
في كل مرة يتم فيها الإقرار الرسمي بفشل النهج التنموي المتبع، تسارع الجهات المعنية إلى إعداد تقارير وخطط وطنية جديدة، كما حدث مع تقارير الخمسينية والجهوية المتقدمة ثم النموذج التنموي الجديد، وصولا إلى مغرب السرعتين المتناقضتين، والتي انتقلت بنا هذه المرة من المستوى الوطني إلى إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، ترتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية.
وقد سارعت وزارة الداخلية إلى إصدار دورية تحدد فيها التوجيهات العامة لهذه البرامج التي يجب أن تتأسس على إنعاش الشغل، تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية في قطاعات التعليم والصحة خصوصا، التدبير الاستباقي للموارد المائية، ثم التأهيل الترابي المندمج؛ كما أعطت الدورية إشارات حول المنهجية المطلوبة لإعداد تلك البرامج، والتي يجب أن ترتكز على مقاربة تشاركية دامجة، من خلال إطلاق سلسلة من المشاورات مع مجموع الفاعلين الترابيين المعنيين، ومن ضمنهم الفاعلون الجمعويون.
وقد تفاوتت درجة استجابة العمالات والأقاليم لهذه المنهجية المطلوبة، ما بين عقد لقاءات تشاورية موسعة أو ضيقة في ظروف صيفية ضاغطة، وما بين غياب الإعلان عن ذلك اللقاء وعقده في أضيق الحدود في ظل تعتيم إعلامي شامل، كما حدث بعمالة المضيق الفنيدق.
لقد شكلت هذه العمالة منذ 7 سنوات على الأقل استثناء على مستويات عديدة، حيث يغيب التواصل المؤسساتي ويتم احتكار المعلومة والهيمنة التامة على إعداد جميع المخططات والبرامج وكل ما يتعلق بتدبير الشأن الترابي، في غياب أي تشاور حقيقي، لا يشمل في الكثير من الأحيان حتى المنتخبين والمنتخبات في الجماعات الخمس للعمالة، وكأن مسؤولي هذه العمالة غير معنيين بالمقتضيات الدستورية والقانونية، وكأن تلك البرامج ليست موجهة لعموم المواطنين والمواطنات، وهو ما يعكس فهما متخلفا للتنمية البشرية، يرتكز على المنح واحتقار الفاعلين المحليين.
لكن الاستثناء الحقيقي في هذه العمالة الاستراتيجية، يتمثل أساسا في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت منذ 7 سنوات أيضا، وخصوصا بعد إغلاق المعبر الحدودي لسبتة بدون بلورة أي بدائل اقتصادية لحوالي 10 آلاف أسرة على الأقل، كانت تعتمد بشكل مباشر على التهريب المعيشي، حيث ظلت المناطق التجارية والصناعية الموعودة، إما مشلولة أو متعثرة أو حبرا على ورق، إلى جانب تدهور قطاعات أخرى كالبناء والتعمير بفعل تعقد المساطر الإدارية، التي أصبحت تهمين عليها العمالة أيضا، ثم اقتصار القطاع السياحي على فترة محدودة لا تتجاوز الشهرين، قامت العمالة كذلك بمنع الشباب العاطل من ممارسة بعض أنشطته الموسمية دون أية مبادرة للتنظيم أو الحوار، إلى جانب تراجع قطاع الصيد البحري بفعل استنزاف الثروة السمكية.
إن هذا الشلل الاقتصادي، ليس نسجا من الخيال أو صادر عن نزعات عدمية، بل تؤكده بشكل سافر نتائج الإحصاء العام الأخير لسنة 2024، حيث تراجعت نسب النشاط الاقتصادي بالعمالة من 51% سنة 2014 إلى 45% سنة 2024، وتفاقمت نسب البطالة بشكل مهول من 18% إلى 29% خلال نفس الفترة، ووصلت عند النساء 37.40%[1] في انتظار التدقيق في أرقام فئات الشباب والشابات؛ وهي أرقام أعلى بكثير من جميع المعدلات الجهوية والوطنية، حيث تعتبر هذه المؤشرات كافية لمحاسبة كل صانعي القرار بالعمالة خلال العقد الأخير.
وعلى ذكر مبادئ المحاسبة وتقييم السياسات العمومية المنصوص عليها دستوريا وقانونيا، من حقنا أن نتساءل عن حصيلة البرامج السابقة للعمالة، على شاكلة برنامج التنمية المندمجة PDI 2026-2022، والذي تحول السنة الماضية إلى مخطط التنمية الترابية PDT 2030-2025، وهي برامج غير منصوص عليها في القوانين التنظيمية، ولا تخضع لمساطر التخطيط والتشخيص التشاركي والتقييم والمحاسبة العمومية، بل تؤطرها دوريات صادرة عن وزارة الداخلية، ويتم تمويلها من خلال وضع تلك الوزارة رهن إشارة العمال أغلفة مالية شمولية يتم تفصيلها وفق برمجة متعددة السنوات، يتم توزيعها وفق معايير وإجراءات يشرف عليها الولاة والعمال[2]؛ في حين تظل برامج العمل والتنمية الخاصة بالجماعات الترابية حبيسة الرفوف، بفعل ضعف الموارد المالية، بالرغم من إنجازها في معظم الأحيان وفق منهجية تشاركية، وتضمينها للعديد من الحاجيات الاجتماعية الملحة للساكنة.
