
فؤاد بنصغير
مقدمة:
من المعلوم أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت اليوم تلعب دور الطبيب، والمؤلف، وكاتب الكلمات، وصانع الأغاني، وغير ذلك.
وعندما يتقمص هذا النوع من الذكاء الاصطناعي صفة صانع أغاني، فإنه يعتمد في تدريبه على كلمات أغانٍ سابقة محمية قانوناً، قام أصحابها بنشرها على شبكة الإنترنت.
هذا الأمر يدفع بنا إلى طرح السؤال التالي: هل يحق للشركات التي تمتلك هذه النماذج استخدام هذه الكلمات دون مقابل؟ وهل يملك أصحابها الحق في مقاضاة هذه الشركات في حال قيام هذه الأخيرة بذلك؟
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} أولاً: طريقة عمل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي
إذا كانت الشركات التي تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مضطرة إلى الأداء عن البيانات الخارجية التي تستخدمها من أجل تدريب هذه النماذج، فإن المشرع المقارن وضع لذلك استثناءً يعفيها من ذلك.
أ- نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تحتاج إلى بيانات خارجية من أجل التدريب
بحسب المحتوى المراد توليده، تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات (نصوص، أو صور، أو تسجيلات صوتية، أو فيديوهات، أو أفلام، أو أغانٍ، أو كلمات أغانٍ، أو ألحان… إلخ) خارجية من أجل التدريب.
لذلك، تضطر الشركات التي تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى دفع تعويض لأصحاب الحقوق على هذه البيانات، أياً كان نوعها.
وفي الحالة التي نحن بصدد تحليلها، فإنه يتعين على شركة “أوبن إيه آي” التي تمتلك روبوت الدردشة “شات جي بي تي” تعويض أصحاب الحقوق على الكلمات التي يستخدمها الروبوت في توليد الأغاني.
ب- استثناء تنقيب النصوص والبيانات
من أجل تشجيع الذكاء الاصطناعي التوليدي، أنشأت المادتان 3 و4 من التوجيه الأوروبي رقم 2019/790 الصادر سنة 2019، وحتى القانون الأوروبي حول الذكاء الاصطناعي الصادر سنة 2024، ما يُسمى باستثناء تنقيب النصوص والبيانات من أجل تدريب هذا النوع من الذكاء.
هذا الاستثناء يعطي للشركات التي تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الحق – بشروط – في استخدام المحتويات المنشورة على شبكة الإنترنت (ومن بينها كلمات الأغاني) من أجل تدريب نماذجها، دون طلب ترخيص من أصحاب الحقوق.
ثانياً: التطبيق القضائي
لقد وجد هذا الإطار القانوني الذي عرضنا له، والمتعلق باستخدام المحتويات المحمية قانوناً من قبل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، طريقه إلى التطبيق القضائي.
لذلك، سنقوم بالحديث عن حيثيات أهم قضية في هذا الشأن، والمواقف المتناقضة لطرفي النزاع، قبل بسط القرار الذي اتخذته المحكمة التي عرض عليها النزاع في آخر المطاف.
أ- حيثيات القضية
تتعلق القضية بمجموعة من كتاب الكلمات الألمان الذين قاموا برفع دعوى قضائية ضد شركة “أوبن إيه آي” التي استخدمت كلماتهم في تدريب روبوت الدردشة “شات جي بي تي” الذي تمتلكه.
وقد كان للمدعين – أصحاب الحقوق على الكلمات محل النزاع – والشركة المدعى عليها – التي تمتلك روبوت الدردشة “شات جي بي تي” – مواقف متناقضة، نلخصها في ما يلي:
موقف المدعين: يتمثل موقف المدعين في أن روبوت الدردشة “شات جي بي تي” قام بتخزين الكلمات المعنية بالأمر من أجل التدريب، ثم قام باستنساخ أجزاء واسعة من كلمات الأغاني كلمةً كلمة، وقدمها كما هي لمستخدمي الروبوت.
موقف الشركة المدعى عليها: ادعت شركة “أوبن إيه آي” أن نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي “شات جي بي تي” التابع لها لا يقوم لا بتخزين ولا بنسخ بيانات التدريب بذاتها، ولكن يقوم فقط بالتعلم من أنماط، تقوم على أثر ذلك بتوليد محتويات جديدة انطلاقاً من هذه الأنماط.
