ياسين السالمي
Auteur/autrice : العمق
-
الحكومة تتجه لإلغاء ديون بالمليارات وغرامات المخدرات والصرف عالقة منذ سنوات
جمال أمدوري
كشف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عن توجه حكومي جديد لإصلاح مسطرة إلغاء الديون الجمركية غير القابلة للتحصيل، في خطوة تروم معالجة التراكم الكبير للديون المتعثرة وتحسين نجاعة التحصيل العمومي.
وأوضح لقجع جوابا على سؤال للبرلماني عن الفريق الحركي، نبيل الدخش، أن مسطرة قبول إلغاء الديون العمومية، المنصوص عليها في المواد 126 و127 و139 من مدونة تحصيل الديون العمومية، تُعتبر من الركائز الأساسية لتجويد مؤشرات التحصيل، من خلال التخلص من الديون التي استنفدت فيها جميع إجراءات الاستخلاص دون نتيجة، مع توجيه جهود الإدارة نحو الملفات القابلة للتحصيل.
وأكد الوزير أن هذه الآلية تساهم في تخفيف العبء المحاسبي على القباضات، وتمكين المحاسبين العموميين من تسوية وضعية الديون المستعصية، فضلاً عن عقلنة المجهود الإداري وتفادي استنزاف الموارد البشرية في متابعة ملفات عديمة الجدوى بالنسبة للخزينة العامة.
وفي هذا الإطار، كشف المسؤول الحكومي أن إدارة الجمارك عملت خلال السنوات الأخيرة على تطوير المساطر الإجرائية الخاصة بطلبات الإلغاء، عبر تخفيف شروط قبولها من خلال إصدار دليل عملي سنة 2006 وتحيينه سنة 2017، إضافة إلى توسيع مستويات اتخاذ القرار لتشمل الإدارة المركزية والمديريات الجهوية.
وأشار لقجع إلى صدور قرار جديد بتاريخ 22 أبريل 2025 يمنح تفويضاً للمديرين الجهويين ومديري الجمارك بالموانئ لاتخاذ قرارات قبول إلغاء الديون العمومية غير القابلة للاستخلاص، بما فيها الغرامات والإدانات النقدية، مع اعتماد رقمنة المساطر لتجاوز اختلالات التدبير اليدوي وتعزيز الشفافية والسرعة في معالجة الملفات.
ورغم هذه الإجراءات، أقر الوزير بوجود عراقيل قانونية وإجرائية تعرقل فعالية هذه المسطرة، أبرزها مساطر التصفية والتجميد القضائي، إضافة إلى مبدأ التضامن في الغرامات الذي يمنع اقتراح الدين للإلغاء طالما ظل أحد المدينين قائماً قانونياً.
في سياق متصل، أكد لقجع أن الحكومة تتجه نحو تدخل تشريعي جديد لمعالجة هذه الاختلالات، من خلال اعتماد مسطرة “الإلغاء الجزئي” للديون، وتسوية جزء من الغرامات المرتبطة بملفات المخدرات والصرف، إلى جانب دراسة إمكانية إلغاء الديون العالقة في التنفيذ إلى غاية 31 دجنبر 2021، وتسوية الملفات المقترحة للإلغاء قبل يوليوز 2024 التي لم يتم البت فيها بعد.
-
بلغت تذاكره 5000 درهم.. حسين الجسمي يدشن أولى الحفلات العربية بالمسرح الملكي بالرباط
زينب شكري
يستعد الفنان الإماراتي حسين الجسمي للعودة إلى الساحة الفنية المغربية من خلال حفل غنائي ضخم يحتضنه المسرح الملكي بالرباط يوم 18 يونيو المقبل، في واحدة من أبرز السهرات المنتظرة هذا الصيف، والتي تكتسي طابعا خاصا بالنظر إلى رمزية الفضاء الثقافي الذي سيحتضن الحدث.
ويحمل هذا الموعد الفني أهمية خاصة، باعتبار الجسمي أول فنان عربي يعتلي خشبة المسرح الملكي بالرباط لإحياء حفل جماهيري، منذ افتتاح هذا الصرح الثقافي الحديث، الذي أصبح يشكل واجهة جديدة للمشهد الفني والثقافي بالمغرب، وفضاء مخصصا لاستقبال العروض الكبرى والإنتاجات الفنية الرفيعة.
وأعلنت الجهة المنظمة عن انطلاق عملية بيع التذاكر عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للحجز، حيث تتراوح الأسعار بين 700 و5000 درهم، وهو ما يعكس حجم الرهان على هذا الحدث الفني، المنتظر أن يستقطب جمهورا واسعا من عشاق الفنان الإماراتي داخل المغرب وخارجه.
ويحظى حسين الجسمي بشعبية كبيرة لدى الجمهور المغربي، الذي ارتبط بأعماله الغنائية الرومانسية والوطنية على حد سواء، كما استطاع خلال السنوات الماضية تكوين قاعدة جماهيرية واسعة بفضل حضوره المتكرر في التظاهرات الفنية الكبرى، إضافة إلى الانتشار الكبير لأغانيه عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتعيد هذه السهرة المرتقبة الجسمي إلى العاصمة الرباط بعد غياب سنوات عن الحفلات الكبرى بالمغرب، إذ يعود آخر ظهور فني له بالمدينة إلى سنة 2019، حين أحيا السهرة الختامية للدورة الثامنة عشرة من مهرجان مهرجان موازين على منصة النهضة، في حفل شهد حضورا جماهيريا كثيفا وتفاعلا لافتا مع أشهر أغانيه.
ويعكس اختيار حسين الجسمي لتدشين الحفلات العربية الكبرى داخل المسرح الملكي بالرباط المكانة التي يحظى بها الفنان الإماراتي على مستوى الساحة الغنائية العربية، كما يؤكد توجه هذا المعلم الثقافي الجديد نحو استقطاب أسماء بارزة من العالم العربي والدولي، بما يعزز الحضور الفني للعاصمة المغربية ويكرس موقعها كوجهة للفعاليات الثقافية الكبرى.
