تكريس الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية.. بين القرار الأممي والخطاب الملكي

Écrit par

dans

محمد شقير

تنبغي الإشارة إلى أنه، على غرار التزامن الذي واكب إصدار محكمة العدل الدولية بلاهاي بتاريخ 16 أكتوبر 1975 قرارها الذي أكد “وجود روابط بيعة قانونية وتاريخية بين سلطان المغرب وقبائل الصحراء، لكنه لم يثبت أي سيادة إقليمية للمغرب، وأوصى بتطبيق حق تقرير المصير للسكان”، وإعلان الملك الحسن الثاني في خطاب تاريخي في مساء اليوم نفسه عن قرار المسيرة الخضراء، موجهاً نداءً إلى الشعب المغربي للتوجه سلمياً إلى الصحراء المغربية لتحريرها، مستخدماً المصاحف والأعلام الوطنية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية، وجّه الملك محمد السادس خطاباً لم يتم الإعلان عنه إلا بعد إصدار مجلس الأمن، ليلة الجمعة 31 أكتوبر 2025، قراره حول تكريس الحكم الذاتي في الصحراء كأرضية لحل نزاع عمر لأكثر من نصف قرن.

القرار الأممي وتكريس الحكم الذاتي

بعد إرجاء تصويت مجلس الأمن حول ملف الصحراء الذي كان مقرراً يوم 30 أكتوبر 2025، بسبب طلب تقدمت به الجزائر بشأن أزمة دارفور، اعتمد مجلس الأمن عشية يوم 31 أكتوبر 2025 القرار رقم (2797)، الذي “يدعم مبادرة الحكم الذاتي للصحراء باعتبارها الحل الواقعي والجدي للنزاع، مؤكداً على أنها الأساس الوحيد للمفاوضات، ويجدد ولاية بعثة المينورسو لمدة عام آخر”.

وقد اتخذ هذا القرار الأممي بأغلبية 11 صوتاً، مع امتناع 3 دول (الصين، روسيا، باكستان)، وغياب الجزائر عن التصويت، وهو ما اعتبره مراقبون دعماً واسعاً للمغرب وانعزالاً للجزائر. وهكذا شكّل قرار مجلس الأمن تكريساً لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب منذ سنة 2007، حيث إن التصويت بأغلبية أصوات المجلس، مع امتناع روسيا والصين وباكستان، يعد تكريساً للشرعية الدولية للحكم الذاتي، في الوقت الذي يشكل فيه عدم مشاركة الجزائر في التصويت هزيمة دبلوماسية لخصم ناوأ المغرب طيلة خمسة عقود في أحقّيته باسترجاع أقاليمه الجنوبية.

ولعل هذا الإجماع الدولي على اعتبار الحكم الذاتي أرضية لأي حلّ لهذا النزاع المفتعل، لا يكرّس فقط المبادرة المغربية بشأن الحكم الذاتي، بل هيّأ الأرضية القانونية لاستثمارات الشركات الدولية في الأقاليم الصحراوية، بعدما رُفعت أي عراقيل قانونية أمام السيادة الاقتصادية للدولة المغربية على أقاليمها الجنوبية. إذ كان الخصوم كثيراً ما يحتجون ويرفعون دعاوى قضائية بهذا الشأن أمام المحاكم الأوروبية، بدعوى أنه لا يحق للسلطات المغربية تصدير منتجات هذه المناطق بحكم أنها مناطق متنازع بشأنها.

ولعل هذا ما أشار إليه الملك في الخطاب الذي ألقاه ليلة الجمعة 31 أكتوبر 2025، مؤكداً أن “الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمملكة على الأقاليم الجنوبية عرف تزايداً كبيراً، بعد قرارات القوى الاقتصادية الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بتشجيع الاستثمارات والمبادلات التجارية مع هذه الأقاليم، وهو ما يؤهلها لتصبح قطباً للتنمية والاستقرار ومحوراً اقتصادياً بمحيطها الجهوي، بما في ذلك منطقة الساحل والصحراء”.

الخطاب الملكي وتنزيل الحكم الذاتي

أكدت أهم نقاط القرار الأممي دعم الحكم الذاتي، إذ اعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” هو الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، مما شكّل نقلة نوعية في طبيعة قرارات مجلس الأمن السابقة. فقد انتقل مجلس الأمن من مجرد وصف المبادرة المغربية بـ”الجدية والمصداقية” إلى اعتبارها “الجوهر القانوني” للعملية السياسية.

كما أن هذا القرار يمثل رسالة قوية، إذ يعزز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، ويضع المغرب في موقف أقوى داخل العملية السياسية، من خلال دعوة جميع الأطراف، بما فيها الجزائر، إلى الانخراط في مفاوضات جادة وبحسن نية على أساس المبادرة المغربية.

وقد اعتبر محللون هذا القرار المتميز بمثابة “صفعة للجزائر” التي حاولت عرقلته، وأن غيابها عن التصويت أبرز تراجع حضورها وتأثيرها في الملف، في الوقت الذي كانت تترأس فيه حليفتها التقليدية، روسيا، اجتماع المجلس. أما امتناع الصين وروسيا وباكستان عن التصويت فقد عُدّ خطوةً دبلوماسية تهدف إلى الحفاظ على التوازن.