إضافة إلى ذلك، وضعت الشركة المسؤولية على عاتق مستخدمي روبوت الدردشة، مدعية أن الكلمات لا يمكن أن يتم توليدها دون طلب من هؤلاء.
ب- قرار المحكمة
قررت محكمة ألمانية تابعة لمقاطعة ميونخ، في القرار رقم 14139/24 الصادر سنة 2024، أن استخدام كلمات الأغاني بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون ترخيص يعد انتهاكاً لقانون حقوق المؤلف.
بتعبير أدق، فإن استخدام كلمات الأغاني المحمية قانوناً كبيانات تدريب لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي دون مقابل، يعتبر مساساً بحقوق المؤلف.
وقد بنت المحكمة قرارها على أمرين:
الأمر الأول يتعلق بكون استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لكلمات الأغاني المحمية قانوناً لا يندرج ضمن استثناء تنقيب النصوص والبيانات الذي عرضنا له أعلاه.
ذلك أن القيام بتحميل كلمات الأغاني دون ترخيص، وتخزينها بشكل شبه كلي في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتقديمها في شكل محتوى جديد، لا يندرج ضمن الاستثناء من حقوق المؤلف الذي منحه المشرع لشركات الذكاء الاصطناعي.
هذا يعني أنه يتعين على شركة “أوبن إيه آي” التي تمتلك “شات جي بي تي” تعويض أصحاب الحقوق قبل استخدام كلمات الأغاني المحمية بموجب حقوق المؤلف في نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها.
الأمر الثاني يتعلق بكون مسؤولية انتهاك حقوق المؤلف تقع على عاتق روبوت الدردشة وليس على مستخدميه، كما ادعى دفاع شركة “أوبن إيه آي”.
ويعود ذلك – دائماً حسب قرار المحكمة – إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي هي من تقوم بتوليد المحتوى من خلال معالجة بيانات التدريب، وليس مستخدمو روبوت المحادثة “شات جي بي تي” من خلال طلباتهم (البرومبت).
نفهم من هذا الحكم القضائي أنه إذا قامت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي بحفظ – دون مقابل – لكلمات الأغاني التي تستخدمها كبيانات تدريب، ثم قامت بإعادة إنتاجها تقريباً بالكامل بناءً على طلبات المستخدمين، فإن ذلك يعد مساساً بحقوق المؤلف.
في جميع الأحوال، فإن القانون المتعلق بالذكاء الاصطناعي الصادر عن الاتحاد الأوروبي سنة 2024، ألزم شركات نظم الذكاء الاصطناعي التوليدي بالكشف عن المعلومات المفصلة المتعلقة بالبيانات التي استُخدمت في تدريب نظمها.
هذا يعني أنه يتعين على “شات جي بي تي” وغيره من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الأخرى الإفصاح عن البيانات (في هذه الحالة كلمات الأغاني) التي استُخدمت في التدريب.
خاتمة:
يعد هذا الحكم القضائي انتصاراً لكتاب كلمات الأغاني على شركات نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي يتعين عليها من الآن فصاعداً، من جهة، تعويض هؤلاء قبل استخدام إبداعاتهم من أجل تدريب نماذجها، ومن جهة أخرى، الإفصاح عنها.
وقد تكون لهذه القضية، التي تتعلق بالمجال الفني، دون أدنى شك، انعكاسات على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجالات أخرى.
ذلك أنه قد تصبح هذه القضية سابقةً بالنسبة لأنواع أخرى من المصنفات التي يتم استخدامها في مجال تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، سواء تعلق الأمر بنصوص أدبية، أو مقالات صحفية، أو مقاطع موسيقية، أو صور فوتوغرافية، أو غيرها.
ملاحظة أخيرة: هذه القضية تلخص الصراع الموجود حالياً بين شركات نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي من جهة، وأصحاب الحقوق على المصنفات المنشورة على شبكة الإنترنت، والتي تستخدمها تلك الشركات في تدريب نماذجها من جهة أخرى.
مع كل الاحترام والتقدير للجميع،
-أستاذ جامعي
خبير في القانون الخوارزمي
إقرأ الخبر من مصدره