الاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية..

Écrit par

dans


محمد بوبوش
التزام أخلاقي أم ورقة ضغط سياسية؟

رغم عدم إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، يزداد عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين، فيما تتباين المواقف بين من يرى أن هذا الاعتراف سيخدم عملية السلام ومن يرى فيه تهديداً لها.

وعلى الرغم من التحرك النشط للوبي الصهيوني في أوروبا وسيطرته على مراكز صنع القرار في كثير من تلك الدول، إلا أنه ظهر واضحًا في الفترة الأخيرة تعاطف الكثير من الدول الأوروبية فيما يخص موقفها من القضية الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، حيث أعلنت بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال اعترافها رسميًا بدولة فلسطين، الأحد 21 سبتمبر 2025، في محاولة لتكثيف الضغط على إسرائيل التي تواصل حملتها على غزة رغم الغضب الدولي. كما أعربت بريطانيا وكندا وأستراليا – وهي دول حليفة لإسرائيل منذ عقود – عن إحباطها العميق إزاء عدم إحراز تقدم نحو حل الدولتين.

أولاً: السياق التاريخي والمسؤولية البريطانية

الانتداب البريطاني: تتحمل بريطانيا مسؤولية تاريخية تجاه القضية الفلسطينية، حيث كان الانتداب البريطاني (1917-1948) ووعد بلفور نقطة انطلاق للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وعد بلفور، الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور عام 1917، دعم إقامة “وطن قومي” لليهود في فلسطين، دون الإشارة الواضحة إلى حقوق الشعب الفلسطيني الأصلي. هذا الوعد، إلى جانب سياسات الانتداب، ساهم في تغيير التركيبة الديموغرافية والسياسية للمنطقة، مما أدى إلى اندلاع الصراع عام 1948. لذلك، يُنظر إلى الاعتراف البريطاني المرتقب بالدولة الفلسطينية كخطوة تصحيحية محتملة، تعكس التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا تجاه الفلسطينيين، كما أشار وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، الذي اعتبر أن التاريخ البريطاني يفرض “عبئًا خاصًا” لدعم حل الدولتين.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

بعد حرب 1948: شهدت بريطانيا دوراً مهماً في حرب 1948، وذلك كنتيجة لسياسات بدأت مع وعد بلفور. فقد استفادت العصابات الصهيونية مما وفرته لها بريطانيا، وخاصة من خلال تفكيك الهيئات السياسية والعسكرية للفلسطينيين، فضلاً عن امتناعها عن ضمان تنفيذ القرارات الدولية، وانسحاب قواتها دون اتخاذ تدابير لحماية حقوق الفلسطينيين أو لتجنب تفجير الصراع. وفي عام 1948، اعترفت بريطانيا بإسرائيل بصفة “حكم الأمر الواقع” (De Facto)، وبعد عامين من التردد، أقرت بها رسميًا عام 1950 كدولة ذات “حكم قانوني” (De Jure).

في أعقاب إعلان بريطانيا أنها تعتزم إنهاء ولايتها على فلسطين في عام 1947، وضعت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة تقسيم دعت إلى إنشاء دولة يهودية إلى جانب دولة فلسطينية، وفي حين وافقت إسرائيل وأعلنت الاستقلال عام 1948، فإن الفلسطينيين والعالم العربي الأوسع رفضوها لأنها كانت ستمنحهم أقل من نصف الأرض.

الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية: على الرغم من قرار الأمم المتحدة عام 1975 بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني، بدأت بريطانيا التواصل الرسمي مع المنظمة في عام 1980. ومع ذلك، لم تتخذ لندن خطوة الاعتراف الرسمي الكامل إلا بعد توقيع اتفاقيتي مدريد عام 1991 وأوسلو عام 1993، حيث أقرت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وفي إطار هذا الاعتراف، سمحت بريطانيا بإنشاء بعثة دبلوماسية فلسطينية في العاصمة لندن، مما عزز الوجود الرسمي الفلسطيني في المملكة المتحدة. ورغم هذه الخطوات، امتنعت بريطانيا عن الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية كدولة ذات سيادة، مما يعكس نهجها الحذر في التعامل مع القضية الفلسطينية على المستوى الدولي، حيث حافظت على توازن دقيق بين دعم الحقوق الفلسطينية والحفاظ على علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع إسرائيل.

الامتناع عن التصويت لمنح فلسطين صفة “دولة مراقب غير عضو”، عام 2012: في نوفمبر 2012، اختارت بريطانيا عدم التصويت في الأمم المتحدة على منح فلسطين صفة “دولة مراقب غير عضو”، مشروطة بعودة الفلسطينيين إلى المفاوضات دون شروط مسبقة. وأشار كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني في لندن، خلال حديثه مع “الشرق”، إلى أن بريطانيا “لم تنصف الفلسطينيين تاريخيًا”، موضحًا أنها فشلت في تصحيح الظلم التاريخي الذي لحق بالقضية الفلسطينية. وأكد أن سياسة بريطانيا الأساسية تفتقر دائمًا إلى مواجهة إسرائيل أو محاسبتها على ممارساتها. وعلى الرغم من تحفظها الضعيف على الاستيطان الإسرائيلي، واصلت بريطانيا تعزيز علاقاتها الأمنية والتجارية مع تل أبيب، معتبرةً حل الدولتين موقفها الرسمي بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000.

ثانيًا: دلالات الاعتراف البريطاني

الرمزية السياسية والدبلوماسية: يحمل الاعتراف البريطاني رمزية كبيرة، لا سيما في ضوء الدور التاريخي لبريطانيا في المنطقة. يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة لإعادة تأكيد دور بريطانيا كقوة دبلوماسية فعالة في الشرق الأوسط، إذ يسعى “ستارمر” إلى تمييز قيادته عن سابقيه من خلال تبني موقف أكثر جرأة في دعم عملية السلام. هذا الاعتراف قد تزامن مع اتخاذ دول مثل كندا وأستراليا خطوات مماثلة، مما يعزز الزخم الدولي للاعتراف بفلسطين.

علاوة على ذلك، يأتي الإعلان في سياق تنسيق مع دول أوروبية أخرى، لا سيما فرنسا، التي أعلن رئيسها إيمانويل ماكرون الاعتراف بفلسطين في الوقت ذاته. هذا التنسيق يعكس جهدًا أوروبيًا مشتركًا لتعزيز حل الدولتين، خاصة في ظل الجمود السياسي في المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

التأثير على العلاقات الدبلوماسية: إن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين قد يؤدي مباشرة إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية، حيث إن لندن كانت تستضيف بعثة دبلوماسية فلسطينية، تم رفع مستوى التمثيل فيها إلى سفارة. كما أنه من المحتمل أن تفتح بريطانيا سفارة في الضفة الغربية.

كما سيؤدي إلى الاعتراف بجوازات السفر الفلسطينية، دون تغيير في نظام التأشيرات أو سياسات اللجوء والهجرة البريطانية. هذه الخطوة، وإن كانت رمزية إلى حد كبير، ستعزز الموقف السياسي للسلطة الفلسطينية في المفاوضات المستقبلية، كما أشارت الأستاذة جولي نورمان من كلية لندن الجامعية.

التحديات والمعارضة: على الرغم من الزخم الدولي، يواجه الاعتراف البريطاني تحديات داخلية وخارجية. داخليًا، فقد عارض سابقًا قرابة 40 عضوًا من مجلس اللوردات هذا القرار، معتبرين أنه قد يخالف القانون الدولي بسبب التشكيك في استيفاء فلسطين لشروط الدولة وفق اتفاقية مونتيفيديو (إقليم محدد، سكان دائمون، حكومة فعالة، والقدرة على إقامة علاقات مع دول أخرى). ومع ذلك، رد وزير الأعمال البريطاني “غاريث توماس” بأن الاعتراف هو “قرار سياسي” يتماشى مع المعايير الدولية، مشيرًا إلى أن أكثر من 140 دولة قد اعترفت بفلسطين بالفعل.