كما أن تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لمدة عام واحد حتى أكتوبر 2026، اعتُبر دعماً للمبعوث الأممي دي ميستورا لمواصلة مهامه، وسداً للباب أمام أي محاولة من طرف البوليساريو للتشويش العسكري على عملية تنفيذ القرار الأممي بشأن الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية.

وبالتالي، فكل بنود هذا القرار الأممي اعتُبرت انتصاراً سياسياً ودبلوماسياً للمغرب، وأن عدم مشاركة ممثل الجزائر بمجلس الأمن في التصويت، بوصف الجزائر عضواً غير دائم، شكل هزيمة دبلوماسية مدوية، خاصة بعدما تمت المصادقة على القرار بأغلبية 11 عضواً وامتناع ثلاثة أعضاء. هذا التصويت جعل الجزائر تمتنع عن المشاركة لأن أي معارضة لمضمون القرار، الذي تم تعديل مسودته استجابة لرغبات بعض أعضاء مجلس الأمن، كانت ستحرجها أمام المنتظم الدولي وتظهرها كدولة لا ترغب في إيجاد حل للنزاع.

ومع ذلك، فإن دعوة الملك في خطابه الذي أعقب الإعلان عن القرار الأممي إلى الرئيس تبون، الذي وصفه بـ”الأخ”، للتباحث بشأن تحسين العلاقات الثنائية، زادت من تعقيد موقف الجزائر وإحراجها سياسياً. إذ تضمن الخطاب الملكي بهذا الشأن قوله:

“إن المغرب لا يعتبر هذه التحولات انتصاراً، ولا يستغلها لتأجيج الصراع والخلافات. وفي هذا السياق، نوجه نداء صادقاً لإخواننا في مخيمات تندوف، لاغتنام هذه الفرصة التاريخية لجمع الشمل مع أهلهم، وما يتيحه الحكم الذاتي من إمكانية للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية وتنمية وطنهم وبناء مستقبلهم في إطار المغرب الموحد. وبصفتي ملك البلاد، الضامن لحقوق وحريات المواطنين، أؤكد أن جميع المغاربة سواسية، لا فرق بين العائدين من مخيمات تندوف وبين إخوانهم داخل أرض الوطن. ومن جهة أخرى، أدعو أخي فخامة الرئيس عبد المجيد تبون إلى حوار أخوي صادق بين المغرب والجزائر، من أجل تجاوز الخلافات وبناء علاقات جديدة تقوم على الثقة وروابط الأخوة وحسن الجوار. كما نجدد التزامنا بمواصلة العمل من أجل إحياء الاتحاد المغاربي، على أساس الاحترام المتبادل والتعاون والتكامل بين دوله الخمس.”

وبالتالي، فإن ما ورد في هذا الخطاب الملكي سيشكل بلا شك ضغوطاً كبرى على النظام الجزائري، خاصة وأن الولايات المتحدة عبرت، من خلال مستشار الرئيس ترامب ومبعوثه الشخصي ويتكوف، وما تضمنه قرار مجلس الأمن، عن رغبتها الأكيدة في العمل على احتضان مفاوضات بين الجانبين لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

أما فيما يخص تنزيل مضامين القرار الأممي، فقد أكد الخطاب الملكي أنه سيتم وضع تفاصيل سياسية وإجرائية لمبادرة الحكم الذاتي بعدما تمت الموافقة عليها من طرف مجلس الأمن. وهكذا جاء في الخطاب الملكي:

“اليوم ندخل، والحمد لله، مرحلة الحسم على المستوى الأممي، حيث حدد قرار مجلس الأمن المبادئ والمرتكزات الكفيلة بإيجاد حل سياسي نهائي لهذا النزاع، في إطار حقوق المغرب المشروعة. وفي سياق هذا القرار الأممي، سيقوم المغرب بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وسيقدمها للأمم المتحدة لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق.”

ولعل ما جاء في القرار الأممي والخطاب الملكي معاً يرمي الكرة الآن في ملعب النظام الجزائري، المطالب بأن يعلن رده على اليد الممدودة التي عرضها العاهل المغربي من جديد على الرئيس تبون، لكن في سياق أممي ومن منطلق سياسي يؤكد أنه “ليس هناك غالب ولا مغلوب”.

ويُنتظر من الرئيس الجزائري أن يرد في الأيام المقبلة على هذا العرض الملكي، بأي صيغة من الصيغ، رغم ضغوط الرأي العام الجزائري الذي سيتساءل عن مبررات التورط السياسي والعسكري والمالي والدبلوماسي في قضية خُسرت دبلوماسياً بعدما خُسرت عسكرياً، فضلاً عن ضغوط قيادات جبهة البوليساريو وطرق حل إشكالية مخيمات تندوف، خاصة وأن قرار مجلس الأمن رقم 2797 عبّر “عن قلقه من النقص الحاد في التمويلات المخصصة للاجئين بمخيمات تندوف، مشدداً على ضرورة تسجيلهم وتكثيف المساعدات الإنسانية”.

إقرأ الخبر من مصدره