شهدت قبة البرلمان المغربي، الثلاثاء 28 أكتوبر 2025، لحظة توتر سياسي لافت بعد أن فجّر رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، أحمد التويزي، ما وصفه بـ“فضيحة مدوية” في ملف دعم القمح، الذي يلتهم سنوياً أكثر من 16.8 مليار درهم من المال العام دون مراقبة فعّالة، حسب تعبيره.
وقال التويزي، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 بمجلس النواب، إن هناك شركات “لا تطحن القمح بل الأوراق”، في إشارة إلى تلاعبات “خطيرة” داخل منظومة الدعم العمومي، حيث تُقدَّم ملفات وهمية للحصول على أموال مخصصة أساساً للفئات الفقيرة.
وأضاف البرلماني بنبرة حادة: “من غير المقبول أن يستمر هذا العبث في المال العام، فالدقيق الذي يُقدَّم على أنه مدعّم لا يمكن حتى استهلاكه، فكيف يُعتبر موجهاً للمحتاجين؟”، داعياً الحكومة إلى التحرك العاجل “قبل نهاية ولايتها” لإصلاح هذا القطاع الذي اعتبره “من أكثر الملفات غموضاً وهشاشة”.
“توضيح للرأي العام” بعد تصاعد الجدل
وبعد ساعات من الجدل الذي أثارته عبارته “طحن الورق”، أصدر التويزي بياناً توضيحياً أكد فيه أن المقصود من العبارة “لم يكن أبداً المعنى الحرفي”، موضحاً أنها تعبير مجازي متداول في اللهجة المغربية، يقصد به “التلاعب في الوثائق والفواتير للحصول على الدعم العمومي”.
وقال التويزي في بيانه، الذي حمل عنوان “توضيح للرأي العام”:
“من غير المنطقي اقتصادياً ولا واقعياً الحديث عن طحن الورق بالمعنى الحرفي، لأن قيمة الورق مرتفعة مقارنة بسعر الدقيق، وهو ما يجعل هذا الادعاء غير قابل للتصديق”.
وأعرب البرلماني عن أسفه لـ“تحريف الكلام عن سياقه الحقيقي واستغلاله من طرف بعض الجهات الباحثة عن الإثارة و’البوز’”، مشدداً على أن هدف مداخلته البرلمانية كان “لفت الانتباه إلى ضرورة مراقبة جودة الدقيق المدعّم وآليات صرف الدعم العمومي”.
دعوة لإصلاح الدعم وتوجيهه مباشرة للمواطنين
وأكد رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة أنه سيواصل الدفاع عن “إصلاح جذري لمنظومة الدعم العمومي”، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد “رفعاً تدريجياً للدعم عن غاز البوطان والدقيق المدعّم، وتوجيهه مباشرة إلى الأسر المستحقة عبر السجل الاجتماعي الموحد”.
وأضاف أن “صندوق المقاصة لم يُنشأ ليستفيد منه الأغنياء أو البرلمانيون أو أصحاب الامتيازات، بل للفئات الفقيرة والمتوسطة”، داعياً إلى توجيه الدعم نحو من يستحق فعلاً في إطار عدالة اجتماعية “تضمن كرامة المواطن وتحافظ على توازن المالية العمومية”.
انتقادات حادة لواقع الدعم
وتابع التويزي خلال مداخلته البرلمانية أن استمرار دعم القمح بالشكل الحالي “يعني استمرار الريع”، مضيفاً: “نحن أمام واقع مقلوب يستفيد فيه الميسورون أكثر من المستضعفين”.
كما أشاد ببرنامج “المراكز القروية الصاعدة” الذي شمل 77 مركزاً، معتبراً أنه “نموذج واعد للحد من الهجرة نحو المدن وتحقيق العدالة المجالية”، مؤكداً أن المشروع يحظى بدعم مباشر من الصندوق الملكي للتنمية المجالية.
سياق سياسي متوتر
تأتي تصريحات التويزي في سياق سياسي دقيق يطغى عليه النقاش حول شفافية منظومة الدعم واستعداد الحكومة لتنفيذ نظام الدعم المباشر. وتزامن الجدل مع مناقشة قانون المالية 2026، الذي ركز على الإصلاحات الاجتماعية والمالية الكبرى التي دعا إليها الملك محمد السادس، وعلى رأسها “توجيه الدعم إلى مستحقيه بدل استمرار آليات غير فعالة”.
ورغم التوضيحات اللاحقة، فإن “عبارة طحن الورق” ظلت حديث مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبرها “جرس إنذار جريئاً ضد الفساد”، ومن رأى فيها “زلة لفظية استغلت سياسياً”، في مشهد يعكس هشاشة الثقة بين الفاعلين السياسيين والرأي العام.