Catégorie : رآي

  • محنة الزمن المغربي


    علي الوكيلي

    المغاربة لا يتساءلون أبدا عن سبب استعمالهم للزمن بشكل فضفاض أو غامض، كأن يتفق معك صديق على الموعد بعد صلاة العصر، أو يعِدك رصّاص أو كهربائي بالمجيء صباح السبت دون تحديد الساعة. المدن القديمة في فاس ومكناس ومراكش وغيرها لا تفتح دكاكينها سوى بعد مرور الساعة الحادية عشرة، وبعد صلاة الظهر لا تفتح سوى وراء العصر. لا أحد يحتج على هذا النظام ولا ينتقده.حتى الأمثال المغربية تتبرأ من الدقة في الالتزام بالزمن، لا زربة على صلاح، للي زربوا ماتوا، رخاها الله والعام طويل، وأمثال أخرى تستهزئ “بالمزروبين”.

    لهذا السبب نجد الكثير من الخلل في النظام الإداري في البلاد، خاصة في الإدارة العمومية، فلا تجد الموظف في الساعة الثامنة أو الثامنة والنصف، وقد تجد سترته على كرسيه وسط ساعات العمل، وقد يذهب إلى المسجد يوم الجمعة فلا يرجع إلى سترته. والكثير منهم يخرجون لتناول وجبة غذاء خفيفة فيأخذون من وقت المواطنين ما شاؤوا.

    حين كنت أشتغل بمدينة بعيدة 30 كيلومترا عن سكَني، كنت أتنقل يوميا، وفي الذهاب والإياب آخذ معي زميلاتي وزملائي الذين قرروا عدم الإقامة مثلي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كان العرف أننا نتعاون على ثمن المحروقات، 10 دراهم ذهابا وإيابا، أحسن من سيارة الأجرة التي تنقلك بعشرين درهما وتتركك بعيدا عن الثانوية كيلومترين أو أكثر، تقطعها راجلا تحت الرياح والأمطار أحيانا. لكن بعض الأساتذة لم يكونوا يلتزمون بالوقت، وكنت أمهلهم خمس دقائق ثم لا يجدون لي أثرا. احتجوا في البداية واستعطفوا، فكنت أجيبهم “راه شريت السيارة وقاد بها، نمشي وحدي احسن لي من هاد الصداع” وكانوا في الأخير يخضعون لإرادتي ويلتزمون. غير أنهم يظلون على عادة حليمة مع الأساتذة الآخرين أصحاب السيارات. مرة قالت الأستاذة تورية للأستاذة نجاة التي كانت أرهقتها بكثرة التأخير: “مالك آختي ما كا تديريش هاد لفشوش مع سي علي” فترد عليها “اختي ما صبت لو جهد، داير بحال يلا جاي من الجابون، اللهم هو ولا الطاكسيات”.

    بل الأغرب من ذلك، أن أستاذا صديقا لي كان يشتغل بثانوية في مدينة أصيلا، وكان يسكن داخل المؤسسة، وكان يتأخر عن إلقاء الدروس حتى يأتي المعيد ويخرجه من فراش النوم.

    هذا الاستهتار بالزمن مس التلاميذ أيضا، حيث لا يلتحقون بدروسهم سوى بعد مضي زمن قد يصل إلى ربع ساعة. وقد عشنا نحن رعب الباب المقفل في الموعد في الستينيات والسبعينيات، مع رفض الإدارة استئناف المتأخرين بالدراسة إلا بعد حضور ولي الأمر، وتوقيع التزام صارم بعدم التكرار.

    علاقتنا بالوقت أفسدها نظامنا الاجتماعي القديم، الذي لم تدخله العلاقات الاجتماعية الجديدة المعقدة المبنية على الضبط الزمني. كيف كان المغرب يعيش قبل 1912؟ هل كان المغاربة يمتلكون ساعات جيب أو حائط أو غيره؟

    سنة 1986 قررت التلفزة المغربية تجديد شكلها وطريقة اشتغالها فيما عُرف “بالتلفزة تتحرك” وذلك لتجاوز الجمود والروتين الذي عرفته منذ إنشائها سنة 1962. وكان من بين مظاهر التجديد، الالتزام بالوقت، فكانت نشرة الأخبار تسبقها ساعة مرقمة ومسموعةُ دقاتِ الثواني، لتشعر المشاهد أن الأخبار ستكون في موعدها. لكن ذلك الالتزام انمحى في القنوات الأرضية اليوم، باستثناء ميدي1 عن طريق عد عكسي قبل الأخبار.

    الاستهتار بالزمن دليل على صعوبة الاندماج في المنظومة الحضارية بمعاييرها المتعارف عليها في العالم، وانتقال المواطن المغربي من مستهتر إلى ملتزم يبدو مستحيلا اليوم، لأن التربية على الالتزام بالزمن لا توجد في البيت ولا في المدرسة ولا في الإدارة ولا في الشارع. يجب الإيمان بأن ركب الحضارة لا يلحق به المستهترون بالزمن، قد نصل باقتصاد البلد وعمرانه وبنياته التحتية ومواصلاته إلى أعلى إنجاز ممكن، لكن نظل أضحوكة في عيون الأمم الراقية، إذا كانت مواعيدنا مثل امزجتنا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لنفضح كل هؤلاء الذين لم ينحروا الخروف! إنهم أشد افتراسا للحم من الجميع. وأشد وحشية من إخوانهم المغاربة

    حميد زيد – كود//

    الذين لم يشتروا الخروف.

    الذين ظلوا يحتجون على ثمنه.

    الذين تعبوا منه.

    الذين ينتقدونه. وينتقدون أجواء العيد. وتعب العيد. وأوساخ العيد.

    وتخلف العيد.

    الذين ينظرون إلينا من أرنبة أنفهم.

    الذين يتأففون من وحشيتنا.

    لا تصدقوهم.

    إنهم أشد افتراسا للحم من الجميع.

