أفلام متوجة في طنجة

Écrit par

dans


محمد بنعزيز

حصلت ثلاثة أفلام روائية طويلة على 11 جائزة من بين الجوائز 14 التي قدمتها الدورة الخامسة والعشرون من المهرجان الوطني للفيلم المنعقدة بين 17 و25 أكتوبر 2025.

حصل فيلم “البحر البعيد” (2024) للمخرج سعيد حميش بلعربي على الجائزة الكبرى وجوائز الإخراج وثاني دور نسائي (ريم فوكليا) وثاني دور رجالي (عمر بولاركربة). وحصل فيلم “المرجا الزرقا” (2024) للمخرج داود أولاد السيد على جوائز الإنتاج (سيسيل روبرشت وعبد السلام المفتاحي) والسيناريو (الحسين شاني، مجيد سداتي وداود أولاد السيد) والموسيقى الأصلية (مراد زديدات). وحصل فيلم “موفيطا” (2025) للمخرج الشاب الغزواني معدان على جائزة لجنة التحكيم (مناصفة بين “في حب تودا” لنبيل عيوش) وجائزة العمل الأول وجائزة أول دور رجالي (عبد النبي بنيوي).

ماليا، حصل فيلم “البحر البعيد” على أكثر من 36000 دولار، ونال “المرجا الزرقا” أكثر من 27000 دولار، وحصل فيلم “موفيطا” على أكثر من 18000 دولار.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

فنيا، هذه أفلام تجمعها قوة تفاصيل الفضاء وطلاقة أداء الممثلين وتماسك السرد. فيها شخصيات ذات مهنة وتعيش في فضاءات هامشية، نبعت الحبكة من الديكور لتعيد هندسته. مهاجر في مدينة كبيرة ينقصه بيت وسمسار في بيت ينقصه مرحاض. كل الأحداث متولدة من هذا النقص. مهاجر سري في مارسيليا تنقصه وثيقة هوية تنقذه من البوليس. صحراء لا متناهية ينقصها ماء وطفل تنقصه عين، فضاء أصفر يحتاج زُرقة. بيت صغير يُقسم فتصير الحاجة البيولوجية عارا.

هذه أفلام فيها أوجه شبه أسلوبية، فيها شخصيات قليلة لكي لا تتشتت القصة، شخصيات تحاول أن تمسك مصيرها بدون بؤس. فيها زمن خطي وحبكة موحدة لا مقسومة، فيها قوة أثر الفضاء على مصير الشخصيات. المكان واضح، عموميٌّ وقاسٍ. كان المكان في فيلم “موفيطا” بطلا يسحق من يعيش فيه. عمليا، يقدم فيلم “موفيطا” (من الفرنسية mauvais temps) العالم الذي هرب منه المهاجر بطل فيلم “البحر البعيد” لكي يعيش ثلاثين سنة في فرنسا.

من جديد يفوز فيلم لواحد من مخرجي المهجر المغاربة بجل الجوائز الكبرى في المهرجان الوطني للفيلم. كانت تلك لحظة كبيرة أن يشاهد رؤساء وأعضاء لجان صندوق دعم الإنتاج السينمائي الأفلام التي هي نتيجة للسيناريوهات التي قرؤوها ودعموها ماليا (حوالي 400 دولار لكل فيلم، 16 فيلما سنويا). هذا يسمح لهم بالتأكد بأن الحكاية هي سبب ونتيجة. ليس صدفة أن استخدم شكسبير السبب (cause) 22 مرة في مسرحية “هاملت” بينما استخدمه جون دولافونتين في حكاياته 32 مرة. بدون حكي، كل شيء مفكك. الحكاية تصل وتنسج سببيا بينما “الفلاش باك” والتصوير الداخلي مضران بالفيلم. يمكن للتصوير الداخلي أن يخفض التكاليف، لكنه يعزل الشخصية عن سياقها ويخنق الكاميرا ويسطّح منظور الإخراج.

يعيش بطل فيلم “البحر البعيد” خيارات ضيقة:

أيهما أفضل للمهاجر السري: العمل في الحقول أم البحث عن عجوز أوروبية تحضنه؟ هذا واقع تحكمه خيارات مانوية، الكلام كثير والخيارات قليلة. يبدو أن من يتفضلون بتقديم خدمات جنسية متنوعة ينجون في المهجر.

