الاحداثالدكتور سعيد لقبي: كلية بأسفي جامعة القاضي عياض
كانت هناك مدينة لا يكتفي فيها الأطلسي بجلب السمك والملح ورطوبة الجدران العتيقة، بل كان يحمل معه الكلمات أيضا. كلمات كان الأطفال يلتقطونها دون وعي، كما يلتقط آخرون الأصداف البحرية. يومها، لم يكن أحد يتحدث عن التراث اللامادي” أو “الحفاظ اللغوي أو الذاكرة الجماعية، ومع ذلك كان كل ذلك موجودا بالفعل، حيًّا نابضا، يضحك ويتنفس في الأزقة والدروب والباحات الداخلية ودخان المجامر الطينية.
وعندما كان عيد الأضحى يعود في اليوم العاشر من ذي الحجة، كانت المدينة كلها تغيّر إيقاع أنفاسها. تتحول المدينة العتيقة إلى مسرح شعبي مفتوح، إلى فضاء يربط بين داخل الأسوار وخارجها. كانت روائح الفحم والصوف المبلل والتوابل تتصاعد كأنها خارجة مباشرة من الجدران المكلسة بالجير.
أما بالنسبة للطفل الذي كنته، فلم يكن العيد يبدأ صباح الذبح. أبدًا . بل كان يبدأ قبل ذلك بأيام، مع تلك المرحلة الغامضة التي تسمى «عرفة» .
كان أطفال آسفي يجوبون الأزقة مرددين الأهازيج أمام الأبواب. لم يكن الأمر تسولا كاملا ولا لعبا خالصا، بل كان مؤسسة طفولية موازية، ودبلوماسية اجتماعية بريئة. وكان ممنوعًا علينا طرق المطارق النحاسية الثقيلة المثبتة على الأبواب، لأنها أصلا أعلى من قاماتنا الصغيرة. لذلك كانت أصواتنا الحادة ترتفع تدريجيا داخل المدينة العتيقة ….. عرفة عرفة مباركة أميمونة.
وكان كل باب يفتح انتصارًا صغيرًا. أحيانًا نحصل على بعض القطع النقدية، أو قطع حلوى، أو قطع سكر مأخوذة من قالب سكر كسر لتوه بكأس » حياتي « ذي الحافة القوية، وأحيانًا حفنة من الفول السوداني. لكن الأهم من ذلك كله كان الاعتراف الرمزي بنا كنا موجودين داخل الحي، ننتمي إلى جماعة لها صوتها وإيقاعها.
وحتى اليوم، ما تزال تلك العبارات ترن في ذاكرتي كأرشيف حي. لأن اللهجة لا تعيش في القواميس، بل تعيش في المواقف والضحكات والنبرات. كانت جدتي، لالة ، تمدّ الحروف وكأنها تداعب اللغة نفسها، وكانت تستبدل حرف الشين بالسين في كثير من الكلمات، فيتحول الكلام إلى موسيقى أسفية خالصة.
ثم يأتي صباح الذبح. فجأة يصبح الكبار أكثر وقارًا وجدية، لكن هذه الجدية لا تدوم طويلا في أسفي سرعان ما يستعيد العيد بعده الإنساني الدافئ والمفعم بالشهية.
تظهر الكلمات السحرية الزنان، وهي قطع الكبد الملفوفة في الشحم والمشوية، و ** المخمار** الساخن.
قبل أن تخترع المقاهي العصرية مفهوم البرانش التقليدي”، كان أهل أسفي يمارسونه بعفوية شعبية عبقرية. كبد … مشوي، فطائر ساخنة، أصابع تحترق من شدة التسرع، ورجال يوزعون نصائح لا فائدة منها حول المجمر كل ذلك كان يشكل رقصة اجتماعية كاملة.
أما الأطفال، فكانوا يدورون حول النار كالأقمار الجائعة، يحاولون دائما سرقة قطعة قبل اكتمال نضجها. وكانوا ا يقولون إن قطعة من الرئة نصف مطهية مفيدة لأسنان الأطفال
لكن العرض الحقيقي كان يبدأ مساءً مع «الهرمة».
كائن غريب مغطى بجلد الخروف، بقرون وهيئة نصف إنسان ونصف مخلوق أسطوري، يجوب الأزقة وسط أجواء كرنفالية عتيقة. وخلف الرقص والغناء كانت تختبئ طبقات أمازيغية قديمة مرتبطة بالخصوبة والأمل في سنة وفيرة. كنت أراقب ذلك وأنا ممزق بين الخوف والانبهار. نضحك كثيرًا … لكننا نحافظ على مسافة حذرة لأننا لم نكن نعرف أين ينتهي اللعب وأين يبدأ المقدس.
ثم يأتي اليوم الموالي: « بوهيروس ».
هناك تختفي تماما كل مفاهيم الوقار، وتتحول المدينة إلى حرب مائية جماعية. وفي مدينة تعيش أصلا على إيقاع المحيط، كان الأطفال يحولون الأزقة إلى ساحات معارك مائية حقيقية. كنا نرش الماء بحماس يكفي لري نصف سهول عبدة. وكان الكبار يصرخون «حشومة البرد»… لكن لا أحد كان يصغي. بل إن بعض الكبار كانوا يشاركون سرا بعد دقائق قليلة. فالمغاربة يملكون موهبة نادرة إدانة الشيء رسميًا ثم المشاركة فيه بحماس بعدها مباشرة.
ثم يأتي » تاقديرت، ذلك اليوم الثالث الذي يريد فيه الأطفال بدورهم دخول عالم الكبار عبر الطبخ والنار ببعض قطع اللحم المتبقية، وطواجن صغيرة من الطين، وفحم نصف منطفئ، تتحول أزقة أسفي إلى مطابخ مصغرة وهناك تظهر أحيانًا تلك الكنوز التي كانت النساء يسمينها بنت الدار ، أي مخزون البيت الداخلي: زيتون محفوظ في الجرار، سمن معتق ذو رائحة قوية، والخليع « أسرار غذائية معلقة بين الضرورة وعبقرية التدبير الشعبي.
لم تكن تاقديرت مجرد لعبة أطفال، بل كانت أول درس في حضارة منزلية كاملة، حيث تنتج البيوت غذاءها وتحفظه وتنقل أسراره من جيل إلى آخر الأيدي سوداء من الدخان، والملابس مشبعة برائحة الفحم، والوجوه فخورة بطاجين صغير غالبًا ما يكون مالحًا أكثر من اللازم أو محترفًا قليلا بسبب سوء مراقبة جمر الأركان… ومع ذلك، كان الأطفال يعيدون إنتاج حركات الكبار دون أن يشعروا، ويتعلمون في الفوضى والضحك معنى الجوار والتقاسم والذاكرة الغذائية الشعبية التي كانت تمنح أحياء أسفي القديمة نبضها الخاص.
ثم يأتي زمن «القديد» و «الكرداس» . كانت أسطح المنازل تتحول إلى مختبرات غذائية معلقة تحت شمس الأطلسي. يُملح اللحم ويُجفف ويُعلق، ولكل بيت أسراره ونسبه الخاصة.
وكان القديد يكتسب مع الزمن قيمة احتفالية خاصة، خصوصا عندما يُطهى مع الكسكس في تجمعات نسائية خالصة تعرف باسم المكفول. وبعد أيام قليلة يُحضر طبق «المروزية» الحلو المالح من عظام ما تزال تحمل بعض اللحم.
كان الطفل يراقب كل هذا دون أن يدرك أنه يشهد تراثا تقنيا عمره قرون. واليوم يتحدث الناس عن التنمية المستدامة بمصطلحات معقدة، بينما كان الأجداد يمارسونها تلقائيا اقتصاد بلا تبذير، متكيف مع المناخ والموارد
ومع مرور الزمن، أدركت أن الكنز الحقيقي لم يكن الطقس الديني فقط بل اللغة التي ترافقه أيضا. كلمات مثل الزنان »، « الهرمة «كان يا ما كان… آسفي
العيد … من عرفة إلى كتف مولاي أحمد
كانت هناك مدينة لا يكتفي فيها الأطلسي بجلب السمك والملح ورطوبة الجدران العتيقة، بل كان يحمل معه الكلمات أيضا. كلمات كان الأطفال يلتقطونها دون وعي، كما يلتقط آخرون الأصداف البحرية. يومها، لم يكن أحد يتحدث عن التراث اللامادي” أو “الحفاظ اللغوي أو الذاكرة الجماعية، ومع ذلك كان كل ذلك موجودا بالفعل، حيًّا نابضا، يضحك ويتنفس في الأزقة والدروب والباحات الداخلية ودخان المجامر الطينية
وعندما كان عيد الأضحى يعود في اليوم العاشر من ذي الحجة، كانت المدينة كلها تغيّر إيقاع أنفاسها. تتحول المدينة العتيقة إلى مسرح شعبي مفتوح، إلى فضاء يربط بين داخل الأسوار وخارجها. كانت روائح الفحم والصوف المبلل والتوابل تتصاعد كأنها خارجة مباشرة من الجدران المكلسة بالجير
أما بالنسبة للطفل الذي كنته، فلم يكن العيد يبدأ صباح الذبح. أبدًا . بل كان يبدأ قبل ذلك بأيام، مع تلك المرحلة الغامضة التي تسمى » عرفة «
كان أطفال آسفي يجوبون الأزقة مرددين الأهازيج أمام الأبواب. لم يكن الأمر تسولا كاملا ولا لعبا خالصا، بل كان مؤسسة طفولية موازية، ودبلوماسية اجتماعية بريئة. وكان ممنوعًا علينا طرق المطارق النحاسية الثقيلة المثبتة على الأبواب، لأنها أصلا أعلى من قاماتنا الصغيرة. لذلك كانت أصواتنا الحادة ترتفع تدريجيا داخل المدينة العتيقة
….. عرفة عرفة مباركة أميمونة.
وكان كل باب يفتح انتصارًا صغيرًا. أحيانًا نحصل على بعض القطع النقدية، أو قطع حلوى، أو قطع سكر مأخوذة من قالب سكر كسر لتوه بكأس » حياتي « ذي الحافة القوية، وأحيانًا حفنة من الفول السوداني. لكن الأهم من ذلك كله كان الاعتراف الرمزي بنا كنا موجودين داخل الحي، ننتمي إلى جماعة لها صوتها وإيقاعها
وحتى اليوم، ما تزال تلك العبارات ترن في ذاكرتي كأرشيف حي. لأن اللهجة لا تعيش في القواميس، بل تعيش في المواقف والضحكات والنبرات. كانت جدتي، لالة ، تمدّ الحروف وكأنها تداعب اللغة نفسها، وكانت تستبدل حرف الشين بالسين في كثير من الكلمات، فيتحول الكلام إلى موسيقى أسفية خالصة
ثم يأتي صباح الذبح. فجأة يصبح الكبار أكثر وقارًا وجدية، لكن هذه الجدية لا تدوم طويلا في أسفي سرعان ما يستعيد العيد بعده الإنساني الدافئ والمفعم بالشهية
تظهر الكلمات السحرية الزنان، وهي قطع الكبد الملفوفة في الشحم والمشوية، و **» المخمار * * الساخن
قبل أن تخترع المقاهي العصرية مفهوم البرانش التقليدي”، كان أهل أسفي يمارسونه بعفوية شعبية عبقرية. كبد … مشوي، فطائر ساخنة، أصابع تحترق من شدة التسرع، ورجال يوزعون نصائح لا فائدة منها حول المجمر كل ذلك كان يشكل رقصة اجتماعية كاملة
أما الأطفال، فكانوا يدورون حول النار كالأقمار الجائعة، يحاولون دائما سرقة قطعة قبل اكتمال نضجها. وكانوا ا يقولون إن قطعة من الرئة نصف مطهية مفيدة لأسنان الأطفال
لكن العرض الحقيقي كان يبدأ مساءً مع « الهرمة»، «بوهيروس»، «تاقديرت»، «القديد … كل كلمة كانت تحمل جغرافيا كاملة وذاكرة وطريقة خاصة في السكن داخل العالم.
فعندما تفقد المجتمعات كلماتها الشعبية، فإنها تفقد أيضا حساسيتها العاطفية وطريقتها الخاصة في وصف الواقع، وربما هذا هو الحنين الحقيقي: ليس فقط غياب الأشخاص، بل اختفاء الكلمات التي كانت تجعلهم أحياء في الذاكرة.
… ثم كان هناك مولاي أحمد
أه، مولاي أحمد
كان بمفرده جامعة شعبية كاملة، ومحطة أرصاد جوية تقليدية، ومركزا للتوقعات الاستراتيجية قبل ظهور الخبراء المعاصرين
كان يجلس أمام بيته قرب وادي الشعبة، يستقبل الناس ليقرأ لهم… كتف الخروف
نعم، كتف الخروف
يُنظف ويجفف ثم يُرفع نحو الشمس بجدية تكاد تكون علمية، فيتحول إلى شاشة تعرض عليها توقعات السنة القادمة المطر، الزرع، وربما حتى التوترات الاجتماعية.
واليوم، أعتقد أنه لو عاش في عصر القنوات التلفزيونية لحقق نجاحًا أكبر من كثير من الخبراء المعاصرين
لكن الأجمل لم يكن توقعاته، بل الإيمان الشعبي الذي كانت تحظى به. كان الناس يصغون إليه بخشوع.… هاد العام غادي يكون مزيان… شوف هاد الخط».
فتهتز الرؤوس مطمئنة، وكأن الكتف أصدر بلاغا رسميًا من وزارة الفلاحة.
غير أن خلف هذا الطابع الفكاهي كان يوجد شيء أعمق: طريقة شعبية في قراءة العالم، ذكاء جماعي ولد من المناخ والفصول والتجربة القروية والبحرية.
لم يكن الفولكلور جهلا ، بل شكلا آخر من أشكال المعرفة … وربما طريقة للتعبير عن أحلام مجتمع كامل.
وأحيانًا، عندما تعود رائحة الفحم مع رياح الأطلسي، يخيل إلي أنني ما زلت أرى مولاي أحمد يرفع كتف الخروف نحو الشمس، جادا كأنبياء العصور القديمة … بينما خلفه أطفال يصرخون ويرشون الماء بفرح مغربي فوضوي جميل.
وربما، في النهاية، يبدأ المستقبل دائما هكذا
بشخص ينظر بعيدًا … مستعملا الأدوات البسيطة لعصره
هيئة التحرير29 مايو، 2026
إقرأ الخبر من مصدره