    وأشد وحشية منا.

    وقد زرتهم. و ضبطت عند عائلة واحدة منهم ثلاث رؤوس. ملفوفة. ومقطعة. ومخزنة في الثلاجة.

    وقد التهموها كلها.

    ولم تسلم عين. ولا بؤبؤ. ولا نغانغ.

    كما لو أنهم ذبحوا الوحش الأسطوري سيربيروس.

    متسببين في ترك باب الموتى بلا حراسة

    لتهيم أرواحهم في العالم.

    و ليغضب الإله هاديس.

    وليس هذا فحسب.

    بل أيضا 24 كراعا.

    و أفخاذا. و أكتافا. يفوق عددها ما يتوفر عليه الخروف. وكأنهم قطعوا كبشا مهجنا بأم أربع وأربعين.

    وأكثر من دوارة.

    وخليطا من كبد الغنمي والبقر.

    وكل شيء عندهم بزيادة.

    و شحم بولفاف عندهم كاف لكل الكبد.

    ومهما قمت بتقطيعه.

    ولف الكبد به

    فأنه يبقى متوفرا.

    وكأنهم حصلوا عليه من دوراة فيل ضخم.

    وكل هذا في بيت واحد.

    وفي أسرة واحدة.

    لذلك لا يخدعنكم أصحاب الخطاب الحداثي.

    و أولئك المتبرمون من الشياط.

    ومن الدم.

    الذين اتخذوا قرار التوقف عن التضحية.

    وبينما الناس يتزاحمون في الأسواق. ويعانون من الغلاء. ومن اختفاء الغنم.

    وقبل ذلك.

    وفي غفلة من الجميع.

    كانوا هم يكدسون اللحم في الثلاجات.

    ولا يقنعهم رأس واحد.

    ولا نصف دزينة كراع.

    ولا كبد واحدة.

    ومِنْ نهمم. ومن شهوتهم اللحمية المفرطة. أفرغوا كل الأسواق الممتازة.

    وأفرغوا البلاد كلها من مخزونها.

    وكل واحد منهم حصل على أكثر من خروف.

    وكل عضو حصلوا منه على اثنين.

    متظاهرين بالبراءة.

    و بالتميز.

    و بحسهم وعقلهم السليم.

    وبأنهم متمدنون.

    وبأنهم لا ينساقون خلف القطيع.

    وعندما تدخل إلى بيتهم. تقبض عليهم متلبسين. وبالجرم المشهود.

    بعضهم يتجشأ.

    ويكرع كؤوس أولماس.

    والبعض الآخر مستلق. ودائخ. لا يقوى على الوقوف.

    ويعيشون جميعا حالة إنكار.

    و يلومون لهطة المغاربة.

    وينأون بأنفسهم عن السلوكات والعادات البائدة.

    التي لم تعد تناسب هذا العصر.

    لكن

    ومهما تظاهروا بالحكمة

    و بالتعقل

    ومهما بدوا جادين في نقاشاتهم

    وفي رفضهم القاطع للأضحية

    فإن بطونهم تفضحهم

    وتفضحهم “الجثث” المقطعة

    في ثلاجاتهم

    والأمخاخ

    التي تعود إلى أكثر من خروف

    وإلى حيوانات أخرى.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الرشيدي من منبر مكة المكرمة: السياسة الملكية وضعت المغرب في قلب ريادة منظومة الحج والعمل الإسلامي المشترك

    العلم الإلكترونية – الرباط 
      شارك وفد مغربي رفيع المستوى في حفل الاستقبال السنوي الذي أقامه محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس وزرائها، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين بقصر منى، للمكانة الريادية التي تحظى بها المملكة المغربية في قلب منظومة العمل الإسلامي المشترك.

    وتحت أضواء هذا المحفل الدولي الذي جمع قادة وعظماء العالم الإسلامي، سلطت الأنظار بشكل خاص على الكلمة التي ألقاها ممثل المملكة المغربية، عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، نيابة عن رؤساء وفود ومكاتب شؤون الحجاج من مختلف بقاع الأرض.   وجاء اختيار ممثل المغرب لإلقاء هذه الكلمة الرسمية باسم مكاتب شؤون الحجاج ليعزز بوضوح وزن الدبلوماسية الروحية والثقافية للمملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، حيث استثمر الرشيدي هذا المنبر العالمي ليعبر باسم ضيوف الرحمن عن بالغ التقدير والامتنان للجهود الجبارة والمتواصلة التي تبذلها المملكة العربية السعودية، مؤكدا أن تجربة الحج تحت هذه الرعاية الحكيمة والملهمة تخطت الأبعاد التقليدية لتصبح اليوم نموذجا عالميا يحتذى به في التنظيم، والإدارة، والرعاية، والارتقاء بالخدمات الرقمية واللوجستية بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة في أفق 2030.   وأشار ممثل المملكة المغربية في خطابه أمام ولي العهد السعودي وقادة الدول إلى حجم الطمأنينة والأمن التي يشعر بها الحجاج بفضل هذه الجاهزية العالية، مشددا على أن هذه المنظومة المتكاملة تمثل رسالة سلام وانضباط تعزز لحمة الأمة الإسلامية وتضامنها في مواجهة مختلف التحديات الإقليمية والدولية.
     
    وتوج هذا الحضور المغربي الوازن بسلام الوفد المغربي الدبلوماسي على سمو ولي العهد، في مشهد يرسخ متانة العلاقات الأخوية والتاريخية الاستراتيجية التي تجمع بين العرشين والشعبين الشقيقين المغربي والسعودي.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • علاش كانو الفرنساويين كيعطيو الشراب لوليدات الصغار مع الخبز والفرماج وكيفاش الأوروبيين كانو كيشوفو فالبيرة ماكلة ودوا للدراري قبل المنع؟

    حسن الصغير  ـ كازا //

    البيرة شحال هادي ما كانتش الشراب غا ديال النشاط كيف كنشوفوها دابا، وإنما كانت لقرون طويلة بحال الماكلة اليومية، من السومريين لي كتبو أول وصفة ديالها قبل آلاف السنين، حتى لعمّال الأهرامات لي كانو كيتخلصو بحقهم من البيرة ثلاث مرات فالنهار، زيد عليهم الرهبان فبافاريا لي كانو كيقطعو بها الصيام، البيرة من بكري كانت هي ’’الخبز الجاري”، كتعطي الطاقة والسعرات والمعادن، وحتى كتعوّض الما لي ما كانش ديما نقي وصالح للشرب.

