
نجاة المريني
أستاذي الدكتور عباس الجراري
لا أعرف إن كان القلم سيجيدُ الحديث عنك وإليك، إذ يصعبُ عليَّ أنْ أخَطَّ كلماتٍ في لحظاتٍ قاسية عنك رائدا كبيرا، وأستاذا ناجحا، وباحثا قديرا، ومفكرا كـفئـا، ومثقـفا لامعا، وعالما رصينا، وخطيبا مفـوَّها، وموسوعـيا متألقا. أنت ممَّنْ يعجِزُ القلمُ عن توْفِـيَـتِـكَ ما تستحقُّه من الأوصاف والنـعـوت.
تهـيَّبَ القلم أنْ يخُطَّ كلماتٍ ليشارك في تأبينـك في هذا الفضاء الأكاديمي “مدرج الشريف الإدريسي” بكلية الآداب، والذي عرفـك أستاذا محاضرا ومناقشا فـيشهدَ لك بالتفوق والتمـيُّز. لَـوْ تحدثتْ حيطانُه وكـراسـيُّ مُدَرَّجه منذ أن تربَّعْتَ منصَّتَه السنواتِ ذاتِ العدد، لأفصحَ الجميعُ اللحظةَ عـما يُـكـنُّوهُ لك من إعجاب وتقدير. كما تشهد لك قاعاتُ الدروس بهذه الكلية وبملحقها بمدينة العرفان بالسويسي بجديتِك وعطائِك، وبالتزامِك دائما باحترام مواعيد دروسك وانضباطك بذلك، سواءٌ في دروسك الصباحية أو مع الطلبة الذين تُـشرف على رسائلهم وأطاريحهم الجامعية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
كانت هذه الكليةُ تسكنُ أعماقَـك وتُـؤَرِّق فـكرَك. يشغلُـكَ واقـعُهـا ومستـقـبلُها باستمرار. فكـلَّما زرتُـكَ إلاَّ وكان السؤالُ عن الجديد من الإصدارات المغربية في المكتبات التي أزورها، عن الكلية والطلبة، وعن الشعبة وعن الجديد من أخبارها. وكنتُ أردِّدُ مع نفسي: لِـمَ لا يسألُ عنها؟ ألـمْ يعـشْ فيها أزهى سنواتِ عمره: شبابِه ونضجِه وكهولـتِه؟ متطلعا إلى أخبارها، مـتـشوفا إلى جديدها. إنه الوفاءُ الذي يملأ كيانه ويـملأُ مشاعره. وهنا أقـترحُ تسميةَ إحدى القاعات باسم الدكتور عباس الجراري تأريخا لمسار أستاذ علاَّمة في رحاب هذه الكلية العامرة. وفي هذا الإطار، أقـتـرحُ أيضا تسمية إحدى قاعات الكلية لأستاذي وصديقه العلامة الدكتور محمد بن شريفة رحمهما الله.
يدعوني رحيلُـكَ أستاذي إلى تـدبُّـر قول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: “وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون”. صدق الله العظيم.
إنها فاجعة الموت التي لا نـقـوى على ردِّها ولا على مساءلَـتِها. عجَـزَ الطب عن فـكِّ لغـزها مهما فعـل، وليس لنا إلاَّ أنْ نتدبَّـرَ ما ورد في الحديث النبوي الشريف: “من أثـنـيـتـمْ عليه خيرا وجبتْ له الجنة”. وأنتَ أيها الراحلُ العزيزُ ممَّن يذكـرُهُـمُ الجميع بالخير ويشهدون بأفضاله ومكارمه وجميل خصاله، فـوجبتْ لك الجنة.
رحيلُكَ أستاذي وصديقي الدكتور عباس الجراري فاجعةٌ أخرستِ الألسنَ وأدمتْ شغافَ القلوب. نترقبُ كل الأخبار المزعجة، لكننا لا نترقبُ مصيبةَ الموت. دائما تستغـفـلنا في لحظات الأمل، وتسلُـبُنَا العزيزَ من الأهل والأساتذة والأصدقاء، وتَـلُـفُّـنَا سحـبُ الإيمان بقضاء الله وقدره، وتغمرُنا مشاعـرُ الأسى العميق ومرارةُ الفـقـد الأليم لمن كانتْ حياتُـهُ دفْـقاً من العطاء وحضورُه بهاءً في بهاء.
