Catégorie : حوارات

  • أزمة قانون المحاماة.. بنجلون: المراجعة الرجعية ليست إصلاحا بل ردة دستورية تضرب استقلالية المهنة

    في تطور لافت أنهى مرحلة التصعيد المهني، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن قرارها العودة إلى تقديم الخدمات المهنية ابتداء من الاثنين المقبل، بعد تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش لإعادة فتح قنوات الحوار بين الأطراف المعنية حول مشروع قانون مهنة المحاماة.

    ويأتي هذا التطور بعد فترة من التوتر بين المحامين ووزارة العدل، على خلفية مضامين مشروع قانون مهنة المحاماة، التي ترى الهيئات المهنية أنها تمس بعدد من الضمانات الأساسية للمهنة، ما دفعها إلى اتخاذ خطوات احتجاجية تصعيدية شملت التوقف عن تقديم الخدمات القضائية.

    في هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع عمر محمود بنجلون، المحامي وعضو مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ومجلس هيئة المحامين بالرباط، الذي أزاح الستار عن تخوفات كانت مسجلة في النقاشات الداخلية لمكتب الجمعية قبل اتخاذ موقف التعليق. مشيرا إلى أنه في حالة الالتفاف على المقاربة التشاركية مرة أخرى، فإنه سيتم اتخاذ كل الأشكال النضالية والترافعية.

    ما آخر المستجدات في ملف مشروع قانون مهنة المحاماة التي أدت إلى قرار جمعية هيئات المحامين العودة إلى تقديم خدماتها المهنية؟

    أولا، احترام رئاسة الحكومة للدفاع، بتفهم ميزان القوى ومشروعية النضال وترافع المحاميات والمحامين والهيئات المهنية في المغرب، ثم تبني مشروع قانون المهنة على مستوى رئاسة الحكومة لا على مستوى وزارة العدل، بعد انقلابها على نفسها وعلى مكتب الجمعية وعلى الدستور، وذلك بتقرير لجنة مشتركة بين رئاسة الجمعية ورئاسة الحكومة.

    إلى أي مدى يمكن أن يخفف تدخل رئيس الحكومة من حدة التوتر بين وزارة العدل وهيئات المحامين، وهل يضمن إعادة الثقة على المدى الطويل؟

    إنه عربون ثقة من طرف الحكومة، لكن هيئات المحامين بالمغرب حريصة على اليقظة اللازمة لحماية المغاربة من أي تشريع يجهز على مكتسباتهم الحقوقية، وأهمها الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.

    كيف يمكن للجنة المشتركة بين رئاسة الحكومة والجمعية أن توازن بين الإصلاح القانوني وحماية استقلالية المهنة؟

    الجميل في سؤالكم هو أنكم تؤكدون التناقض بين المراجعة القانونية للحكومة واستقلالية المحاماة. فهذا فعلا هو جوهر الصراع، المراجعة الرجعية لهذا القانون ليست إصلاحا بل ردة دستورية كونها تضرب استقلالية المحاماة في مقتل وهذا مخالف، بل مناقض للدستور المغربي والتزاماته الدولية ويهدد الاستقرار المدني والقضائي المغربي بإعدام آلية الدفاع كسلطة مستقلة وتأثيرية.

    ما المخاطر المحتملة إذا لم تتمكن اللجنة من التوصل إلى تصور توافقي حول مشروع القانون؟

    أكيد أن التشبث بالضمانات المفيدة لتفاوض مثمر هي التي ستنتج حلولا ناجعة لبلادنا فيما يخص العدالة والدفاع والثقة المؤسساتية والاقتصادية المنبثقة عنها.

    وفي حالة الالتفاف على المقاربة التشاركية، مرة أخرى، على نهج وزير العدل فلن نكون إلا حريصين على اتخاذ كل الأشكال النضالية والترافعية اللازمة، فما لا يأتي بالنضال يأتي بالمزيد من النضال.

    كيف يمكن لهذه المستجدات أن تشكل نموذجا للتعامل مع النزاعات المهنية بين الدولة والهيئات المهنية في المستقبل؟

    هي فعلا خطوة رمزية لتسجيل إيجابية المبادرة وعربون ثقة من طرف القطاع، لكن هناك تخوفات من إضعاف الموقف سجلت في النقاشات الداخلية لمكتب الجمعية قبل اتخاذ موقف التعليق، لكننا جسم واحد وسيكون في الموعد عند أي تعبئة محتملة نظرا لقوة وصلابة لحمته ووعيه الجماعي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حمودي: أزمة دفاع الإعلام عن الصحراء تبدأ من القرار الاستراتيجي لا من غرف التحرير (حوار)

    عبد المالك أهلال

    قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إسماعيل حمودي، إن عجز الإعلام المغربي عن الدفاع الفعّال عن السردية الوطنية في ملف الصحراء لا يعود إلى ضعف في الرؤية التحريرية بقدر ما هو نتيجة لقصور في “القرار الإعلامي الاستراتيجي”. وأوضح حمودي أن الخلل يكمن في غياب استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء سردية وطنية قوية، والاستثمار في الإعلام ليصبح قوة ناعمة ذات تأثير إقليمي ودولي، وهو ما يتجاوز قدرات غرف التحرير المنشغلة بالظرفي والروتيني.

    وأشار الباحث في حوار مع جريدة “العمق”، إلى أن هذا القصور الاستراتيجي يتجلى بوضوح في ضعف التنسيق بين الإعلام والدبلوماسية والبحث العلمي، حيث تعمل هذه القطاعات كـ”جزر منعزلة” في مواجهة ما أسماه بـ”الحرب المعرفية”، التي يعتبرها الجيل الجديد من الحروب القائمة على إنتاج السرديات. وبناءً على ذلك، يرى حمودي أن المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءات المهنية، بل في منظومة اتخاذ القرار التي لا تستثمر هذه الكفاءات ضمن رؤية هجومية ومنسقة لإنتاج المعرفة وتوجيه الإدراك الجماعي.

    وعلى صعيد آخر، تطرق حمودي إلى تأثير “اقتصاد المشاهدة” الذي غيّر أولويات الإعلام المغربي، حيث دفعه للتركيز على المحتوى الترفيهي والمثير لجذب الإعلانات، مما أدى إلى تهميش القضايا الكبرى ذات الرهان الرمزي. وخلص إلى أن الإعلام المغربي، ورغم قدرته الجزئية على صناعة المعنى وتوجيه الرأي العام داخليا، لا يزال في وضع دفاعي على الساحة الخارجية، حيث يكتفي برد الفعل بلغة عاطفية أحيانًا، بدل بناء سرديات إيجابية ومؤثرة، وهو ما يستدعي، حسب رأيه، إصلاحات هيكلية عميقة.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا

    هل يمكن اعتبار عجز الإعلام المغربي عن الدفاع عن السردية الوطنية في ملف الصحراء نتيجة غياب رؤية تحريرية واضحة أم ضعف في القرار الإعلامي الاستراتيجي؟

    إذا كان ملف الصحراء قضية وطنية، يتعلق بالسيادة والوحدة والاندماج الوطني، وليس مجرد موضوع إعلامي روتيني، فمن المرجح أن الخلل يوجد على مستوى القرار الإعلامي الاستراتيجي، حتى لو ظهر للبعض أن الأمر يتعلق بارتباك أو ضعف في الرؤية التحريرية.

    صحيح أن الرؤية التحريرية ضعيفة نوعا، وتميل إلى أن تكون تبريرية ودفاعية، وأحيانا ظرفية لا تتجاوز الأحداث الروتينية (اجتماع مجلس الأمن، قرار أممي، أو توتر دبلوماسي مع هذه الدولة أو تلك)، لكن قصور الرؤية التحريرية ليس كل شيء، ولا يمكن أن نحملها كل المسؤولية.

    في تقديري، يتعلق الأمر بقصور على مستوى القرار الإعلامي الاستراتيجي، وأقصد الحاجة إلى سردية وطنية قوية وطويلة المدى، والاستثمار في الصحافة الوطنية لتصبح ذات تأثير إقليمي ودولي، والتموقع بقوة داخل المؤسسات والفضاءات الإعلامية الدولية، وتكوين خبراء دائمين في الموضوع. كل ما لدينا إعلام عمومي محدود الأفق والتأثير، لم يرق بعد إلى الاشتغال بمنطق القوة الناعمة، ولا نملك أي قناة ذات تأثير إقليمي ودولي، في حين يظل الإعلام الخاص محكوما حتى الآن بمنطق السوق، ويواجه مشاكل وجودية كما هو معلوم، بات معها منشغلا بسؤال الاستمرارية أكثر من التفكير في بناء مقومات التأثير. لهذا، أعتبر أن المشكل موجود على مستوى القرار الاستراتيجي وليس في غرف التحرير.

    أين يتموضع الخلل أكثر: في الكفاءات المهنية، أم في شروط الاشتغال، أم في منظومة اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية؟

    إذا كان الخلل على مستوى القرار الإعلامي الاستراتيجي، كما أشرت سابقا، فهذا يعني أن الخلل يوجد، قبل كل شيء، على مستوى منظومة اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية. ما ألاحظه كأستاذ باحث، وصحفي مهني سابقا، هو ضعف العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية والبحث العلمي، بحيث نشتغل كجزر إزاء قضية ندعي أنها قضيتنا جميعا. ما أريد قوله أننا نفتقد إلى استراتيجية هجومية، تنخرط فيها كل مؤسسات إنتاج المعرفة حول قضايانا الوطنية المختلفة. خصوصا وأن العالم دخل مرحلة جديدة من الحروب تسمى “الحرب المعرفية”، اعتبرها حلف “الناتو” بمثابة الجيل السادس من الحروب. وهي حرب تقوم على إنتاج السرديات والسرديات المضادة، أي على صناعة الواقع وتوجيه القرارات وتشكيل الإدراك الجماعي. ولا شك أن هذا الجيل من الحروب يتطلب تنسيقا استراتيجيا بين كل منتجي المعرفة في الدولة، ومن بينها الإعلام. لا يتعلق الأمر إذن بضعف في الكفاءات المهنية، لو توفرت الرؤية الاستراتيجية يمكن الاستثمار في التكوين والتأهيل، وتحسين شروط الاشتغال، والتخطيط على المدى الطويل.

    كيف أثر منطق اقتصاد المشاهدات والإعلانات على أولويات الإعلام المغربي وعلى تراجعه عن القضايا ذات الرهان الرمزي؟

    بالفعل، يبدو أن اقتصاد المشاهدات قد غيّر أولويات الإعلام المغربي، الذي بات يركز أكثر على البرامج الترفيهية والمحتوى السطحي، وعلى الأخبار السريعة والمثيرة لزيادة نسب المشاهدة التي تحدد بدورها قيمة الإعلانات باعتبارها مصدر تمويل رئيسي. في حالات معينة، انصرفت وسائل إعلامية معينة نحو التركيز على القضايا الساخنة وحتى الفضائحية، وربما اختلاقها، للرفع من نسب المشاهدة قصد الحصول على إعلانات تمويلية أكبر. وهذا النوع من الإعلام هو نفسه من يساهم في صعود ما يسمى بالمؤثرين، ويعزز من أهمية المحتوى الرقمي، بما فيه السطحي أحيانا.

    لذلك، نرى كيف أن القضايا الكبرى مثل قضية الصحراء، أو النقاشات السياسية والفكرية حول راهن ومستقبل الدولة والمجتمع، باتت تحتل مساحات أقل، كونها تحتاج إلى التتبع الدقيق، وإلى التحليل المعمق، وإلى محللين مطلعين، وهو الشيء الذي لم يعد يتناسب مع الوزن المتزايد للانترنيت، في حين يشهد الإعلام التقليدي تراجعا لافتا.

    يتعلق الأمر بظاهرة عالمية، لكن يمكن الحد من تأثيراتها السلبية لو جرى تنظيم قطاع الإعلانات بقوانين شفافة لتعزيز الاستقلالية، واعتبرت الدولة الإعلام أداة للتنمية وبناء النفوذ، وليس سوق تجاري فقط.

    هل الإعلام المغربي اليوم فاعل في صناعة المعنى أم مجرد متفاعل مع سرديات تُنتَج خارجه؟

    على الصعيد الداخلي هو فاعل جزئي، ما نلاحظه في السنوات الأخيرة أنه أصبح قادرا على صناعة معنى اجتماعي وترفيهي، ويستطيع توجيه الرأي العام حول قضايا داخلية، أو التعبئة ضد فاعلين بعينهم، وفي قضايا مختلفة اقتصادية، رياضية، اجتماعية. كما أنه يساهم في تعزيز لغة الإجماع الوطني حول القضية الوطنية مثلا، وربما تحصين الرواية السائدة في هذا الموضوع من النقد، أو من تأثير الروايات المضادة.

    أما على الصعيد الخارجي، فهو يبدو حتى الآن في وضعية دفاعية، يبذل جهودا كبيرة للرد على الادعاءات أو تكذيب تصريحات، وربما تفنيد السرديات المعادية، خصوصا القادمة من الجزائر أو من جبهة البوليساريو وغيرهما، وقد ينخرط أحيانا في حملات من أجل الصحراء مثل حملة “الصحراء في مغربها”، دفاعا عن سيادة الدولة ورموزها. لكن الملاحظ أن ذلك يتم بلغة عاطفية أحيانا، لا تخلو من شتائم واتهامات ترتد سلبا على القضية. ما أريد قوله أنه حتى الآن لم ينجح الإعلام المغربي في بناء سرديات معرفية إيجابية، مبنية على الحقائق الصلبة وعلى الإنجازات الدبلوماسية المتحققة، وهو طموح ممكن وقابل للتحقيق. لكن للوصول إلى هذا المبتغى، لا بد من القيام بإصلاحات هيكلية وعميقة في المشهد الإعلامي، ترتقي به إلى صانع محتوى حقيقي، الأمر الذي يتطلب استقلالية أكبر وشفافية في التمويل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسؤول بالأرصاد: الاضطرابات الجوية بالمغرب عادية وطول مدة التساقطات سبب الفيضانات

    أفاد خالد الغاز، رئيس مصلحة التوقعات العامة بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، أن التساقطات المطرية التي عرفتها المملكة خلال الفترة الأخيرة تعود أساسا إلى تأثير منخفض جوي عميق متمركز بالمحيط الأطلسي، ظل مستقرا في مكانه لمدة طويلة نسبيا، ما أدى إلى توالي الاضطرابات الجوية التي همّت المغرب منذ أواخر شهر نونبر إلى حدود الساعة.

    وأوضح أن هذا المنخفض الجوي جلب تساقطات مطرية شملت مختلف مناطق البلاد، وكانت قوية بشكل خاص بالشمال والشمال الغربي، كما رافقتها رياح قوية وتساقطات ثلجية فوق المرتفعات، إلى جانب تسجيل انخفاض ملموس في درجات الحرارة خلال بعض الأيام.

    وفي ما يخص الفيضانات المفاجئة، أبرز الغاز أنها ظاهرة معروفة تنتج عادة عن تساقطات مطرية قوية خلال فترة زمنية وجيزة، وغالبا ما يتم تسجيلها خلال فصل الصيف، خاصة أثناء العواصف الرعدية التي تتشكل فوق المناطق الجبلية أو الصحراوية، حيث تؤدي إلى هطول كميات كبيرة من الأمطار في وقت قصير، ما يتسبب في ما يُعرف بالفيضانات السريعة أو المفاجئة.

    غير أنه شدد في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، على أن الوضعية المائية الراهنة لا تندرج ضمن هذا النوع من الفيضانات، بل هي نتيجة لتوالي الاضطرابات الجوية التي أفرزت تساقطات مطرية متواصلة تقريبا لمدة شهر كامل، مع فترات انقطاع قصيرة لا تتجاوز يوما أو يومين.

    وأضاف المتحدث أن هذه التساقطات تراوحت بين متوسطة وقوية، وكانت خلال الفترة الأخيرة قوية جدا، ما ساهم في تسجيل وضعية مائية مهمة، خاصة بعد سبع سنوات من الجفاف، مبرزا أن نسبة امتلاء السدود بلغت حاليا حوالي 68.5 في المئة، كما أدى ذلك إلى ارتفاع منسوب الأودية.

    وأشار الغاز إلى أن مناطق الشمال الغربي، خصوصا الريف، سجلت خلال الفترة الماضية تساقطات مطرية غزيرة جدا، تجاوزت في بعض الأحيان 100 مليمتر خلال 24 ساعة، موضحا أن ذلك يعود إلى التأثير الجغرافي للمناطق الجبلية، الذي يساهم في تعزيز شدة التساقطات، رغم أن السحب الممطرة قد تتشكل في مختلف المناطق، بما فيها السهول.

    وبخصوص التوقعات المقبلة، أفاد رئيس مصلحة التوقعات العامة بالمديرية العامة للأرصاد الجوية بأنه من المرتقب ابتداء من يوم الأربعاء المقبل، 11 فبراير، أن تتجه الأجواء نحو قدر من الاستقرار مقارنة مع الوضع الحالي، رغم استمرار التساقطات من الجمعة إلى الأحد، ولكن دون الحدة التي تم تسجيلها خلال الأيام الماضية.

    وأكد المتحدث أن هذه الظواهر الجوية تبقى في المجمل عادية خلال فصل الشتاء، حيث تعرف مناطق الشمال الغربي عادة تساقطات مطرية مهمة، غير أن خصوصية هذه المرحلة تكمن في طول مدة التساقطات، إذ إن الأمطار كانت شبه متواصلة منذ أواخر شهر نونبر، مع تسجيل أجواء ممطرة جدا، ورياح قوية، وانخفاض في درجات الحرارة وتساقطات ثلجية.

    وفي ما يتعلق بتسمية العواصف، أوضح الغاز أن هذه المسألة تنظمها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، حيث توجد مراكز مختصة مخول لها تسمية هذه الظواهر، مشيرا إلى أن المغرب لا يندرج ضمن قائمة هذه المراكز، نظرا لكونه غير معني كثيرا بهذا النوع من الظواهر، مشددا في سياق آخر، على ضرورة توخي الحيطة والحذر، والاطلاع المستمر على المعطيات والنشرات الجوية، والالتزام بتوصيات السلطات المحلية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. أزمة المحروقات.. اليماني: الاحتياطي يكفي لحوالي 18 يوما فقط

    عاد شبح نفاد الوقود ليطل من جديد على عدد من مدن المملكة، بعدما سجل نفاد مادتي الغازوال والبنزين بعدد من محطات التوزيع. تزامنا مع اضطراب عمليات التفريغ بالموانئ، نتيجة ارتفاع علو الأمواج وصعوبة ولوج البواخر، خاصة بموانئ الجرف الأصفر والمحمدية وطنجة.

    وكشفت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أن السلطات العمومية عبأت، بتنسيق مع الفاعلين العموميين والخواص في قطاع المحروقات، مختلف الإمكانات لضمان التزويد المنتظم بالمواد البترولية، في ظل الصعوبات المرتبطة بالأحوال الجوية، مؤكدة أن مستوى المخزون الوطني يتجاوز حاليا 617 ألف طن، وهو ما يكفي لتغطية حاجيات السوق الوطنية إلى حين استئناف تفريغ السفن التي تحمل أكثر من مليون طن إضافية من المواد الطاقية.

    وفي هذا السياق، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، الذي كشف أن الاحتياطي الحالي من المواد البترولية لا يغطي سوى حوالي 18 يوما من الاستهلاك الوطني.

    هل تعكس الأرقام التي قدمتها الوزارة بخصوص احتياطي المحروقات واقعا مطمئنا، أم أنها تكشف عن وضع مقلق في تدبير التزويد؟

    منذ ثلاث أيام نتلقى اتصالات من محور الدارالبيضاء، القنيطرة الرباط، والمناطق الأكثر كثافة بالسكان، وبالمحمدية أيضا، وقد توجهت بنفسي إلى محطة توزيع ووجدت أن هناك مشكلا في التزويد، وهو ما تحدثت عنه مجموعة من المصادر في المغرب، بمعنى أنها واقعة لا يمكن لأحد أن ينكرها.

    المسألة الثانية تمثلت في إصدار الوزارة لبلاغ، عنوانه « تهدئة الوضع ومحاولة الالتفاف على الواقعة » لكن الواقع هو الواقع، يمكن أن نقول إن البلاغ كان فيه « العذر أقبح من الزلة ». قالت الوزيرة إن الاحتياطي الحالي من المواد البترولية يبلغ 617 ألف طن، أي جميع المواد ذات الأصل البترولي، وهذا الرقم يكفي ل18 يوما من الاستهلاك، بمعنى أنه إذا كانت الوزيرة تتحدث عن هذه الأرقام على هذا النحو، فهل هي متأكدة منها؟ إذا كانت متأكدة، فذلك كارثي، وإذا لم تكن متأكدة، فذلك كارثي أكثر.

    هل يكفي احتياطي المغرب من المحروقات لتغطية الاحتياجات اليومية ؟

    المغرب يستهلك 12 مليون طن سنويا من المواد البترولية، من قبيل « الغازوال، البنزين، الكيروزين، والفيول.. » أي أن الاستهلاك الشهري يبلغ مليون طن، أو حوالي 34 ألف طن يوميا، بينما تقول الوزيرة إن الاحتياطي الموجود فوق التراب المغربي يصل إلى 617 ألف طن، وبحساب بسيط يظهر أن هذا الاحتياطي يكفي لحوالي 18 يوما فقط ».

    والقانون يحث الوزارة على السهر مع الفاعلين على أن يكون لدينا احتياطي لا يقل على 60 يوما، وفي حالة الاستثناء يجب أن يرفع ل90 يوما، أعتقد أن هذا البلاغ لم يكن في اتجاه صحيح، وهذه الوضعية التي نعيشها اليوم والمتمثلة في تقلبات البحر أصبحت متكررة، ليس فقط هذه السنة بل منذ سنوات، الملاحظ أنه في الثلاث سنوات الأخيرة ارتفعت الوتيرة، بمعنى كان لدينا توقف الموانئ ل10 أيام حتى 15 يوما في العام، في 2024 تجاوز الشهر، وسنة 2025-2026، من الممكن أن يتجاوز التوقف 45 يوما.

    هل عمق غياب « سامير » هشاشة الأمن الطاقي بالمغرب؟

    مسألة الأمن الطاقي يجب أخذها بالجدية اللازمة عبر مسارين أساسيين، الأول يتمثل في حمل الفاعلين على الوفاء بالتزاماتهم القانونية فيما يتعلق بالاحتياطيات التي من المفروض أن تكفي ل60 يوما وترفع إلى 90 يوما، إذ نعتبر أن الوضعية التي نعيشها غير عادية.

    والمسألة الثانية هي أن هذا الثقب في المخزون الوطني، وقع بعد تغييب شركة « سامير » منذ 2015، لأن رجوع هذه الأخيرة بطبيعتها التكريرية، من شأنه أن يوفر لنا التخزين، وكانت « سامير » تحتفظ دائما باحتياطي يتراوح بين مليون ونصف مليون طن، أي ما يكفي تقريبا لشهر إلى شهر ونصف من استهلاك المغرب.

    من يتحمل مسؤولية مراقبة التزام شركات التوزيع ومحطات الوقود بكميات التخزين المنصوص عليها؟

    القانون هو من ينص على أن مسؤولية متابعة المخزونات المتوفرة تقع على سلطة الوصاية، أي وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ويخول القانون هذه السلطة حق متابعة المخزونات وفرض الغرامات على أي نقص في الكميات المقررة.

    منذ سنوات لم نسمع أن الوزارة قامت بتحريك هذه الآلية أو هذا المقتضى القانوني، ضد الفاعلين في القطاع، علما بأنه حتى الفاعلين لديهم مطالب في الموضوع.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير دولي: ما يحدث في “إيش” بـفكيك تضليل كبير ومحاولة لاستدراج المغرب (حوار)

    عبد المالك أهلال

    في خضم التطورات الميدانية المقلقة التي تشهدها المنطقة الحدودية “إيش” بإقليم فكيك، حيث أقدم الجيش الجزائري مطلع فبراير الجاري على تغيير معالم الحدود بشكل أحادي مصحوبا باستفزازات عسكرية، تعود الذاكرة المؤلمة لتستحضر سيناريو اقتطاع “العرجة” وحوادث استهداف المدنيين المغاربة. وأمام هذا الوضع، تبرز تساؤلات ملحة حول طبيعة هذا التصعيد؛ فهل نحن أمام إجراءات تقنية لتنفيذ اتفاقية الحدود لعام 1972 كما يُروج، أم أننا بصدد محاولة لفرض أمر واقع جديد ومناوشات محسوبة تستهدف جر المغرب إلى رد فعل عسكري يكسر حالة الجمود الدبلوماسي؟

    وفي هذا السياق، قال الخبير في العلاقات الدولية، أحمد نور الدين في حوار مع جريدة “العمق” إن ما أقدمت عليه الجزائر في منطقة “إيش” لا يمكن تسويغه بأي حال من الأحوال بتنفيذ اتفاقية 1972، واصفاً هذا التبرير بـ”عملية تضليل كبرى” لا يصدقها عقل أمام دولة تغلق مجالها الجوي حتى في وجه الحجاج وتشن حرباً دبلوماسية وإعلامية شاملة. وأكد الخبير أن هذا التعدي ليس حدثاً معزولاً، بل يندرج ضمن “طوفان عدائي” ممنهج وتصعيد هستيري بدأ منذ 2021، شمل قتل المدنيين بدم بارد، واقتطاع واحة العرجة، ومحاربة المصالح المغربية اقتصادياً ورياضياً، مما يؤكد نوايا النظام الجزائري في استهداف سيادة المملكة ومواطنيها بشكل مستمر.

    وعن خلفيات هذا التصعيد، أوضح المتحدث أن الجزائر، التي تخصص ميزانيات ضخمة للتسلح، تسعى يائسة لاستدراج المغرب إلى حرب مفتوحة كخيار “انتحاري” للهروب من أزماتها الداخلية الخانقة وعزلتها الدولية. وفي حين أشاد بوعي المغرب الاستراتيجي الذي يرفض الانجرار وراء توقيت العدو ويركز على تعميق الفوارق التنموية والعسكرية لصالحه، فقد دعا نور الدين الدولة المغربية إلى الخروج من دائرة الصمت عبر تدويل هذه الانتهاكات وتوثيقها لدى المنظمات الأممية، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة تحمل الدولة لمسؤوليتها الداخلية في تعويض الضحايا مادياً ومعنوياً عن الأراضي والممتلكات التي تم السطو عليها.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا:

    1. كيف تقرؤون هذا التصعيد الميداني الجديد الذي يأتي بعد سنوات قليلة من سيناريو ‘العرجة’ وأيام من مقتل مغاربة برصاص الجيش الجزائري؟

    ما قامت به الجزائر يوم الأربعاء 04 فبراير 2026 لا يمكن التعامل معه بسطحية أو باستخفاف، ولا يمكن تبريره بوضع معالم الحدود وفقاً لاتفاقية 1972. هذا سيكون بمثابة “استحمار” للمغاربة، وأعتذر عن المصطلح، لأن هذا العمل العدائي على ممتلكات المغاربة في مركز إيش القروي بإقليم فكيك، واقتطاع مساحات جديدة من أراضي المزارعين التي توارثوها قروناً عن آبائهم وأجدادهم، ليس عملاً معزولاً، بل يندرج في سلسلة من الأعمال العدائية والعدوانية على الدولة المغربية وعلى المواطنين البسطاء من الفلاحين والكسَّابة.

    وكما أشرتم إليه، تم اقتطاع واحة العرجة بفكيك في 18 مارس 2021، وقُتل ثلاثة شبان برصاص الجيش الجزائري قبل أيام قليلة من اليوم على الحدود، وقبلها قُتل ثلاثة شبان في شاطئ السعيدية كانوا يلعبون بدراجاتهم المائية، وتم الاعتداء على لاعبي كرة القدم أقل من 17 سنة في وهران من طرف الجمهور ومن طرف قوات الأمن الجزائرية، وتم منع رفع العلم المغربي في ملعب كرة قدم في تظاهرة دولية أخرى في العاصمة الجزائرية، وتم بتر النشيد الوطني في تظاهرة رياضية دولية في الجزائر، وتم احتجاز فريق الصحافيين المغاربة في المطار، وصودرت كاميراتهم.

    وتم احتجاز جثث الشباب الذين قُتلوا بالرصاص، وتم إصدار قرارات حكومية جزائرية تمنع الأساتذة الجامعيين الجزائريين من المشاركة في الندوات العلمية بالمغرب، وتم منعهم حتى من نشر مقالات أو بحوث في المجلات المغربية، وتم منع الشركات المغربية من المشاركة في طلبات العروض والصفقات بقرارات الحكومة الجزائرية، وتم منع الشركات الجزائرية من مرور بضائعها المستوردة عبر ميناء طنجة المتوسط أو أي ميناء مغربي، وهناك عدد آخر لا يعد ولا يحصى من الأعمال العدوانية التي لا تصل إلى وسائل الإعلام تتعلق باختطاف قطعان الماشية أو رمي المغاربة بالرصاص بشكل يكاد يكون مستمراً طوال السنة ومنذ عقود.

    وعلى المستوى العسكري، تجري الجزائر بشكل دائم مناورات بالرصاص الحي على التماس مع الحدود مباشرة، وهو عمل يعد من الأعمال الحربية، فضلاً عن قطع الأجواء في وجه الطائرات المدنية بما فيها طائرات الحجاج المغاربة إلى مكة المكرمة. ولا يمكن أن نحصر قوائم الأعمال العدوانية التي تزايدت وتيرتها بشكل هستيري منذ 2021 بشكل خاص، تاريخ إعلان الجزائر بشكل أحادي قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.

    وهذه الاعتداءات تشمل كل جوانب الحياة من التراث المغربي بكل أصنافه، إلى حملات التشهير والتضليل على الإعلام الرسمي، إلى التصريحات المستفزة لرئيس الدولة الجزائرية ورئيس أركان الجيش وكل المسؤولين الكبار. بل إن الأمور بلغت حد مخطط شيطاني لإفشال تنظيم كأس أفريقيا بالمغرب، من خلال استراتيجية إعلامية شنت حرباً شاملة على مدى شهور قبل التظاهرة الرياضية وأثناءها وبعدها، وقد تسببت في الأزمة التي عرفتها المباراة النهائية لكأس أفريقيا كما تابع الجميع. ناهيك عن الحرب الدبلوماسية المستمرة دون توقف في كل المحافل الدولية ضد المغرب ووحدته الترابية ورموز سيادته.

    أمام هذا الطوفان العدائي، لا يمكن أن نغطي الشمس بالغربال ونزعم أن الاعتداء على أراضي ساكنة إيش، واقتطاع جزء من مزارعهم يدخل في إطار تنفيذ اتفاقية الحدود، فلا أحد سيصدق ذلك أمام الوقائع، بل لا أحد يمكنه أن يتصور أصلاً أن الجزائر التي حاربت المغرب خلال نصف قرن، والجزائر التي تقطع مجالها الجوي على الحجاج المغاربة، لا يمكن أن نتصور ولو في الخيال العلمي أنها كانت تسمح باستغلال أراضٍ جزائرية طيلة هذه المدة من طرف المغاربة. هذه أكبر عملية تضليل للرأي العام، وعلينا أن نساهم في فضحها لا في الترويج لها عن غير قصد.

    2. هل يمكن اعتبار هذه التحركات محاولة لفرض أمر واقع جديد يتجاوز اتفاقية ترسيم الحدود لعام 1972، أم أنها مجرد مناوشات تستهدف جر المغرب إلى رد فعل عسكري في ظل الجمود الدبلوماسي الحالي؟

    ليس سراً أن الجزائر تسعى إلى الحرب مع المغرب منذ سنوات، ويكفي أن نشير إلى ميزانيتها العسكرية التي بلغت هذه السنة وحدها 25 مليار دولار، ليتضح أنها ميزانية حرب وليست ميزانية دفاع، وعلينا أن نعلم أنها منذ خمس سنوات وهي تتجاوز العشرين مليار دولار، ومنذ 15 سنة لم تنزل ميزانية الجيش الجزائري عن 10 مليارات دولار. هذا أمر بديهي، وقد تضاعفت الاستفزازات على طول الحدود المغربية الجزائرية التي يتجاوز طولها 1600 كلم.

    والمغرب يعلم ذلك جيداً وشرع منذ عشر سنوات في مخططات لتحديث القوات المسلحة الملكية، وللتصنيع العسكري، ودخلنا في شراكات استراتيجية مع حلفاء كلاسيكيين وحلفاء جدد، وتم إحياء قانون التجنيد الإجباري، وغير ذلك من الإجراءات الاستراتيجية والتكتيكية. وطبعاً، أي خبير استراتيجي سيجيبك أنه من أكبر الأخطاء أن يستدرجك العدو إلى حرب هو من يختار توقيتها أو مكانها، لذلك إذا كانت الحرب أمراً حتمياً تسعى إليها الجزائر، فعليك ألا تسايرها في التوقيت والمكان الذي تريده، بل عليك أن تختار أنت متى وأين تخوضها. لذلك فإن المغرب لا يستجيب للاستفزاز الجزائري لجره نحو حرب تريدها الجزائر منذ سنوات كخيار انتحاري أمام عجزها عن الخروج من أزماتها الداخلية وعزلتها الدولية.

    المغرب يعلم أن كل سنة تمر، هي في صالح المغرب لأننا نوسع الهوة أو الفجوة مع العدو الجزائري على المستويات الصناعية والتكنولوجية والاستخباراتية والاقتصادية والعسكرية، وهذا ناتج عن أن المغرب لديه استراتيجيات متعددة الأبعاد للإقلاع الاقتصادي والصناعي تشهد بها الإنجازات على الأرض. وفي المقابل، كل سنة تمر على الجزائر إلا ويشتد الخناق أكثر فأكثر عليها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وحتى عسكرياً من خلال صراع الأجنحة وأبرز مظاهره سجن حوالي أربعين جنرالاً وفرار آخرين إلى إسبانيا وفرنسا. حتى إن التقارير الدولية تكاد تجمع على أن الانفجار الكبير في الجزائر هو مسألة وقت فقط.

    وهذا ليس من باب ضرب الخَط في الرمل أو التنبؤ بالغيب، بل من باب استقراء الأرقام والسياسات المتبعة في هذا البلد الذي يعتمد كلياً على ريع النفط والغاز، ولا يملك أي تصور اقتصادي أو سياسي للخروج من حالة الاحتقان والاحتباس الذي استفحل مع الحراك الشعبي في فبراير 2017، رغم أن جذورها تمتد إلى العشرية السوداء في التسعينات بعد انقلاب العسكر الجزائري على صناديق الاقتراع في يناير 1992.

    ولكن مع تفهمنا للموقف الرسمي المغربي، إلا أننا لا يمكن أن نغض الطرف عن انتهاكات الجزائر لحقوق المواطنين المغاربة والاستيلاء على ممتلكاتهم. على الأقل، يجب أن تتحرك الدولة المغربية وتباشر المساطر الدبلوماسية لدى الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية والإقليمية المعنية، من أجل فضح الانتهاكات والاعتداءات الجزائرية، ومن أجل تسجيلها رسمياً في سجلاتها حتى نُكوّن ملفات صلبة وثقيلة عندما يحين وقت المحاسبة أو على الأقل وقت المفاوضات. وهذا أمر في متناول الدولة المغربية بل من واجبها، ولكن لحد الآن لم نر ولم نسمع أن الدولة المغربية قامت بذلك.

    المسألة الثانية وهي داخلية، وتتعلق بتعويض المواطنين المتضررين من العدوان الجزائري سواء في قضية العرجة بفكيك 2021 أو اليوم في قضية إيش 2026، وقبل ذلك في قضايا كثيرة منها واحات زوزفانة بفكيك أيضاً والتي تم التنازل عنها في اتفاقية 1972 دون تعويض المواطنين وذوي الحقوق، ونفس الشيء بالنسبة للملف الثقيل لضحايا الطرد التعسفي القسري والجماعي من الجزائر سنة 1975 في عيد الأضحى، وغيرها من الملفات.

    فالمواطنون قد يتفهمون الحسابات الجيوسياسية وحكمة العقل الاستراتيجي للدولة المغربية في التعاطي مع استفزازات الجزائر، ولكن الحكمة أيضاً تفرض على الدولة أن تتخذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية على مستوى المنظمات الدولية، وأن تتحمل الدولة داخلياً تعويض الضحايا المغاربة عن كل شبر من الأرض تم اقتطاعه، وعن كل درهم من الخسائر، وعن كل روح سقطت برصاص العدو الغادر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. مدير شبكة خبراء المياه: سد وادي المخازن فقد دوره كخزان احتياطي للفيضانات

    في مواجهة خطر فيضان واد اللوكوس، أعلنت عمالة العرائش حالة التنبيه الأحمر. ومع توقع أمطار استثنائية وبلوغ سد وادي المخازن أقصى طاقته، وضعت السلطات المحلية خطة استباقية محكمة، شملت الإجلاء الوقائي للسكان، وتفعيل مراكز الإيواء، وتعبئة كافة مصالح الدولة لضمان جاهزية كاملة للتعامل مع الوضع.

    تم تصنيف الحالة الجوية الحالية في المستوى الأحمر بسبب كثافة الأمطار المتوقعة، التي قد تصل في بعض المناطق إلى ما بين 100 و150 ملم خلال 24 ساعة، وتشمل مناطق شفشاون، المضيق–الفنيدق، تطوان، طنجة–أصيلة، وزان، العرائش.

    في هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع جواد الخراز، مدير شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، الذي كشف أن السد يفقد دوره التنظيمي الأساسي كخزان احتياطي للفيضانات، ويصبح مجبراً على تصريف كل ما يرد إليه فوراً عبر المصبات  لتجنب التجاوز فوق الجسم، وهو أحد أخطر أسباب فشل السدود.

    كيف يؤثر الملء الاستثنائي لسد وادي المخازن على السلامة المائية والمناطق السكنية؟

    وصول سد وادي المخازن (أكبر سد في حوض واد اللوكوس، قرب مدينة القصر الكبير) إلى نسبة ملء 100% (بل وتجاوزها في بعض التقارير إلى مستويات قياسية تصل إلى 140% من السعة العادية الآمنة، مع حقينة تفوق 945-960 مليون متر مكعب) في هذه المرحلة المبكرة من الموسم المطري (فبراير 2026) يمثل خطورة عالية جداً نظرا لمجموعة من الأسباب.

    السد يفقد دوره التنظيمي الأساسي كخزان احتياطي للفيضانات، ويصبح مجبراً على تصريف كل ما يرد إليه فوراً عبر المصبات (spillways) لتجنب التجاوز فوق الجسم (overtopping)، وهو أحد أخطر أسباب فشل السدود. والأمطار الاستثنائية مستمرة (توقعات بـ100-150 ملم في يوم واحد في بعض المناطق)، مما يعني تدفقات إضافية كبيرة إلى الحوض، وبالتالي تصريف مستمر وكبير يرفع منسوب واد اللوكوس بشكل مباشر وسريع. هذا الوضع غير مسبوق منذ تشييد السد عام 1979، ويتزامن مع حالة إجهاد مائي سابقة، مما يجعل المنطقة أكثر عرضة للكوارث.

    التصريف الحالي (الذي بدأ وقائياً منذ 24 يناير 2026، وبلغ حتى الآن حوالي 281 مليون متر مكعب) كافٍ نسبياً لمنع انهيار السد أو تجاوزه، حيث يتم بشكل محكم ومسبق (controlled releases) لإحداث هامش أمان داخل الخزان. وتؤكد السلطات (وكالة الحوض المائي، وزارة التجهيز والماء) أن السد في حالة تقنية جيدة رغم التجاوز، ولا يوجد خطر فوري على سلامته الهيكلية. لكن هذا التصريف نفسه يُسهم في ارتفاع منسوب الوادي أسفل السد، مما يزيد من خطر الفيضانات في المناطق المنخفضة (مثل أحياء القصر الكبير).

    كيف تفسر خطورة الوضع الحالي أسفل السد حتى بعد بدء عمليات الإجلاء؟

    مستوى الخطر الحقيقي على المناطق أسفل السد (خاصة مدينة القصر الكبير وحوض اللوكوس) خلال الأيام المقبلة مرتفع جداً إلى حرج (critical to high)، وذلك للأسباب التالية: استمرار التساقطات الغزيرة والرعدية المتوقعة (خاصة مساء الثلاثاء 3 فبراير ويوم الأربعاء 4 فبراير)، مع إنذار أحمر من المديرية العامة للأرصاد الجوية.

    ارتفاع منسوب الوادي بشكل ملحوظ بسبب التصريف المستمر إضافة إلى التدفقات الطبيعية، مما أدى بالفعل إلى غمر أحياء وطرق، وإجلاء وقائي غير مسبوق لعشرات الآلاف (أكثر من 50 ألف شخص حتى الآن، بما في ذلك نقل سكان إلى مدن شمالية أخرى)، وخطر فيضانات سريعة (flash floods) أو غمر واسع إذا زادت الواردات، حتى ولو لم يحدث فشل للسد نفسه. إن الوضع يتطلب استمرار اليقظة، خاصة أن الخطر لا ينتهي بانتهاء المطر مباشرة (بسبب التدفقات المتأخرة من الروافد).

    استمرار الأمطار الغزيرة (إنذار أحمر، 100-150 ملم متوقع يوم 4 فبراير)، مع تصريف مستمر وهيجان البحر يحد من التصريف الطبيعي، مما دفع لإجلاء واسع غير مسبوق (عشرات الآلاف، بما في ذلك نقل سكان إلى مدن أخرى)، وخطر فيضانات سريعة وغمر واسع في القصر الكبير وحوض اللوكوس.

    ما التوصيات العملية لتفادي الكوارث خلال هذه الفيضانات وفق الممارسات الدولية؟

    يجب على السكان أن يراقبوا المصادر الرسمية (الأرصاد، السلطات المحلية، الدفاع المدني) باستمرار، ويجهزوا حقيبة طوارئ، وينتقلوا فوراً إلى أرض مرتفعة إذا صدر أمر إجلاء، ويتجنبوا عبور المياه الجارية (15-30 سم كافية لإسقاط شخص أو سيارة). وعلى السلطات الاستمرار في التصريف، تعزيز الحواجز، إدارة حركة السير، وتفعيل خطط الطوارئ الكاملة.

    هذه الوفرة المائية الاستثنائية (التي رفعت ملء السدود الوطنية إلى أكثر من 61%) فرصة للأمن المائي على المدى الطويل، لكنها تتطلب تدبيراً دقيقاً لتجنب الكوارث الآنية، مع مراعاة التحديات البنيوية مثل التوحل الذي تعاني منه السدود.

    هل تصريف المياه حاليا كافٍ لتفادي فيضانات محتملة أسفل السد؟

    كافٍ لمنع فشل السد أو تجاوزه (تصريف وقائي محكوم بلغ 281 مليون م³ حتى الآن، والسد في حالة تقنية جيدة حسب المسؤولين)، لكنه غير كافٍ لتفادي الفيضانات أسفل السد؛ التصريف نفسه إضافة إلى التدفقات الطبيعية قد يسببا غمر الأحياء المنخفضة في القصر الكبير.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. يوعابد: المناطق الجبلية والوديان الصغيرة معرضة بشكل كبير لسيول مفاجئة

    تدخل عدد من مناطق المملكة خلال الأيام المقبلة مرحلة جوية دقيقة، تتسم بارتفاع منسوب الخطورة، في ظل مؤشرات قوية على اضطرابات مناخية غير مستقرة قد تخلف تأثيرات ميدانية مباشرة على السلامة العامة، خاصة بالمناطق الشمالية ما يستدعي أعلى درجات اليقظة والاستعداد.

    خلال الأسبوع الجاري، تتميز الحالة الجوية بأجواء ممطرة ببلادنا خاصة بمناطق الشمال، نتيجة توالي الاضطرابات الأطلسية، حيث يُرتقب تسجيل تساقطات مطرية مهمة ابتداء من اليوم وخلال الأسبوع معتدلة ومحلياً مهمة، قد تكون قوية ورعدية، مع نشرة إنذارية من المستوى الأحمر يوم الأربعاء.

    وفي هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع الحسين يوعابد، مسؤول التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، الذي أكد أن تراكم الأمطار في فترة زمنية قصيرة يرفع بشكل كبير خطر الفيضانات المحلية والسيول المفاجئة، خاصة بالمناطق المنخفضة والجبلية ذات التصريف المائي الضعيف، مهددا سلامة السكان.

    لماذا تم تصنيف هذه الحالة الجوية في المستوى الأحمر وما الذي يميزها؟

    تم تصنيف الحالة الجوية الحالية في المستوى الأحمر بسبب كثافة الأمطار المتوقعة، التي قد تتراوح في بعض المناطق بين 100 و150 ملم خلال 24 ساعة، وتشمل مناطق شفشاون، المضيق–الفنيدق، تطوان، طنجة–أصيلة، وزان، العرائش وفحص–أنجرة يوم الأربعاء، بالإضافة إلى استمرار تراكم الأمطار في الأيام المقبلة حتى الثلاثاء، مع الرياح القوية والعواصف الرعدية المصاحبة.

    ما يميز هذه الحالة عن باقي الاضطرابات المعتادة هو استمرار التساقطات لفترات أطول، وتوزعها الجغرافي الواسع الذي يشمل الريف، الغرب، طنجة، واللكوس، إضافة إلى تفاعل عدة عوامل جوية مثل وجود منخفض أطلسي عميق وجيوب هوائية باردة، وتأثير مرتفعات الريف التي تعيق تحرك السحب الماطرة، مما يزيد من تراكم الأمطار ويجعل هذه الحالة أكثر خطورة من الحالات المطرية المعتادة.

    هل يحتمل أن تُحدث التراكمات المطرية المتوقعة فيضانات أو سيولًا مفاجئة بالمناطق المعنية؟

    نعم، تراكم الأمطار في فترة قصيرة قد يؤدي إلى فيضانات محلية في المناطق المنخفضة، خصوصًا تلك التي تشهد ضعفًا في نظام تصريف المياه. كما أن المناطق الجبلية والوديان الصغيرة معرضة بشكل كبير لسيول مفاجئة، حيث يمكن أن تتجمع المياه بسرعة وتشكل خطرًا على السكان والممتلكات. لذلك يُنصح بمراقبة مستوى المياه واتخاذ الاحتياطات اللازمة في المناطق الأكثر عرضة للخطر.

    ما أهم السلوكيات التي تحذرون المواطنين منها خلال ذروة التساقطات؟

    خلال ذروة التساقطات، يُنصح المواطنون باتباع مجموعة من السلوكيات الوقائية لضمان سلامتهم، أهمها: تجنب عبور الأودية والمناطق المنخفضة أثناء الأمطار الغزيرة، وعدم المجازفة بالسيارة في الأماكن التي تتجمع فيها المياه، والانتباه للرياح القوية وحماية الممتلكات من الأشجار أو اللوحات المتساقطة، والبقاء في أماكن آمنة قدر الإمكان. كما يجب متابعة توصيات السلطات المحلية والنشرات الجوية الرسمية باستمرار للحصول على آخر المعطيات والتحديثات المتعلقة بالحالة الجوية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هذه أهم المنجزات والخدمات والمشاريع المستقبلية الموجهة لمنخرطي التعاضدية العامة

    في هذا الحوار، الذي أجرته معه جريدة «الأخبار»، يستعرض مولاي إبراهيم العثماني، رئيس المجلس الإداري للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، أهم المنجزات التي تحققت لفائدة المنخرطين، وكذلك الخدمات الجديدة الموجهة إليهم، ومنها الرفع من نسب التعويض عن مجموعة من الخدمات الطبية الأساسية والهامة في إطار التغطية التعاضدية التكميلية ابتداء من يناير 2026، وكذلك استفادة المنخرطين من شراكات صحية مع مؤسسات استشفائية وطبية رائدة، وتنظيم قوافل طبية. وأشار العثماني إلى أن التعاضدية العامة سجلت انخراط أكثر من 59 ألف منخرط ما بين سنتي 2021 و2025، ما اعتبره دليلا على جاذبيتها ومصداقيتها المتنامية. وفي هذا الصدد طالب العثماني بإخراج مدونة التعاضد بعد تنقيحها وملاءمتها مع المستجدات الدولية في مجال الاقتصاد الاجتماعي التضامني ومع ورش تعميم الحماية الاجتماعية.

     

    حاوره: محمد اليوبي

     

    • كما تعلمون، قرر مجلس الأمن الدولي، في 31 أكتوبر الماضي، اعتبار مقترح الحكم الذاتي، الذي تقدمت به بلادنا أرضية وحيدة لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، بصفتكم رئيس الاتحاد العالمي للتعاضد والاتحاد الإفريقي للتعاضد وأحد أبناء الأقاليم الجنوبية، كيف تنظرون لهذا القرار الأممي؟

     

    + القرار الأممي رقم 2797 ثمرة للرؤية الاستراتيجية والقيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وتتويج للدينامية التي أطلقها في الدفاع عن القضايا الوطنية العادلة، وترسيخ لمكانة المغرب كشريك موثوق في السلم والاستقرار الإقليمي والدولي. وهو، في الآن ذاته، تكريس لقناعة المجتمع الدولي بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الحل الواقعي، الجدي وذي المصداقية لإنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل في إطار السيادة والوحدة الترابية للمملكة.

    وبالنسبة لي كأحد أبناء الأقاليم الصحراوية للمملكة، كان لهذا القرار وقع خاص، لأنه يعزز مسار التنمية والاستقرار الذي تعيشه أقاليمنا الجنوبية تحت السيادة المغربية، ويفتح لها آفاقا جديدة للتنمية والاستثمار تعزز مكانتها كبوابة لإفريقيا وجسر للتعاون بين دول المنطقة.

    وبصفتي رئيس الاتحاد العالمي للتعاضد والاتحاد الإفريقي للتعاضد، فهذا القرار الأممي يعطي زخما قويا لمسار إشعاع المغرب على المستويين الإفريقي والعالمي ويفتح آفاقا جديدة للعمل المشترك على جميع الأصعدة، بما فيها القطاع التعاضدي الذي عرف بدوره أخيرا، وبمبادرة من المغرب، اعترافا أمميا بأهميته في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وهو ما يحفزنا على بذل المزيد من الجهد لمواكبة مسيرة التغيير التي يقودها صاحب الجلالة نصره الله، الذي قال في خطابه التاريخي في 31 أكتوبر الماضي، إن «الدينامية التي أطلقناها، في السنوات الأخيرة، بدأت تعطي ثمارها على جميع الأصعدة».

     

    • بعد قرار الأجهزة المسيرة للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية بالرفع من تعويضات منحة التقاعد والوفاة، أعلنتم عن الرفع من نسب التعويض عن مجموعة من الخدمات الطبية الأساسية والهامة في إطار التغطية التعاضدية التكميلية ابتداء من يناير 2026. كيف تقيمون وقع هذا القرار على المنخرط؟

    + في إطار تنزيل مخطط عملنا الاستراتيجي الخماسي 2021-2025، قررت الأجهزة المسيرة لمؤسستنا رفع رصيد منحة الوفاة من 19.700 إلى 50.000 درهم، والتسبيق عن هذا الرصيد عند الإحالة على التقاعد من 6500 إلى 35.000 درهم. وتمت، خلال سنة 2025، تسوية 5279 ملفا خاصا بمنحة التقاعد بأداء أجمالي يفوق 143 مليون درهم و2368 ملفا خاصا بمنحة الوفاة بأداء أجمالي بلغ 57 مليون درهم، في حين بلغت الأداءات المتعلقة بباقي المنح 1،5 مليون درهم.

    وفي السياق نفسه، وبهدف تحسين خدمات التعاضدية العامة، قررت الأجهزة المسيرة رفع نسبة التعويض عن بعض نفقات التأمين الصحي التعاضدي، مركزة على خدمات تثقل نفقاتها كاهل المنخرطين. هكذا رفعت التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية نسبة التعويض التكميلي عن الأدوية القابلة للاسترجاع من 16 إلى 20 بالمائة، ليصل مجموع التعويض، بعد إضافة مساهمة التأمين الإجباري عن المرض، إلى 90 بالمائة من الثمن العمومي للدواء، وخصصت، كذلك، تعويضا إضافيا قدره 10 دراهم لكل فحص طبي لدى أطباء القطاعين العام والخاص، سواء في إطار الملفات العادية، بما في ذلك علاجات طب الأسنان، أو المتعلقة بالأمراض المزمنة والمكلفة، إضافة إلى اعتماد تعويض تكميلي خاص بالتيجان المصنوعة من السيراميك بمبلغ 360 درهما، ليصل مجموع التعويض الأساسي والتكميلي إلى 2360 درهما لكل سن.

    لقد اتخذنا هذا القرار، الذي دخل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير الجاري، بالرغم من ضغط الخدمات، إذ تمت، منذ 2021 وإلى غاية متم 2025، معالجة 7.75 ملايين ملف مرض، مقابل 6.7 ملاببن ملف ما بين سنتي 2016 و2020، وبلغت قيمة الملفات التي تمت تصفيتها خلال الفترة نفسها 5.8 مليارات درهم في إطار النظام الأساسي و594 مليون درهم في إطار التغطية التكميلية، مقابل، على التوالي، 4 مليارات درهم و440 مليون درهم خلال 2016-2020.

    هذه الأرقام الاستثنائية لا تعكس فقط الجهود التي تبذلها مواردنا البشرية لمواكبة ورش إصلاح منظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بل أيضا الثقة التي أصبحت تحظى بها تعاضديتنا لدى موظفي القطاع العام، ذلك أن التعاضدية العامة سجلت انخراط أكثر من 59 ألف منخرط ما بين سنتي 2021 و2025، وهو دليل على جاذبيتها ومصداقيتها المتنامية.

     

    • تميزت سنة 2025 بدينامية غير مسبوقة في مجال الشراكات الصحية مع مؤسسات استشفائية وطبية رائدة، ما أهم الامتيازات التي استفاد منها المنخرط؟ وهل هناك مشاريع مستقبلية في هذا الإطار؟

    + نحن نؤمن، كجهاز مسير، بأن الشراكات الاستراتيجية المتينة تشكل دائما ركيزة أساسية لتقديم خدمات صحية أفضل وأكثر قربا للمنخرطين، وأن الاستثمار في علاقات مستدامة مع شركائنا، عمادها الجودة والشفافية، أداة استراتيجية لتعزيز الثقة والمصداقية. لذلك حرصت التعاضدية العامة، خلال سنة 2025، على بناء دينامية جديدة في مجال الشراكة مع مؤسسات استشفائية وصحية رائدة في هذا المجال.

    هكذا جرى توقيع اتفاقيات مع مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، ومؤسسة الشيخ زايد بن سلطان ومجموعة «أكديطال»، بهدف تعزيز جودة الخدمات وتوسيع نطاق التغطية. ولم يقتصر الأمر على مجرد الشراكات، بل تم إحداث مكاتب استقبال خاصة بالمنخرطين داخل هذه المؤسسات، يشرف عليها مستخدمون تابعون للتعاضدية العامة، لضمان المواكبة المستمرة والاعتناء بحقوق كل منخرط والدفاع عن حقوقهم في الولوج للعلاجات والاستفادة من خدمات التأمين الإجباري عن المرض. هذه المبادرات تهدف أيضا إلى تبسيط المساطر الإدارية وتسهيل الولوج إلى الخدمات الطبية المتخصصة وتكوين الأطر الطبية وشبه الطبية.

    فضلا عن ذلك عملت التعاضدية العامة على إيجاد حلول عملية ومستدامة لتخفيف العبء المالي على المنخرطين من خلال اعتماد تعريفة تفضيلية خاصة بعلاج بعض علاجات الأسنان غير المُعوض عنها وآلات تصحيح السمع. إذ جرى توقيع شراكات مع مؤسسات متخصصة في مجال طب الأسنان وتصحيح السمع، بما يتيح تقديم خدمات عالية الجودة بتكاليف أقل. وشملت هذه الجهود، أيضا، توفير تسهيلات إضافية أخرى، عبر اتفاقية مع «أطلنطا سند» لتقديم تسهيلات غير مسبوقة في التأمين عن السيارات للمنخرطين، في إطار رؤية اجتماعية شمولية تراعي احتياجات المنخرطين في مختلف جوانب حياتهم.

    هذه المبادرات والتدابير تعكس التزام التعاضدية العامة برؤيتها الإنسانية والاجتماعية، وتؤكد على أن الاهتمام بالمنخرط ليس مجرد شعار، بل واقع ملموس في كل خدمة ومكتسب جديد. ومن خلال هذا التوجه، أصبحت التعاضدية العامة قادرة على تقديم حلول مبتكرة ومرنة تلبي احتياجات المنخرطين المتزايدة.

     

    • من بين توجهات مخطط العمل الاستراتيجي الاعتماد على الرقمنة في علاقة التعاضدية بمنخرطيها، ما أهم الإنجازات في هذا المجال؟

    + خلال الجمع العام الأخير بالحسيمة، المنعقد في 12 دجنبر 2025، أطلقنا التطبيق الرقمي «MA MGPAP»، الذي يمثل نقلة نوعية في مجال تتبع ملفات الاحتياط الاجتماعي والتأمين الصحي وتبسيط المساطر وضمان الشفافية في التعامل مع المنخرطين. ويتميز هذا التطبيق باعتماد الذكاء الاصطناعي لإرشاد المنخرطين حول المساطر وطرق الاستفادة من خدمات التأمين الصحي والاحتياط الاجتماعي وعيادات الأسنان ومراكز البصريات التعاضدية ومراكز الراحة التابعة لمؤسستنا، ويوفر إمكانية حجز المواعد عن بعد لدى منشآتنا الاجتماعية والصحية.

    هذا التطبيق يمنح أيضا كل منخرط إمكانية تتبع ملفاته والتعويضات، مع تعزيز التواصل الفوري مع المؤسسة. وفي السياق ذاته، شرعنا في إصدار بطاقة جديدة للمنخرطين بعد أن توقف الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي عن إصدارها، وذلك تكريسا للاستمرارية والثقة، مع إضافة مميزات رقمية تواكب التطور التكنولوجي. ويرتقي هذا الورش الرقمي، كذلك، بكفاءة الوحدات الإدارية والجهوية، ويقلص وقت الانتظار ويجعل الخدمات أكثر قربا ووضوحا.

     

    • بعد النجاح الذي عرفه تنظيم قوافل طبية بالمناطق الجنوبية، هل تفكرون في تنظيم قوافل طبية جديدة في مناطق تعرف الخصاص ذاته في مجال العرض الصحي؟

    + تعكس القوافل الطبية رؤية استراتيجية شاملة، تجمع بين التضامن الاجتماعي، الابتكار في تقديم الخدمات وتقريب الرعاية الصحية من كل منخرط، مع تعزيز التنسيق والتعاون المشترك مع مصالح وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والسلطات المحلية.

    ولاقت القافلة الأولى، التي جابت طرفاية، بوجدور، العيون، السمارة، أخفنير، طانطان، كلميم، آسا وسيدي افني، ما بين ماي ويونيو 2024 نجاحا كبيرا، إذ استفاد منها 28.343 شخصا، ما يعكس الحاجة لهذه المبادرات ومدى فعاليتها. وأظهرت هذه التجربة قدرة التعاضدية العامة على تنظيم برامج طبية، تشمل الفحوصات العامة والمتخصصة، والعلاجات الضرورية ولقاءات توعية في مجال الوقاية.

    وتجسيدا لنجاحنا في تنظيم هذه المبادرات الإنسانية. حصلت التعاضدية العامة، أخيرا، على التراخيص اللازمة لتنظيم القوافل في عدة مناطق، منها بني ملال، خنيفرة، درعة، تافيلالت، فاس، مكناس، وطنجة، تطوان، الحسيمة، لضمان تقديم خدمات طبية متخصصة في أقرب مكان للمستفيدين، وبالتالي، ستغطي أربع جهات، وهو ما يعزز الثقة في المؤسسة ويؤكد التزامها بضمان المساواة والعدالة في الوصول إلى الرعاية الصحية، بغض النظر عن الموقع الجغرافي.

     

    • مع تطلع المنخرطين إلى خدمات صحية تعاضدية أكثر قربا وجودة، ما ملامح العرض الصحي التعاضدي في المرحلة المقبلة، وكيف ستعكس هذه التطورات التزام التعاضدية العامة؟

    + نحن نطمح دائما إلى جعل التعاضدية العامة مؤسسة منتجة وفعالة في مجال الخدمة الصحية. في هذا الإطار تقدمنا بطلبات الحصول على ترخيص سلطات الوصاية لإحداث وحدات متخصصة تشمل الطب الإشعاعي، التحاليل البيولوجية، تصفية الكلى، الاستشفاء اليومي والترويض الطبي، بهدف توسيع نطاق الخدمات المتوفرة وتلبية الاحتياجات الطبية للمنخرطين وتحسين ظروف العلاج، وتقديم رعاية صحية شاملة تتماشى مع أعلى المعايير المهنية.

    من خلال هذا التوجه، نتطلع إلى خلق عرض صحي تضامني تعاضدي، يحترم التعريفة الوطنية المرجعية ويتقيد بمبادئ الشفافية والجودة ويتموقع كقطاع ثالث مكمل للقطاع الصحي العمومي والخاص. ونطمح، كذلك، لتخفيف أعباء النفقات الصحية على المنخرطين من خلال تعبئة الثالث المؤدي للتأمين الإجباري عن المرض ليكون أداة لضمان العدالة في الولوج للعلاج بين من يتوفرون على الإمكانيات ومن يعوزهم ذلك.

    وفي انسجام تام مع هذا التوجه، باشرت الأجهزة المسيرة الحالية للتعاضدية العامة المساطر الإدارية والقانونية لإحداث تعاضدية الوحدات الصحية والاجتماعية لموظفي الإدارات العمومية – «ميسباب»، التزاما منها بتطبيق مقتضيات الفصل 44 من القانون 65.00 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، مع استحضار أن تدبير هذا النظام موكول قانونا للمؤسستين العموميتين المختصتين، وهما الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ناهيك عن ذلك تظل التعاضديات منفتحة على إبرام شراكات واتفاقيات مع المنظمات المهنية للأطباء، تأسيسا على منطوق الفصل 38 من الظهير الشريف الصادر في 12 نونبر 1963 بمثابة نظام أساسي للتعاون المتبادل.

     

    • ألا ترون أن من شأن توجه التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية المذكور إثارة مخاوف أو تحفظات القطاع الصحي الخاص؟

    + التعاضديات، وفي مقدمتها التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، هي مؤسسات تضامنية ذات طابع اجتماعي وغير ربحي، تضطلع بدور مكمل ومساعد للقطاع الصحي العمومي، ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، اعتبارها منافسا للقطاع الصحي الخاص، وذلك لاعتبارات موضوعية وواقعية متعددة.

    فعدد منخرطي تعاضديات القطاع العام وذوي حقوقهم لا يتجاوز 3.2 مليون شخص، والمراكز الصحية التابعة للتعاضديات لا تستقطب سوى 5 بالمائة من إجمالي أداءات «كنوبس» في إطار الثالث المؤدي، مقابل 84 بالمائة بالنسبة القطاع الخاص، وبالتالي لا يمكن الحديث عن منافسة بين القطاع التعاضدي والخاص، خاصة وأن المنخرطين بالتعاضديات يتوفرون على حرية اختيار مقدمي العلاجات، في حين لا يمكن لمراكزنا الصحية التعاضدية استقبال أجراء القطاع الخاص ولا المستفيدين من باقي أنظمة التأمين الإجباري عن المرض من قبيل «أمو تضامن» و«الشامل» والطلبة والمهن الحرة والمستقلين.

    ولا بد من الإشارة إلى أن ما يقارب 60 بالمائة من المستفيدين من المراكز الصحية التعاضدية ينتمون إلى ذوي الدخل المحدود، ما يجعلهم يتجهون نحو هذه الوحدات بحثا عن خدمات قريبة وبتكلفة ميسرة. إلى جانب ذلك، تتمركز المراكز الصحية الحالية والمستقبلية للتعاضديات في مناطق تعرف خصاصا في بعض التخصصات الطبية الحساسة، من قبيل طب العيون وطب القلب والشرايين وطب الأسنان، بما يساهم فعليا في تعزيز الخريطة الصحية الوطنية وسد بعض الثغرات القائمة، وبالتالي، يجب أن نساهم، كقطاع عمومي قوي وقطاع خاص تنافسي وقطاع تعاضدي تضامني، في وضع خريطة صحية متكاملة ومندمجة ومنسجمة تحفظ للمواطن حقه الدستوري في العلاج والرعاية الاجتماعية والتضامن التعاضدي.

    • على ضوء القرارات الأخيرة المتعلقة بالرفع من جودة الخدمات ونسب التعويض، كيف تقيمون الوضعية المالية للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية؟

    + سؤال وجيه، لقد فرض حجم الأوراش الإصلاحية والمشاريع الهيكلية التي انخرطت فيها التعاضدية العامة تعبئة موارد بشرية ومالية مهمة، سواء لتأهيل البنيات، توسيع شبكة القرب، تطوير العرض الصحي أو لمواكبة ورش الرقمنة. ورغم هذه الالتزامات ذات الكلفة العالية، فالوضعية المالية للتعاضدية العامة متوازنة، وبلغت عائدات التوظيف المالي ما مجموعه 67.4 مليون درهم، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 6,48 بالمائة في اشتراكات القطاع التعاضدي والصندوق التكميلي عند الوفاة مقارنة بسنة 2024، وهو ما يعكس تحسنا ملموسا في الموارد الذاتية للمؤسسة.

    بذلنا، أيضا، مجهودا استثنائيا في تحصيل المستحقات العالقة لدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي الخاصة بملفات الثالث المؤدي، والتي بلغت ما مجموعه 142 مليون درهم. ومن هذا المنبر لا بد أن أتقدم بالشكر لإدارة الصندوق على حسن التعامل والجدية في تسوية هذا الملف.

    وفي سياق آخر، قمنا بتسوية اختلالات مالية تعود لمرحلة تسيير الأجهزة المسيرة السابقة المنحلة جراء التطبيق غير القانوني لزيادة في الاشتراكات، حيث قمنا بأداء 95.5 مليون درهم لحد الآن، وذلك في إطار احترام صارم للقانون وحكامة التدبير، ودون أي مساس باحتياطي المؤسسة أو بحقوق المنخرطين، بما يضمن استدامة التوازنات المالية ويكرس الأمن التعاضدي على المديين المتوسط والبعيد.

     

    • ماذا عن الوحدات الصحية والاجتماعية؟

    لا بد أن أشير إلى أنه، خلال سنة 2025، استفاد 60.430 منخرطا من عيادات طب الأسنان التابعة للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، و11.853 منخرطا من الفحوصات الطبية لعياداتنا و606 من دور الراحة. نعم، عرفت مردودية هذه الوحدات تراجعا لا يمكن فصله عن اختلالات بنيوية متراكمة، موروثة عن فترات تدبير سابقة، وعلى رأسها إحداث وحدات غير مرخصة، وغياب رؤية مالية دقيقة تميز بين كلفة التدبير التعاضدي العام وتكاليف استغلال الوحدات الصحية والاجتماعية، وأكدت هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي هذه الملاحظات.

    وأمام هذه الوضعية، وفي إطار المسؤولية والشفافية، اتخذ المجلس الإداري للتعاضدية العامة جملة من التدابير الاستعجالية، من بينها تعيين لجنة لليقظة لتشخيص الوضعية المالية بدقة، والوقوف على مكامن الخلل واقتراح حلول عملية كفيلة بإعادة التوازنات المالية إلى هذه الوحدات، وذلك بالاستعانة بمكتب دراسات خارجي.

    هذه الإجراءات مكنت من تسجيل تحسن ملموس في أداء الوحدات الصحية، حيث عرفت مردوديتها، خلال شهر أكتوبر 2025، ارتفاعا ملحوظا بلغ حوالي 100 بالمائة، وهو ما يشجعنا على المضي قدما في استراتيجيتنا الهادفة إلى ضمان التوازن المالي لهذه الوحدات لتفادي أي تهديد للاستقرار المهني للمستخدمين العاملين بها.

    وأغتنم الفرصة لأشدد على أن المجهودات المبذولة من طرف الجهاز المسير الحالي تقتضي مواكبة فعلية من سلطات الوصاية وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، سيما عبر تسريع منح التراخيص القانونية اللازمة، والموافقة على إحداث مشاريع صحية واجتماعية جديدة، خاصة مختبرات التحاليل الطبية التي نخطط لتعميمها على مستوى خمسة أقطاب جهوية. ومن شأن هذه الإجراءات أن تسهم بشكل فعال في تجاوز العجز المالي المسجل، وتحقيق التوازنات والفوائض المالية، بما يضمن استمرارية التعاضدية العامة في أداء رسالتها الاجتماعية والصحية لفائدة منخرطيها وذوي حقوقهم.

     

    • هل تعرف مراكز أمل للتتبع التربوي والنفساني للأطفال في وضعية إعاقة الوضعية المالية ذاتها؟

    + عندما تسلمت الأجهزة الحالية المسؤولية، لم يكن عدد المستفيدين من مراكز أمل يتعدى 22 طفلا من ذوي الهمم، وذلك راجع لما كانت تعرفه هذه المراكز، لا مركز أمل الرباط ولا مركز أمل سوس أكادير، من إهمال وتهميش، ما أثر على مردوديتها وخلف عزوفا لدى المنخرطين، وقمنا على إثرها بالانكباب على إعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل لمركز أمل الرباط وتعزيز المراكز بالأطر التربوية والطبية المؤهلة وإدخال منهجيات تربوية حديثة قائمة على دمج الأطفال في المجتمع ونجحنا في تسوية الوضعية العقارية لمركز أمل سوس بأكادير، ما مكننا، خلال الموسم الدراسي 2025/2026، من استقبال 141 طفلا، مقابل 163 طفلا في لائحة الانتظار، وهو رقم يسجل لأول مرة في تاريخ المركز النفساني التربوي أمل الرباط، وفتحنا أبواب المركز في وجه أبناء المنخرطين بالتعاضديات الشقيقية، إيمانا منا بضرورة حماية هذه الفئة ودمجها في المحيط الاجتماعي وفق أحدث المناهج التربوية.

    ولكي نستطيع مواصلة مواكبة هذه الفئة، من الضروري أن توفي جميع الأطراف بالتزاماتها التعاقدية في ظل الضغط الكبير الذي تعرفه نفقات هذه المراكز والذي لم تعد مساهمات «كنوبس»، المُحصلة في إطار الحقوق المكتسبة، والتعاضديات تواكبه، ما يضعنا أمام إشكاليات تتعلق باستدامة توازنها المالي.

    إن مراكز أمل هي المؤسسات التعاضدية الوحيدة بالمغرب التي تهتم بالأطفال في وضعية إعاقة ويجب على الجهات المعنية والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي دعم هذه المراكز والخدمات التي تقدمها في إطار الثالث المؤدي لأن هذا التوجه يتماشى مع المقتضيات الدستورية وروح منظومة الحماية الاجتماعية والاستراتيجية الوطنية لإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة.

     

    – صادق مجلس النواب، أخيرا، على مشروع القانون 54.23 المعدل والمتمم للقانون 65.00، وهو نص يثير نقاشا واسعا داخل الأوساط التعاضدية، كيف تقرؤون هذا التحول التشريعي؟ وما أبرز التحديات والرهانات التي يطرحها على مستقبل التعاضديات؟

    + أنا أعتبر أن مشروع القانون 23-54 فرصة لإصلاح قطاع التعاضد ببلادنا، سواء في علاقته بالتأمين الإجباري عن المرض أو في إطار الخدمات التي يوفرها في مجال الاحتياط والطب الاجتماعي. ونص مشروع القانون 23-54 على فترة انتقالية تمتد لسنة يجب أن نستغلها بمعية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لتطوير رؤية جديدة لاتفاقية تفويض التدبير خلال المدة التي سيحددها المرسوم التطبيقي، ولبناء علاقة استراتيجية منسجمة وموجهة لخدمة المؤمنين، سواء في مجالات التدبير الإداري والطبي للملفات أو في مجالات ترهن مستقبل التغطية الصحية الشاملة، من قبيل رقمنة الخدمات وتدبير المخاطر وتبادل المعطيات وتطوير الأنظمة المعلوماتية وتحسين وضبط العلاقات مع منتجي العلاجات.

    أظن أن القطاع التعاضدي، وهو الذي له بعد دستوري، يسير في الاتجاه الصحيح، من خلال تأسيس اتحاد تعاضدي وطني في 30 أكتوبر 2025، كإطار موحد للترافع والدفاع عن المكتسبات التاريخية للمنخرطين، وضمان تمثيلية قوية وموحدة أمام مختلف الفاعلين والمؤسسات. وأظن أن مشاريع التعاضدية العامة وتعاضديات أخرى الهادفة لبناء عرض صحي تضامني ولتنويع خدمات التغطية التكميلية يجب أن تحظى بالاهتمام اللازم لدى السلطات المعنية، لأننا نطمح لنكون قطاعا صحيا ثالثا تنافسيا ومستداما وفاعلا نشيطا في منظومة الحماية الاجتماعية.

    ولا تفوتني الفرصة لأجدد طلبي بإخراج مدونة التعاضد بعد تنقيحها وملاءمتها مع المستجدات الدولية في مجال الاقتصاد الاجتماعي التضامني ومع ورش تعميم الحماية الاجتماعية. والأهم من كل هذا، سواء بالنسبة للقانون 54.23 أو قانون التعاضد، هو حسن تنزيل هذه المقتضيات، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحكامة والرقابة من جهة، والحفاظ على روح التعاضد ووظيفته الاجتماعية من جهة أخرى، في إطار مقاربة تشاركية مسؤولة تضع مصلحة المنخرط في صلب كل إصلاح.

     

    –               عرف الجمع العام الخامس للاتحاد الإفريقي للتعاضد، المنعقد بالرباط بتاريخ 10 دجنبر 2025، إعادة انتخابكم رئيسا للاتحاد، ما أهم الإنجازات خلال ولايتكم السابقة وما هي التوجهات في أفق سنة 2030؟

    لقد عملنا على أربعة مستويات، أولا إحداث وهيكلة مكاتب جهوية للاتحاد من خلال إنشاء مكتب الاتحاد الإفريقي للتعاضد بشمال إفريقيا، مقره تونس، ومكتب شرق ووسط أفريقيا، مقره الكاميرون، ومكتب غرب أفريقيا، مقره ساحل العاج، لتكون فضاءات جهوية لتنسيق عمل التعاضديات ودعم جهودها ولبناء مخططات استراتيجية تستوعب حاجيات التعاضد الإفريقي في مجالات التمويل وتنويع الخدمات الصحية والاجتماعية وتطوير آليات الحكامة.

    ثانيا، عملنا على الانفتاح على تعاضديات جديدة بعدة دول، واستطعنا خلال الجمع العام الخامس للاتحاد الإفريقي للتعاضد تسجيل انخراط 16 تعاضدية جديدة ستساهم إلى جانب باقي التعاضديات في بلورة التوجهات الاستراتيجية الجديدة. ثالثا، استطعنا بناء جسور جديدة مع التعاضد العالمي الذي أتشرف برئاسته، وهو ما منحنا وزنا خلال اللقاءات الدولية لإلقاء الضوء على التجربة المغربية والإفريقية في مجالات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والحماية الاجتماعية وعرض التحديات التي يعرفها قطاع التعاضد بإفريقيا وتعزيز التعاون مع الجمعية الدولية للتعاضد والجمعية الدولية للضمان الاجتماعي.

    رابعا، تعبئة الشراكة مع مؤسسات وطنية صحية رائدة من أجل توفير خدمات الثالث المؤدي لفائدة منخرطي التعاضديات الإفريقية العضوة، مع تطوير التكوين المستمر في المجال الطبي وشبه الطبي والتنسيق مع كافة التعاضديات.

    أكيد أننا سنواصل خلال سنة 2026 العمل على بلورة توجهات استراتيجية جديدة في أفق سنة 2030، وهي سنة تقييم منجزات أهداف الأمم المتحدة في مجال التنمية المستدامة. وسنحاول تعزيز تموقعنا في مجال الحماية والاحتياط الاجتماعي وتنسيق الجهود في مجالات الرقمنة وضبط النفقات والمراقبة الطبية وتطوير الحكامة المالية والمؤسساتية وتطوير التواصل والرقمنة.

    –               بعد احتضان مدينة العيون أشغال الجمع العام الخامس للاتحاد العالمي للتعاضد سنة 2023 والنجاح الهام الذي عرفه، هل من المرتقب أن يحتضن المغرب إحدى محطاته الكبرى مستقبلا؟ وما الأبعاد الرمزية والمؤسساتية لهذا الإشعاع الدولي المتنامي؟

    إن التساؤل حول احتضان المغرب لإحدى المحطات الكبرى للاتحاد العالمي للتعاضد يجد مشروعيته الكاملة في ضوء ما حققته المملكة من حضور وازن ومكانة متقدمة داخل المنظومة التعاضدية الدولية. غير أن العامل الحاسم في هذا المسار يتمثل أساسا في النجاح الباهر والاستثنائي الذي عرفه الجمع العام الخامس للاتحاد العالمي للتعاضد، المنظم بمدينة العيون في 17 يوليوز 2023، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

    لقد شكلت هذه المحطة الدولية، من حيث جودة التنظيم، وعمق النقاشات، وقوة التمثيلية الدولية، رسالة واضحة لكافة مكونات الاتحاد العالمي، مفادها أن المغرب يمتلك ليس فقط القدرة التنظيمية، بل أيضا الرؤية والمؤهلات المؤسساتية لاحتضان أكبر التظاهرات التعاضدية العالمية. وهو ما جعل جميع أعضاء الاتحاد العالمي للتعاضد يجمعون على أن تكون المحطة المقبلة بالمملكة المغربية، تقديرا لما لمسه المشاركون من احترافية عالية، وحسن ضيافة ومصداقية في الطرح والممارسة.

    ومن منظور أعمق، يندرج هذا الإشعاع الدولي في صميم الرؤية الملكية السامية التي جعلت من الدبلوماسية متعددة الأبعاد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعاضدية، رافعة أساسية لتعزيز مكانة المغرب على الساحة الدولية.

     

    –               صرحتم، في حوار سابق مع «الأخبار»، بالاكتفاء بولاية واحدة على رأس التعاضدية العامة، كيف تقيمون وضع التعاضدية العامة اليوم مقارنة بما كانت عليه عند تحملكم المسؤولية؟ وما الآفاق المستقبلية للتعاضدية العامة بصفة خاصة والقطاع التعاضدي بصفة عامة؟

    + القطاع التعاضدي هو العمق الاستراتيجي والدستوري للتأمين الإجباري عن المرض، لكنه قطاع يحتاج أيضا لتطوير استقلاليته وضمان ديمومته وتعزيز حكامته ومواصلة ابتكار حلول تحمي منخرطيه من مخاطر المرض والشيخوخة والهشاشة وتحمي نموذجه الصحي والاجتماعي التضامني والإنساني. هذا القطاع يحتاج أيضا لتوحيد الرؤيا ودعم الدولة لمشروع عقد برنامج مع التعاضديات لتطوير أدائها وحكامتها وتدبيرها.

    وبخصوص التعاضدية العامة، أنا مطمئن لمستقبلها لأن الإنجازات التي تحققت منذ سنة 2021 في مجالات تعزيز الديموقراطية التشاركية وتحسين جودة الخدمات وتنويعها وتحديث التدبير الداخلي وتعزيز المراقبة وتثمين العنصر البشري والتواصل مع المنخرطين والمنتخبين وتطوير الشراكة والتعاون الدولي، كلها تؤكد أننا ماضون في الاتجاه الصحيح ونحو بناء مؤسسة رائدة في المجال التعاضدي والاجتماعي.

    نعم، تعترضنا تحديات كبيرة، لكننا نواجهها بكل مسؤولية وجرأة ونبتكر حلولا لنكون في مستوى انتظارات المنخرطين، وسيكون على الأجهزة المدبرة، التي ستأخذ مستقبلا مشعل مواصلة الإصلاح، أن تستحضر كل هذه التضحيات للحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها ولصون المكانة التي بذلنا جهودا مضنية، كأجهزة مدبرة ومنتخبة وكموارد بشرية، من أجل بلوغها.

     

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بنجلون: مشروع قانون المحاماة يسحب حصانتها ويضع الدفاع تحت رحمة السلطتين القضائية والتنفيذية

    تتفاقم الأزمة داخل مهنة المحاماة بشكل غير مسبوق، على وقع تصاعد التوتر بين الجسم المهني ووزارة العدل بسبب مشروع قانون يعتبره المحامون تهديدا مباشرا لاستقلالية الدفاع ومسا بجوهر المهنة.

    وقد أفضى هذا الوضع إلى تنامي حالة من التوتر داخل الهيئات المهنية، بالتزامن مع نقاش مهني واسع حول مسار إعداد مشروع القانون وموقع المهنة داخل منظومة العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.

    وفي هذا السياق، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع عمر محمود بنجلون، محام وعضو مكتب جمعية هيآت المحامين بالمغرب، ومجلس هيئة المحامين بالرباط، الذي اعتبر مشروع قانون المهنة  تهديدا للنظام الدستوري المغربي، ويسحب من المحاماة حصانتها واستقلاليتها.

    من منظور دستوري، إلى أي مدى يتوافق مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 23-66 مع مبادئ استقلالية المحاماة وحماية حق الدفاع المكفول بالمغرب؟

    هذا المشروع متناقض مع النص الدستوري ويعتبر ردة على المسار الدستوري المغربي، حيث ينص الدستور في المواد 23 و120 على ضمان المحاكمة العادلة وحق الدفاع، وعلى استقلالية سلطة القضاء في المواد 107 و117 من أجل حماية الأمن القضائي للأفراد والجماعات، كما يتبنى مبادئ فصل السلط وتوازنها.

    فمشروع قانون المحاماة يضعف السلطة التأثيرية لرسالة الدفاع داخل النظام الدستوري والعدالة، ويعتبر قانونيا وفقهيا وعلميا ضربا للنص الدستوري وللالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب، لا سيما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته 14 ومبادئ هافانا المنظمة لمهنة المحاماة في أبواب الاستقلالية والحصانة.

    كيف تقيمون أثر هذا المشروع على دور المحاماة في الموازنة بين السلطات، خصوصا في حماية الحقوق والحريات؟

    المشروع يسحب من المحاماة حصانتها واستقلاليتها ويضعها عمليا في منزلة تابعة ووظيفية للسلط القضائية والتنفيذية مما يهدد حماية المجتمع والأفراد والمقاولات والإطارات المدنية من احتمال بطش السلط وفسادها، ولعل خير مثال هو الباب المتعلق بتسيير الجلسات، حيث إن النص يتكلم عن « اختلالات » المحامي داخل الجلسة دون تحديدها، ويتم ضبطها عبر الوكيل العام التابع للسلطة القضائية لا لنقيب هيئة المحامين كما هو الحال في القانون الجاري، مما يجعل الدفاع والمجتمع تحت رحمة السلطة وتسلطها في حين أن المفترض فيها سلطة مستقلة وتأثيرية تجيب عن مبدأ فصل السلط وتوازنها.

    هل ترون أن بنود المشروع تمثل تهديدا للرسالة المهنية والأخلاقيات التي تأسست عليها مهنة المحاماة منذ استقلال المغرب؟

    هو تهديد للنظام الدستوري المغربي، حيث هناك محاولة إعدام سلطة تأثيرية وسلطة موازنة وسلطة أخلاقية بهيئاتها المستقلة وهي شبيهة بمؤسسات حكامة مستقلة، التي توازن السلطة الائتمارية وهي التنفيذية والقضائية في إطار احترام فصل السلط الدستوري الذي يحمي المجتمع وأمنه القضائي.

    في حال إقرار القانون كما هو، ما انعكاساته العملية على المحامين الشباب والممارسين في المناطق النائية، من حيث حرية العمل والتكوين المهني؟

    خطورة هذا المشروع تتجلى في رفع الحصانة والاستقلالية على الممارسة المهنية لا سيما في المحاكمة الجنائية التي تتطرق للحريات بوضعها تحت رحمة النيابة العامة، ووضع المحاماة تحت رقابة الحكومة فيما يخص الولوجية والتكوين.

    هناك نية مبيتة في جعل سلطة الدفاع خدمة « سلعاتية تابعة » عوض سلطة مستقلة حاملة لرسالة حقوقية ودستورية.

    ما الاستراتيجيات القانونية والمهنية التي يمكن للمحامين اعتمادها للحفاظ على استقلالية المهنة وصد أي مساس بالرسالة؟

    ما لا يأتي بالنضال يأتي بالمزيد من النضال، كل الأشكال النضالية والترافعية والتفاوضية واردة على الصعيد الوطني والدولي، لكن الآن وجب سحب هذا المشروع للحفاظ على التوازن التشريعي والدستوري قبل أشهر من الانتخابات التشريعية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جميلة عناب: المعنى السينمائي يولد « لحظة التماس » بين الفيلم والمتلقي

    حاورها: عبد الله الساورة

    ينفتح هذا الحوار مع الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب بوصفه عبورا هادئا نحو منطقة فكرية شديدة الحساسية، حيث لا تُطرح السينما كمنتج بصري فحسب، وإنما كخطاب مركّب وكجهاز للمعنى وكخبرة عاطفية تتجاوز حدود اللغة.

    ويتقدّم الحوار، منذ سؤاله الأول، كاختبار حقيقي لحدود التحليل ولمشروعية الأدوات المستعارة من الأدب واللسانيات والسيميولوجيا، حين تُوضَع في مواجهة وسيط يتكلم بالصورة قبل الكلمة وبالانفعال قبل المفهوم. هنا لا يكون السؤال تقنيا، ولكن وجوديا؛ لأن الرهان لا يتعلق بكيف نحلل الفيلم، وإنما بكيف نصغي إليه دون أن نفرض عليه مركزية لغوية تُفرغه من طاقته البصرية والحسية.

    ويمنح هذا الحوار القارئ إحساسا بأنه أمام تفكير يتشكّل أثناء الكلام، لا أمام أجوبة جاهزة في تجربة كاتبة انتقلت من النقد السينمائي إلى الإخراج بفيلمها “بيت الحجبة”. وتتكشّف ملامح مشروع نقدي لا يدّعي القطيعة مع النظريات الغربية، ولا يستسلم لها، وإنما يدخل معها في حوار تفاوضي دقيق، يختبر صلاحيتها داخل سياق سينمائي مختلف، متعدد، ومشحون بإكراهات جمالية وإنتاجية وثقافية. وتتقدّم جميلة عناب في هذا المسار بوصفها باحثة تنظر إلى السينما كوسيط عاطفي ومعرفي في آن واحد، وكفضاء تتقاطع فيه الصورة مع الذاكرة، والسرد مع الجسد، والتلقي مع التجربة الشخصية للمتفرج.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ويشدّ هذا الحوار الانتباه لأنه لا يفصل بين المتلقي والناقد، ولا بين القاعة والمنصة الأكاديمية، وإنما يعيد التفكير في هذه الثنائيات التي طالما حكمت الخطاب السينمائي. ويُعاد طرح سؤال الجمهور، لا بوصفه كتلة صمّاء أو ذائقة ساذجة، بقدر ما هو فاعل منتج للمعنى، له انتظاراته وانفعالاته وشروط تلقيه. كما تُستعاد العتبات السينمائية، من ملصق وعنوان وتريلر، لا كواجهات تسويقية بريئة وإنما كبنى دلالية تشارك في صناعة الأثر السينمائي، وتوجّه فعل المشاهدة قبل أن تبدأ مع توالي إصدارات الكاتبة.

    ويتحوّل النقاش، بهدوء عميق، إلى مساءلة التحولات الرقمية التي هزّت تجربة التلقي، وهدّدت طقس القاعة، دون أن تلغي جوهر السينما. وهنا لا يُدافع عن الشاشة الكبيرة بوصفها نوستالجيا بقدر ما هي تجربة حسية كاملة يصعب اختزالها. كما يُفتح سؤال السينما المغربية من الداخل، لا من زاوية النقص؛ بل من زاوية التفاوض الخلاق بين الإكراه والرؤية، وبين المحلي والعالمي، وبين التعدد بوصفه ثراء لا تشظيا.

    وهذا الحوار مع الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب، الذي ننشره هنا بجريدة هسبريس الإلكترونية، لا يعد القارئ بإجابات نهائية؛ فهو يدعوه إلى التفكير المشترك، ويضعه أمام سينما تُقرأ وتُحَسّ وتُختبر، ويقترح نقدا لا يتعالى على الجمهور ولا يذوب فيه، وإنما يصغي إلى المنطقة التي يولد فيها المعنى لحظة التماس بين الفيلم والمتلقي. إنه حوار يراهن على السؤال، وعلى الشك الخلّاق، وعلى جعل السينما مختبرا مفتوحا للفكر والجمال معا.

    هل تعتقدين أن استلهام أدوات التحليل من الأدب واللسانيات والسيميولوجيا… كافٍ لفهم خطاب سينمائي يتجاوز اللغة نحو الصورة والانفعال أم أن ذلك يُعيد إنتاج مركزية لغوية في فضاء بصري؟

    هذا هو السؤال المركزي الذي انطلقت منه في مقاربتي لموضوع التلقي مع الفيلم السينمائي ذي اللغة المركبة التي تختلف تماما عن اللغة المكتوبة، إذ ميزت في أطروحتي بين التحليل الأدبي كآليات وأدوات ومفاهيم وبين نتائج هذا التحليل التي تخليت عنها ما دامت هذه النتائج لا تهم عموما إلا الأدب ذاته. وهكذا، اتخذت من الجهاز المفاهيمي المستورد أداة، وتعاملت مع هذه النظريات ليس باعتبارها مجرد مواقف نظرية؛ بل فرضيات منهجية واستراتيجيات تحليلية صالحة لمقاربة موضوع الدراسة، خاصة أنها تتيح أدوات إجرائية تتكيف مع المعطى الجديد (الفيلم السينمائي). وانطلاقا من هنا، فالدراسة التحليلية الفيلمية تساهم في تطوير نظريات التلقي والتأويل والسرد وغيرها، وأيضا في إغناء الجهاز المفاهيمي المستورد، وربما فتح المجال لدراسة التلقي في ظواهر إبداعية أخرى (التشكيل، المسرح، التصوير…)؛ وهو ما يساهم، من دون شك، في تطوير كفايات نظريات التلقي الفيلمي ذات الطبيعة المركبة.

    ومن ثم، فالفيلم السينمائي يتيح إمكانات أرحب على مستوى اللغة والجماليات، لا سيما أنه وسيط عاطفي (كما يذهب إلى ذلك الناقد الأمريكي روجي إيبرت)، وترجمة فنية لدهشة الفكر، وآلية لإنتاج دورات فكرية وإبداعية جديدة غير محصورة بنموذج جمالي ثابت.

    في كتابك “التلقي من الأدب إلى السينما”، هل كان الانتقال فعليا نحو السينما أم مجرد إسقاط نظريات أدبية على وسيط مختلف؟ أين هي أدوات السينما التي لا يمكن ترجمتها لغويا؟

    لا بد أن ننبه إلى أن الطبيعة الخاصة للمعطى الفيلمي تشترك مع الإبداعات الحكائية المكتوبة في خاصيتين اثنتين؛ أولاهما تتكون بنيته اللغوية الفيلمية من نفس المكون اللغوي الطبيعي، السمعي والبصري (حوار، كتابة). وثانيتهما لها نفس المكونات الحكائية والسردية المتواترة في الحكايات الطبيعية (فضاء، شخوص، أحداث…)

    غير أن هذا التشابه لا يتيح لنا التعامل مع اللغة الفيلمية كلغة طبيعية، أي أنها ليست مجرد تراكيب لغوية وإسنادات لفظية تعاقبية أو خطية؛ لكون الفيلم لا يمكن أن يتحقق إلا داخل بنية لغوية بصرية محضة تحكمها زوايا نظر وحركات ومحاور للكاميرا وتوضيب وسُلَّمية لقطات وغيرها. ومن ثمة، فلا يمكن للغة الطبيعية ولا الحكائية أن توجد خارج الصورة، أي أننا ندرك العالم الحكائي بكل مكوناته بصريا، فتأخذ اللغة الطبيعية والبنية الحكائية، تبعا لذلك، شكلا مغايرا لطبيعتهما الأصلية.

    ولا تعني الاختلافات السطحية بين مختلف الظواهر الإبداعية مطلقا أنها تختلف على مستوى البنية العميقة المجردة؛ فالبنية الصورية بنية كلية كونية، تتمظهر في التحققات المختلفة بدرجة من الدرجات، ويمكن لدراسة شاملة أن تركب كل نتائج التحليلات المختلفة لبناء نظريات التلقي الفيلمي.

    كيف تفسرين غياب الاشتغال على التلقي الجماهيري الشعبي في مشروعك، رغم أن السينما تُنتج أساسا للجمهور؟ هل التلقي النخبوي هو الوحيد القابل للتحليل؟

    لم أستثن الجمهور العريض من دراستي؛ بل انصب اهتمامي، إلى جانب فئة المتلقي العارف، على المتلقي الفعلي الذي يرتاد قاعة العرض قصد مشاهدة فيلم، حتى أعلل سبب إقباله على هذا الفيلم دون ذاك وعما إذا كان هذا الفيلم يوافق انتظاراته أو يخيبها، لأنتهي في الأخير إلى “صورة مقربة” للفيلم النموذج الذي يريده الجمهور العريض، وخصصت لهما دراسة ميدانية كمية وأخرى كيفية اعتمادا على فرضيات.