    فأوروبا خصوصاً فبلجيكا وفرنسا ولوكسمبورغ حتى للقرن العشرين كانو الكبار والصغار كيشربو البيرة بشكل عادي وسط العائلة، بزاف ديال البلاجكة الكبار فالعمر كيتفكرو باللي أول كاس بيرة شربوه  كان مع الوالدين باش يعودوهم على “ثقافة المائدة” وعلى الشرب بالقياس، فداك الوقت، الما النقي ما كانش موجود ديما، خصوصاً فالأحياء الفقيرة والقرى الصناعية، وهادشي خلا البيرة  كتشاف أنها نقا من الما، وزيد عليها أنها كانت كتوفّر لهم الطاقة والسعرات الحرارية

    أما فرنسا حتى لخمسينات كانت المدارس ديالها كتعطي البيرة والڤان للتلامذ بشكل عادي، الشراب ففرنسا كان جزء من الهوية الوطنية والثقافة والتقاليد الزراعية ديال الفرنسيس لي كانو كيشوفو الطاسة امتداد للأرض والتاريخ ديالهم، وهادشي خلا بزاف ديال العائلات يعطيو الشراب لدراري الصغار باش يعلّموهم “الشرب بالقياس” ويربطوهم بالتراث المحلي.

    فبعض المناطق، كانو الآباء كيديرو لولادهم قرعة صغيرة ديال البيرة ولا السيدر فالشكارة مع الخبز والفرماج، وكاين تلاميذ لي كانو كيفطرو بها قبل ما يمشيو للقراية، المطاعم المدرسية حتى هي كانت كتعطيها لهم هي وللا الفان بشكل عادي، الأستاذ كيشرب، والتلميذ كيشرب، والماكلة كانت كتعتبر ناقصة بلا الكاس، وغالباً كان الشراب كيتخلط بالما باش يولي خفيف، الغرض ما شي يسكرو ولكن ’’التذوق” والانتماء الثقافي بحال أتاي ولا اللبن عندنا اليوم .

    الفكرة لي كانت ديك الوقت أن لالكول كيعقم الجسم، وكيقتل الجراثيم، وكيدفّي الصدر فالشتا، وحتى كيعاون الدري باش يبقى ناشط طول النهار، هادشي بقا حتى لـ1956 مني وزارة التربية الوطنية الفرنسية خرجات بأول قرار كيمنع تقديم الشراب لدراري تحت 14 عام فالمطاعم المدرسية، وبقات القضية على هاد الحال حتى 1981 مني منعاتو نهائياً من جميع المؤسسات التعليمية، ومن بعد فـ2009 ترفع السن القانوني لشراء لالكول لـ18 عام.

    أما فألمانيا، فالقانون مازال متساهل نسبياً حتى اليوم، الشباب من 16 عام مسموح ليهم يشريو ويشربو البيرة والخمر بشكل قانوني، أما القاصح بحال الفودكا والويسكي خاصهم يكملو 18 عام، وحتى القاصرين بين 14 و15 عام يقدرو يشربو البيرة أو فالمطاعم إلا كانو مع الوالدين أو وليّ قانوني.

    الحصول البيرة والڤان لي كانو فواحد الوقت جزء من التربية والغذاء والحياة اليومية عند بزاف ديال العائلات والمدارس الأوروبية، وكان استهلاكهم من طرف الكبار وحتى القاصرين حاجة عادية وسط سياقات اجتماعية وتاريخية مختلفة تماماً على اليوم، ولكن اليوم الدول الأوروبية منعات لالكول على القاصرين، حيث كتعتبر هاد السلوكات كتخص مرحلة تاريخية قديمة وما كتوافقش التوصيات الصحية والقوانين الجديدة المتعلقة بحماية القاصرين.

    كتبقى هاد الممارسات اليوم جزء من الذاكرة الجماعية ديال أوروبا وموضوع ديال دراسات تاريخية واجتماعية، ولكن كاين اتفاق كلي عند الأطباء والقوانين الحديثة بأن تعريض الأطفال للشراب، مهما كانت المبررات الثقافية ولا التاريخية، كيشكل خطر حقيقي على النمو ديال الدماغ والقدرات العقلية ديال الأطفال وهاد الشي خلا بزاف ديال دول العالم تجرّم هاد الممارسات وتشدّد على حماية القاصرين منها بقوة القانون.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من المسؤول الأول عن إقصاء المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة؟

    كتبها: الإعلامي حسن فاتح

    نجد كثيرا من المنتخبات والفرق الخارجية، تتهافت على

    اطرنا الوطنية، تستعين بخبرتها وتحقق معها انجازات غير مسبوقة احيانا، وفي المقابل نجد ادارتنا التقنية ومن يملك معها القرار، يقومون احيانا بسلسلة من الاقالات او التعيين في فئات اخرى تهم في غالب الاحيان اطر وطنية ،وتتبعها سلسلة تعيينات لمدربين اجانب، نعرف عن بعضهم القليل ونجهل عن بعضهم الكثير..

    لانقول هذا تعصبا للاطار الوطني ،ولكن فقط نريد ان نستعمل شيئا من المنطق لعله يسعفنا في فهم هذه الحركية وما لغاية منها!!!!