خلال المناقشات، كشف مخرج “البحر البعيد” عن الجانب السيرذاتي للفيلم. للإشارة تولى أعضاء الجمعية المغربية لنقاد السينما تسيير جلسات النقاش التي تلي كل عرض للأفلام. خصص المنظمون ربع ساعة لمناقشة الفيلم القصير ونصف ساعة لمناقشة الفيلم الطويل، لكن النقاش كان يمتد أكثر من ذلك، يتم توقيفه بصعوبة ليستمر في أروقة المهرجان. هذه المناقشات الحية هي التي تمنح للمهرجانات إشعاعها. إن الدراسات السينمائية ليست إبرة تخزن بل خطاب حواري فني علني يليق ببهجة الفيلم.

روى المخرج أن السيناريو مستلهم من سيرة ذاتية، لكنه لم يغرق في الذاتية بل عمل على سرد قصة جيل الهجرة في العقد الأخير من القرن العشرين. يصدح صوت الشاب حسني في حانات المدينة ليصف مزاج المرحلة. لقد تمغربت مدينة مارسيليا ديموغرافيا وإيقاعيا.

فيلم عميق عن حنين موجع دون “فلاش باك”، دون جعل عقارب الساعة تدور للوراء. لكي يكتب مخرج عن موضوع ما، يجب أن يعايشه ويوثقه ويتخيله، أن يستمع فيه للناس ويناقشه. دون هذا سيسمى ذلك واقعية سطحية.

من جهته، صور فيلم “موفيطا”-بلغة سينمائية قوية خدمتها وحدة الحدث والمكان والزمان-يوميات سمسار عاطل فقير وطفله؛ فقير لكنه سخي بذراعه، رجل فأس يحفر حيثما وقع ليكسب عيشه. قسم منزله مع الورثة فازدادت مصائبه وأشدها أسئلة طفله من قبيل: كم عدد المراحيض في الجنة؟

المرحاض مشكلة وجودية

طفل يتأمل فقرا عميقا ويحلم بمرحاض وعصفور. وهذا ما استخدمه المخرج مثل لايت موتيف (Leitmotiv) للتخلص من الواقعية الفظيعة. فيلم فيه حوالي ربع ساعة زائد وفيه جرعة سوداوية…

فيلم سينمائي بعين مغربية، في الزمن السيئ يعض السمسار بطارية الساعة لكي يدور الزمن. تذهب الزوجة إلى مرحاض المقهى، رآها الزوج وتظاهر بأنه لم يرها. رأته وتظاهرت بأنها لم تره. يؤدي الحرمان من حق بسيط إلى تعقيد حياة بكاملها. هذه عينة من فهم المخرج لوعي مجتمعه. لقد تحسن الطقس، هطل المطر، دارت الساعة، لكن الأجواء لم تبتعد عن السوداوية.

لأجل هذا الفهم العميق، قضى المخرج داود أولاد السيد حياته يحمل كاميرا، وقد أعارها في فيلم “المرجا الزرقا” لطفل لكي يصور متاهة كثبان الصحراء.

في زمن تتفوق العين على الأذن، يضع أولاد السيد كاميرا في يدي طفل كفيف ليقدم جغرافيا الجنوب المغربي، فضاء روحاني قطنه المرابطون والصلحاء هربا من ضجيج المدن.

الطفل يصور والمشاهد يرى. الكاميرا هي ريشة الأزمنة الحديثة التي تسمح للعين أن تمتد. تتمدد العين أكثر من باقي الحواس. وحدها العين تصل حتى الأفق. في زمن الكاميرا في كل يد، صار الكادراج والمونتاج هما اللذان يصنعان الفرق.

تعليقا على الفيلم، قال الناقد السينمائي مصطفى العلواني: “بهذا الفيلم يعود داود إلى ذاته الأولى”. نادرا ما يكتب العلواني مقالات لكنه ناقد شفوي شذري يحدق بدقة ويطلق عناوين تصف المرحلة بدقة.

في الأفلام الثلاثة، شخصيات تحاول أن تمسك مصيرها بدون بؤس، وهذا عامل حاسم في مهرجان عرفت أفلامه استخدام المرض كمحرك درامي. في جل الأفلام الروائية شخصيات يقهرها حافز لا إرادة لها فيه.

هذه هي أمراض الأفلام: الفشل الكلوي، السيدا، التوحد (في فيلمين يحمل بطلاهما اسم آدم)، العمى، البكم، السرطان، الزهايمر، المهق (albinism)، الربو والعين والمس والصرع.

هل يصنع القدر (شر سببه غضب السماء) حبكة سينمائية؟ هل ينفع المرض منبعا للبؤس أم للدراما؟ لماذا سيتابع المتفرج هذه الشخصية إن لم تكن لديها أية مسؤوليه في وضعها؟

تنبع التراجيديا العتيقة من القدرية الساحقة وتنبع الدراما المعاصرة من الطموح والاختيار ومن إرادة التحرر لدى الشخصيات الواقعية والروائية.

إقرأ الخبر من مصدره