وقديما قـال المتنبي في الرثاء:
ما كنتُ أحسَـبُ قبل دفنِـكَ في الثري أنَّ الكـواكـبَ في الـتـراب تـغـور
ما كنتُ آمُـلُ قبل نعــشـِـك أنْ أرى رضوى على أيدي الرجـال تـسيــر
أو كما قال الشاعر ابن رازكـة الشنقيطي:
هُـوَ الموتُ عَـضْبٌ لا تخونُ مـضاربُهْ وحـوضٌ زُعَـاقٌ كلُّ منْ عاشَ شَـاربُهْ
دنيا غيرُ آمنة، تُـشعـرُنا بالاطمئنان إليها، تُــغـرينا بملذاتها، وتُطْـمِعُـنَا برهاناتها. تجودُ لتسلب، وتُعطي لتأخذ، تَـفْجـؤنا بحقيقة المآل، ومرارةِ الفقد والغياب. فما على المرء إلَّا أن يرضى بقضاء الله وقدره ويؤمنَ بحقيقة الموت في كل وقت وحين.
كانت مفاجأةً غيرَ سارة. إذ يبقى الأملُ دائما في الإفلات من سطوة الموت يدغدغ المشاعـرَ ويُلهبُ العواطف لحظاتٍ ولحظاتٍ. لكن، وكما قال أبو فراس الحمداني:
ولكن إذا حُـمَّ القـضاء على امرئ فليس له بَــرٌّ يـقيه ولا بحــر
كنت أستعـدُ كغيري لحضور حفل تكريمي يقـيـمُه معهد كونفوشيوس لـتقـديم ترجمة كتابك “بين التنمية والثقافة” إلى اللغة الصينية يوم الإثنين 8 يناير 2024. لكن حصل ما لم يكن في الحسبان. تأجّـلَ اللقاء، وكان استفسارُ أرملته عن السبب فقالتْ: إنَّ وضعَهُ الصحي يستدعـي نقـله إلى المستشفى. ونزل الخبرُ عليَّ كالصاعقة. لكن الطمعَ في رحمة الله كان مُسَكِّـنا لانزعاجي من الخبر، وكان الأملُ أنْ يمـرَّ من هذه الأزمة الصحية المفاجئة بخير، وأنْ يتغلبَ عليها كما عـوَّدنا على الانتصار على المرض والمستشفى. لكنه غُـلِـبَ على أمره هذه المرة، إذ انـتـزعَـه الموتُ منا انتزاعا وسقانا جميعا مرارةَ الفـقـد وجراحَ الـفـراق. لم أصدقِ الخـبـرَ إلا بعد أن رأيـتُـه مُسْجَى تُـتْـلى عليه آياتُ الذكر الحكيم استعـدادا لنـقـله إلى مقَـرٍّ سَكَـنِـيٍّ ارتضاه الخالقُ له، رحمه الله.
ويرحـل الأستاذ الدكتور عباس الجراري عن هذه الدنيا الفانية بعد حياةٍ حافلة بالعطاء، ومسارٍ مشرق بجليلِ الأعمال، وبَديع الإصدارات، وبهيّ المؤلفات. يبهرك بما يمجُّه قلمُه من حين لآخر حول موضوعاتٍ أرهقه التفكيرُ فيها زمنا، وداوم على البحث فيها بأناةٍ وتبصُّر. يحلل ويناقش ويَبْسطُ آراءَه وتصوراتِه حول ما يشغلُه ويؤرقُ فكره: في الثقافة، في الدراسات المغربية أدبا وفكرا، في الفكر الإسلامي، في الثقافة الشعبية، في ثقافة الصحراء. كما شغلته الظواهرُ الاجتماعية والاقتصادية فشارك كمفكر في الحديث عنها وطَرْحِ بعض وسائل العلاج، كأهمية الماء من منظور إسلامي، ومفهومِ التعايش في الإسلام، والحوار من منظور إسلامي. إلى غـيرها من المؤلفات التي لا يستغـني عـنها أيُّ باحثٍ أو طالبٍ، فـيغـرفَ من عذب زلالها ما يُعينُه على الدرس والبحث مطمـئـنا إلى ذلكم الزادِ المعرفي الذي أنار له الطريق وعبـَّـد له المسار. فلا نملك جميعا غيرَ أن نـعـتـرفَ بفضله وجميل صنيعه في المجالس والمنتديات واللقاءات والندوات.