    في مستوى أول: وضعت استمارة وزعتها على عدد من المتلقين الوافدين على صالات العرض بالدار البيضاء (800 مرتاد ومرتادة)، لمعرفة سر إقبالهم على القاعات السينمائية ورصد الآليات والمرجعيات الثقافية التي تتحكم في التلقي وتولد الانطباعات المختلفة حول الفيلم، سواء أكانت إعجابا أم رفضا أم قبولا. وهو ما قادني، في نهاية المطاف، إلى معرفة مواصفات الفيلم الذي يستجيب لانتظارات الجمهور العريض، وإلى معرفة ما إذا كان لدينا نموذج مشترك وعام للمتلقين ببلادنا، أم أنهم نماذج مختلفة ومتباينة، ولا يمكن التحكم في انتظاراتهم بوصفة فيلمية ذات خاصيات محددة.

    وفي مستوى ثانٍ: انصبت دراستي الكيفية على فئة مهمة من المهتمين والنقاد وأهل الاختصاص، ومنهم نقاد ينتمون إلى الجمعية المغربية لنقاد السينما، علاوة على نقاد ينتمون إلى الجامعة الوطنية للأندية السينمائية، وحتى نقاد بدون انتماء لأي من الإطارات “النقدية” الموجودة، وأعضاء سابقين في لجان التحكيم المانحة للجوائز خلال بعض المهرجانات السينمائية المحلية؛ وذلك حتى أتمكن من فهم معايير الحكم والتقويم، وكذا شبكات القراءة المعتمدة في تحليلاتهم وأحكامهم.

    هل يمكن اعتبار العتبات السينمائية (الملصق، العنوان، التريلر) أدوات تواصلية فعالة فعلا أم أنها مجرد واجهات تسويقية لا تعكس البنية الفيلمية؟ وهل تحليلها يمنحنا فهما أعمق أم يُضللنا عن جوهر الفيلم؟

    لا شك في أن مفهوم العتبة كمكون نصي له خصائصه الشكلية ووظائفه الدلالية يطرح أمامنا ما يسميه جيرار جينيت بـ”النص الشامل”؛ ذلك أن العتبات ليست مجرد أدوات تواصلية، بل ظواهر نصية معقدة لا تبوح بكل مدلولاتها دفعة واحدة. وبتعبير آخر، إن العتبات تشكل دروبا من أجل استكشاف العمل الفني (السينمائي)، وهي التي تحقق ما يمكن أن نطلق عليه الأثر السينمائي (النصوص المحايثة أو الموازية/ النصوص المحاذية أو اللاحقة)، ونعني به: العنوان، اسم المخرج، أسماء الممثلين، الملصق، الحوارات، المتابعات الصحافية، الأعمال النقدية… وغيرها.

    ومن ثمة، كان الهدف في دراستي يكمن في إبراز كيفية اشتغال العتبات كنسق من العلامات الدالة التي استثمرها المخرج من أجل تأمين العبور إلى المتلقي المستهدف (الجمهور العريض) واستمالته.

    في ظل هيمنة الإعلام الرقمي على الترويج والتلقي، كيف تتعاملين مع التحولات التي جعلت من السينما محتوى قابلا للتفكيك عبر منصات غير سينمائية؟ هل ما زالت السينما تحتفظ بخصوصيتها؟ وهل بالإمكان تعويض القاعة أمام الإغراء الذي تتيحه المنصات؟ وكيف لمتلق اعتاد القاعة المظلمة والكرسي الوثير أن يشاهد الصورة ذاتها (الفيلم ذاته) الذي يبثها جهازه المنزلي؟ كيف له أن يماثل بين هذا التركيز وآخر يحكمه الأكل والشرب والحديث والتنقل بين المحطات أو المنصات؟

    ربما بوسع البعض توفير طقس مماثل للجو السينمائي؛ ولكنه يستحيل محاكاة الطقس النموذجي للعرض، لضعف إمكانات التليفزيون – مهما ارتفعت – مقارنة بالصوت السينمائي والسماعات المنتشرة في أرجاء الصالة. ويصعب نقل المنظور السينمائي إلى الشاشة الصغيرة أو الألواح الإلكترونية أو الهواتف النقالة، فيضيع كثير من جهد المصور السينمائي عبثا بعد نقل عمله إلى الشاشات الصغيرة (الجماعية والفردية) هذا فضلا عن مقص الرقيب (في حالة التلفزيون) الذي قد يحذف مشاهد من شأنها خلخلة مسار الحكي داخل الفيلم.

    هل تعتقدين أن تصنيف المتلقي إلى “عام” و”متخصص” يُنتج تراتبية معرفية تُقصي الجمهور وتُعلي من سلطة الناقد؟ أين موقع المتلقي العاطفي أو المتفاعل الحسي في هذا التصنيف؟

    في اعتقادي أن السينما، بوصفها وسيطا عاطفيا، لا تُخاطب المعرفة وحدها؛ بل تستدعي الذاكرة والانفعال والتجربة الذاتية والذخيرة الثقافية والتراكم السينيفيلي، وهي مستويات لا تقل مشروعية عن القراءة التحليلية. ومن هذا المنظور، فإن التلقي العاطفي لا يقع خارج “الفهم” أو الانفعال أو التجاوب؛ بل يشكل أحد مداخله الأساسية، إذ إن الأثر الشعوري غالبا ما يسبق الوعي التأويلي ويؤسس له.

    إن هذا التصنيف، حين يُفهم بشكل ثنائي صارم، يقصي المتلقي المتفاعل عاطفيا، الذي قد لا يمتلك أدوات نقدية منهجية؛ لكنه يمتلك تجربة عيش مع الفيلم، وقدرة على التماهي والتأثر، تمنح العمل السينمائي معناه الاجتماعي والإنساني. لذلك، أفضل النظر إلى التلقي باعتباره تقاطعا بين المعرفة والانفعال، لا هرما تراتبيا يعلي من سلطة الناقد على حساب الجمهور. الناقد بدوره يحس ويتفاعل.

    وعليه، فإن الجانب العاطفي لدى المتلقي ليس هامشيا البتة؛ ذلك لأنه يذكرنا بأن السينما تصنع معناها لحظة التماس بين الفيلم والمتلقي، حيث يصبح المعنى تجربة مشتركة بينهما.

    كيف تشتغلين على تحليل الفيلم المغربي في ظل غياب بنية إنتاج مستقرة؟ هل يمكن الحديث عن خطاب سينمائي مغربي في ظل التفاوت بين الرؤية الإبداعية والواقع الإنتاجي؟

    أشتغل على تحليل الفيلم المغربي انطلاقا من المنجز الفيلمي نفسه بوصفه تجربة فنية إبداعية جمالية وخطابا ثقافيا إنسانيا، لا بوصفه مجرد انعكاس مباشر للبنية الإنتاجية. صحيح أن الإنتاج السينمائي المغربي يطمح إلى استقرار أكبر في آليات التمويل والتوزيع؛ غير أن هذا الواقع لم يمنع بروز تجارب سينمائية محترمة استطاعت أن تطور لغات بصرية وأساليب سردية خاصة، وأن تسافر بالفيلم المغربي إلى محافل دولية كبرى كمهرجان كان والبندقية وغيرهما.

    عموما، لا أرى في التفاوت بين الرؤية الإبداعية والواقع الإنتاجي عائقا كبيرا، وإنما عنصرا منتجا للمعنى؛ فكثير من المخرجين والمخرجات طوروا استراتيجيات جمالية بديلة (تجربة المخرجان هشام العسري وحكيم بلعباس نموذجا) مكنتهم من تحويل الإكراه إلى خيار فني واعٍ. ومن هنا، يصبح الفيلم المغربي مجالا للتفاوض بين الطموح الجمالي والإكراه الإنتاجي، وهو تفاوض ينعكس بوضوح في بنية السرد، في الاختيار الجمالي، وفي علاقة الفيلم بواقعه الاجتماعي والإنساني.

    أما بخصوص الحديث عن خطاب سينمائي مغربي، فأعتقد أنه يمكن الحديث عنه بصيغة الجمع لا المفرد؛ فنحن أمام خطابات سينمائية مغربية متعددة تشغل كل مخرج حامل لمشروع سينمائي، وهي خطابات تتقاطع حول أسئلة الهوية، الإنسان، الذاكرة، الجسد، الهامش، التحولات الاجتماعية…. رغم اختلاف شروط إنتاجها وأساليبها. هذا التعدد لا يضعف الخطاب السينمائي المغربي؛ لكنه يمنحه غناه ويجعله في حوار دائم مع السينما العالمية دون فقدان خصوصيته المحلية.

    هل النقد السينمائي الأكاديمي الذي تمارسينه قادر على التأثير في الصناعة السينمائية، أم أنه يظل حبيس فضاء جامعي لا يصل إلى صناع القرار أو الجمهور؟

    صراحة لا أعرّف ممارستي بوصفها نقدا سينمائيا بالمعنى التداولي؛ بل بوصفها بحثا أكاديميا في السينما ينطلق من مقاربات نظرية وجمالية محددة، لا تشتغل على الأفلام بصفة دورية، وإنما حين يفرض السؤال البحثي ذلك.

    لا أعتقد أن البحث الأكاديمي يظل بالضرورة حبيس الفضاء الجامعي، وتأثيره في نظري لا يكون فوريا أو مباشرا؛ لكنه تراكمي وبنيوي. فهو يساهم في صياغة المفاهيم، وفي إعادة التفكير في الممارسات السينمائية، وفي تكوين أجيال من الطلبة والمهتمين الذين ينتقلون لاحقا إلى مواقع مختلفة داخل الصناعة: الإخراج، الإنتاج، الكتابة…

    كما أن البحث الأكاديمي، حين يشتغل على السينما باعتبارها ممارسة ثقافية أو فنية أو فكرية…، يمكن أن يفتح مساحات حوار مع صناع الأفلام، أو مع المهرجانات، أو مع سياسات الدعم، حتى وإن لم يصل دائما بشكل مباشر إلى “صناع القرار”. إنه يؤثر عبر إعادة طرح الأسئلة أكثر مما يؤثر عبر تقديم حلول جاهزة.

    لذلك، لا أرى أن العلاقة بين البحث الأكاديمي والصناعة السينمائية علاقة قطيعة، هي علاقة تفاعل غير متكافئ؛ فالصناعة تتحرك بمنطق الإكراهات الاقتصادية والمؤسساتية، بينما يشتغل البحث بمنطق التفكير والسؤال. وحين يحدث التقاطع بينهما في ورشات أو ندوات أو تجارب مشتركة، يصبح هذا التفاعل ممكنا.

    في مقاربتك للتلقي، هل تشتغلين على البنية النفسية للمتلقي أم أن التحليل يظل سطحيا لا يتجاوز البنية النصية؟ كيف يمكن للناقد أن يقرأ ما لا يُقال في الفيلم؟

    في مقاربتي للتلقي، لا أشتغل على البنية النفسية للمتلقي بالمعنى السيكولوجي؛ لأن ذلك يفترض أدوات ومناهج خاصة تختلف عن اشتغالي كباحثة في جماليات السينما.

    أما بخصوص “قراءة ما لا يُقال” في الفيلم، ففي اعتقادي أن السينما لا تقول كل شيء، هي تلمّح، تترك الفراغات (مناطق اللاتحديد) وتبني معناها أحيانا مما لا يرى أو لا يُنطق. هنا، يتدخل التحليل الجمالي والسيميائي والسردي لملء تلك المناطق التي تُفِّعل خيال المتلقي وتدعوه إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

    أخيرا، هل ترين أن مشروعك النقدي يفتح أفقا لتأسيس نظرية سينمائية مغربية؟ أم أنه يظل امتدادا لمشاريع غربية تُعاد صياغتها محليا دون تفكيك بنيتها الأصلية؟

    يصعب الحديث عن “مشروع نقدي خاص”، كما أجد أنه لا مجال لادعاء تأسيس “نظرية سينمائية مغربية مكتملة”، خاصة أن بناء النظرية يفترض اجتياز اختبارات متعددة. ما أطمح إليه، من موقعي كباحثة وفاعلة في السينما، هو المساهمة في “خلق شروط إمكان” بالحوار مع المنجز السينمائي الوطني والعالمي عموما، والاستفادة من طفراته وقطائعه وتطوراته؛ وذلك عبر منطق التفكيك، وإعادة التوظيف، والاختبار.

    من هذا المنظور، فإن الاشتغال على التلقي في السينما المغربية وعلى العتبات وعلى علاقة الصورة بالانفعال وعلى تعددية المتلقين كان الهدف من ورائه هو “إرباك مجموعة من النظريات الجاهزة من الداخل” ودفعها إلى التمدد أو التحول، في ما يشبه “إعادة تفاوض سينمائي معرفي” معها.

    ولهذا، أقول بكل وضوح إنني لا أطمح إلى إنتاج “نظرية مغلقة”؛ لأن أقصى ما يشغلني الآن هو المساهمة في “حساسية جمالية جديدة” تجعل من السينما المغربية مختبرا معرفيا مفتوحا على التجريب المستمر، لا موضوعا تابعا لنظريات أدبية أو فلسفية لا تقوم على لغته ولا على خصوصيته.

    إقرأ الخبر من مصدره