    عندما ربح باها كاس افريقيا لاقل من 17 سنة ،وكاذ ان يذهب بعيدا مع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مي زوليخة والملك

    صرخة والدة ناصر الزفزافي وهي تقول بحرقة:” الله يأخذ فيكم الحق، عيدوا غير انتوما”، لم تكن موجهة إلى الملك كما حاول البعض الإيحاء بذلك، بل كانت صرخة أم مكلومة اشتاقت إلى ابنها بعد سنوات طويلة خلف القضبان.

    “مي زوليخة” وكأي أم رُزئت بفراق ابنها لما يقارب عقدا من الزمن، لم تجد سبيلاً لإطفاء النار التي تلتهم قلبها سوى إطلاق صرخة في وجه كل من يملك سلطة أو تأثيراً أو إمكانية للمساهمة في حلحلة الملف.

    فالسياق واضح، واللغة واضحة، والمقصود واضح. لكن بدل مناقشة جوهر المطلب الإنساني والسياسي، اختار البعض نقل النقاش إلى منطقة أخرى تماماً: منطقة توظيف المؤسسة الملكية…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عيد أضحى بطعم المكر والغدر!

    عيد أضحى بطعم المكر والغدر!

          بعد أن قضى المغاربة عشر سنوات عجاف إبان تولي حزب “العدالة والتنمية” ذو المرجعية الإسلامية، قيادة الحكومة لولايتين متتاليتين (2012/2021) مباشرة بعد اندلاع الشرارة الأولى من ثورات الربيع العربي في عام 2011، وتجرعوا خلالهما المرارة من حيث الظلم والقهر والتهميش وسوء التدبير.

    بالإضافة إلى ما اتخذ من قرارات جائرة تحت ذريعة “الإنقاذ المالي والتوازنات الكبرى”، وأدى إلى الإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية من تقاعد وإضراب وتوظيف مباشر، فرض “نظام التعاقد” في قطاع التعليم تسقيف سن اجتياز مباريات ولوج أسلاك التعليم، تحرير…

    إقرأ الخبر من مصدره

  •  ماحدث في اسواق بيع أضحية العيد من ارتفاع جنوني في اثمانها ،امام انظار الحكومة والاحزاب

    مجرد راي

    كتبها: مصطفى الشطاطبي( مستشار برلماني سابق)

     ماحدث في اسواق بيع أضحية العيد من ارتفاع جنوني في اثمانها ،امام انظار الحكومة والاحزاب على حد سواء،ونحن على ابواب الانتخابات التشريعية التي ستجرى خلال شهر شتنبر 2026، يطرح بعض الأسئلة المقلقة والمحيرة:

      لماذا لم تتدخل الحكومة من خلال قطاعها الوصي وزارة الفلاحة، لضبط فوضى اسعار الأضحية، رغم النداءات والاحتجاجات هنا وهناك، وتركت المواطن فريسة لجشع الشناقة وكبار المستوردين ، الذين التهمو ملايير دعم استيراد الاغنام ، في حين ظلت العديد من الاسواق تعاني من قلة رؤوس الماشية، امام التوافد الكثيف…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كان يا ما كان… آسفي العيد … من عرفة إلى كتف مولاي أحمد

    الاحداثالدكتور سعيد لقبي: كلية بأسفي جامعة القاضي عياض

    كانت هناك مدينة لا يكتفي فيها الأطلسي بجلب السمك والملح ورطوبة الجدران العتيقة، بل كان يحمل معه الكلمات أيضا. كلمات كان الأطفال يلتقطونها دون وعي، كما يلتقط آخرون الأصداف البحرية. يومها، لم يكن أحد يتحدث عن التراث اللامادي” أو “الحفاظ اللغوي أو الذاكرة الجماعية، ومع ذلك كان كل ذلك موجودا بالفعل، حيًّا نابضا، يضحك ويتنفس في الأزقة والدروب والباحات الداخلية ودخان المجامر الطينية.

    وعندما كان عيد الأضحى يعود في اليوم العاشر من ذي الحجة، كانت المدينة كلها تغيّر إيقاع أنفاسها. تتحول المدينة العتيقة إلى مسرح شعبي مفتوح، إلى فضاء يربط بين داخل الأسوار وخارجها. كانت روائح الفحم والصوف المبلل والتوابل تتصاعد كأنها خارجة مباشرة من الجدران المكلسة بالجير.

    أما بالنسبة للطفل الذي كنته، فلم يكن العيد يبدأ صباح الذبح. أبدًا . بل كان يبدأ قبل ذلك بأيام، مع تلك المرحلة الغامضة التي تسمى  «عرفة» .

    كان أطفال آسفي يجوبون الأزقة مرددين الأهازيج أمام الأبواب. لم يكن الأمر تسولا كاملا ولا لعبا خالصا، بل كان مؤسسة طفولية موازية، ودبلوماسية اجتماعية بريئة. وكان ممنوعًا علينا طرق المطارق النحاسية الثقيلة المثبتة على الأبواب، لأنها أصلا أعلى من قاماتنا الصغيرة. لذلك كانت أصواتنا الحادة ترتفع تدريجيا داخل المدينة العتيقة ….. عرفة عرفة مباركة أميمونة.

    وكان كل باب يفتح انتصارًا صغيرًا. أحيانًا نحصل على بعض القطع النقدية، أو قطع حلوى، أو قطع سكر مأخوذة من قالب سكر كسر لتوه بكأس » حياتي « ذي الحافة القوية، وأحيانًا حفنة من الفول السوداني. لكن الأهم من ذلك كله كان الاعتراف الرمزي بنا كنا موجودين داخل الحي، ننتمي إلى جماعة لها صوتها وإيقاعها.

    وحتى اليوم، ما تزال تلك العبارات ترن في ذاكرتي كأرشيف حي. لأن اللهجة لا تعيش في القواميس، بل تعيش في المواقف والضحكات والنبرات. كانت جدتي، لالة ، تمدّ الحروف وكأنها تداعب اللغة نفسها، وكانت تستبدل حرف الشين بالسين في كثير من الكلمات، فيتحول الكلام إلى موسيقى أسفية خالصة.