ولعلي أجد العزاءَ فيما خـلَّـفَـه أستاذُنَا من مؤلفاتٍ ودراساتٍ لتحَمُّل وقْـع الخبر غير السار الذي حمله الهاتف في مساء يوم رحيله. وإن لم يستوعِـبْه السمع ساعَـتَها، لأن الأستاذَ كان قويا في لحظاتِ أزماتٍ صحية عاشها، واستطاع أن يتغلبَ عليها بإيمان الصابر المحتسب، ويعيشَ بعدها في صحة وعافية، ويتابعَ مشوار حياته بأمن وأمان. يحاضرُ في الملتقيات العلمية في المغرب والمشرق. تـتهلل أساريرُه كلما التقى بجمع العلماء والأدباء والطلبة النجباء، ويناقشُ الرسائل الجامعية التي كان يشرفُ عليها في كليات المغرب المتعددة: في الرباط، والبيضاء، وأكادير، وفاس، ومكناس، ووجـدة، ومراكش وغيرها. لا يتأفـفُ ولا يتذمـرُ لبعد المسافة وتعبِ الطريق، بـل ينـشرحُ صدرُه ويتجددُ نشاطه. وألمسُ عنده روحَ الشابَ النشيط وسطَ زملائه وأصدقائه وطلبته.
عباس الجراري نسيجُ وحدِه: خُـلُـقا وعلما، بشاشة وانشراحا، ابتهاجا وحبورا، تأليفا وتصنيفا، حضورا وتألـقا. مُجَـالـسٌ مٌـجَانـسٌ. كلما جالستُه إلا وأتحفـني بالجديد من الكتابات والدراسات. تأكد لي ذلك عندما شاركتُ معه رفـقةَ أرملـته في سفـرياتٍ علميةٍ لحضور ندوات تكريمية أقيمتْ له. أكونُ من المشاركاتِ فيها بالرباط ومراكش وشفشاون وبرشيد وآسفي وتطوان والعيون وغيرها. كنت أنـبهـر بتـلك الذاكرةِ الـقـويةِ المستوعبة. فهو حاضرُ البديهة، فصيحُ اللسان، بليغُ الحجـة والبيان. قدرةٌ فائقةٌ على الارتجال يَـبُـزُّ بها غيرَه من الأساتذة الزملاء؛ وهي ميزة أعتبرها هـبة من الله تعالى، مستشهدا بمحـفـوظه من الأشعار كلما كان النقاش يستدعي ذلك. ذاكرةٌ حافظةٌ قوية تُـسْعِـفُه كلما دعاها، لا تبخل عليه بذلك المحفوظ من الأشعار. وكثيرا ما كنتُ أدعوه إلى أن يسجلَ لي بخط يمينه ما يفاجئني باستشهاده بالمحفوظ من الأشعار. من ذلك ما حدث ذاتَ مرة ونحن نُـنْصِتُ إلى شاعٍـر يتحدثُ عن ليلاه وعن شقائِه بِحبِّـها وعن الحرقة التي اكـتَـوَى بها وقـد هَـجَـرتْـهُ ورفـضتْ وصـالـهُ في ندوة علمية بالعيون. فـفعـلَ وكتبَ لي في ورقةٍ بخـطِّه، وما زلتُ أحتفظ بهذه الوثيقة، وكان ذلك بالضبط يوم 5 نونبر 2016. بيتان شعريان من محفوظ الأستاذ الجراري، فهو يجيد الإنصات ويستحضر ما خطر بفكره لحظتها:
فـكـرتُ ليلةَ وصْلها في هـجْـرها فـجرتْ مـدامع مقـلـتي كـالـعـنـدم
فطفِـقْتُ أمسح ناظري في جيدهـا من عـادة الـكـافـور إمساكُ الــدَّم
بحثت عن صاحب البيتين فوجدتهما للشاعـر ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب العـمـدة. فالراحل الجراري القـدوةُ ممَّنْ أكـرمهم الله بهذه الذاكرة القوية، يستدعيها فـتُجيبه ملبيةً في حَلِّـه وترحاله. يستدعي تلقائيا ما لم يطوه النسيانُ في ذاكرته، وهذه نقطة من بــحـر من غزيـر عطائه.
