نهاية القرن 19 تستوطنها قبيلة تعيش على نهب مقابر الفراعنة وتتاجر بها. بطل الفيلم يقع في صراع بين البوح بسر القبيلة إلى رئيس بعثة الآثار فيتم بذلك اكتشاف مقبرة المومياوات فيعتبر حينها خائنا للقبيلة وجب القصاص منه أو يحمي آثار بلده وتاريخها المجيد. أنجز شادي عبد السلام أيضا فيلمه القصير «شكاوي الفلاح الفصيح» الذي استمد فكرته من بردية فرعونية قديمة ولم يتمكن من إخراج فيلمه «أخناتون» رغم الصدى العالمي لفيلم المومياء وشهادة كبار المخرجين في العالم بمستواه الفني العالي القيمة، حيث كل لقطة سينمائية عبارة عن لوحة تشكيلية متكاملة العناصر.
لم يهتم شادي عبد السلام بالسينما الواقعية، فأفلامه تاريخية وباللغة الفصحى، ما جعلها لا تنال نجاحا جماهيريا. لقد ظل هاجس التاريخ يلح على شادي عبد السلام، ففي مطلع فيلم المومياء يطلق شعاره «يا من تمضي سوف تبعث» كما كان يقول في حواراته: «إنّ الناس الذين نراهم في الشوارع والبيوت… هؤلاء الناس لهم تاريخ فقد ساهموا يوما في تشكيل وصناعة الحياة البشرية كلّها، كيف نعيدهم ليقوموا بنفس الدور؟ لابدّ أوّلا أن يعرفوا من هم، لابدّ أن نصل بين الإنسان الواقع والإنسان التاريخ».

أورسون ويلز.. الكاميرا عينٌ في رأس شاعر
يجمع الكثير من السينمائيين على أنّ المخرج الأمريكي أورسون ويلز (1915-1985) Orson Welles فلتة في عالم السينما، حتى أن المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي الشهير، جورج سادول، قال عنه «لو لم يوجد أورسون ويلز لنقص شيء ما في السينما». لم يتلق أورسون ويلز أيّ تكوين سينمائي وبدأ حياته، وهو في مطلع العقد الثاني من عمره، في عالم الصحافة والإخراج المسرحي في الإذاعة، حيث قدّم عدة أعمال كانت متميزة بالابتكارات الفنية. انتقل إلى السينما محمّلا بتجاربه السابقة ليقوم بإخراج فيلمه الأوّل بميزانية متواضعة جدا وليحدث ثورة شاملة في عالم الإخراج السينمائي بكتابة السيناريو والإخراج والقيام بدور البطولة.
فيلم «المواطن كين» ما زال يعد أفضل الأفلام السينمائية، استعمل فيه أورسون ويلز طريقته المبتكرة في سرد الأحداث شبيهة بالتحقيق الصحفي بإسناد وظيفة السرد لعدة شخصيات إضافة إلى السارد الأساسي، كما وظف أسلوب «الفلاش باك» واستخدم الإضاءة بشكل تعبيري في خدمة النسيج العام للمشهد، وعلى مستوى التصوير ابتكر لأوّل مرة إخراج المشهد السينمائي بطريقة عمق المجال حيث تتحرك الكاميرا في اتّجاهات متعددة وفق دلالة المشهد.
يمكن القول إنّ فيلم «المواطن كين» كان البداية الحقيقية لما يعرف الآن بمفهوم الكتابة السينمائية، ومن التجارب المهمة التي قاربت التوجه نحو سينما المؤلف بكل خصائصها الفنية والجمالية. يؤكد ويلز ذلك في قوله في مقالة شهيرة: «لا أستطيع أن أهضم كل المبادئ «المقدسة» التي تمتلئ بها تلك المقالات التي يكتبها من يحاولون معالجة مشاكل السينما جديا. إنهم جميعا، فيما يبدو، ينطلقون من الإيمان التقليدي بأن الفيلم الصامت هو بالضرورة خير من الفيلم الناطق… أعني أنهم يلفتون النظر دائما وبشكل مفرط إلى قيمة الصورة… أي أنهم يحكمون على الأفلام، في المحل الأول، من ناحية تأثيرها البصري بدلا من أن ينقبوا عن المضمون… وتلك خدمة سيئة جدا للسينما. كأنهم يحكمون على الرواية من ناحية قيمة نثرها فقط. لقد فعلت الغلطة نفسها حينما بدأت أكتب عن السينما… تجربتي كمخرج أفلام هي التي جعلتني أغيّر رأيي.