    ثم يأتي صباح الذبح. فجأة يصبح الكبار أكثر وقارًا وجدية، لكن هذه الجدية لا تدوم طويلا في أسفي سرعان ما يستعيد العيد بعده الإنساني الدافئ والمفعم بالشهية.

    تظهر الكلمات السحرية الزنان، وهي قطع الكبد الملفوفة في الشحم والمشوية، و ** المخمار** الساخن.

    قبل أن تخترع المقاهي العصرية مفهوم البرانش التقليدي”، كان أهل أسفي يمارسونه بعفوية شعبية عبقرية. كبد … مشوي، فطائر ساخنة، أصابع تحترق من شدة التسرع، ورجال يوزعون نصائح لا فائدة منها حول المجمر كل ذلك كان يشكل رقصة اجتماعية كاملة.

    أما الأطفال، فكانوا يدورون حول النار كالأقمار الجائعة، يحاولون دائما سرقة قطعة قبل اكتمال نضجها. وكانوا ا يقولون إن قطعة من الرئة نصف مطهية مفيدة لأسنان الأطفال

    لكن العرض الحقيقي كان يبدأ مساءً مع «الهرمة».

    كائن غريب مغطى بجلد الخروف، بقرون وهيئة نصف إنسان ونصف مخلوق أسطوري، يجوب الأزقة وسط أجواء كرنفالية عتيقة. وخلف الرقص والغناء كانت تختبئ طبقات أمازيغية قديمة مرتبطة بالخصوبة والأمل في سنة وفيرة. كنت أراقب ذلك وأنا ممزق بين الخوف والانبهار. نضحك كثيرًا … لكننا نحافظ على مسافة حذرة لأننا لم نكن نعرف أين ينتهي اللعب وأين يبدأ المقدس.

    ثم يأتي اليوم الموالي: « بوهيروس ».

    هناك تختفي تماما كل مفاهيم الوقار، وتتحول المدينة إلى حرب مائية جماعية. وفي مدينة تعيش أصلا على إيقاع المحيط، كان الأطفال يحولون الأزقة إلى ساحات معارك مائية حقيقية. كنا نرش الماء بحماس يكفي لري نصف سهول عبدة. وكان الكبار يصرخون «حشومة البرد»… لكن لا أحد كان يصغي. بل إن بعض الكبار كانوا يشاركون سرا بعد دقائق قليلة. فالمغاربة يملكون موهبة نادرة إدانة الشيء رسميًا ثم المشاركة فيه بحماس بعدها مباشرة.

    ثم يأتي » تاقديرت، ذلك اليوم الثالث الذي يريد فيه الأطفال بدورهم دخول عالم الكبار عبر الطبخ والنار ببعض قطع اللحم المتبقية، وطواجن صغيرة من الطين، وفحم نصف منطفئ، تتحول أزقة أسفي إلى مطابخ مصغرة وهناك تظهر أحيانًا تلك الكنوز التي كانت النساء يسمينها بنت الدار ، أي مخزون البيت الداخلي: زيتون محفوظ في الجرار، سمن معتق ذو رائحة قوية، والخليع « أسرار غذائية معلقة بين الضرورة وعبقرية التدبير الشعبي.

    لم تكن تاقديرت مجرد لعبة أطفال، بل كانت أول درس في حضارة منزلية كاملة، حيث تنتج البيوت غذاءها وتحفظه وتنقل أسراره من جيل إلى آخر الأيدي سوداء من الدخان، والملابس مشبعة برائحة الفحم، والوجوه فخورة بطاجين صغير غالبًا ما يكون مالحًا أكثر من اللازم أو محترفًا قليلا بسبب سوء مراقبة جمر الأركان… ومع ذلك، كان الأطفال يعيدون إنتاج حركات الكبار دون أن يشعروا، ويتعلمون في الفوضى والضحك معنى الجوار والتقاسم والذاكرة الغذائية الشعبية التي كانت تمنح أحياء أسفي القديمة نبضها الخاص.

    ثم يأتي زمن «القديد» و «الكرداس» . كانت أسطح المنازل تتحول إلى مختبرات غذائية معلقة تحت شمس الأطلسي. يُملح اللحم ويُجفف ويُعلق، ولكل بيت أسراره ونسبه الخاصة.

    وكان القديد يكتسب مع الزمن قيمة احتفالية خاصة، خصوصا عندما يُطهى مع الكسكس في تجمعات نسائية خالصة تعرف باسم المكفول. وبعد أيام قليلة يُحضر طبق «المروزية» الحلو المالح من عظام ما تزال تحمل بعض اللحم.

    كان الطفل يراقب كل هذا دون أن يدرك أنه يشهد تراثا تقنيا عمره قرون. واليوم يتحدث الناس عن التنمية المستدامة بمصطلحات معقدة، بينما كان الأجداد يمارسونها تلقائيا اقتصاد بلا تبذير، متكيف مع المناخ والموارد

    ومع مرور الزمن، أدركت أن الكنز الحقيقي لم يكن الطقس الديني فقط بل اللغة التي ترافقه أيضا. كلمات مثل الزنان »، « الهرمة «كان يا ما كان… آسفي

    العيد … من عرفة إلى كتف مولاي أحمد

    كانت هناك مدينة لا يكتفي فيها الأطلسي بجلب السمك والملح ورطوبة الجدران العتيقة، بل كان يحمل معه الكلمات أيضا. كلمات كان الأطفال يلتقطونها دون وعي، كما يلتقط آخرون الأصداف البحرية. يومها، لم يكن أحد يتحدث عن التراث اللامادي” أو “الحفاظ اللغوي أو الذاكرة الجماعية، ومع ذلك كان كل ذلك موجودا بالفعل، حيًّا نابضا، يضحك ويتنفس في الأزقة والدروب والباحات الداخلية ودخان المجامر الطينية

