الأذان ومكبرات الصوت بالمغرب بين التنظيم والتكوين

Écrit par

dans

محمد شقير

يشهد الفضاء الديني بالمغرب، خاصة في بعض الأحياء الشعبية التي تنتشر فيها مساجد الأحياء والدروب، ظاهرة مزعجة تتمثل في رفع الأذان في مساجد أو قاعات للصلاة لا تتوفر في الأصل على مآذن، خاصة بعدما زُوِّدت جل هذه المساجد والجوامع بمكبرات صوت للإعلان عن مواقيت الصلوات الخمس. غير أنه، ونظرا لكون جل المؤذنين غالبا ما لا يخضعون لأي معايير انتقاء تشترط رخامة الصوت وحسن الأداء، بالإضافة إلى اختلاف أصولهم بين القروية والبدوية والحضرية، فإنهم عادة ما يستعملون مكبرات الصوت كوسائل للصياح، دون إدراك أن وظيفة هذه الأداة هي تضخيم الصوت والتقليل من عناء رفعه، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى الكثير من الإزعاج، خاصة عندما يؤذن المؤذنون في وقت واحد وعلى مسافة قريبة، وفي أوقات يكون فيها السكان ما زالوا نياما أو مرضى أو رُضَّعا.

ولعل هذه الظاهرة لا تقتصر على الفضاء الديني بالمغرب، بل تعرفها العديد من الدول العربية والإسلامية، إذ شهدت مجموعة من دول العالم الإسلامي والعربي جدلا واسعا حول الأذان بمكبرات الصوت وما يثيره من مظاهر الإزعاج لدى العديد من السكان. وهكذا أثارت تصريحات الإعلامي السحيمي، المعروف بكتاباته الليبرالية ومواقفه المنتقدة للتشدد الديني في مصر، عاصفة من الانتقادات بعدما طالب بمنع صوت الأذان الذي وصفه بالمزعج. فبالإضافة إلى سيل من التغريدات التي استنكرت تصريحه، وصف الشيخ صالح المغامسي حديثه بالتجرؤ على الدين، وقال: “حديث الكاتب فيه جرأة عظيمة على دين الله، وجرأة عظيمة على شعيرة من أعظم شعائر الله”. وأضاف: “لا يُوصف الأذان بأنه مرعب، وهذه مفردة تحتاج من قائلها إلى التوبة”.

وعلى إثر الهجوم الشرس الذي شنه المغردون على السحيمي، أُحيل الكاتب على التحقيق لدى الجهات العدلية المختصة، ومُنع من الكتابة والظهور الإعلامي، كما أعلنت وزارة الثقافة والإعلام إيقافه وإحالته على لجنة النظر في ضبط المخالفات الإعلامية بالوزارة.

وتعكس هذه الظاهرة، في عمقها، إشكالية تتعلق بكيفية الحفاظ على الروح الدينية مع تطوير أشكال التدين، بما في ذلك تنظيم نظام الأذان. غير أن هذا الوضع لم يمنع السلطات في بعض الدول العربية والإسلامية من محاولة تنظيم الأذان وبلورة آليات لتقنينه.

تقنين الأذان في الجزائر

شهدت الجزائر سنة 2015 جدلا حادا بعد دعوة نشطاء علمانيين السلطات إلى التدخل لتخفيض صوت الأذان في المساجد، خاصة أثناء الليل، مما أثار غضب جماعات محسوبة على التيار السلفي التي استهجنت هذه الدعوة. ولاحتواء الوضع، قامت السلطات الجزائرية بمحاولة تقنين الأذان في العديد من المساجد، التي يفوق عددها 15 ألف مسجد، إلى جانب خمسة آلاف في طور الإنجاز، حيث بُني أغلبها في حملات تطوعية للسكان، بينما تتولى الحكومة تسييرها ودفع أجور موظفيها.

وفي هذا السياق، عمد وزير الشؤون الدينية السابق أبو عبد الله غلام الله سنة 2013 إلى تحديد بعض ضوابط الأذان عبر إرسال تعليمات إلى المساجد تخص احترام مواقيت رفع الأذان ومسألة رفعه أو تخفيضه. كما أصدرت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية، بشكل دوري، مجلة رسمية حول مواقيت الدعوة إلى الصلاة، بهدف توحيد وقت الأذان. وعملت الوزارة، لتلافي بعض الأخطاء المرتكبة من طرف بعض المؤذنين بسبب ضعف تكوينهم، على إصدار قرار يحدد كيفية أداء الأذان وصيغته، مع مراعاة تحسين الصوت وضبط مكبرات الصوت بشكل يحقق السماع دون إفراط.

ونص القرار على أنه لا يجوز رفع أذان صلاة الجمعة والصلوات الخمس قبل دخول الوقت الشرعي وفقا للجدولة الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. كما أكد أن الأذان، باعتباره شعيرة دينية الغرض منها إعلام الناس بدخول الوقت الشرعي للصلاة المفروضة، يجب أن يكون بألفاظ مأثورة، وعلى صفة مخصوصة ومن مكان مخصص.

أما الأذان الأول لصلاة الفجر فيُرفع نصف ساعة قبل الأذان الثاني، وصيغة الإقامة تكون على النحو التالي: “الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله”.

كما نص القرار على أن التثويب في الأذان الثاني لصلاة الفجر يكون بعبارة “الصلاة خير من النوم” مرتين، وأن يكون الأذان بوقوف المؤذن على رأس كل جملة، وباللفظ العربي دون غيره، مع مراعاة أحكامه وضمان خلوه من الأخطاء التي تغير المعنى.

ولتحسين جمالية الأذان بمساجد الجزائر، انعقد يوم دراسي لتنظيم كيفية أدائه، من خلال تحسين الألفاظ وفق المذهب السني، وتنظيم صوت الأذان لتفادي تداخل الأصوات والإزعاج، وضمان وضوح السماع.

وفي السياق ذاته، أشرفت وزارة الشؤون الدينية على تنظيم مسابقات وطنية مفتوحة أمام المؤذنين ذوي الأصوات الجميلة، لاختيار أجود الأصوات، من بينها الصوت الذي يرفع أذان جامع الجزائر الذي دُشّن أواخر سنة 2018.

تكوين المؤذنين في تونس

عملت الحكومة التونسية على تنظيم دورات تدريبية لفائدة المؤذنين في معهد “الرشيدية” للموسيقى، بهدف مساعدتهم على تطوير أدائهم من خلال تعلم تقنيات موسيقية تحافظ على هوية الأذان التونسي وخصوصيته. وقد احتضن المعهد العريق بالمدينة العتيقة في العاصمة تونس دورات حضرها عشرات المؤذنين، تلقوا خلالها دروسا في الموسيقى لتطوير أدائهم، بما يساهم في خلق أجواء من الهدوء النفسي والسكينة الروحية.

وقد داوم المؤذنون على ارتياد المعهد مرتين في الأسبوع للتدرب على تخريج الحروف وضبط المقامات الموسيقية، على غرار ما يقوم به المنشدون وعازفو العود. وأكد مدير المعهد أهمية هذا التكوين لإضفاء جمالية دينية على الأذان، تشجع على الخشوع والتقرب إلى الله، خاصة في صلاة الفجر.

مأسسة الأذان في تركيا

جريا على عادة السلاطين العثمانيين في العناية بتجويد الأذان، أسس حزب العدالة والتنمية، منذ توليه الحكم بزعامة الرئيس أردوغان، مدرسة “الحفاظ الأنديرون” المختصة في تدريس المقامات الموسيقية المستخدمة في قراءة القرآن والأذان.

وتعد هذه المقامات مذهبا عثمانيا خاصا، وقد حُدد عددها في خمسة عشر مقاما، خصص لكل وقت صلاة مقام معين. فمثلا يُستعمل مقام الصبا في أذان الفجر لتميزه بالهدوء، بينما يُقرأ أذان الظهر على مقام البيات أو العشاق، ويُرفع أذان العصر على مقام الراست، وأذان المغرب على مقام السيكا، وأذان العشاء على مقام الحجاز.

وتشترط هيئة الشؤون الدينية في تركيا على من يرغب في أن يكون مؤذنا أن يكون متخرجا من مدرسة الأئمة والخطباء، وحافظا للقرآن الكريم، وذا صوت جميل وسليم المخارج، وأن يجتاز امتحانا لتقييم قدراته، خاصة في المساجد الكبرى ذات الأهمية التاريخية مثل مسجد السلطان أحمد والسليمانية والفاتح.

الأذان بالمغرب وسوء استعمال مكبرات الصوت

يعد المؤذن مكونا أساسيا في الفضاء الديني بالمغرب، إذ لا يمر يوم دون أن يصدح بالأذان خمس مرات. غير أنه لا توجد معايير موحدة في اختيار المؤذنين، إذ ينقسمون بين تابعين لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وآخرين يعملون في مساجد تسيرها جمعيات، إضافة إلى متطوعين في مساجد ودروب الأحياء الشعبية.

وهذا ما يفسر التفاوت في مستوى الأداء وجودة الصوت، حيث لا يرقى بعضهم إلى المستوى المطلوب من رخامة الصوت وحسن مخارج الحروف، مما يؤدي أحيانا إلى تحول الأذان إلى مصدر إزعاج، خاصة مع سوء استعمال مكبرات الصوت. ففي مدن مكتظة كالدار البيضاء، قد تتزامن أصوات مؤذنين عدة في نطاق جغرافي ضيق، ما يؤدي إلى تداخل الأصوات واختلاطها.

وقد دفعت هذه الإشكالات المندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية بجهة الدار البيضاء الكبرى، بتاريخ 20 فبراير 2007، إلى إصدار مذكرة تحث المؤذنين على ضبط مكبرات الصوت وتخفيض مستواها، خاصة في أذان الفجر، وعدم إسماع صلاة الصبح خارج المساجد، استنادا إلى دليل الإمام والخطيب والواعظ الصادر سنة 2006.

وعموما، إذا كان الحرص على الأمن الروحي قد جعل السلطات تهتم بتوحيد صيغة الأذان المغربية، القائمة على وضوح الألفاظ ولحن مسترسل خال من التقليد، فإن الحاجة تظل قائمة إلى مزيد من العناية بتكوين المؤذنين، ليس فقط دينيا، بل أيضا صوتيا وتقنيا، بما يشمل التحكم في تقنيات الصوت وحسن استعمال مكبراته، حتى يبقى الأذان نداء روحيا يبعث على السكينة، لا مصدرا للإزعاج.

إقرأ الخبر من مصدره