تضارب صارخ للمصالح.. وثائق تكشف فوز شركة للوزير برادة بصفقات قياسية في وزارة الصحة بعد استوزاره

Écrit par

dans

الخط :
A-
A+

تتواصل تداعيات الجدل حول استفادة شركة تعود ملكيتها لمحمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والرياضة والتعليم الأولي، من صفقات عمومية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في ما يشكل تضاربًا صارخًا للمصالح ويطرح تساؤلات جدية حول استغلال المناصب السياسية والإدارية لتحقيق مصالح شخصية، بما يتعارض مع ما ينص عليه الدستور والقوانين الوطنية المنظمة للمساطر العمومية.

وينتمي كل من وزير الصحة والحماية الإجتماعية أمين التهراوي، ،ووزير التربية الوطنية سعد برادة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه رئيس الحكومة ورجل الأعمال عزيز أخنوش. وقد التحق الإثنان بالحكومة خلال تعديل أكتوبر 2024، ويبدو أنهما يسيران على خطى رئيسهم.

وقد سبق لموقع “برلمان.كوم” أن حذر في أكثر من مناسبة من مخاطر زواج المال بالسلطة، مؤكدًا أن أي استغلال للمناصب السياسية لأغراض شخصية يُعد انتهاكًا صريحًا للضوابط القانونية، تمامًا كما سبق أن نبّه الموقع إلى مخاطر ربط السلطة بالخطاب الديني.

وحسب المعطيات المتوفرة لدى الموقع، فخلال سنة 2024، أي السنة التي سبقت تولي محمد سعد برادة لمنصبه الحكومي، لم تفز شركة الوزير (Pharmaprom) بأي صفقة من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بسبب ضعف جودة عروضها وارتفاع أسعارها، في حين اقتصرت استفادتها على بعض الصفقات الصغيرة على مستوى المراكز الاستشفائية الجامعية، والتي بلغت قيمتها الإجمالية 5.089.750 درهم فقط. أما خلال سنة 2025، فقد قفز حجم الصفقات التي حصلت عليها الشركة إلى ما مجموعه 56.292.852,32 درهم، وهي صفقات متعلقة حصريًا بتوريد الأدوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال فترة سنة واحدة من تاريخ استوزار محمد سعد برادة إلى غاية نونبر 2025، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنسبة تفوق 1006% مقارنة بسنة 2024، وهو تطور استثنائي وغير مسبوق في ظرف زمني قصير.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه القيمة المالية تتعلق حصريًا بالصفقات المنشورة على بوابة الصفقات العمومية، دون احتساب طلبات السند التي تمنح خارج المساطر الكلاسيكية، ودون إدراج الصفقات التي قد تكون مرت عبر قنوات أخرى أو تلك التي لم تنشر، بما فيها الصفقات التفاوضية أو تلك المتعلقة بالتراخيص المؤقتة للاستعمال ATU، مما يعني أن حجم الاستفادة الفعلي قد يكون أعلى بكثير من الأرقام المعلنة.

وحصل موقع “برلمان.كوم” على وثائق تكشف بوضوح الصفقات المعلنة من طرف وزارة الصحة والتي استفادت منها شركة الوزير برادة منذ التحاقه بالحكومة، حيث تظهر الوثائق التسلسل الزمني للصفقات، بحيث وبتاريخ 28 فبراير 2025 حصلت الشركة على صفقة بقيمة 5.910.880،00 درهم لتوريد أدوية ومواد كاشفة وأجهزة طبية ضمن الصفقة رقم 27/2023/DAMPS/CS/PRG/DELM/DP/INH. وفي 14 مارس 2025، حصلت الشركة على حصة تناهز 10.812.994،48 درهم ضمن طلب عروض موجه لبرامج وطنية لمحاربة الأوبئة والأمراض بشراكة مع مديرية السكان والمركز المغربي لمحاربة التسمم. أما في 29 ماي 2025، فازت الشركة بصفقة تفوق 11.151.609،84 درهم لتوفير أدوية خاصة بالبرامج الوطنية، ضمن الصفقة الدولية المفتوحة رقم 01/2025/DAMPS/MDT/DELM/DP/CAPM. وفي 5 نونبر 2025، حصلت الشركة على صفقة لتزويد المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية بأدوية بقيمة 998.400،00 درهم بإشراف مديرية التموين بالأدوية والمنتجات الصحية تحت رقم 30/2025/DAMPS/MDT/CAPM.