    وعندما كان عيد الأضحى يعود في اليوم العاشر من ذي الحجة، كانت المدينة كلها تغيّر إيقاع أنفاسها. تتحول المدينة العتيقة إلى مسرح شعبي مفتوح، إلى فضاء يربط بين داخل الأسوار وخارجها. كانت روائح الفحم والصوف المبلل والتوابل تتصاعد كأنها خارجة مباشرة من الجدران المكلسة بالجير

    أما بالنسبة للطفل الذي كنته، فلم يكن العيد يبدأ صباح الذبح. أبدًا . بل كان يبدأ قبل ذلك بأيام، مع تلك المرحلة الغامضة التي تسمى » عرفة «

    كان أطفال آسفي يجوبون الأزقة مرددين الأهازيج أمام الأبواب. لم يكن الأمر تسولا كاملا ولا لعبا خالصا، بل كان مؤسسة طفولية موازية، ودبلوماسية اجتماعية بريئة. وكان ممنوعًا علينا طرق المطارق النحاسية الثقيلة المثبتة على الأبواب، لأنها أصلا أعلى من قاماتنا الصغيرة. لذلك كانت أصواتنا الحادة ترتفع تدريجيا داخل المدينة العتيقة

    ….. عرفة عرفة مباركة أميمونة.

    وكان كل باب يفتح انتصارًا صغيرًا. أحيانًا نحصل على بعض القطع النقدية، أو قطع حلوى، أو قطع سكر مأخوذة من قالب سكر كسر لتوه بكأس » حياتي « ذي الحافة القوية، وأحيانًا حفنة من الفول السوداني. لكن الأهم من ذلك كله كان الاعتراف الرمزي بنا كنا موجودين داخل الحي، ننتمي إلى جماعة لها صوتها وإيقاعها

    وحتى اليوم، ما تزال تلك العبارات ترن في ذاكرتي كأرشيف حي. لأن اللهجة لا تعيش في القواميس، بل تعيش في المواقف والضحكات والنبرات. كانت جدتي، لالة ، تمدّ الحروف وكأنها تداعب اللغة نفسها، وكانت تستبدل حرف الشين بالسين في كثير من الكلمات، فيتحول الكلام إلى موسيقى أسفية خالصة

    ثم يأتي صباح الذبح. فجأة يصبح الكبار أكثر وقارًا وجدية، لكن هذه الجدية لا تدوم طويلا في أسفي سرعان ما يستعيد العيد بعده الإنساني الدافئ والمفعم بالشهية

    تظهر الكلمات السحرية الزنان، وهي قطع الكبد الملفوفة في الشحم والمشوية، و **» المخمار * * الساخن

    قبل أن تخترع المقاهي العصرية مفهوم البرانش التقليدي”، كان أهل أسفي يمارسونه بعفوية شعبية عبقرية. كبد … مشوي، فطائر ساخنة، أصابع تحترق من شدة التسرع، ورجال يوزعون نصائح لا فائدة منها حول المجمر كل ذلك كان يشكل رقصة اجتماعية كاملة

    أما الأطفال، فكانوا يدورون حول النار كالأقمار الجائعة، يحاولون دائما سرقة قطعة قبل اكتمال نضجها. وكانوا ا يقولون إن قطعة من الرئة نصف مطهية مفيدة لأسنان الأطفال

    لكن العرض الحقيقي كان يبدأ مساءً مع « الهرمة»، «بوهيروس»، «تاقديرت»، «القديد … كل كلمة كانت تحمل جغرافيا كاملة وذاكرة وطريقة خاصة في السكن داخل العالم.

    فعندما تفقد المجتمعات كلماتها الشعبية، فإنها تفقد أيضا حساسيتها العاطفية وطريقتها الخاصة في وصف الواقع، وربما هذا هو الحنين الحقيقي: ليس فقط غياب الأشخاص، بل اختفاء الكلمات التي كانت تجعلهم أحياء في الذاكرة.

    … ثم كان هناك مولاي أحمد

    أه، مولاي أحمد

    كان بمفرده جامعة شعبية كاملة، ومحطة أرصاد جوية تقليدية، ومركزا للتوقعات الاستراتيجية قبل ظهور الخبراء المعاصرين

    كان يجلس أمام بيته قرب وادي الشعبة، يستقبل الناس ليقرأ لهم… كتف الخروف

    نعم، كتف الخروف

    يُنظف ويجفف ثم يُرفع نحو الشمس بجدية تكاد تكون علمية، فيتحول إلى شاشة تعرض عليها توقعات السنة القادمة المطر، الزرع، وربما حتى التوترات الاجتماعية.

    واليوم، أعتقد أنه لو عاش في عصر القنوات التلفزيونية لحقق نجاحًا أكبر من كثير من الخبراء المعاصرين 

    لكن الأجمل لم يكن توقعاته، بل الإيمان الشعبي الذي كانت تحظى به. كان الناس يصغون إليه بخشوع.… هاد العام غادي يكون مزيان… شوف هاد الخط».

    فتهتز الرؤوس مطمئنة، وكأن الكتف أصدر بلاغا رسميًا من وزارة الفلاحة.

    غير أن خلف هذا الطابع الفكاهي كان يوجد شيء أعمق: طريقة شعبية في قراءة العالم، ذكاء جماعي ولد من المناخ والفصول والتجربة القروية والبحرية.

    لم يكن الفولكلور جهلا ، بل شكلا آخر من أشكال المعرفة … وربما طريقة للتعبير عن أحلام مجتمع كامل.

    وأحيانًا، عندما تعود رائحة الفحم مع رياح الأطلسي، يخيل إلي أنني ما زلت أرى مولاي أحمد يرفع كتف الخروف نحو الشمس، جادا كأنبياء العصور القديمة … بينما خلفه أطفال يصرخون ويرشون الماء بفرح مغربي فوضوي جميل.