الآن أعتقد أن الكاتب وحده هو الذي يستطيع أن يساعد في إخراج السينما من ذلك الطريق المسدود الذي يقودها إليه أولئك الذين ليسوا أكثر من فنيين تقنيين أو متخصصين… ولذلك أعتقد أن الأهمية المعطاة للمخرج مبالغ فيها… بينما الكاتب ليس له حتى مكان الشرف الذي هو جدير به. وفي رأيي أنّ أناسا، مثل «مارسيل بانيول» أو «جاك بريفير»، لهم أهمية أكبر بكثير من أي واحد آخر في السينما الفرنسية. إني أرى أن المؤلف يجب أن يكون له أول وآخر كلمة في إخراج الأفلام. والبديل الوحيد والأحسن هو المؤلف/ المخرج، مع التشديد على الشق الأول.
… لا يكون الفيلم جيدا حقا إلّا حينما تكون الكاميرا عينا في رأس شاعر.
وطبعا، كل الموزعين من رأيهم أن الشعراء لا تباع من ورائهم تذاكر… هؤلاء التجار لا يعرفون ممن نأخذ لغة السينما نفسها لو لم يكن هناك شعراء لكانت لغة السينما قد أصبحت محددة في مفرداتها فلا تروق حقا للجمهور… ولو لم تكن السينما قد صاغها الشعر لكانت قد بقيت مجرد أعجوبة ميكانيكية تعرض في المناسبات مثل حوت محشو بالتبن!».

ألان روب غرييه.. من الرواية إلى السينما
ألان روب غرييه، الروائي الفرنسي (1922-2008) Alain Robbe-Grillet، من أهم رواد تيار الرواية الجديدة رفقة نتالي ساروت وميشال بوتور وكلود سيمون. هذه الحركة، التي ثارت على الرواية الأوروبية في قالبها الكلاسيكي وجرّدتها من سطوة خطية الحبكة وبناء الشخصيات وفق إطار نفسي واجتماعي محدّد وبنية زمنية تحاكي الواقع وضرورة التوازن المتناسب بين السرد والوصف إلى رحابة تجريب أشكال أخرى تغوص في متاهي السرد وتبني عوالمها دون التقيّد بالأشكال الجاهزة في الرواية. اتسمت تجربة ألان روب غرييه بحيوية نادرة وشخصية صدامية جعلت منه كاتبا إشكاليا، من أهم أعماله: «الغيرة»، «المماحي» و«في المتاهة». زاوج ألان روب غرييه بين الكتابة الروائية والنقدية والإخراج السينمائي حيث جعل من الكاميرا، مثل كتابته الروائية، الأداة والبؤرة التي تشع منها عوالم الحكي والسرد، وبمعنى آخر كتب الرواية بالصورة وفي السينما جعل الصورة تكتب، ومن أفلامه: «السنة الماضية في مارينباد» الذي نال جائزة «الأسد الذهبي» لمهرجان البندقية عام (1961) «الخالدة» (1962) «قطار أوربا السريع» (1966) «الرجل الذي يكذب» (1967) «عدن وبعد» (1970) «التغلغل التدريجي للرغبة» (1974) «اللعب بالنار» (1975) «الأسيرة الجميلة» (1983). يقول عن تجربته في الكتابة والسينما: «لم أولد كاتباً. المخرج والكاتب يلغي أحدهما الآخر، وفق النشاط الذي تجري ممارسته. وربّما استطعت القول: إنّ السينمائي لا علاقة له بالكاتب فأنا