ومن المرتقب أن يقدم الجسمي خلال الحفل باقة من أشهر أعماله التي حققت نجاحا واسعا عربيا، وسط توقعات بأن تتحول السهرة إلى واحدة من أبرز المحطات الفنية بالمغرب خلال سنة 2026، خاصة في ظل الإقبال المبكر الذي رافق الإعلان عن الحفل على منصات التواصل الاجتماعي.
-
المغرب ينجز 30% من مشروعي قطارات القرب وخط “TGV” بين القنيطرة ومراكش
إسماعيل التزارني
أعلنت الحكومة، اليوم الإثنين 25 أبريل 2026، أن نسبة الإنجاز بلغت في مشروع القطار الفائق السرعة TGV، الذي سيربط بين مدينتي القنيطرة ومراكش، حوالي 30%، وهي نسبة الإنجاز نفسها أيضا التي بلغها مشروع قطارات القرب.
وقال وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، إن نسبة الإنجاز في البرنامج الكبير المتعلق بالخط الفائق السرعة، بلغت إلى حدود اليوم ما يقرب من 30%، “وهي نسبة مئوية مشجعة”، مؤكدا أن التسليم سيكون في دجنبر 2029.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن هذا القطار بصيغته الجديدة سوف يقتصر المسافة ما بين مراكش والدار البيضاء، وكذلك ما بين الرباط والدار البيضاء، وما بين الرباط ومطار محمد الخامس عبورا بالملعب الكبير لمدينة بنسليمان والوصول إلى مراكش.
وفي ما يتعلق بالشطر الثاني من مشروع القطار الفائق السرعة، يضيف قيوح، أن الدراسات التعريفية والتطبيقية تم الانتهاء منهما، والأخيرة فيها كلفت ما يقرب من 55 مليار ديال درهم ما بين مراكش وأكادير، و”النسبة المئوية الكبيرة لهذا الدراسات (التطبيقية) تهم الأوراش التي ستنجز في الأطلس الكبير”.
وأشار إلى أن هذه الأوراش “تمثل ما يقرب من 70% البناء من القناطر والأنفاق (les tunnels)، لما يفوق من 35 كلم، الآن المكتب الوطني للسكك الحديدية والوزارة منكبين على البحث عن التمويلات على المستوى العالمي”.
وفي ما يخص قطارات القرب الجهوية، قال الوزير إن نسبة التقدم في الإنجاز بلغت 30%، و”هذا رقم مهم يجعلنا مطمئنين من حيث الالتزام بالتاريخ المحدد للإنجاز والتسليم”، مشيرا إلى أن هذه القطارات ستلعب دورا كبير فيما يخص تقريب المسافات والنقل الجماعي والاحترام البيئي والتخفيف على الاكتظاظ داخل المدن.
وهذه القطارات، يضيف قيوح، ستشيد لها محطات من الجيل الجديد، وستخفف الضغط على حركة السير بالنسبة للطرق، مضيفا أن محور الدار البيضاء سيضم 17 محطة ما بين بنسليمان، النواصر، الميناء والنواصر، وسيكون فيه ما يسمى بـ (l’aérospace)، وهو محطة من الجيل الجديد سيلتقي فيها القطار الفائق السرعة والقطار الجهوي والقطار المكوكي.
-
المغرب يطور منصة جوية ذكية للاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية
ياسر الرقاص-صحافي متدرب
شرع قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGSN–DGST، في تطوير مشروع ATLAS EAGLEYE ISR، وهو عبارة عن منصة جوية متقدمة مخصصة لمهام الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية والميدانية، سعيا لتعزيز قدراته التكنولوجية.
ويتميز هذا المشروع الاستراتيجي بكونه منتجا بتصميم وتطوير مغربي محض، معتمدا بالكامل على الكفاءات والخبرات الهندسية الوطنية في جميع مراحل الدراسات والحسابات التقنية، بحسب معطيات حصلت عليها جريدة “العمق” من مسؤولين أمنيين خلال أيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطنية التي أسدل ستارها أمس الأحد بمدينة الرباط.
وتخضع النسخة الحالية من المنصة الجوية لمرحلة التطوير والاختبارات التقنية الحديثة، حيث تعتمد على منظومة دفع كهربائية بالكامل، بالإضافة إلى مفهوم “VTOL 4+1” الذي يجمع بين تقنية الإقلاع والهبوط العمودي دون الحاجة لمدرجات تقليدية، و كفاءة الطيران بالجناح الثابت للمسافات الطويلة، حيث تصل مدة التحليق إلى حوالي 3 ساعات حسب طبيعة المهمة كما يبلغ المدى العملياتي حوالي 100 كيلومتر وفق منظومة الاتصال والربط المعتمدة، وفي ما يخص سرعة التحليق فمن المرجح أن تتراوح ما بين 65 و80 كيلومتراً في الساعة.
كما تتميز الحمولة التشغيلية بفلسفة تصميم مرنة تتيح دمج تجهيزات استشعار ومراقبة متطورة، تشمل كاميرات بصرية عالية الدقة، وكاميرات حرارية، وأنظمة رصد متقدمة وفقاً للاحتياجات الميدانية. وتمنح هذه المرونة للمنصة قدرة على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام تشمل الاستطلاع والمراقبة، حماية المنشآت الحساسة، البحث والإنقاذ، تتبع الأهداف، ودعم العمليات الميدانية.بحسب المعطيات ذاتها.
ويسعى هذا المشروع إلى رسم خارطة طريق تقنية متدرجة للانتقال من النسخة الكهربائية الحالية إلى نسخة هجينة أو حرارية طويلة المدى، كما تستهدف هذه الخطوة المستقبلية رفع القدرات التشغيلية للمنصة بشكل كبير، للوصول إلى مدة تحليق قياسية من شأنها أن تصل إلى 31 ساعة متواصلة لتنفيذ مهام مراقبة واسعة النطاق.
ولا تقتصر الغاية من مشروع “ATLAS EAGLEYE ISR” على الجوانب الأمنية والتقنية فقط، بل يسعى القطب الأمني (DGSN–DGST) من خلال هذه الخطوة إلى تأسيس نواة صلبة ومنظومة وطنية متكاملة هدفهاالمعرفة والابتكار الهندسي في مجال الصناعات الجوية والأنظمة الذكية، وهو ما سيفتح الباب مستقبلا أمام مبادرات ومشاريع تكنولوجية جديدة تحمل شعارصمم وطور بكفاءات مغربية، بحسب المصدر ذاته.
(صورة من الأرشيف)
-
حين تصطدم النظرية بحرارة الواقع
عبد الحق بلفقيه *
يمكن التمييز بين الباحث أو الأستاذ الجامعي أو المنظّر الدستوري، وبين القاضي الدستوري الممارس، من خلال طبيعة الوظيفة التي يضطلع بها كلٌّ منهما، وكذا من خلال طبيعة علاقتهما بالنصوص والمبادئ الدستورية وبالواقع السياسي والمؤسساتي المتحول.
فالمنظّر أو الباحث في القانون الدستوري يُفترض فيه أن يكون حارسًا للمبادئ الدستورية ومهندسًا للنظريات والأسس الحاكمة لها، إذ تتمثل وظيفته الجوهرية في بناء المعايير وصياغة النماذج المثالية التي يُفترض أن تؤطر الممارسة السياسية والمؤسساتية. ومن ثمّ، فهو يشتغل داخل فضاء فكري تجريدي، تتقدّم فيه أولوية نقاء الفكرة وانسجام المعيار وتماسك البناء النظري. وتُعدّ نظرية «النظرية الخالصة للقانون» مثالًا بارزًا على هذا التوجّه التجريدي، إذ سعت إلى تأسيس علم قانوني “خالص” ومنفصل عن الاعتبارات السياسية والأخلاقية والدينية والاجتماعية، بما يجعل القانون يُدرس بوصفه نسقًا معياريًا مستقلًا قائمًا بذاته. ولذلك، فإنه يُعنى بمحاكمة الوقائع والأفعال على ضوء المبادئ، لا بمساومتها أو التكيّف معها. ومن هنا، لا يُنتظر منه – من الناحية النظرية – أن يتنازل عن مقتضيات النموذج الدستوري الذي يدافع عنه، لأنه، وهو محاط بكتبه وأوراقه البحثية داخل مكتبه الهادئ، لا يتحرك تحت ضغط إكراهات الواقع السياسي أو حرارة التوازنات المؤسساتية، بل داخل أفق المثال الدستوري الخالص. فوظيفته الأساسية هي الحفاظ على “النقاء المعياري” للنظرية الدستورية، حتى تبقى المبادئ حيّة، ويظل المعيار واضحًا ومرجعيًا وموجّهًا للممارسة.
أما القاضي الدستوري الممارس، فواقعه مختلف، حتى وإن كان قبل تقلده لمهامه أستاذًا أو باحثًا مشبعًا بالتصورات النظرية ذاتها؛ ذلك أن انتقاله إلى موقع القضاء الدستوري، أي إلى واقع الممارسة، يغيّر طبيعة المعادلة التي يتحرك داخلها. فهو يصبح فاعلًا مؤسساتيًا يشتغل ضمن سياقات سياسية ومؤسساتية واجتماعية معقدة، ويتعامل مع وقائع متغيرة وتوازنات دقيقة، وأحيانًا ضاغطة، تفرض عليه في كثير من الأحيان أن يشتغل بمنطق الممكن لا بمنطق المثال النظري الخالص. ولذلك، فإن وظيفته لا تتمثل في إنتاج المبادئ في صورتها المجردة، وإنما في محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن منها ضمن شروط المرحلة والسياق والإمكان، وفي ظل علاقات قوى وفواعل متعددة ومتداخلة.
ومن ثم، فإن القاضي الدستوري، باعتباره فاعلًا ممارسًا داخل حقل النظرية الدستورية، لا يُقاس فقط بمدى وفائه النظري للمبدأ، وإنما أيضًا بقدرته على تنزيله تدريجيًا داخل الواقع دون إحداث اختلالات قد تمس استقرار النظام الدستوري أو توازن المؤسسات. ولهذا، فإن اجتهاده قد يتخذ أحيانًا طابعًا تأسيسيًا، سواء من خلال “القرارات المؤسسة إيجابيًا” التي توسّع من مضمون الحقوق والمبادئ الدستورية وتدفع نحو تطويرها، أو من خلال “القرارات المؤسسة سلبيًا” التي تضع حدودًا وضوابط للممارسة السياسية والتشريعية بما يحفظ التوازن الدستوري العام.
وعليه، يمكن القول إن الباحث أو الأستاذ أو المنظّر الدستوري يطمح – من حيث المبدأ – إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام الكامل بين المبادئ الدستورية والواقع، لأنه يشتغل بمنطق المثال والمعيار، بينما قد لا يستطيع القاضي الدستوري الممارس سوى تحقيق نسبة متفاوتة من هذا المثال، قد تتقدم أو تتراجع بحسب طبيعة المرحلة والسياق والتوازنات القائمة. غير أن هذه النسبة المتغيرة لا تعني بالضرورة فشلًا أو تنازلًا سلبيًا عن المبادئ، بل قد تعبّر عن محاولة واقعية لتوسيع دائرة الدستورية داخل حدود الممكن السياسي والمؤسساتي.