خارجيًا، يبقى العائق الأكبر هو الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، الذي أحبط محاولات فلسطين للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، كما حدث في أبريل 2024. ومع ذلك، فإن موافقة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الظاهرية على الموقف البريطاني قد تمثل تقدمًا دبلوماسيًا، مما يمنح أوروبا مساحة أكبر للتحرك بشكل مستقل.

وفي محاولة للموازنة بين ضغوط الداخل وتحديات الخارج، سعى “ستارمر” إلى فرض عقوبات جديدة على حركة حماس، في محاولة لتأكيد موقف متشدد تجاه الحركة، وتخفيف حدة الانتقادات التي رافقت إعلانه الأخير.

تبدو العقوبات على حماس أقل أهمية من حيث مضمونها الاقتصادي أو العسكري، وأكثر رمزية من حيث الرسالة السياسية، فهي تمثل محاولة من “ستارمر” لتقليل حدة الانتقادات، وإظهار أن الاعتراف بفلسطين لا يعني بأي حال التساهل مع الجماعات المسلحة. غير أن هذا النهج أدى إلى معارضة كبيرة داخل البلاد. فقد وصفت وزيرة الخارجية في حكومة الظل، بريتي باتيل، هذه الخطوة بأنها “محاولة متأخرة لكسب رضا واشنطن”، معتبرة أن الاعتراف بفلسطين يمثل مكافأة للتطرف.

التحديات القانونية: وفيما يتعلق بالتحديات القانونية، فإن فلسطين لا تتوفر على معايير “دولة” بالمعنى الكامل أو وفقًا للشروط القانونية لتحديد وضع دولة، فبموجب اتفاق مونتفيديو لعام 1933 الذي حدد التعريف التقليدي للدولة بموجب القانون الدولي، فإن الدولة يجب أن تستوفي أربعة مؤهلات، وهي وجود سكان دائمين وأراض محددة وحكومة والقدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى.

لذلك يمكن القول بأن الاعتراف بفلسطين سيكون غير قانوني لأنه يتجاهل مسألة مهمة للغاية، وهي الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، والاستراتيجية التي حالت دون أن تصبح فلسطين دولة قابلة للحياة من الأساس. كما أن الضفة الغربية وقطاع غزة يستوفيان الشرط الأول المتعلق بالمقيمين الدائمين، إلا أنهما يواجهان صعوبات في تحقيق الشروط الثلاثة الأخرى، وهي وجود حكومة وحدود إقليمية محددة والقدرة على الدخول في الاتفاقات. وفقًا لاتفاقيات السلام التي أُبرمت في بداية التسعينيات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، تم تكليف كيان يُعرف بالسلطة الفلسطينية بإدارة حكم ذاتي فلسطيني محدود، لكنه لم يكن يتمتع أبداً بالسيطرة الكاملة على الضفة الغربية، وفقد السيطرة على قطاع غزة لصالح حركة “حماس” في عام 2007. ومنذ ذلك الحين، ظهر كيانان فلسطينيان يديران الأمور فعليًا، فيما استمر الإسرائيليون في السيطرة على الأجواء والبحار المحيطة بغزة.

الواقع الميداني: قد يبدو الواقع الحالي في الميدان أقل احتمالاً لإحياء حل الدولتين، ويميل بشكل أكبر نحو تأكيد واقع الدولة الواحدة. فالحرب التي تشنها إسرائيل على غزة تمهد للعودة إلى السيطرة الإسرائيلية المباشرة، بالإضافة إلى الاستيطان في الأراضي، وقد تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين منها. أما في الضفة الغربية، فقد زاد المستوطنون الإسرائيليون من اعتداءاتهم، بدعم من قوات الأمن الإسرائيلية، مما أسفر عن تفريغ العديد من التجمعات الفلسطينية، في محاولة لتجهيز الأرض لضم إسرائيلي محتمل.

الشروط البريطانية: خلال إعلانه تحدث “ستارمر” عن أربعة شروط على إسرائيل تنفيذها لوقف مسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، شملت “وقف إطلاق النار بينها وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في غزة، واتخاذ خطوات جوهرية للسماح بدخول مزيد من المساعدات إلى القطاع، وإعلاناً إسرائيلياً واضحاً بعدم ضم الضفة الغربية، وأن حماس لا يمكن أن يكون لها أي دور في حكم الدولة الفلسطينية المستقبلية فضلاً عن التزام تل أبيب عملية سلام طويلة الأمد تفضي إلى حل الدولتين تتعايشان بسلام مع بعضهما بعضاً”.

إلا أن هذه الشروط من الصعب تطبيقها في ظل الحكومة اليمينية الإسرائيلية الآن، “ففيما يتعلق بوقف إطلاق النار، هناك غياب للثقة بين الأطراف المتحاربة، ويقوض استمرار العمليات العسكرية أي أمل في التوصل إليه، وفيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها القطاع المحاصر والتي تتجاوز 500 شاحنة يوميًا، يقوّضها نظام المساعدات الحالي الذي يعتمد على مؤسسات أميركية خاصة يجعل تحقيق هذا المطلب معقداً ومليئاً بالعقبات السياسية والأمنية”.

ثالثًا: التداعيات المحتملة والمخاطر المتوقعة

على الساحة الفلسطينية: الاعتراف البريطاني شأنه شأن الاعتراف الفرنسي ستكون له تداعيات محتملة: فقد يعزز مكانة السلطة الفلسطينية دوليًا، خاصة في ظل الجهود الدبلوماسية التي بدأتها منذ 2009 لكسب الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967. ومع ذلك، فإن الاعتراف لن يغير الوضع الميداني بشكل فوري، حيث يظل “حق العودة” ومسألة القدس الشرقية ومعضلة المستوطنات قضايا تتطلب مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

على العلاقات مع إسرائيل: على مستوى العلاقات بين لندن وتل أبيب، لا يزال من غير الواضح تأثير الخطوة البريطانية على العلاقات الوثيقة بين البلدين، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن، بما في ذلك سلاسل التوريد المتعلقة بالدفاع. وقد رفضت المملكة المتحدة الانتقادات التي وُجهت إليها بشأن مكافأتها لحركة “حماس” من خلال خطط للاعتراف بدولة فلسطينية، مشددة على أن ذلك يعتمد على قيام إسرائيل بخطوات لتحسين الظروف في قطاع غزة وتحقيق السلام. كما طالب وزير الخارجية البريطاني “ديفيد لامي” بمحاسبة الجنود الإسرائيليين المسؤولين عن استهداف طالبي المساعدات الإنسانية في غزة، ويصف الوضع هناك بالميؤوس منه للمدنيين والأسرى.

من جهة أخرى، فإن الاعتراف البريطاني قد ينعكس على اتفاقاتها مع الدولة العبرية. على سبيل المثال، إذا كان أحد جوانب التجارة يدعم إسرائيل أو يساهم في انتهاكها لحقوق دولة فلسطين، فعلى الدولة المعترفة بفلسطين وقف هذا النشاط التجاري. كما أن هذا الاعتراف يوفر أرضية لزيادة الضغط من المجتمع المدني والمشرعين في الدولة المعترفة لتعديل السياسات بما يتماشى مع متطلبات أخرى. وعلى الرغم من أن الدولة المعترفة بفلسطين ليست ملزمة بقطع كل التعاملات التجارية مع إسرائيل، فإن استيراد المنتجات الزراعية من مستوطنات في الأراضي المحتلة يُعتبر غير قانوني وفقاً لحكم استشاري أصدرته محكمة العدل الدولية العام 2024، والذي أكد أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ينتهك حظر الاستيلاء على الأراضي.

للإشارة، فقد حذرت الخارجية البريطانية إسرائيل من ضم أجزاء من الضفة الغربية ردًا على اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية.

وفي سياق الجدل السياسي الراهن، يتعرض ستارمر لانتقادات قاسية من عائلات الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس. حيث اتهموه في رسالة مفتوحة بأنه “يُكافئ القتلة” ويعرقل جهود إعادة هؤلاء الرهائن. هذه الرسالة، التي تحمل توقيع 16 من أفراد أسر الضحايا، تضيف بُعدًا إنسانيًا يزيد من صعوبة موقف ستارمر في تبرير أفعاله أمام الرأي العام.

على العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية: في سياق العلاقات بين واشنطن ولندن، جاءت خطوة رئيس الوزراء البريطاني في وقت يسعى فيه “ستارمر” إلى تعزيز العلاقات مع الرئيس “دونالد ترامب”، حيث التقيا الإثنين 28 يوليو 2025 في اسكتلندا. ومع ذلك، أفاد “ترامب” بأنهما لم يتناقشا بشأن خطة بريطانيا للاعتراف بدولة فلسطينية. وعند سؤاله عن توافقه مع موقف “ستارمر” الذي يعتبر أن الاعتراف بدولة فلسطينية خطوة نحو تحقيق السلام الدائم، أجاب “ترامب” قائلاً: “لا أمانع في أن يتخذ موقفاً. أنا أركز على إطعام الناس الآن… فهذا هو الأمر الأهم. هناك العديد من الجوعى”. ولكن خلال عودته إلى الولايات المتحدة قبل يومين، قال الرئيس الأمريكي إن الاعتراف بدولة فلسطينية سيعتبر مكافأة لـ”حماس”.

التحرك الجديد للمملكة المتحدة إذن يُقرأ في سياق سياسي حساس، إذ يأتي بعد أيام من انتقادات علنية وجهها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خلال زيارته الرسمية إلى لندن، حيث اعتبر أن الاعتراف بدولة فلسطين خطوة متسرعة.

الولايات المتحدة، التي قاطعت مؤتمر نيويورك مع حليفتها إسرائيل، كانت مستاءة من تغيير موقف حلفائها الواضح عن سياسة مشتركة ظلت تتبناها واشنطن لعدة عقود. فبعد أيام من محاولة “ترمب” التقليل من أهمية موقف نظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، مؤكداً أن اعتراف باريس بدولة فلسطينية ليس له قيمة، عجز الرئيس الأميركي عن إخفاء استيائه من انضمام كندا والمملكة المتحدة إلى موقف فرنسا.

على الساحة الدولية: يأتي الاعتراف البريطاني ضمن موجة أوسع من التحركات الدولية، حيث أعلنت دول مثل النرويج وإسبانيا وأيرلندا في مايو 2024 عن اعترافها بفلسطين، إلى جانب دول الكاريبي ودول أوروبية أخرى. هذا الزخم، مدعومًا بمؤتمر نيويورك الذي شاركت فيه 15 دولة برعاية فرنسا والسعودية، يعزز من فرص إحياء حل الدولتين، رغم التحديات التي يفرضها الفيتو الأمريكي.

الخاتمة

الاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية يشكل خطوة ذات أهمية رمزية وسياسية كبيرة، تعكس التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا تجاه الشعب الفلسطيني، ومحاولة لتصحيح إرث تاريخي معقد. وهي خطوة مهمة وفعالة نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة، تضمن حقوق مواطنيها، فضلاً عن أنها تعكس نفاد الصبر الأوروبي إزاء عملية السلام المتوقفة، إذ تشعر معظم الدول الأوروبية بخيبة أمل متزايدة تجاه انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل حربه على قطاع غزة وبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومع ذلك فإن تأثيره الفعلي يبقى محدودًا في غياب دعم أمريكي حاسم وتسوية شاملة تشمل إسرائيل. تشير هذه الخطوة إلى تحول في السياسة الخارجية البريطانية نحو دور أكثر نشاطًا في عملية السلام، لكن نجاحها يعتمد على قدرتها على حشد دعم دولي أوسع والتغلب على العقبات الداخلية والخارجية. في النهاية، يظل الاعتراف خطوة رمزية قد تمهد الطريق لزمن جديد في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لكنه يتطلب جهودًا متواصلة لتحويله إلى واقع ملموس.

-أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة

إقرأ الخبر من مصدره