عندما أمارس الإخراج أنسى أنني روائي. وفي الأثناء لا ينتابني الشعور بسرقة وقت الروائي لأنني سينمائي. ولو وجدتْ السينما في زمن فلوبير لتمكن من إخراج أفلام في أوقات تتخلل كتابة رواياته الخمس أو الست. وينبغي القول بأن غوستاف فلوبير هو والدي الروحي. ولقد وُجِّهت إليه، في عصره، المآخذ ذاتها التي توجّه إلي. ولا أخفي اعتزازي بكون المقالات التي وجهت إليّ سنة 1957، هي المقالات نفسها التي وجهت إليه سنة 1857. يمكن التمهل في كتابة الرواية، بعكس السينما التي تتطلب سرعة الإنجاز لأنها تتضمن وقت الآخرين أيضاً. وقد يكون من غير المعقول، أو من المستحيل، إمضاء خمسة عشر عاماً في إنجاز فيلم. وحتى لو تعلق الأمر برائعة سينمائية، فإن أحداً لن ينتبه إلى ذلك». وأخيرا يعرف السينما كالتالي: «السينما التي أحلم بها هي لغة، لغة موسيقية، شعرية، تشكيلية. وقد يكون شريطي المثالي عملاً يقول، من خلال شكله، شيئاً آخر غير ما يرويه». فعلى المستوى الأدبي أسند ألان روب غرييه إلى الصورة وظيفة التكلم والإفصاح عن المشاعر والأحاسيس ومن كلمته جعل جسرا للعبور إلى الصورة، ففضلا عن كون الصورة لغة عالمية فقد كان على المستوى السينمائي مدركا الفواصل المميزة بينهما وخصوصية كل واحدة منهما، إذ الصورة ترتكز على التفاعل على مستوى الحواس عموما، فيما الكلمة تفتح أبواب الفكر بشكل خاص. وفي هذا الصدد يعبر بشكل واضح عن الفرق بين العمل الأدبي والعمل السينمائي: «أرى أن الفيلم عمل جماعي، في حين أن الرواية عمل منفرد. وهكذا أترك للمعاونين والممثلين أكبر وظيفة إبداعية ممكنة، انطلاقاً من اهتمامهم الصادق بها أفعل. وفي هذا المجال قد ألجأ إلى استشارة الممثلين والتقنيين حول بعض النقاط. فأنا حريص على التعاون الفعلي». في الخلاصة يمكن القول إنّ ألان روب غرييه من أبرز مخرجي سينما المؤلف وأكثرهم ارتباطا بعالم الكتابة الأدبية والإخراج السينمائي، استطاع أن يمزج بينهما في تناغم وانسجام كبيرين.

أحمد البوعناني.. العابر من السينما إلى الأدب
أحمد البوعناني (1930-2011)، شاعر وروائي، ورسام وسينمائي مغربي، ساهم، إلى جانب عبد اللطيف اللعبي وعبد الكبير الخطيبي وغيرهما، في تأسيس مجلّة «أنفاس» الذائعة الصيت سنة 1966. صدرت له مجموعتان شعريتان بالفرنسية «مغالق الشبابيك» و«فوطوكرام» ورواية واحدة «المستشفى» سنة 1990 ترجمها إلى اللغة العربية محمد الخضيري، وظلت روايته الأخير ة «سارق الذاكرة» غير منشورة حتّى الآن شأنها شأن كتابه «السينما المغربية وتحولاتها من الاستعمار حتّى الثمانينات» الذي يؤرخ لهذه الفترة ويضع لها أرشيفا كاملا.