وهنا يمكن القول إن القاضي الدستوري يشتغل في منطقةٍ وسطى دقيقة، تقع بين المثال الدستوري ومنطق الممكن، وبين حدود المثالي وإكراهات الممارسة، وبين سلطان المعيار النظري وحدود الواقع السياسي والمؤسساتي. فإذا كان المنظّر أو الباحث أو الأستاذ الدستوري يقوم بتصميم الفكرة الدستورية وحراسة نقائها المعياري، فإن القاضي الدستوري يجد نفسه مطالبًا بـ“مفاوضة الواقع” أكثر من الاكتفاء بترديد المثال. فهو ينتقل من عالم الفكرة المجردة إلى تعقيد الممارسة، ومن المثال الدستوري الخالص إلى الواقعية القضائية التي تفرضها توازنات المؤسسات وإكراهات السياق.
ومن هنا، فإن جوهر وظيفة القاضي الدستوري لا يكمن فقط في الوفاء الحرفي للنظرية، بل في قدرته على تحقيق نوع من التوفيق الدقيق بين نقاء المعيار وإكراه الواقع، وبين وفاء النظرية وحدود الممكن السياسي. فنجاح القاضي الدستوري لا يُقاس فقط بمدى تشبثه بالمبدأ في صورته المثالية، وإنما أيضًا بقدرته على حماية الفكرة الدستورية وتطويرها تدريجيًا داخل واقع متغير، دون التفريط في جوهرها أو الاصطدام بما قد يهدد استقرار النظام الدستوري وتوازن المؤسسات.
وبذلك، فالعلاقة بين المنظّر الدستوري والقاضي الدستوري ليست علاقة تعارض أو تناقض، بل علاقة تكامل وظيفي ومعرفي: فالأول يحافظ على نقاء الفكرة الدستورية ويؤسس أفقها المعياري، بينما يسعى الثاني إلى ترجمتها تدريجيًا داخل الواقع، وفق ما تسمح به شروط الممارسة وحدود الممكن.
* أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
-
بعد مليون زبون لـ”L’bankalik”.. التجاري وفا بنك يطلق “Simple” ويدخل عهد “السوبر آب” البنكي بالمغرب
العمق المغربي
بعد عشر سنوات على إطلاق خدمة L’bankalik، والتي نجحت في استقطاب أكثر من مليون زبون، تواصل مجموعة Attijariwafa bank مسارها في إعادة تشكيل التجربة البنكية الرقمية بالمغرب، من خلال إطلاق خدمة “Simple”، وهي منصة بنكية رقمية جديدة تراهن على تبسيط العلاقة مع البنك وجعلها أكثر قرباً من الحياة اليومية للمغاربة.
وتقدم “Simple” نفسها باعتبارها أكثر من مجرد تطبيق بنكي تقليدي، إذ تعتمد مفهوم “Super App” الذي يجمع في واجهة واحدة بين الحساب البنكي، وخدمات الأداء، وتجارب نمط الحياة، والخدمات المجتمعية، عبر الهاتف المحمول، في خطوة تعكس التحولات الجديدة في سلوك الزبناء وانتظاراتهم المتزايدة من المؤسسات البنكية.
وترفع الخدمة الجديدة شعار “البنكة هي Simple”، في رسالة تؤكد أن الهدف لا يتعلق بحملة ترويجية ظرفية، بل برؤية جديدة للخدمات البنكية ترتكز على السرعة، والسلاسة، والتجربة الرقمية المتكاملة. فالمجموعة تعتبر أن الزبناء اليوم لم يعودوا يبحثون فقط عن خدمات مالية، بل عن تجربة استعمال سهلة وشخصية تنسجم مع إيقاع حياتهم اليومية.

وبعد أن أرست “L’bankalik” نموذجاً بنكياً موجهاً أساساً لفئة الشباب، تأتي “Simple” لتوسع هذا التصور نحو جميع فئات المجتمع، عبر إعادة طرح سؤال جوهري يتعلق بكيفية بناء بنك ينطلق من الاستخدامات الحقيقية للزبناء، وليس فقط من منطق المنتجات البنكية الكلاسيكية.وترى المجموعة أن معايير تجربة الزبون لم تعد تُحدد داخل القطاع البنكي التقليدي، بل أصبحت مستوحاة من كبرى المنصات الرقمية العالمية التي فرضت معايير جديدة قائمة على الفورية، والمرونة، والطابع الشخصي للخدمات. ومن هذا المنطلق، تقدم “Simple” نفسها كإجابة على هذا التحول العميق في علاقة الأفراد بالخدمات الرقمية.

وفي ما يتعلق بفتح الحساب، تعتمد “Simple” مساراً رقمياً مبسطاً يتيح للزبناء إنشاء حساب بنكي في غضون دقائق، دون الحاجة إلى الوثائق الورقية أو الانتظار داخل الوكالات. وتبدأ العملية باستلام البطاقة البنكية عبر عدد من نقاط التوزيع، من بينها الأسواق الممتازة، ومنصات التوصيل الإلكترونية، وشبكة وكالات “وفاكاش”، قبل استكمال باقي الخطوات مباشرة عبر التطبيق.
كما يمكن للزبناء أيضاً فتح الحساب رقمياً عبر التطبيق ثم استلام البطاقة من الوكالات البنكية، في إطار نموذج هجين يجمع بين الرقمنة والقرب الميداني. وتشمل العملية التحقق من الهوية، والمصادقة البيومترية، ومسح البطاقة البنكية، إضافة إلى التوقيع الإلكتروني، ما يجعل تجربة فتح الحساب أكثر سرعة ومرونة.
ومن خلال هذا المشروع الجديد، تسعى مجموعة التجاري وفا بنك إلى تعزيز موقعها في مجال الخدمات البنكية الرقمية، ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع المالي، في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية نقطة الدخول الأساسية إلى مختلف الخدمات اليومية، بما فيها الخدمات البنكية.
وأكدت غزلان علمي مروني، المديرة التنفيذية، مسؤولة عن المنتجات والخدمات البنكية للأفراد والمهنيين، أن مشروع “Simple” يشكل ثمرة سنوات من العمل والتطوير داخل فرق بنك Exil Loyer Banque، مشيرة إلى أن الإطلاق الرسمي لهذه الخدمة يمثل مرحلة جديدة في مسار تحديث التجربة البنكية بالمغرب، عبر تقديم حلول مالية أكثر بساطة ومرونة وتماشياً مع التحولات الرقمية المتسارعة.

وأوضحت علمي ماروني، خلال الندوة الصحفية الخاصة بإطلاق بطاقة “Simple” التابعة لمجموعة Attijariwafa Bank، أن اختيار اسم “Simple” لم يكن قراراً عشوائياً، بل جاء ليعكس الفلسفة الأساسية للمشروع، والمتمثلة في تبسيط العلاقة بين الزبون والبنك، وجعل الخدمات البنكية أكثر وضوحاً وسهولة في الولوج والاستعمال، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة التي تبحث عن السرعة والمرونة في تدبير معاملاتها اليومية.
وأضافت أن المشروع تم تصميمه بالكامل وفق رؤية ترتكز على مفهوم “التبسيط”، سواء على مستوى الخدمات المقدمة أو طريقة استخدام التطبيق والبطاقات البنكية، وحتى من خلال تجربة الزبون داخل المنصة الرقمية، معتبرة أن الهدف الأساسي يتمثل في خلق تجربة بنكية حديثة وسلسة تستجيب لانتظارات المستخدمين في العصر الرقمي.
وأبرزت المديرة التنفيذية لأسواق الخواص والمهنية أن الهوية البصرية الجديدة لـ“Simple” تعكس بدورها هذا التوجه العصري، حيث تم اعتماد تصميم حديث وشعار minimalist ينسجم مع معايير منصات التكنولوجيا المالية العالمية، إلى جانب اختيار اللون البنفسجي كلون رئيسي للعلامة التجارية، لما يحمله من دلالات مرتبطة بالابتكار والتجديد والتحول الرقمي.
وفي ما يتعلق بطريقة الاشتغال والخدمات المتاحة، كشفت غزلان علمي ماروني أن تمويل الحسابات البنكية داخل منظومة “Simple” سيكون متاحا عبر عدة قنوات متنوعة، تشمل البطاقات البنكية والتحويلات المالية، بالإضافة إلى شبكات Wafa Cash ووكالات مجموعة التجاري وفا بنك، فضلاً عن مختلف الحلول الرقمية الحديثة، وذلك بهدف تسهيل عمليات الولوج للخدمات البنكية بالنسبة لجميع الفئات.
كما أعلنت المتحدثة ذاتها عن إطلاق عرض “Simple Go”، وهو عرض مجاني يتيح الاستفادة من الخدمات الأساسية للحساب البنكي، مع توفير بطاقات افتراضية مخصصة للأداء الإلكتروني، إضافة إلى دمج خدمات الأداء الحديثة مثل Apple Pay وGoogle Pay، في خطوة تستهدف تعزيز تجربة الأداء الرقمي وتسهيل المعاملات اليومية للمستخدمين.
وأضافت أن العرض يتيح أيضا إمكانية السحب والإيداع عبر شبكة وكالات المجموعة، مؤكدة أن “Simple” تعتمد مقاربة تجمع بين الرقمنة والخدمات الميدانية، بما يتلاءم مع خصوصيات السوق المغربي واحتياجات الزبناء الذين ما زالوا يعتمدون على التفاعل المباشر في جزء من معاملاتهم البنكية.
وفي السياق ذاته، كشفت غزلان علمي ماروني عن إطلاق عرض “Simple Metal”، الموجه لفئة الزبناء الباحثين عن خدمات بنكية راقية ومتميزة، حيث يتضمن بطاقة معدنية بتصميم فاخر، إضافة إلى مجموعة من الامتيازات المرتبطة بالسفر، من بينها الولوج إلى صالات المطارات، وخدمات الـFast Track، وخدمة الكونسيرج، إلى جانب الاستفادة من مواكبة مستشار خاص، وذلك مقابل اشتراك شهري محدد في 75 يورو.
وأكدت المسؤولة البنكية أن توزيع بطاقات “Simple” سيتم عبر قنوات مبتكرة ومتعددة، تشمل المتاجر الكبرى وبعض تطبيقات التوصيل مثل Glovo، مع إمكانية استكمال عملية فتح الحساب بشكل رقمي عبر رمز QR، في إطار توجه يروم تقريب الخدمات البنكية من الزبناء وتسهيل مختلف مراحل الاشتراك والاستعمال.
وشددت غزلان علمي ماروني على أن تكاليف التوصيل والاقتناء سيتم تعويضها بالكامل، انسجاما مع فلسفة المشروع القائمة على المجانية وتبسيط الولوج إلى الخدمات البنكية، مؤكدة أن “Simple” تسعى إلى إحداث تحول حقيقي في طريقة تعامل المغاربة مع الخدمات المالية الرقمية، عبر تقديم تجربة تجمع بين البساطة والابتكار والمرونة.
-
الزيارة الملكية إلى فرنسا: إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي بين الرباط وباريس
المصطفى قاسمي
تشكل الزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها جلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا محطة مفصلية في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، ليس فقط من زاوية البروتوكول الدبلوماسي، بل باعتبارها لحظة لإعادة بناء شراكة استراتيجية عميقة بين دولتين ارتبطتا لعقود بروابط سياسية واقتصادية وثقافية معقدة ومتداخلة.
لقد مرت العلاقات بين الرباط وباريس خلال السنوات الأخيرة بمرحلة اتسمت بنوع من البرود السياسي وسوء الفهم المتبادل، في سياق تحولات دولية وإقليمية متسارعة أعادت رسم أولويات القوى التقليدية والمتوسطة على حد سواء. غير أن إدراك الطرفين لعمق المصالح المشتركة جعل من الضروري الانتقال من منطق التدبير الظرفي للخلافات إلى منطق إعادة التأسيس الاستراتيجي للعلاقة الثنائية.
في الجانب الفرنسي، تبدو النخبة السياسية والاقتصادية مدركة أكثر من أي وقت مضى للتحول البنيوي الذي يشهده المغرب تحت القيادة الملكية الرشيدة. فالمملكة لم تعد مجرد شريك تقليدي لفرنسا في شمال إفريقيا، بل أصبحت قوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية تنموية واضحة، وموقعًا جيو-استراتيجيًا بالغ الأهمية يربط أوروبا بإفريقيا الأطلسية وعمق الساحل الإفريقي.
كما أن باريس تدرك أن الحفاظ على المغرب كحليف أول في المنطقة لم يعد خيارًا مرتبطًا بالإرث التاريخي فقط، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الجيوسياسية الجديدة، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الدولية على النفوذ الاقتصادي والأمني في إفريقيا والمتوسط.
أما في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، فإن الموقف الفرنسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعكس تحولا عميقًا في الرؤية السياسية الفرنسية تجاه هذا النزاع الإقليمي. وقد جاء هذا التطور بعد مواقف مماثلة عبرت عنها قوى أوروبية كبرى، وفي مقدمتها إسبانيا، بما يؤكد تنامي القناعة الدولية بواقعية المقاربة المغربية وجديتها ومصداقيتها.
وفي المقابل، تتابع الجزائر هذه التحولات الإقليمية والدولية بكثير من القلق الاستراتيجي، ليس فقط بسبب تراجع الأطروحات التقليدية المرتبطة بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وإنما أيضًا بسبب التحولات العميقة التي تعرفها موازين القوة الدبلوماسية في المنطقة المغاربية. فالدعم الدولي المتزايد للموقف المغربي يعيد فتح النقاش الأكاديمي والتاريخي حول العديد من القضايا المرتبطة بإرث الحدود والجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، يظل موضوع الصحراء الشرقية حاضرًا داخل بعض الأدبيات التاريخية والوثائق الأرشيفية التي تناولت الامتدادات التاريخية للمجال المغربي قبل الحقبة الاستعمارية. غير أن المملكة المغربية أبانت، عبر تاريخها الدبلوماسي الحديث، عن التزام واضح بمنطق الحكمة الاستراتيجية واحترام الشرعية الدولية واعتماد الحوار والتعاون الإقليمي كمدخل أساسي للاستقرار والتنمية المشتركة.
لقد استطاع المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أن يؤسس لنموذج دبلوماسي متوازن يجمع بين الدفاع الصارم عن المصالح العليا للوطن وبين اعتماد رؤية عقلانية بعيدة المدى تقوم على الشراكة والتعاون جنوب-جنوب والانفتاح الاقتصادي المتعدد الأبعاد.
ومن هذا المنطلق، فإن الزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا لا يمكن اختزالها في بعدها البروتوكولي أو الثنائي فقط، بل تمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة تموقع المغرب داخل التوازنات الدولية الكبرى، باعتباره فاعلًا إقليميًا مستقرا، وشريكًا موثوقًا للقوى العالمية، وصاحب مشروع حضاري وتنموي متكامل تقوده المؤسسة الملكية برؤية استراتيجية متبصرة.
إنها زيارة تعكس مكانة المغرب الجديدة في العالم، وتؤكد أن المملكة أصبحت اليوم قوة إقليمية وازنة، قادرة على فرض احترامها الاستراتيجي والدبلوماسي، بفضل حكمة قيادتها، وصلابة مؤسساتها، ووضوح رؤيتها المستقبلية.
-
“الاستقرار الاستراتيجي البناء”… كإطار جديد للعلاقات الأمريكية-الصينية: قراءة تحليلية
عزالدين سر
جاءت زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة إلى الصين لتكشف عن تحول عميق في العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، والتي مرت بعدة مراحل من الشد والجدب، خلال أكثر من نصف قرن، استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيات مختلفة، بين ما هو اقتصادي وعسكري ودفاعي وتجاري، تراوحت بين الفشل والنجاح المحدود، وتبقى أهمها “استراتيجية الاحتواء” (Containment Strategy) التي حالت دون تمدد الصين في محيطها الإقليمي، إضافة إلى “استراتيجية الغموض الاستراتيجي” (Strategic Ambiguity Strategy) في ملف تايوان من خلال منع ضم الصين لتايوان، وتني هذه الأخيرة عن الاستقلال.
فرغم كل المحاولات الاستراتيجية المتعددة المستويات التي وظفتها واشنطن، نجحت بيجين في أن تصبح قوة اقتصادية وتجارية، تقف ندا للند أمام القوة الأمريكية، التي أدركت أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة يمكن احتواؤها أو الحد من توسعها عبر الأدوات التقليدية التي استُخدمت سابقاً مع الاتحاد السوفيتي، كما يرى ذلك “هنري كيسنجر” (Henry Kissinger) فإن العلاقة مع الصين يجب أن تدار وفق مبدأ التوازن لا المواجهة، مع عدم جعل الصين عدوا مفترضا بل شريكاً تجارياً، كما يرى كذلك، أن الصراع الأمريكي الصيني لا يمكن أن يصل إلى مستوى الصراع والتنافس الصفري، إذ لا يمكن احتواء الصين كما تم احتواء الاتحاد السوفيتي، لأن الأولى، تمثل حضارة ضاربة جدورها في التاريخ، ولها اقتصاد مؤثر على المستوى العالمي، وقدرة تكنولوجية في تصاعد مهم، والثانية، هي مجموعة جمهوريات جمعتها الإيديولوجية المتمثلة في الاتحاد السوفياتي.
وكرد على مختلف الاستراتيجيات التي نهجتها واشنطن مند عقود في علاقاتها مع الصين، فقد وضع الرئيس الصيني لأول مرة العلاقة بين البلدين، في إطارها الجديد، عندما وصفها ب”الاستقرار الاستراتيجي البناء” (Constructive strategic stability)، وذلك لمنع أي خطوة أمريكية فيما يتعلق بملف تايوان، والرسوم الجمركية، والنزاعات الإقليمية، والقيود التكنولوجية، هذا الإطار الجديد يشكل تحولا مهما عن مصطلح “المنافسة الاستراتيجية” (Strategic Competition) الذي استخدمه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
ويقوم “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، باعتباره الإطار الجديد للعلاقات الصينية الأمريكية، على أربع دعامات، منها الاستقرار الإيجابي القائم على التعاون، والاستقرار السليم القائم على التنافس المنضبط، والاستقرار الطبيعي القائم على التحكم في الخلافات، والاستقرار المستدام القائم على التطلع نحو السلام. هذا التموضع الجديد، سيسمح للقوتين من تدبير جميع التوترات التي يمكن أن تخرج عن السيطرة، وسيجعل من الاستقرار بمثابة الوضع الطبيعي في تلك العلاقات، التي تطال تداعياتها مختلف دول العالم.
فالصراع والتنافس بين القوتين، أضحى استراتيجي وتكنولوجي واقتصادي أكثر منه إيديولوجي، فالصين تعمل باستراتيجية طويلة النفس، تقوم على التوسع الاقتصادي الهادئ، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، من خلال مبادرة “الحزام والطريق” (Belt and Road Initiative)، و”منظمة شنغهاي للتعاون” (SCO) وتجمع البريكس (BRICS)، وكذلك التخلي التدريجي عن اعتماد الدولار الأمريكي، وتعويضه بالعملة الصينية اليوان (Chinese Yuan) في المبادلات التجارية الدولية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فتعمل باستراتيجية الحسم السريع، ولهذا بدأت في الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة إدارة التوازن الاستراتيجي، بما يحفظ تفوقها الدولي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ومن بين الملفات الإقليمية والدولية التي تستأثر باهتمام القوتين النوويتين، ملف تايوان والنزاع الأمريكي الإيراني والتوتر بمضيق هرمز، والأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى القضايا التجارية والاستثمارية بين البلدين، وكذلك التكنولوجيا والمعادن النادرة والرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات.
الملف الإيراني والتوتر بمضيق هرمز:
بعد السيطرة على النفط الفنزويلي، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على النفط الإيراني والتحكم في مضيق هرمز، باعتباره ممرا حيويا للطاقة والتجارة، فالصين تستورد عبره نحو 80% من احتياجاتها المتعلقة بالطاقة، منها نحو 5.4 ملايين برميل نفط من إيران ودول الخليج، وتمر من خلاله 60% من تجارتها البحرية، واستمرار إغلاق هذا المضيق باعتباره شريان اقتصادي عالمي، يشكل تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني، كما امتدت تداعياته لمختلف دول العالم، إضافة إلى الأسمدة والمعادن النادرة، التي تمر منه، علما أن تغيير مسار الملاحة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وكذلك المضاربات، مع العلم أن ارتفاع الأسعار لا يتأثر فقط بتوقف وتعطيل الإمدادات، بل بمجرد التنبؤ بحدوث اضطراب على مستوى العرض والطلب.
ولاعتبار الصين الدولة الأكثر قدرة على التأثير في الموقف الإيراني، ربما وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى طلب تعاون بيجين من أجل احتواء التصعيد في الشرق الأوسط، من خلال هذه الزيارة، باعتبار الصين الشريان الاقتصادي الأهم للنظام الإيراني، من خلال الدعم التقني والعسكري، والمالي من وراء شرائها للنفط الإيراني، في ظل العقوبات الغربية، فضلا عن التقارب السياسي والثقافي الذي يجعل النموذج الصيني أقل إثارة للحساسية الإيرانية مقارنة بالنموذج الغربي. ما وفر لطهران موارد مالية ساعدتها على الصمود اقتصاديا، وهي نفس الاستراتيجية التي اعتمدتها الصين للحصول على المزيد من الطاقة الروسية، ما منح موسكو قدرة أكبر في مواجهة تلك العقوبات الغربية المفروضة عليها، وتمويل حربها في أوكرانيا.
فهل توظف الصين ملف التعاون في مضيق هرمز كورقة تفاوضية مع واشنطن في ما يتعلق بملف تايوان، خاصة بعد صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة وتايوان؟
تايوان وأزمة الرقائق الإلكترونية:
في خضم هذا الصراع تبرز تايوان، كفاعل مهم في التوازنات الدولية الراهنة، والتي تحولت إلى شريان استراتيجي، من خلال التحكم بجزء مهم من الاقتصاد الرقمي على المستوى العالمي، بوجود أكبر شركة عالمية “تي إس إم سي” (TSMC) لإنتاج الرقائق الإلكترونية المتطورة، بأكثر من 60%، منها 90% أكثر تطورا، والتي تدخل في الصناعات العسكرية وتكنولوجيا الجيل الخامس، بما فيها الذكاء الاصطناعي والطائرات الحربية، والسيارات الكهربائية والذاتية القيادة.
لهذه الاعتبارات ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن أي سيطرة محتملة للصين على تايوان، ستشكل تهديدا مباشرا للتفوق الأمريكي-الأوروبي في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة المستقبلية، في المقابل فإن بيجين تعتبر قضية تايوان، تمس جوهر السيادة الوطنية ووحدة الدولة الصينية، وتنظر للدعم الأمريكي للجزيرة بمثابة محاولة استراتيجية لتطويق ومنع صعود الصين كقوة أولى عالميا، دون الانجرار إلى حرب مباشرة، ستكون لها كلفة اقتصادية وعسكرية ضخمة على العالم بأسره، لذلك تسعى واشنطن إلى بناء توازن دقيق يقوم على احتواء المنافسة ومنع تحولها إلى صدام مفتوح، كما أشار لذلك “هنري كيسنجر”، بضرورة إدارة ملف تايوان بحذر شديد وأن أي خطأ يشوب هذا الملف المعقد سيفضي بالنتيجة إلى حرب نووية لا يمكن إيقافها، وكل هذا يوحي إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت بأن الصين باتت تعد قطب عالمي، لا يمكن إيقافه مهما فعلت، بالتالي يجب التعامل معها بوصفها شريكا تجاريا واستراتيجيا.
الصراع على المعادن النادرة:
فالصراع الأمريكي الصيني لم يعد يقتصر على الرقائق الإلكترونية، بل امتد إلى حرب المعادن النادرة، التي أصبحت تمثل العمود الفقري لصناعات المستقبل، كالبطاريات والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، وتقنيات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الطاقات المتجددة. وتسيطر الصين على معظم تلك المعادن النادرة، وأيضا على سلاسل التوريد والتكرير والمعالجة الصناعية، وهو ما منحها ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، أصبحت توظفها في مواجهة الضغوط الغربية كما جاء ذلك في تقرير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS) الأخير، الذي يؤكد هيمنة الصين الشبه كاملة على سلاسل القيمة المرتبطة بالمواد الخام الحرجة، والتحكم الانتقائي في الصادرات وتقييد التراخيص، التي تستعملها في جمع المعطيات المتعلقة بشبكة الصناعات الغربية، بالمقابل فالولايات المتحدة الأمريكية حسب ما جاء في التقرير الاستراتيجي للأمن القومي لسنة 2025، تضع الطاقة في قلب مشروعها لاستعادة التفوق الاقتصادي والصناعي، وتعزيز قدرتها على الردع، داخليا لإعادة التصنيع، ودعم الطبقة الوسطى، والحفاظ على التفوق التكنولوجي، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية المستهلكة بشكل كبير للطاقة، وخارجيا بوصفها أداة نفوذ دولي، حيث يعاد توظيف صادرات الطاقة الأمريكية لتعميق الشراكات مع الحلفاء، وتقليص اعتمادهم على الخصوم، ومنعهم من السيطرة على أسواق الطاقة أو استخدام الموارد كسلاح سياسي ولا سيما في أوروبا وآسيا.
مستقبل العلاقات في ظل التطورات الجيوسياسية
في ظل التطورات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وبحر الصين الجنوبي وأمريكا اللاتينية، وسيطرة الولايات المتحدة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية، ومع اعتماد الصين في تدفقات الطاقة والتجارة الدولية على تلك الممرات والمناطق، فإن هذا التشابك يجعل من الصعب على أي طرف تجاهل الآخر أو السعي إلى عزله بالكامل، كما أكد ذلك الزعيم الصيني، عندما وصف الزيارة بأنها “تاريخية”، قائلاً إن “النهضة العظيمة للأمة الصينية” وشعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” يمكن أن يمضيا جنباً إلى جنب، وأضاف أن العلاقات الصينية الأمريكية هي “أهم علاقات ثنائية في العالم”، لأنها تمس رفاه البلدين، البالغ عدد سكانهما 1.7 مليار نسمة، ومصالح أكثر من 8 مليارات شخص في العالم.
إن الإطار الجديد للعلاقات الأمريكية-الصينية لا يعني نهاية الصراع على قيادة النظام الدولي، بل يشير إلى تحوله من صراع إيديولوجي مباشر إلى تنافس استراتيجي واقتصادي وتكنولوجي طويل الأمد. إنه تنافس تحكمه البراغماتية والواقعية الدولية، فكل طرف يسعى إلى تعظيم مصالحه مع تجنب كلفة المواجهة المباشرة، وهو ما ظهر من خلال استحضار الرئيس الصيني مصطلح “فخ توسيديديس” (Thucydides Trap) بقوله أن السؤال الرئيسي بالنسبة للبلدين هو ما إذا كان بإمكانهما تجنب هذا الفخ، أي الصدام التقليدي بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة تخشى فقدان نفوذها، وهو مفهوم مستوحى من الصراع بين أثينا الصاعدة وإسبرطة المهيمنة في اليونان القديمة.
وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن الصين تواصل تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية بوتيرة متسارعة، بنجاحها في بناء آلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUVs)، لإنتاج رقائق أشباه الموصلات المتطورة التي تشغل الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، رغم القيود الغربية المفروضة عليها، والتي ظلت لسنوات محتكرة للرقائق الإلكترونية. ما يجعل من الزيارة الأخيرة بمثابة هدنة مؤقتة ضمن صراع استراتيجي طويل الأمد بين أكبر قوتين اقتصاديتين، خاصة بعد زيارة الرئيس الروسي لبيجين، والتي جاءت مباشرة بعد تلك التي قام بها الرئيس الأمريكي، وقد يشكل مشروع أنبوب الغاز “قوة سيبيريا 2” (Power of Siberia 2 Gas Pipeline) الذي سيربط روسيا بالصين، بديلا استراتيجيا، بعيدا عن الأزمات التي تشهدها المضايق التقليدية، كمضيق هرمز.
ختاما، فإن “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، باعتباره الإطار الجديد للعلاقات الأمريكية – الصينية، يوحي بأن العالم يعيش مرحلة انتقالية تاريخية، تؤشر بإعادة تشكيل موازين القوى، نحو نظام متعدد الأقطاب، ستتضح ملامحه بشكل كبير، في المستقبل القريب.