    وربما، في النهاية، يبدأ المستقبل دائما هكذا

    بشخص ينظر بعيدًا … مستعملا الأدوات البسيطة لعصره

    هيئة التحرير29 مايو، 2026

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحَوْلِيّ


    عبد الفتاح لحجمري
    حين كان الفرحُ يختبئُ خلْفَ الرَّهْبة

    كيف لصباحٍ واحدٍ أن يتّسع لطفولةٍ كاملة؟ كيف لرائحة الصّوف، وصوت الحَبْل حين يحتكّ بالوَتَد، وبرودة الماء على البلاط، أن تتحوّل بعد السّنين إلى وطنٍ صغير يسْكن القلب؟ وكيف كان الحَوْلي يبدو لنا أكبر من حجمه، وأعمق من صمته، وأقرب إلى الأسطورة منه إلى الحيوان؟ كنا نراه بعين الطفولة لا بعين الكبار؛ لذلك منحناه ما لا يراه الآخرون: هيبةً خفيّة، وغموضًا كثيفًا، وحضورًا يشبه حضور الأبطال في الحكايات القديمة. كان يقف هناك، ساكنًا كأنه يعرف أكثر مما نعرف، وينظر إلينا بعَيْنين واسعتين تحملان سرًّا لا نملك له اسمًا. لم نكن نخافه وحده، وإنما كنا نخاف المعنى الذي جاء معه؛ معنى العيد حين يكبر فجأة، ويخرج من بهجة الثياب والحلوى إلى منطقةٍ أعمق، حيث يختلط الفرح بالرّهبة، والحنان بالارتِجاف، والطّفولة بأول درسٍ غامض من دُروس الحياة. فهل كان ” العيد الكبير” مجرد يومٍ في التقويم، أم كان بابًا سريًا نعبر منه كل سَنة إلى دَهشةٍ لا يعرفها إلاّ الأطفال؟ ألم يكن البيت يومها أكبر من البيت، والأب أكثر هيبة، والأم أكثر نورًا، والجيران أقرب من القرابة، والدخان الصاعد من المجمر كأنه رسالة بيضاء إلى السَّماء؟

    ذاكرة الصّوف والدّخان والتَّكْبير

    كان الحُولي يدخل البيت قبل العيد بيوم أو يومين. منذ اللحظة الأولى، يتغيّر الهواء. يصبح للبيت نبضٌ آخر، وللأطفال قلقٌ لذيذ. كنا نسمع صوته في الليل، فيبدو لنا كأنه ينادي قمرًا بعيدًا، أو يحدّث نجمةً لا نراها. نخرج إليه في الصباح كما يخرج البحّار الصغير إلى البحر أول مرة.

    نقترب خطوة، نتراجع خطوتين. نضحك من خوفنا ونخاف من ضحكنا. كانت عيناه واسعتين، ساكنتين، وفيهما شيء غامض يجعل الطفل يظن أن الحولي يعرف أكثر مما يقول. أما صوفه فكان عالَمًا فاتناً؛ غابة بيضاء للأصابع الصغيرة، غيمة خشنة الملمس، دفترًا سريًا كتبت عليه روائح الحقل والمطر والتّبن. وكانت له شخصية في خيالنا. هذا عنيدٌ، ذاك هادئٌ، وهذا ملكيُّ الوقفة، كأنه يعرف أنه بطل المناسبة. كنا نمنحه أسماءً من عندنا، نراقبه وهو يأكل، وهو يهز رأسه، وهو يشدّ الحبل، فنرى في حركاته حكاياتٍ لا يراها الكبار. الكبار كانوا يرونه أضحية، أما نحن فكنا نراه رفيقًا مؤقتًا من عالمٍ عجيب. أجمل ما في عيد الأضحى ليس ما تلتقطه العين، وإنما ما يعجز الطفل عن فهمه كاملًا وهو واقف على عتبة الدّهشة الأولى. كنا نقف هناك، في المسافة المرتجفة بين الخَوف والفُضول؛ نريد أن نرى، ونخشى أن نرى. نرفع أصابعنا إلى أعيننا، ثم نترك بينها شقوقًا صغيرة، كأنّنا نغلق الباب ونسترق النظر من المفتاح. كان التّكبير يعلُو، فلا نسمعه بوصفه صوتا عابرا، وإنما إشارة غامضة إلى أنَّ شيئًا استثنائيًا يحدثُ. في تلك اللحظة، كان الطفل فينا يغادر براءته الأولى خطوةً صغيرة، من غير أن ينتبه أحد. لا أحد يشرح له معنى ما يجري، لكنه يشعر أن داخله قد اتّسع قليلًا، وأن وعيًا خفيًا بدأ يفتح عينيه. لأول مرة، نفهم أن الجمال لا يأتي دائمًا خفيفًا مثل نسيم العيد، وأنَّ الفرح قد يحمل ظلَّه معه، وأن العطاء فعلٌ له ثمنٌ، ورائحة، ورجفةٌ، وشيء من الصَّمت الذي يكبرُ في القلب طويلًا.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في الطفولة، لا يبدأ صباح عيد الأضحى من الشمس، وإنما من صوتٍ خفيّ يتسلل من الذاكرة قبل الفجر: صوت ماء يُسكب في الطّست، وسكِّين تُحدّ على حجر قديم، وأقدام صغيرة تركض في الممرات كأنها تخشى أن يسبقها العيد أو أن يهرب منها. كان البيت يومها يتحوّل في دقيقة واحدة إلى مسرح عتيق تُرفع ستارته على فرح مَهيب، تمتزج فيه الرهبة بالضحك، ودفء العائلة ببرودة الصباح الأولى. كان كل شيء يبدو أكبر من حجمه الحقيقي: الحوش مملكة واسعة، والحبل الرفيع قانونًا صارمًا يفصل بين عالم الإنسان وعالم الحيوان، والسكين المعلقة بعيدًا تلمع في الخيال أكثر مما تلمع في الضّوء. وفي زاوية الحوش، كان الحَوْلي سيّد الحكاية. لم نكن نراه كبشًا مربوطًا إلى وتد، كنا نعتبرهُ سرًّا قائمًا على أربع قوائم، كائنًا خرج من عتمة كتابٍ عتيق، يحمل في عينيه صمتًا أقدم من طفولتنا. أما قرناه الملتفّان، فكانا يشبهان قوسين من الغموض، أو بابين مواربين على عالمٍ لا نعرفه نحن، ولا يجرؤ الكبار على الاقتراب من معناه. كنا نقترب منه بحذر، نمدّ له حفنة تبن أو قطعة خبز، ثم نعود إلى الخلف ضاحكين، كأننا واجهنا تنينًا أبيض ونجَوْنَا. كانت أصوات الجيران تصلنا كأنها أناشيد قادمة من بعيد: تكبيرات، ضحكات، نداء أمهات، صياح أطفال، وقع خطوات الرجال وهم يتحركون بجدية غامضة تجعل الطفل يشعر أن العيد طقس عظيم له أسراره؛ وللعيد روائحُ لا تمرّ على الذاكرة مرورًا عابرًا، تدخلها وتستقرّ في أعمق مواضعها، كأنها عهودٌ قديمة لا ينقضها الزّمن: رائحة الفحْم حين يبدأ في الاحمِرار، ورائحة الشّاي بالنعناع وهو يتصاعَد من البرّاد في صباحٍ مُزدحم بالخطوات والأصوات، ورائحة الخبز حين يخرج ساخنًا، فتتلقّاه الأيدي كما تتلقّى بشارةً جميلة. كانت تلك الروائح خرائطَ سرّية للطفولة؛ ما إن تعود واحدة منها حتى ينهضَ البيتُ القديم من نومه، وتعود الوجوه التي كبُرت، والأصوات التي غابت، والزوايا التي حفظت ضحكاتنا الأولى. يعود الأب بجلسته وهيبته وصمته، وتعود الأمّ بمناديلها المطرّزة، وحركتها السّريعة، وقُدرتها العجيبة على أن تَجعل من الفَوضى عِيدًا، ومن التَّعب حَنانًا. لذلك لا ينتهي عيد الأضحى بانتهاء يومه؛ إنه يظلّ معلّقًا في الحواسّ، مختبئًا في رائحة، أو نكهة، أو صوتٍ بَعيد. قد تَظن أنك نسيته، ثم تمرّ رائحة شِواء عابرة من بيتِ جَارٍ، فيفتح القلب بابًا قديمًا، وتدخل منه طفولة حافيةَ القدَمين، مُبلّلةً بالدّهشة.