أطلق عليه اسم الفنان المتعدّد المواهب والسينمائي الشامل في جلّ أعماله التي انطبعت بمسحة شعرية واضحة وغنى في التفكير وعمق في الرؤية. كان لعزلته وتواريه عن الأنظار الدور الكبير في عدم تعرّف الجمهور الواسع على أهمّية إنجازاته الأدبية والسينمائية، حيث لم تكن هناك حدود في تجربته بين الأدب والسينما. في المجال السينمائي، وهو المتخرج من معهد الدراسات العليا السينمائية بباريس سنة 1963 تخصص توضيب وسكريبت، انطلقت تجربة أحمد البوعناني بشريطه القصير «طرفاية أو مسيرة شاعر» سنة 1966 لينتقل بعد ذلك صحبة المخرجين محمد عبد الرحمن التازي وعبد المجيد ارشيش إلى إنجاز شريط قصير آخر«6،12» عن مدينة الدار البيضاء. فمن خلال الطريقة الخاصّة في المونتاج وعبر توظيف الصورة لوحدها، استطاع أحمد البوعناني كشف حجم التناقضات الصارخة في تلك الحقبة من الزمن بين مظاهر الحداثة والتقليد من جهة ومظاهر الهجرة القروية المكثفة من جهة أخرى. الفيلم الوثائقي «الذاكرة 14» سنة 1970 المأخوذ من مشاهد من أشرطة استعمارية فرنسية قديمة، وعلى طريقة المخرج الروسي الشهير سيرغي إيزانشتاين في المونتاج الذهني، حاول فيه أحمد البوعناني تجاوز الصورة النمطية التي تقدمها السينما الاستعمارية عن المغرب في ثنائية التقليدي المتخلف والعصري المتقدم إلى المغرب الفخور بهويته الذي يسعى إلى أن يتحرر من سلطة الاحتلال الفرنسي. لقد أراد أحمد البوعناني أن يكتب على مستوى السينما تاريخ الحقبة الاستعمارية على غرار ما قام به السينمائيون في الجزائر وتونس، لكنّ الإمكانيات كانت تعوزه فلجأ إلى هذه الوسيلة المبتكرة بالاستعانة بالأفلام الاستعمارية الفرنسية ذات الطابع الدعائي ليخلق من خلال المونتاج إعادة تشكيل لها من جديد أي تحويلها إلى سينما مضادة تفضح واقع الاستعمار والجانب الآخر لهذه المرحلة التاريخية. فيلم «ذاكرة 14»، رغم طابعه الوثائقي والموجّه إلى جمهور ذي ثقافة سينمائية متمرسة، كان دافعا للمخرجين المغاربة بضرورة الاشتغال على التاريخ باعتباره موضوعا يشكل أكبر التحديات في الفن السينمائي.
في سنة 1979 سيخرج تحفته السينمائية بالأبيض والأسود «السراب»، حيث تعود أحداث الشريط إلى سنوات الاستعمار، ومن خلال أداء الممثل محمد حبشي وتوظيف المخرج لتقنيات المونتاج والإضاءة وتأطير المشاهد وزوايا التصوير والتركيز على جمالية الصورة، جعله من أهمّ الأفلام المؤسسة للسينما المغربية. ساهم أحمد البوعناني، بالإضافة إلى ذلك، في الكثير من الأفلام، مثل «وشمة» لحميد بناني و«ليام أليام» لمحمد المعنوني… فكان طيلة هذا المسار شاعرا وروائيا يمثل نموذجا للمبدع العابر من الأدب إلى السينما، يتبنى سينما مختلفة تبرز فيها شخصية المؤلف أكثر منها مخرجا سينمائيا.

أكيرا كوروساوا.. رسّام برداء سينمائيّ
المخرج الياباني أكيرا كوروساوا (1910-1998)Akira Kurosawa، أحد أكبر السينمائيين الذي تفرّد بأسلوبه الخاص سواء في موضوعاته أو أشكاله الفنية المبتدعة من خلال العديد من الأفلام التي نالت شهرة فائقة وتأثيرا واسعا عبر العالم، من أشهرها «راشمون» و«الساموراي السبعة» وغيرها من الأفلام المؤثرة… كان من أهم المخرجين المنتمين للمدرسة الواقعية في السينما اليابانية، حيث قدم صورة بانورامية لليابان المعاصرة بعد الحرب، وخاصة تعرضها للهزيمة التي أذلت الكبرياء العميق للشعب الياباني.