وترتبط شبهات تضارب المصالح أيضًا وفق المعطيات التي حصل عليها برلمان.كوم بما آلت إليه مساطر التراخيص المؤقتة للاستعمال (ATU)، التي يفترض أن تمنح في ظروف استثنائية ووفق شروط دقيقة، غير أن ترخيص ATU منح خلال السنة الأخيرة في سياقات يلفها الغموض، ما يطرح أسئلة حول معايير الانتقاء وطبيعة الجهة المستفيدة من هذا الاستثناء القانوني.

ويزداد الأمر خطورة بالنظر إلى ترخيص Autorisation de Mise sur le Marché (AMM) الخاص بدواء KCL، الذي تعود ملكية ترخيصه الأصلي لشركة حكم، حيث تقدمت الشركة بطلب للحصول على الترخيص بعد تجهيز مصنعها واستعدادها للإنتاج المحلي، وظلت تنتظر لمدة تقارب ستة أشهر دون أي جواب من الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، في حين اختارت الوكالة منح ترخيص استثنائي (ATU) لشركة أخرى لاستيراد الدواء من الصين، وهو ما يعد مساسًا مباشرًا بالسيادة الدوائية الوطنية.

وللإشارة، فإن المملكة المغربية تتوفر اليوم على ما مجموعه 56 وحدة صناعية وطنية متخصصة في إنتاج واستيراد الأدوية، وكان من الأجدر في مثل هذه الحالات دعوة هذه الوحدات إلى تقديم عروضها لتوريد الأدوية المطلوبة، لتعزيز الجودة وضبط الأسعار وضمان التنافسية العادلة داخل السوق الدوائية الوطنية.

وفي محاولة لتبرير هذه الاستفادة التي تدخل في إطار تضارب المصالح، خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، زميل الوزير برادة في حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال مداخلة له يوم السبت 15 نونبر 2025 ضمن المحطة السابعة من جولة “مسار الإنجازات” بجهة الدار البيضاء-سطات، ليؤكد أن تعامل شركة Pharmaprom مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية يعود إلى سنة 2014، وأنه لا يمكن اختزال المعطيات في فترة محددة. غير أن قرار مجلس المنافسة رقم 113/ق/2022 الصادر بتاريخ 14 ربيع الأول 1444 الموافق لـ11 أكتوبر 2022 يثبت بشكل رسمي أن شركة Pharmaprom SARL AU خضعت سنة 2022 لعملية اقتناء كامل حصص رأسمالها وحقوق التصويت المرتبطة بها من طرف جهتين جديدتين، وهما شركة BFO Partners، شركة قابضة خاضعة للقانون المغربي ومقرها بالدار البيضاء ومملوكة لمجموعة محمد بوزوبع، وتنشط في مجالات البناء والإنعاش العقاري، وشركة BMPAR، شركة قابضة خاضعة للقانون المغربي ومقرها بالدار البيضاء ومملوكة لمجموعة محمد سعد برادة، وتنشط في مجالات صناعة الحلويات والإنعاش العقاري. وبمقتضى هذا القرار، تم اقتناء 100% من رأسمال شركة Pharmaprom وحقوق التصويت فيها مناصفة (50% / 50%) بين BFO Partners وBMPAR، ما يعني أن نصف ملكية الشركة انتقلت فعليًا إلى محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، سنة 2022، وهو ما يجعل التصريحات التي تفيد بأن تعامل الشركة يعود إلى فترة ما قبل استوزار الوزير مضللة وغير دقيقة.

ما كشفته الوثائق يشير بوضوح إلى استغلال المنصب الحكومي لتحقيق مصالح شخصية، بما يشكل انتهاكًا للدستور والقوانين الوطنية، ويطرح علامات استفهام حول نزاهة المناقصات العمومية، ويؤكد الحاجة الملحة لتعزيز آليات الرقابة والمساءلة لضمان عدالة الفرص ومنافسة شفافة بين الشركات الوطنية بما يحفظ المال العام ويصون الثقة في المؤسسات العمومية، وحماية البلاد من مخاطر زواج المال بالسلطة.

إقرأ الخبر من مصدره