إن تعدد وتداخل البرامج التنموية داخل نفس المجال الترابي، يعتبر أمرا منافيا لكل مبادئ الإلتقائية والحكامة والاقتصاد في التكاليف، المطلوب في واقعنا المغربي، لكن الإشكال الأكبر، يظل في تفاوت الأولويات بين تلك البرامج، وغياب برمجة حقيقية وتخصيص موارد مالية كافية للحاجيات الاجتماعية ضمن هذه البرامج التقنية التابعة للعمالات والأقاليم، وتخصيصها بالمقابل لأولويات أخرى كتجهيز المناطق السياحية والترفيهية والعقارية الموجهة لفئة محدودة، لتظل بذلك الأوضاع الصحية والتعلمية والتشغيلية، كما تعرفونها في مستشفياتنا ومدارسنا وفي بطالة شبابنا، الذي يفضل أن يرمي بنفسه في البحر، عوض انتظار نتائج سياسات وبرامج لن تخضع للمحاسبة أبدا.
إن عدد البرامج والمشاريع التي تمت برمجتها بشكل تحكمي ضيق، وبدون أي مقاربة تشاركية حقيقية قبلية أو مساءلة بعدية، وما تم تخصيصه من موارد مالية لها، لأكبر من أية محاولة رصد أو توثيق في ظل التعتيم المستمر، ولا أدل على ذلك من مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة المضيق الفنيدق، والتي لم نسمع عن نتائجها سوى إعفاء بعض المسؤولين، بدون أية محاسبة حقيقية، أو تقارير تقييمية من المفتشيات الترابية والمالية أو المجلس الجهوي للحسابات، كما يحدث بكل صرامة مع الجماعات الترابية.
لقد أصبحت الممارسات السلطوية بعمالة المضيق الفنيدق، منذ 7 سنوات خصوصا، نموذجا في التحكم المؤسساتي في مغرب الانحباس الحالي، حيث الهيمنة المطلقة على كل البرامج والمشاريع، والتحكم في الجماعات من خلال الرفض المتكرر للتأشير على الميزانيات والكثير من المشاريع الاجتماعية، ثم التضييق والتعامل الانتقائي مع الجمعيات، عبر تمكين بعضها من المشاريع والمنح، وحرمان المغضوب عليها من منح مستحقة، رغم فاعليتها وبرامجها المعروفة لدى الرأي العام، وهو سلوك انتقائي ترفضه وزارة الداخلية لدى كثير من الجماعات الترابية، وتمارسه بإصرار عمالة المضيق الفنيدق، والتي وصل بها الأمر إلى محاولة مصادرة حق العديد من الهيئات المدنية والحقوقية والسياسية في مناقشة قضايا تنموية جوهرية كالتسوية العقارية والملك العمومي والهجرة غير النظامية، سواء من خلال منع استعمال المقرات العمومية، أو المنع العملي والضمني، ثم المنع العلني المكتوب في أحيان أخرى.
لذلك، يحق لنا التساؤل عن مصير هذه البرامج الجديدة، من صنع نفس العمالة، في غياب تشخيص تشاركي حقيقي، حيث يتم الاكتفاء بتشخيص مكتبي إداري لا علاقة له بواقع الساكنة، وفي ظل وجود مشاريع كبرى قيد التنفيذ، تضمنتها برامج التنمية السابقة الذكر، كمشروع تهيئة مرجة اسمير بالمضيق على مساحة تفوق 333 هكتار، أو مشروع مارينا واد المالح بمرتيل، وهي مشاريع ستبتلع مساحات كبيرة من أراضي الخواص، إلى جانب موارد مالية عمومية ضخمة، بدون أية مكاسب اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية مضمونة للساكنة، مع استفادة أقلية نخبوية محظوظة من عائدات مشاريع وبرامج، كانت تستهدف في الأصل تقليص الفوارق الاجتماعية، وتحقيق التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
إن مثل هذه الاختيارات والأولويات اللا اجتماعية واللا تنموية، هي الدافع الحقيقي لتلك الممارسات السلطوية العتيقة، وهي التي تقف وراء إقصاء مجموع الفاعلات والفاعلين من لحظات النقاش الحقيقية حول أوضاع التنمية بالمنطقة، بالرغم من التعبير المتكرر عن الاستعداد الدائم للمساهمة الإيجابية وتقديم المقترحات الكفيلة بتحقيق التنمية المطلوبة، ولو من داخل هذا الإطار المؤسساتي والتنظيمي، الذي تضيق مساحات التعبير فيه يوما بعد يوم.
إن استحقاق التنمية الاجتماعية وتوفير سبل العيش الكريم للمواطنات والمواطنين، وخاصة على مستوى ضمان فعلية حقوق التشغيل والصحة والتعليم، تظل هي الأساس المتين لمجابهة كل التحديات الخارجية المتزايدة، وبناء صورة حقيقية عن مغرب يعمل بجد من أجل تقوية البنيات التحتية والاستعداد لتظاهرات كبرى، ستكون ناجحة بالفعل في حالة جعل الإنسان المصدر والمحور والهدف من كل هذا البنيان.
أما غير ذلك فسينقلنا من مغرب السرعتين المتناقضتين إلى مغرب السرعات المتنافرة، وسنضطر مرة أخرى، وربما قريبا جدا، للتفكير في برامج ومخططات جديدة، قد تكون بأثمان باهظة….
[1] HCP-Direction Régionale de Tanger-Tétouan-Al Hoceima : « Caractéristiques démographiques et socioéconomiques de la population-préfecture de M’diq- Fnideq » Recensement Général de la Population et de l’Habitat 2024- P :41.
[2] دورية وزير الداخلية الصادرة في 27 يناير 2022 تحت رقم D 196 حول التنسيق والإلتقائية بين الجماعات الترابية وشركائها.