كان اهتمام كوروساوا متعددا من أفلام معاصرة تتناول الأحداث الاجتماعية الراهنة إلى أفلام تاريخية مستمدة من التاريخ الياباني، أو أفلام ذات صبغة أدبية يغلب عليها الاقتباس من أعمال أدبية للكتاب المشهورين، مثل غوركي ودوستويفسكي وشكسبير. ورغم تمسكه الشديد بالهوية اليابانية في جلّ أعماله وشهرته العالمية، اعتبر في بلده مخرجا يابانيا ذا ميول غربية قليل التأثير في الحركة السينمائية داخل بلاده إلى درجة عدم قدرته على إيجاد تمويل لإنتاج أفلامه، ما دفعه إلى الإقدام على الانتحار سنة 1970.
لم يكن كوروساوا مؤثرا فقط بأسلوبه السينمائي الفريد على كبار المخرجين العالميين، بل كان مصدرا قويا لاقتباس أعماله شكلا ومضمونا. لقد كان كوروساوا رساما قبل أن يكون مخرجا سينمائيا، إذ كانت معظم أعماله عبارة عن لوحات تشكيلية بديعة. لكن فيلمه «ديرسو أوزالا» سنة 1975، الذي نال عنه جائزة المهرجان الدولي في موسكو وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم باللغة الأجنبية، شكّل مرحلة مهمة في مساره السينمائي واعتبر درسا في الإخراج السينمائي وعصارة أسلوبه المرتبط بشخصيته ومواقفه الفكرية والجمالية. فيلم «ديرسو أوزالا» أتى في مرحلة كان فيها أكيرا كوروساوا يعيش صعوبات مادية وصحية في إنتاج فيلم جديد قادته إلى الإقدام على محاولة انتحار فاشلة، وبالصدفة تلقى عرضا من الاتحاد السوفياتي لإخراج فيلم تقوم أستوديوهاتها بإنتاجه، فعرض عليهم كوروساوا فيلم «ديرسو أوزالا» المستوحى من سيرة ذاتية للمستكشف الروسي فلاديمير أرسينييف تحكي مغامراته في سيبيريا، وفكرة الفيلم قديمة لدى كوروساوا منذ سنة 1930 لكنّه لم يستطع إنجازها. «ديرسو أوزالا» اسم لشخص حقيقي التقى به المستكشف والطوبوغرافي الروسي فلاديمير ارسينييف مع فرقة من الجنود في إحدى براري سيبيريا واتّخذه دليلا له. كان ديرسو عجوزا يعيش في هذه البراري وحيدا وعالما بأسرارها وخباياها، في البداية اعتبروه شخصا غريب الأطوار وساذجا قليل الذكاء لكنّ الأحداث ستظهر حدّة ذكائه الفطري رغم بساطته وطبعه المتحفظ. استطاع ديرسو أوزالا أن يبرز مدى فهمه العميق للطبيعة المحيطة مكنته من إنقاذ ارسينييف مرات عديدة من الموت المحقق، لذلك كان يتحدث إلى عناصر الطبيعة كالماء والنار والمطر… كبشر حقيقيين، وفي الوقت نفسه يعبر، من خلال سلوكه، عن إنسانيته فهو يترك بقايا المؤونة وراءه علّها تسعف عابرا أو تائها في هذه البراري الموحشة. استطاع كيروساوا، كما لم يفعل غيره، أن يصور هيبة الطبيعة وأن يقدم دروسا أخلاقية من خلال العجوز ديرسو أوزالا الذي بدا حكيما متوحدا مع الطبيعة البرية رغم توحشها وخطورتها، فهو بحق فيلم يمجّد روح الصداقة الإنسانية التي جمعت ديرسو أوزالا وارسينييف في مشاهد شاعرية تنضح بروح البراءة والصفاء في علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة.