
خالد غيلان
بوسعنا أن نُؤسس بين الفكر والفعل لمعالم تنموية يطبعها حُسن التَّصرف، ونسمُو بذلك لحالة ينسجم فيها القول مع العمل. تتطلب العملية مبدئياً إبرام صُلح مع التُّراب ومع الأجيال ما دامتْ لغة الحوار على الأرض مُمكنة، بعدها يمكننا أن “ننام تحت شجرة التِّين” أو تحت زيتونةٍ بريةٍ “لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ”، مغربية الجذور والثِّمار ونتنفس صُحبة الآخرين هنا والآن ودائماً؛ {يوم ينفعُ الصَّادقين صِدقُهم} (سورة المائدة آية 119). كُتب لنا المشاركة في تسيير الصَّبيحة الثقافية ليومه الخميس 25 شتنبر 2025 لندوة تحت عنوان: (كفاءات وزانية في الكتابة والتَّأليف) بمشاركة ثلة من أخيار أبناء المدينة والإقليم – دكاترة وأساتذة – أبوا إلاَّ أن يلبُّوا الدعوة حتى يتسنى للجمهور الحاضر، والذي تابع عن بعد، من الاضطلاع على باكورة أعمالهم. جاءَ تنظيم هذا اللِّقاء في إطار فعاليات الموسم الديني والثقافي لمولاي عبد الله الشريف الذي سَهرتْ على تفعيله “جمعية دار الضمانة” وبدعم من عمالة إقليم وزان، وزارة الشباب والثقافة والتواصل، مجلس جھة طنجة تطوان الحسيمة، جماعة وزان، مجلس إقليم وزان، ووكالة تنمية أقاليم الشَّمال.
هنا نداء الوسطية
بعد الصَّبيحة الفكرية كانت الفرصة مواتية للتأمل في الجبال والتِّلال وهي تَتموَّجُ على إيقاع “العَيُّوع”، يخترقنا هواءٌ لا نلتقي به إلا في أمكنة استثنائية، موضعاً وموقعاً، مثل ما هو الحال عليه بين مدن: شفشاون، وزان، والقصر الكبير (ما اصطلحت عليه المصادر التاريخية والجغرافية ببلاد الهبط). إذْ لا يمكن تصور قطيعة مع الجبل؛ فالعيش في الوطا على الدَّوام لا ينسجم مع حالِ الإنسان المغربي عامة والجَبَلِّي على وجه الخصوص، مع العلم أن علاقة “بلاد الهبط” بباقي ربوع الوطن وبالأندلس والعالم ضاربة الجذور في أعماق التاريخ. يهم الباحث الجانب المجهول من الماضي لأنه فرصة لاكتشاف جوانب منه بالعودة للنبش في الطّبقات المعرفية على المستوى المحلي.
فإذا كان الفنان التشكيلي المرحوم محمد المليحي وجد أسلوبه في أمواج المحيط الأطلسي المُترامية على طول شواطئ أصيلا، فساكنة منطقة وزان – مدينةً وقريةً – عثرتْ على ضالتها بين هذه الجبال المتوسطة الارتفاع، لا هي بالمُنبسطة ولا بذلك الارتفاع الذي يُصيب الصَّاعد إلى قممه بدُوار….{ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (29، سورة الإسراء)، كما قال عزَّ وجلَّ في مُحكم كتابه. بالتالي يصير الرابط متيناً على نمط هذه الوسطية بين الماضي والحاضر من أجل مستقبل يُبنى، بصريح العبارة، بين “يوجد ولا يوجد”، كما قال فرانسوا جيليان واصفاً اللوحة الفنية الصينية في مؤلفه (الصورة الكبيرة لا شكل لها)؛ فبين “ما كاين والو”، و“كاين كلشي”، يوجد “الخير كله” لأن “المكان لا يخلو من متمكن ” كما يقول عبد العالي القالي في مؤلفه (الأمالي) ومن إمكانيات. إن هذا الأفق يمكن رؤيته ليس لأن “ الصورة كبيرة” ، فهي لا تهمنا في هذا المقام ولا في غيره من المواقف، لأن “خير الأمور أوسطها”، فبعد “الماء ” قريباً بإمكان وزان أن تقدم “الهواء ” لحل أزمات التنفس. “الهواء” الذي نقول عنه “الرِّيح والتسريح” هو عنصر الجذب الأقوى على الإطلاق مناصفة مع “الماء” ومن بين قدراته العجيبة “الاختراق”، على حد قول أفلاطون. سيضطر الناس قريباً للعودة لقوانين الطبيعة كما أوجدها الخالق وللفطرة الأولى لأن التحديات البيئية والتنموية ومطالب شبابنا لا تقبل التَّرقيع بل النَّسجَ المُتقن والجيِّد في مستوى سُمعة النسج الجماعي للجلابة الوزانية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
هكذا وفي جو من الثقافة وبحضور وازن تنفسنا ولله الحمد بعمق واستمتعنا بلذة النُّصوص وصدق الكلمات صُحبة نساء ورجالات المنطقة وضيُوفِها الكرام الذين قدِموا من الجامعة المغربية كابن طفيل وعبد المالك السعدي، ومن مدن بعيدة لكنها الأقرب كالراشيدية. إن وزان لمن يستحقها ولمن يعرف فَضلها وقيمتَها. تحتاج اليوم لأبنائها، من مختلف الأعمار، وللغيورين على حالها، لمن سافر كثيراً، ولمن جال داخل الذَّات، من المُبدعين والحالمين، والصَّادقين عند القول والفعل من الذين يَظهر سلوكهم الإصلاحي في الحال وجميع الأحوال.
واسمحوا لي أن أعود بكم لربيع 2023 وبالضبط 28 ماي من نفس السنة حين حلَّ الأكاديمي حسن أوريد بوزان وقدم روايته (رحلة من الجنوب) مقدما السبق لدار الضمانة وحدها رغم دعوات توصل بها الكاتب من باقي مدن المغرب ومن خارج التُّراب الوطني. وجب الاقتناع بقوة بأن هذا الدافع، بالنسبة لأستاذنا سي أوريد وكما عبر عنه في الحين، هو إعلان صادقٌ عن الوفاء لتربة وزان؛ لجدته التي عاشت حياتها متعلقة بأهل دار الضمانة؛ فكانت تدعو لهم من هنالك بالراشيدية بدوام الصحة مُتمنية لتربة وزان المزيد من الخير والبركات.
الإصرارُ على ربط أحلام الطفولة بمخيال الجدَّات والأجداد في علاقة وزان بربوع الوطن وبخارج الوطن مستمرٌّ ولله الحمد لن ينقطع. عبَّرتْ الدكتورة الفاضلة أستاذتنا الأكاديمية رجاء ناجي مكاوي وهي أول امرأة تُلقي درساً من الدروس الحسنية أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس ونخبة من رجال العلم والسياسة، عبَّرتْ عن التعلق بمدينتها وتفاعلت مع عروض هذه الصَّبيحة الثقافية، وهي التي دخلت للفاتيكان كسفيرة للمملكة المغربية لتمثيل وطنٍ ولمد جسور الحوار الحضاري بين الديانات والثقافات. لقد قالت قولاً سديداً في الجيو- السياسية الدولية لتنبهيه الفاعلين لأهمية التَّاريخ المحلِّي الذي من المفروض أن يكتبه أبناء البلد من أجل إغناء السَّردية الوطنية ولإعادة الاعتبار للإنسان والمجال بعيون مغربية ليتواصل الإشعاع محلياً جهوياً، وطنياً، ودولياً، في إطار بيداغوجية “الوسطية” التي تجمع بين القلب والعقل، بين المادة والرُّوح، وبين الفكر والفعل.
قلت مع نفسي، وأنا أتابع تدخلها الحضاري، يوماً نربط فريق شباب أولمبيك وزان بنادي روما الإيطالي، لأن وزان تمثل، وعلى طول الطرق الرابطة بين تخوم وليلي والعرائش وطنجة وجبل العلم، تُمثل تشكيلاً ممتداًّ في التاريخ القديم، الوسيط، الحديث، والمعاصر، والمُتجلِّي في الأعلام والآثار من زمن الحاكم الرُّوماني إلى زمن الفتوحات والسلاطين والملوك المغاربة، لمولاي عبد الله الشريف ومن تبعه. يمكن لوزان أن تستمر في تكوين خيرة الوسطاء نساءً ورجالاً ليُقدِّموا دروس السَّلام والإصرار عبر بقاع العالم.
هنا حضور الإبداع والنَّقد
فبِدار الضمانة وخلال ندوة (كفاءات وزانية في الكتابة والتأليف) وفي أجواء روحانية أعادنا الأستاذ والباحث ھشام بومداسة، ابن مدینة وزان، لمؤلفه (إثنوغرافیا الدرازة الوزانیة، نحو دراسة سوسیو ثقافیة للتركیبة الاجتماعیة للحرفة- حكایة حرفة، الصادر سنة 2025 عن دار النشر القرویین). وكما تتبع الحضور فھشام بومداسة في ھذا المؤلف ركز على البعد الوصفي لحرفة “الدرازة” بوزان باعتبارھا حرفة لھا امتداد في تاریخ المنطقة من جھة، ولھا علاقة ممتدة بالكثیر من المھن. ووقف عند الأبعاد الثقافیة والسوسیولوجیة للحرفة بكل مراحلھا وعملیاتھا وتركیبتھا المرتبطة بالنسیج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والمھني، في علاقة تجمع الرجل الدراز والخياط بالمرأة الصُّوافة، والمدینة بالعالم القروي، والأحياء بعضها ببعض، والصوف بالتصوف. ووضح الأستاذ بومداسة بأن نموذج الدرازة بوزان ليس مسلسلا لإنتاج “خرقة” فحسب، بل يعكس – بالطول والعرض- شخصیة المدینة، ويُبرز ھویة الإقليم ككل. يكتشف القارئ من خلال “الدرازة” معالم المجتمع المحلي المبني على التضامن بين مكوناته الاجتماعية بما فيها الإنتاج؛ فهي بهذا المعنى ليست منجز مادي فحسب بل انصهار الذات في الجماعة. وبحسب الباحث بومداسة فهذا الإنتاج لن يستمر طويلا إلاًّ بصيانة حلقاته الأضعف وتجويدها خاصة إعادة الاعتبار لدور المرأة الصُّوافة والتفكير في تكوين الخلف تكوينا تتبناه مؤسسات رسمية كالتكوين المهني لتبقى الدرازة قائمة مُنتجة ومُدِّرة للدخل، حتى لا يقع لها مثل ما وقع لحِرفٍ كثيرةٍ ومنها حرفة الجلود بالمدينة التي اختفت مع الأسف.
ومن أجل القبض على المعنى انتقل بنا الدكتور السَّعيد الدريوش للنقوش وذلك انطلاقاً من قصري الحمراء بغرناطة والبديع بمراكش. ووقف عند المخطوطات التي تزخر بها مكتبة الزاوية الوزانية والتي تحتاج للتحقيق. وأتحفنا سي السَّعيد بالمناسبة بنماذج من الشعر المنقوش الذي يزين العمارة؛ شعرٌ يُطل علينا من القِباب، والشبابيك، يظهر ببعده الوجودي على طول دوران الأقواس ويتابع الأشكال الهندسية، حتى على جنبات القبور. وما أجمل أن تقرأ ما كتبه سي السعيد وهو ينقلنا من الصور الشعرية وكأن العمران لا يوجد إلا من خلال بلاغة القول وجميل البوح. واستطاع الدكتور السعيد بكتاباته هذه أن يوصل رؤيته داخل المغرب وخارجه لدول الخليج على وجه الخصوص حيث بلغ صدى أعماله للسعودية وقطر والكويت، البحرين ولفلسطين وباقي الدول العربية، وهذا فخر لمدينته وزان ولأساتذته ولأسرته الكبيرة والصغيرة. انشغل الدكتور السعيد الدريوش بكتابة عدة مقالات محكمة وقصص قصيرة، وبحوث منشورة في مجلات وطنية وعربية تقدم في مجملها ارتباط الشعر والخط العربي ارتباطا وثيقا بفن العمارة الإسلامية عبر نماذج من المغرب ومن الأندلس. وكانت الفرصة مواتية خلال هذه الصبيحة الثقافية فقدم تجربته في الكتابة من خلال العودة لمضامين إصداراته وهي:- (ابن أبي العيش التلمساني الأندلسي)، جمع وتحقيق ودراسة، وتقديم الدكتور صلاح جرار، 2024. -(الصورة الفنية في شعر النقوش بقصر الحمراء)، مطبعة باب الحكمة وبدعم من وزارة الثقافة، 2020. -( المعلقات الشعرية في العصر السعدي)، عن دار القرويين للنشر والتوزيع، 2020. (يوميات معلم في الأرياف)، المطبعة السريعة، 2017.
استمرت “أسئلة الكتابة”، كما يقول موريس بلانشو، التزاماً وشغفاً بالحفر والتقصي وحمل وجع السؤال الوجودي والمعرفي وحتى الأخلاقي بمسؤولية في وسط متحرك شهد عدة تغيرات قبل الحماية وبعدها وحتى بعد الاستقلال. ووقف الجميع مع الدكتور الشريف الرطيطبي والدكتور إبراهيم بل العافية على نماذج من الشخصيات المحلية بمعطيات مؤسسة للمخيال الجمعي الوزاني عبر أعمال حاولت أن تقرأ تاريخ وزان والقبائل المحيطة بها.