    حين يتنفس الماضي عيدًا

    فهل يكبر الإنسان حقًا، أم أنّ طفلَ العيد يبقى مختبئًا في داخله، ينتظر رائحة دخانٍ أو صوت تكبير ليَعُودَ؟ هل كان الحولي مجرد أضحية، أم كان رسولًا أبيض جاءَ ليعلّمنا، من غير كلام، أن الفرح لا يكتمل إلا بالبَذْل؟ أين ذهبت تلك البيوت التي كانت تتّسعُ للجميع، وتلك الأيدي التي كانت توزّع أكثر مما تملك، وتلك الضحكات التي كانت تُسمَع من آخر الزقاق؟

    ولماذا، كلما مرّ عيد الأضحى، شعرنا أن الذاكرة لا تستعيد يومًا واحدا بقدر ما تستعيد عمرًا كاملًا؟ ربما لأن العيد الحقيقي يسكن في التفاصيل الصغيرة التي لا تموت: في صوف الحولي، وفي كَتِفِ الأب، وفي تَعَبِ الأمّ، وفي خُبز الصّباح، وفي دُخان المجْمَر؛ هناك، في عمق تلك الدهشة التي لم يطفئها العُمر، يظلّ العِيد حيًّا كأنّه لم يبرح مَكانه الأول؛ يقفُ عند باب القلب مثل حَوْليٍّ أبيضَ خرج من صباحاتِ الطّفولة، ثم أقام في الذَّاكرة إلى الأبد. كلما ابتعدَت السَّنوات، ازداد بياضُه لمعانًا، وكلّما ظننا أننا تجاوزْنا الحكاية، عادَ ينظر إلينا بعينين هادِئتين، كأنّه يذكّرنا بأنّ في الداخل طِفلًا لم يكبُر تمامًا، ما زال يَسمع التَّكْبير من بَعيد، ويشُمّ رائحة الفَحم، ويفتحُ أصابعه قليلًا كي يرى العِيدَ من شقّ الدَّهشة.

    ملاحظة لغوية لها علاقة بما سبق

    تُشتقّ كلمة “الحَوْلِيّ” من “الحَوْل”، أي السَّنة الكاملة، وتدلُّ في أصلها اللّغوي على كل ما مضى عليه عامٌ كاملٌ. غير أنّ معناها يتغيّر بحسب السّياق الذي تَرِد فيه. ففي المعاجم اللغوية، تُطلق على كل كائن حيّ، حيوانًا كان أو نباتًا، أكمل دورةَ حياته خلال سنةٍ واحدة، مثل قولنا:

    نباتٌ حولي أو شجرٌ حولي. أمّا في الدارجة المغربية، فيُقصد بها غالبًا الخروف أو الكبش المعدّ للذبح في عيد الأضحى، لأنه يكون قد أتمّ حوْلًا كاملًا، فيصبحُ صالحًا للأضحية. وفي المجال الجغرافي، تَرِد الكلمة في تركيب “الطّريق الحوْلي” بمعنى الطريق الدّائري الذي يُحيط بالمدينة. كما تُستعمل في المجالين العِلمي والتاريخي بصيغة “الحوْليات” للدّلالة على السِّجلات السَّنوية أو الدّوريات التي تصدر كل عام لتوثيق أبرز الأحداث والوقائع.

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره