“كل الخبز واسكت” داخل المحكمة.. الجزائر تسجن نقابيا 10 سنوات وأمنستي تصف الحكم بـ”الجائر”

Écrit par

dans

العمق المغربي

قضت محكمة الجنايات الاستئنافية بمجلس قضاء أم البواقي في الجزائر بتأييد إدانة النقابي والمدافع عن حقوق الإنسان علي معمري، مع تخفيض العقوبة الابتدائية من 15 سنة إلى 10 سنوات سجنا نافذا، في حكم أثار جدلا واسعا وعززته شهادات صادمة تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي حول وقائع المحاكمة وكواليسها التي وصفت بالتعسفية.

وكشفت شهادات موثقة بالفيديو لمواطنين متابعين للملف، تفاصيل مثيرة عما دار داخل قاعة المحكمة، حيث أكد أحد المتحدثين أن السبب الحقيقي وراء قسوة الحكم لا يتعلق بالتهم الرسمية، بل بعبارة صادمة وجهها القاضي للمتهم خلال الجلسة قائلا له بالحرف: “كل خبز واسكت”، وهي الجملة التي اعتبرها النشطاء تلخيصا لسياسة تكميم الأفواه، حيث لا يسمح للمواطن سوى بالبحث عن لقمة العيش دون الحق في الحديث عن الفساد أو الشأن العام.

وأفادت المصادر ذاتها أن النقابي علي معمري تعرض لانتهاكات جسيمة بدأت باختطافه لمدة أربعة أيام كاملة دون علم عائلته بمكان تواجده، مرورا بتعرضه للتعذيب الجسدي والنفسي داخل مخفر الشرطة لإجباره على توقيع محاضر تدينه بسبب منشورات فيسبوكية، ورغم تقدمه بشكوى رسمية بخصوص التعذيب، إلا أنه لم يتم فتح أي تحقيق في الأمر، بل تفاجأ بحكم ابتدائي قاس بـ 15 سنة سجنا نافذا دون ظروف التخفيف، قبل أن يتم تخفيضه استئنافيا إلى 10 سنوات.

وأوضحت منظمة العفو الدولية في بيان رسمي صادر عنها، أن هذا الحكم الذي صدر يوم 1 فبراير يعد قرارا جائرا للغاية ويستند إلى تهم لا أساس لها من الصحة، معتبرة أن ما تعرض له معمري يمثل اعتداء جديدا وواضحا على المعارضة السلمية والنشاط النقابي المستقل في البلاد، ومحذرة من أن مثل هذه الأحكام تبعث بإشارات مفزعة للنقابيين الآخرين.

وقالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة، إن التهم الموجهة للنقابي المذكور والمتمثلة في “الإشادة بالإرهاب” و”إطلاع الغير على معلومة مصنفة” هي نتيجة مباشرة لنشاطه النقابي المشروع فقط، بما في ذلك قيام نقابته بمشاركة معلومات حول حقوق العمال مع منظمة العمل الدولية، مطالبة السلطات الجزائرية بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه وإلغاء إدانته.

وكشفت المصادر الحقوقية ذاتها أن علي معمري، وهو موظف بدار الثقافة بولاية أم البواقي ورئيس النقابة الوطنية لعمال قطاع الثقافة والفنون، كان قد اعتقل في مارس 2025 دون مذكرة توقيف، واحتجز بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أربعة أيام تعرض خلالها للاختفاء القسري، كما أفاد الضحية بتعرضه للضرب المتكرر وتجريده من ملابسه لإجباره على الاعتراف بتهم لم يرتكبها، وهي المزاعم التي طالبت المنظمة بفتح تحقيق مستقل ومحايد بشأنها.

ونقلت شهادات متداولة لنشطاء ومواطنين متابعين للملف أن معمري دافع عن نفسه أمام هيئة المحكمة مؤكدا براءته من تهمة الإرهاب، حيث صرح بأنه لا علاقة له بالإرهاب من قريب أو بعيد وأنه مع استقرار بلاده وتطورها، مشددا على أن نشاطه كان ينحصر في التبليغ عن الفساد ومحاولة إيصال صوته بعد إغلاق الأبواب في وجهه، وهو ما اعتبره المتابعون عقابا قاسيا لشخص كان يبحث عن مصلحة العمال وحقوقهم.

وأشار نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن هذه القضية تعيد طرح تساؤلات كبرى حول حدود التبليغ عن الفساد في الجزائر، مستحضرين في هذا السياق وقائع سابقة مشابهة مثل قضية المواطن جمال زيزوني بتمنراست عام 2018، ومعبرين عن صدمتهم من قسوة الحكم الذي يطال مواطنا لم يرتكب جرائم قتل أو سرقة، بل حوكم بسبب نشاطه في الدفاع عن الانشغالات المهنية والاجتماعية.

واعتبرت الفعاليات المدنية أن استمرار صدور أحكام ثقيلة بهذا الحجم بسبب العمل النقابي والنشاط الحقوقي يكرس واقعا مخيفا يهدف إلى إسكات الأصوات المنتقدة، حيث أصبحت القضايا المفبركة والتهم الجاهزة وسيلة لردع المطالبين بالحقوق، مما يجعل التضامن مع ضحايا هذه المحاكمات واجبا أخلاقيا لرفض التطبيع مع الظلم ومنع تغول الممارسات الأمنية والقضائية التعسفية ضد المواطنين العزل.

وختمت منظمة العفو الدولية تعقيبها بالتأكيد على أن السلطات تواصل استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب الفضفاضة لتقييد الحيز المدني وتجريم النشاط النقابي، مشددة على أن استخدام أقوال انتزعت تحت وطأة التعذيب لدعم الإدانة يشكل انتهاكا جسيما للحق في محاكمة عادلة، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لمسار هذه القضية التي تحولت إلى رمز للمعاناة التي يكابدها المدافعون عن حقوق الإنسان.

إقرأ الخبر من مصدره