الخط : A- A+
حظيت فعاليات “AI Made in Morocco ” التي احتضنتها العاصمة الرباط يوم الإثنين 12 يناير 2026، باهتمام لافت من وسائل الإعلام الدولية، التي أبرزت انتقال المملكة من مرحلة الإعلان عن الطموحات الرقمية إلى مرحلة التفعيل العملي لبناء منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، تقوم على السيادة الرقمية، وتثمين الرأسمال البشري، وربط البحث العلمي بالاقتصاد الحقيقي.
وفي هذا الصدد، ركزت وكالة رويترز، في تقرير لها بخصوص الحدث، على البعد الاقتصادي له، مشيرة إلى أن المغرب يستهدف تحقيق قيمة مضافة تناهز 100 مليار درهم في ناتجه الداخلي الخام بحلول سنة 2030 بفضل الذكاء الاصطناعي. ووضعت الوكالة هذا الرقم في سياق حجم الاقتصاد المغربي الحالي، مبرزة أن الرهان يقوم على توسيع قدرات معالجة البيانات داخليا عبر مراكز بيانات سيادية، وتطوير البنية التحتية السحابية وشبكات الألياف البصرية، إلى جانب الاستثمار المكثف في تكوين الكفاءات.
ونقلت رويترز عن الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، تأكيدها أن هذه الدينامية ستُترجم إلى إحداث 50 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتكوين 200 ألف خريج في مهارات هذا المجال، مع إدماج حلول الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية والقطاعات الصناعية، بما يعزز النجاعة والابتكار والإنتاجية. كما أبرز التقرير توقيع شراكة مع شركة “ميسترال” الفرنسية، في خطوة تعكس انفتاح المغرب على التعاون الدولي مع الحفاظ على رهانه السيادي.
أما قناة TV5 Monde، فقد اختارت مقاربة تفسيرية، مبرزة الرمزية السياسية والتكنولوجية لإطلاق شبكة “الجزري”، باعتبارها مركز القيادة الوطنية للذكاء الاصناعي بالمغرب. وقدم الروبورطاج صورة شمولية للمشروع، من خلال استعراض مكوناته التي تشمل معاهد بحث، مراكز لمواكبة الشركات الناشئة، بنية لتخزين البيانات وتحليلها داخل التراب الوطني، وشبكة موزعة على مختلف جهات المملكة، بما يكرس مقاربة اللامركزية في تطوير الذكاء الاصطناعي.
وسلط التقرير الضوء على البعد السيادي للمبادرة، مبرزا أن المغرب يسعى إلى التحكم في معطياته وبياناته في ظل التحولات العالمية المتسارعة، مع إدراكه لأهمية الذكاء الاصطناعي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتسريع الإصلاحات في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والفلاحة.
كما نقلت القناة تصريحات مؤسس شركة “ميسترال”، الذي شدد على أهمية تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تفهم اللغات واللهجات المحلية، معتبرا أن إدماج الدارجة والأمازيغية في النماذج الذكية يشكل إضافة نوعية على المستوى العالمي، خاصة في ظل الانتقال المتزايد نحو التفاعل الصوتي عبر الهواتف الذكية.
وفي السياق ذاته، أبرزت TV5 Monde البعد الدبلوماسي للذكاء الاصطناعي المغربي، من خلال مداخلة السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، الذي اعتبر أن المملكة تتوفر على “أرضية خصبة” لتطوير الذكاء الاصطناعي وجعله أحد محاور سياستها الخارجية، بما يعزز تموقعها كشريك دولي موثوق في قطاع يشهد تنافسا عالميا حادا.
من جهته، تناولت وكالة Bloomberg Arabia الحدث من زاوية اقتصادية واستثمارية، مشيرة إلى أن المغرب يطمح إلى توليد ما يفوق 11 مليار دولار من الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، في إطار رؤية واضحة المعالم تشمل تطوير شبكة معاهد “الجزري” بالشراكة مع “ميسترال”، وبناء مراكز بيانات كبرى، من بينها مركز بقدرة 500 ميغاواط في مدينة الداخلة يعتمد على الطاقات المتجددة، إلى جانب مشروع حوسبة سحابية بالرباط لدعم التحول الرقمي للإدارات العمومية.
وأبرز الموقع أن هذه المشاريع تعكس رؤية تقوم على الجمع بين الابتكار التكنولوجي والاستدامة الطاقية، مع الرهان على جعل الذكاء الاصطناعي رافعة لتحديث الخدمات الحكومية وتحسين علاقتها بالمواطن. كما نقل تصريحات الوزيرة السغروشني التي أكدت أن المعاهد المرتقبة ستشكل فضاء جامعا للباحثين، والشركات الناشئة، والقطاعين العام والخاص، من أجل تطوير مشاريع ذات قيمة مضافة عالية تستجيب لحاجيات الاقتصاد الرقمي.
هذا وجدير بالذكر، أن الوزيرة السغروشني أكدت خلال ختام أشغال “AI Made in Morocco”، أن اللقاء شكل فرصة نوعية لتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين، وأسهم في بلورة رؤية جماعية لبناء منظومة وطنية قوية للذكاء الاصطناعي. وشددت على أن توقيع الاتفاقيات، خاصة تلك المرتبطة بشبكة “Jazari”، يمثل محطة مفصلية تؤسس عمليًا للانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ المنظم وبناء القدرات، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية بهذا الخصوص.
كما أوضحت أن الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي يبدأ من البحث العلمي ولا ينتهي إلا بتحقيق أثر مجتمعي ملموس، معتبرة أن السيادة الرقمية لا يمكن تحقيقها دون استثمارات طويلة الأمد في البيانات والحوسبة والتنظيم. وأضافت أن تحديث الإدارة العمومية لم يعد يقتصر على رقمنة المساطر، بل يمر عبر إعادة تصميم شاملة للخدمات العمومية، تضع المواطن في صلب الاهتمام، وتستثمر الذكاء الاصطناعي لتحسين الجودة والشفافية وتعزيز الثقة.
ويبرز صدى هذا الحدث في وسائل الإعلام الدولية أن المغرب لم يعد يُنظر إليه كمستهلك للتكنولوجيا فقط، بل كفاعل يسعى إلى إنتاج الذكاء الاصطناعي وفق خصوصياته الوطنية، وتسخيره كرافعة للتنمية الاقتصادية، وتعزيز السيادة الرقمية، وترسيخ موقعه كقطب إقليمي صاعد في هذا القطاع الاستراتيجي.