كما حضرت معه مهرجان المربد ببغداد بالعراق سنة 1989، وكانت جلساته تستـقطب أسماع المشاركين في المهرجان من أدباء الوطن العربي، يتحلقون حوله وينصتون إلى أحاديثه المختلفة الموضوعات. كما حضرت إلى جانبه ندوة علمية بمدينة عمان بالأردن في إطار المؤتمر الإسلامي الدولي نظمتها مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بموضوع عنوانه “تأملات في حقوق الإنسان في الإسلام”، وذلك سنة 2005. وكان اللقاء تجمّعا للعديد من العلماء والأدباء على اختلاف تـوجهاتهم رغبة في محاولة لجمع رؤى وتصورات المشاركين والمشاركات في موضوع حقوق الإنسان في الإسلام.
عباس الجراري أستاذي الذي أشرفَ على متابعةِ تحضيري لرسالتيَّ الجامعيتين بكلية آداب الرباط: دبلوم الدراسات العليا في موضوع شعر عبد العزيز الفشتالي مؤرخ أحمد المنصور السعدي، وأطروحة دكتوراه الدولة عن الشعر المغربي في عصر المنصور السعدي. وتمتْ مناقشتهما بهذا الفضاء الجامعي: مدرج الشريف الإدريسي. ومن ثَـمَّ كان احتكاكي بالنصوص الشعرية المغربية القديمة في العصر السعدي من خلال مخطوطات تصعب قراءتها إلا بعد حصول الألفة بيني وبينها سنوات. فتحقيق المخطوط ليس بالأمر الهيِّن السهل، ومع ذلك حرصتُ على الاشتغال بالمخطوطات بل وعشقتُ ذلك. وهكذا عملتُ على تحقيق كثير من هذه النصوص التي استخرجتها من بطون الكناشات والمصادر التاريخية والجغرافية وغيرها، ثم سعيت إلى إخراجها من دائرة النسيان إلى التعريف بها وبشعراء الفترة ثم نشرها دواوين شعرية مغربية. وكان الأستاذ الجراري يشعر بالاطمئنان لمثابرتي على إخراج هذه النصوص. ومن هذه الدواوين ديـوان مؤرخ الدولة السعدية كما ذكرت عبد العزيز الفشتالي، وشعـر أبي العباس بن القاضي، وشعر محمد الوجدي الغماد، وشعر محمد بن علي الفشتالي، وشعر عـلي بن منصور الشياظمي وغيرهم.
وبعد أن كنت أستاذة زائرة بكلية آداب الرباط سنة 1980، وإثر التحاقي بالـتعليم الجامعي سنة 1987 أصبحت زميلةً له برحاب هذه الكلية العامرة. أشاركه محطاتٍ عديدةً في تدريس الأدب المغربي في سنوات الإجازة وفي سنوات استكمال الدروس، وفي مناقشة الرسائل الجامعية التي كان يشرف عليها في الأدب المغربي، سواء تعلق بعضها بالدراسة أو تحقيق النصوص الشعرية المغربية في عصور مغربية مختلفة، لتأكيد ما كان للأدباء المغاربة من حضور شعري في الساحة الثقافية منذ العصر المرابطي؛ وذلك دحضا للمقولة التي تنفي شاعرية المغاربة. وفي مثل هذه التحقيقات إحياء للتراث الشعري المغربي القديم.
وفي إطار الإصلاح الجامعي الجديد سنة 1997 ورئاسته “لوحدة أساليب الكتابة في أدب الغرب الإسلامي”، كنتُ ضمن فريق أساتذة الوحدة التي حَـرَصتْ على تكوين النخبة من الطلبة الحاصلين على الإجازة في اللغة العربية خلال سنتين جامعيتين تُـتَـوَّجُ بحصولهم على درجة “دبلوم الدراسات العليا المعمقة في اللغة العربية وآدابها”. وكنتُ أجد في تكليفه لي بمتابعة أعمال طلبة الوحدة وتنسيقِ أنشطتهم صورةً لعلاقـتي العلمية به. أستشيره في كثير من القضايا الأدبية والأبحاث التي تخص الطلبة وهم يستعدون لمناقشة بحوثهم. فكانتْ لقاءاتي معه، سواءٌ في الجامعة أو في بيته، ترتـقي بعلاقـتي معه من مستوى الزمالة إلى مستوى الصداقة والأخوة.