فالدكتور الشريف الرطيطبي هو من أبناء المدينة، باحث في التاريخ الحديث والمعاصر له عدة مقالات ومساهمات في عدة ندوات وحوارات إذاعية وتلفزية. قبل أن ينتقل للتأليف أنجز أطروحة تحت عنوان (دار وزان في الكتابات الفرنسية: ميشوبلير نموذجاً). قدم الدكتور الشريف الرطيطبي تجربته في الكتابة من خلال مؤلفه الأخير (في رحاب وزان: رجالات عرفتهم عن قرب) الصادر عن منشورات سليكي إخوان سنة 2024، تقديم البروفيسور المكي التهامي، مبرزاً من جهة تاريخ المدينة وتطورها، وراصداً صداها كشاهد من داخلها لا كمراقب، واقفاً عند منعطف تراجعها في السنوات الأخيرة على أمل الإقلاع بها مجدداً. كما قدم الدكتور الشريف من جهة أخرى، وبعمق وبساطة، مسار لعدة شخصيات وزانية كانت لها الدور القوي في المشهد التربوي، التعليمي، والثقافي، والفني، والرياضي، والجمعوي، ومن بين هذه الشخصيات من لازالت فاعلة وتحظى بتقدير الجميع.
في تكامل مع تاريخ مدينة وزان ونسائها ورجالاتها قدم الدكتور إبراهيم بل العافية وهو من أبناء إقليم وزان، من مواليد دوار الحلويين جماعة سيدي رضوان، وحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ المعاصر بجامعة عبد المالك السعدي تطوان سنة 2023، قدم تجربته في الـتأليف من خلال الإصدارات التالية :(الشرفاء الكنونيون أهل الزواقين بقبيلة بني مسارة: مساهمة في التاريخ الاجتماعي المغربي)، 2017. (الجماعة الترابية سدي رضوان بين الماضي والحاضر: التاريخ، الإنسان والمجال)، 2018 جزآن. (قبيلة بني مسارة وعلاقتها بالأطراف الفاعلة في منطقة وزان قبل الحماية: المخزن، شرفاء وزان، القبائل المجاورة)، 2023. (إطلالة على فرقة حجر بني عيش المسارية، مساهمة في كتابة التاريخ المحلي لمنطقة وزان، دراسة وثائقية تحليلية)، 2024. أما المؤلف الأخير فتناول فيه (قبائل وزان والشريف أحمد الريسوني بين منزع التعاون والتوجس (1912-1925). أهتمت هذه المؤلفات بفترة ما قبل الاستعمار وخلاله وسلطت الضوء على مرحلة حاسمة من تاريخ المقاومة المغربية للاستعمار الفرنسي، انطلاقاً من استحضار الدور الذي لعبته قبائل وزان، لاسيما: بني مسارة، غزاوة، بني مزكلدة، رهونة، سطة، ومصمودة، في التصدي للمشروع الكولونيالي خلال بداية القرن العشرين. وأظهر الدكتور بل العافية علاقات التعاون التي كانت تسود بين بني مسارة والزاوية الوزانية عكس ادعاءات كتابات جل المستشرقين الذين وصفوها بالعدائية، مما خلق جوا من المناقشة داخل القاعة استحسنه المشاركون. إلا أن الدكتور إبراهيم بل العافية استند لمجموعة من الحجج مبرزاً جو التضامن والصمود في وجه المستعمر، وداعياً لكتابة التاريخ المحلي وإغنائه.
خاتمة
تُوَقِّع هذه الأعمال في مجمل مضامينها على خاصية المقاومة كنوع من الإصرار من أجل البقاء، وبغاية ترك الأثر كما هو الحال في الخط والنقوش، ويتبين ذلك سواء عبر التجارب الشخصية والجماعية، وعبر الأمكنة والأزمنة والعمران. وأظهرت هذه الكتابات مسؤولية المثقف اتجاه وطنه واتجاه تنمية منطقة الميلاد من خلال تثمين ثقافة الاعتراف وإبراز المعالم والتذكير بنساء ورجالات المنطقة وآثارهم. ووضعت هذه الإصدارات اليد على الخصوصية التاريخية والعملية والروحية والعمرانية للمنطقة، ومن شأن الارتباط بوزان أن يتقوى ويتواصل ويتصل ويترسخ بحكم الكتابة والقبض على الذاكرة المشتركة، تعزيزاً لرصيد المكتبة المحلية، الجهوية، والوطنية، وتسهيلاً لإقلاع المنطقة الذي بات ينتظره الجميع، مع العلم “أن اقتصادها قائم على تعظيم الاعتدال وليس المنفعة” كما بينته حرفة الدرازة بشكل واضح.