أستاذي عباس الجراري: تقديري لك واعتزازي بأخوتك وصداقـتـك، كلُّ ذلك دعاني إلى تأليف كتاب عنك وعن أعمالك جَـمعْتُ فيه ما كتبتُ عنك وعن مؤلفاتك فور صدورها، وكذلك ما استخرجتُه من موضوعاتٍ مًـرْتَجَـلَـةٍ شاركْـتَ بها في ندوات علمية من شرائط التسجيلات المتوفرة. إضافةً إلى أنني استكتـبْتُ بعض رجال الفكر والأدب للحديث عنك في شهادات تقديرية منهم؛ الأساتذة محمد بن شريفة، علي القاسمي، محمد الإدريسي العلمي، نجيب العوفي. كما تضمن هذا الكتاب التوثيقي نبذة عن حياتك ومسارك الأكاديمي، وكلماتِـك التي كنْتَ تُـلْـقـيها في مناسبات تكريمك بمراكش وفاس والرباط وغيرها.
وأنا في آخر مرحلة طبع الكتاب زرتُـك لأطلب منك صورتَـك الشخصية. استغربْتَ الطلبَ وجُـرْأتي في الطلب، فأنتَ لا تـعرفُ سبـبَه. لكنك أمْدَدْتَـنِي بالصورة مبتسما منشرحا ومستغـربا في نفس الآن. فلما صدر الكتاب سنة 1999، زرتُـك لتقديم نُـسَخ الكتاب، وكانتِ المفاجأةُ التي انبسِطَتْ لها أساريرُك شكرا وتقديرا؛ فالصورةُ الشخصية تـتـصدرُ غلافَ الكتاب، وعنوانُه: “عباس الجراري: سيرة وأعمال”.
وهبكَ اللهُ أستاذي خلالاً حميدةً وصفاتٍ خلقيةً نبيلة: تواضعا وحلما، برورا وصدقا، وفاءً ونصحا، وصفاءَ سريرة. تـتسابق شرائحُ المجتمع على اختلاف طبقاتها لحضور مجالسك والارتـشافِ من معين دَفْـقِـك العلمي. وأنتَ في كل أحوالك سيِّدُ المجلس في أبهى حلله، وأشرفِ رُتبه؛ حفاوةً وترحيبا، تعليما وتوجيها، فكاهةً وترويحا. فـيُحتَـفى بك في مجلـسك احتفاءَ العلماء، وتُـكَـرَّم في بيتك تكريمَ الفضلاء.
عـباس الجراري رمز من رموز الثقافة والفكر في وطننا، وفي الوطن العربي. قامةٌ شامخةٌ وعلامةٌ مضيئة في تاريخنا المغربي وفي كليـتـنا العامرة. جمع المجـدَ من أطرافه: نسبا وثقافة وخلقا وعلما وكرما وتواضعا.
عباس الجراري: كنتَ فريدَ عصرك في علاقاتِـك العامة. معدنٌ رفيع، وحسبٌ أصيل، وجوهـرٌ نفيس. تواضعٌ ورفعةٌ، شهامةٌ ومـودّةٌ. حـرَصْتَ على التعرف إلى أسرتي بمدينة سلا رفقةَ أرملـتـك. كـنتما تـشـدّان الرحلةَ إلى بيتـنا تأكيدا لأواصر علاقة ودية بيننا، مُهئِّـئيْن للخبر المفرح ومواسيَيْن للخبر الأليم المحزن. كانت مواساتـُكُما لأسرتي برحيل الكثير من أفرادها: ابنِ عمي أبي بكر المريني، وعمِّي الفقيه الحاج محمد المريني، أخوالي من آل زنيبر، ووالدي الحاج عمر المريني، ووالدتي الحاجة السعدية زنيبر، رحم الله الجميع. كانت هذه المواساةُ بلسما لجراح الفراق وتخفيفا من معاناة الأسرة في الرحيل. فلا ازدادُ إلا تقديرا لك واعتزازا بك، وتشريفا لمَقَامك. في خطواتِكَ ما تـُـؤْجّـرُ عليه عند الله سبحانه وتعالى. فلله دَرُّك حياًّ وراحلا. فمثلكَ لا يمكن أن يغيب عنا، فأنْتَ حـيٌّ بيننا. رحمك الله وأحسن إليك، وجازاك على جميل صُنْعك وحميد ذكرك.
وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: “إذا ماتَ ابن آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدِ صالح يدعو له”. وأنتَ استوفيتَ هذه الشروط. فرحمك الله تعالى، ورزقنا جميعا أسرةً وعلماءَ وأصدقاءَ الصبرَ الجميل والذكـرَ العطـرَ كلما ذكرناك وترحمنا عليك.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
-أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس / أكدال / الرباط نص الكلمة التأبينية التي شاركت بها في كلية آداب الرباط يوم 13 شعبان 1445 / 23 فبراير 2024.
إقرأ الخبر من مصدره