عبد المالك أهلال
أثارت تفاصيل مسودة الاتفاق الجديد حول وضع جبل طارق حالة من الغضب والاستياء داخل أروقة وستمنستر، حيث تواجه حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر اتهامات بمحاولة تمرير قضايا سيادية بالغة الحساسية بعيدا عن الرقابة، في خطوة تمثل إغلاقا للملف الأخير المتبقي من أحجية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي يزيل السياج الحدودي، لتفتح في المقابل جبهة جديدة تهدد القيادة الهشة لرئيس الوزراء الذي وجد نفسه مضطرا لإدارة تداعيات طلاق أوروبي نفذه المحافظون في السابق بعد أن كان من أشد المدافعين عن البقاء في التكتل.
وكشفت المتحدثة باسم الشؤون الخارجية في حزب المحافظين المعارض، بريتي باتيل، يوم الثلاثاء الماضي، أن الوزراء العماليين توصلوا إلى مسودة معاهدة نهائية لكنهم لم يقدموها بعد إلى البرلمان لمناقشتها، وهو ما يوفر ذخيرة سياسية للمعارضة من أجل إضعاف موقف “داونينغ ستريت” في توقيت حرج للغاية يتزامن مع الأزمة المشتعلة إثر اعتقال بيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق في الولايات المتحدة، على خلفية تورطه في قضية إبستين، بحسب ما أوردته الصحفية سيليا مازا في تقرير نشر بتاريخ 25 فبراير 2026.
وأوضحت المعطيات الواردة في التقرير أن قضية جبل طارق تمنح حزب المحافظين والتيار الشعبوي بقيادة نايجل فاراج فرصة مثالية لعقد مقارنات مباشرة مع الاتفاق الأخير المبرم حول أرخبيل تشاغوس، وهو إقليم بريطاني وراء البحار تم نقل سيادته إلى جمهورية موريشيوس مع الاحتفاظ بالاستخدام العسكري المشترك لقاعدة دييغو غارسيا، وهي خطوة أثارت انتقادات علنية حتى من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تراجع عن دعمه المبدئي وشكك في القرار، ملمحا إلى أن لندن تضعف نفوذها الاستراتيجي في المحيط الهندي وسط منافسة جيوسياسية متصاعدة، مما يغذي مخاوف المنتقدين من إمكانية تقديم تنازلات مماثلة في جيوب حساسة أخرى مثل جبل طارق أو جزر الفوكلاند.
وأشارت الصحيفة الإسبانية “إس دياريو” إلى مفارقة سياسية لافتة تتمثل في كون حزب المحافظين هو من أطلق شرارة مفاوضات ما بعد بريكست بشأن جبل طارق ووضع أسسها التي سارت عليها لاحقا حكومة العمال عقب وصولها إلى السلطة في عام 2024، حيث لم تتوقف المحادثات مع بروكسل حتى خلال الحملات الانتخابية نظرا لتطابق خارطة الطريق بين الحزبين الرئيسيين، غير أن انتقال المحافظين إلى مقاعد المعارضة جعلهم يستغلون الفرصة لإثارة ضجة سياسية حول الخطوات المقبلة التي يجب اتخاذها داخل قبة وستمنستر، جاعلين من الصخرة رمزا سياسيا رغم أن النص المتفق عليه مع بروكسل لا يتضمن تنازلا رسميا عن السيادة، بل يأتي في سياق نقاش عام يميل إلى تفسير الأمور ضمن سلسلة من التنازلات المتتالية.
وبينت المصادر ذاتها المسار المؤسسي الواضح لهذا الإجراء، إذ تؤكد بروكسل أن الاتفاق يخص الاتحاد الأوروبي حصرا، مما يعني أن المصادقة الأوروبية ستكون من اختصاص البرلمان الأوروبي فقط دون تدخل البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء، بينما سيبدأ الإجراء في المملكة المتحدة بتقديم مقترح في برلمان جبل طارق يحث لندن على المصادقة على المعاهدة، قبل أن ينتقل الملف إلى وستمنستر ليخضع للآلية المنصوص عليها في قانون الإصلاح الدستوري والحكامة، حيث سيبقى النص قيد المراجعة لمدة 21 يوما عمل أمام مجلسي العموم واللوردات، لتتم المصادقة عليه تلقائيا في حال عدم وجود اعتراضات رسمية، مع الاحتفاظ بحق إجراء نقاش برلماني.
وأضافت التقارير الإعلامية أن بريكست خلف وراءه حدودين بريتين بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث استحوذت أيرلندا الشمالية على الاهتمام الأكبر بعد جدل واسع وتهديدات سابقة من رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون بالتنصل من الاتفاق، إلى أن تم التوصل في عام 2023 إلى نظام المسارين الأخضر والأحمر لتنظيم حركة البضائع، مع تسويق لندن لاستعادتها السيطرة على الضرائب والدعم، في حين ظل ملف جبل طارق بعيدا عن الأضواء بسبب التدابير المؤقتة وكلفته السياسية المحدودة، وهو الهدوء الذي تبدد الآن مع ظهور نص ضخم ومعقد يصعب تلخيصه، ينص على تولي عناصر إسبانية تنفيذ ضوابط منطقة شنغن داخل أراض بريطانية، مع إبقاء مسألة السيادة مجمدة، وهي تفاصيل دقيقة يمقتها البرلمان البريطاني وتستغلها المعارضة من خلال تبسيطها لتأجيج الرأي العام.
وأكدت حكومة ستارمر في دفاعها عن الاتفاق عدم وجود أي تنازل إقليمي، مشددة على أن القاعدة العسكرية البريطانية في جبل طارق تظل محصنة بالكامل، ورغم أن المعارضة ترد بأن الاتفاق يخلق صدعا رمزيا عبر السماح للموظفين الإسبان بقبول أو رفض الدخول إلى فضاء شنغن من البنية التحتية للمقاطعة وممارسة صلاحيات قسرية لأسباب أمنية، فإن لندن تعتبر حماية المنشآت الاستراتيجية انتصارا كبيرا، حيث أبقى النص على قواعد القوات الجوية الملكية والبنية التحتية البحرية تحت السيطرة البريطانية الحصرية دون أي تدخل عملياتي كان من شأنه أن ينسف المفاوضات، ليتبلور الحل النهائي في فصل وظيفي يجمع بين الاندماج المدني والاقتصادي في محيط شنغن واستمرارية السيطرة العسكرية البريطانية المطلقة.
وسجلت المعطيات الميدانية دينامية اقتصادية غير مسبوقة داخل جبل طارق تزامنا مع المعركة السياسية في وستمنستر، حيث أدى الاتفاق الرامي لهدم السياج الحدودي الذي يمثل آخر حاجز مادي مع أوروبا القارية إلى انتعاش هائل، بفضل ضمان الوصول المستمر إلى الخدمات في بريطانيا وحرية تنقل الأشخاص والبضائع مع الاتحاد الأوروبي، مما حول الصخرة التي تبلغ مساحتها 6.8 كيلومتر مربع فقط، وتصغر لندن بحوالي 231 مرة، إلى قطب جذب قوي للمستثمرين وأصحاب الثروات الكبيرة نظرا لامتيازاتها الضريبية، مع استثناء الشركات الإسبانية لعدم إدخال أي تعديل على المعاهدة الضريبية الثنائية، وهو ما انعكس بشكل مباشر وإيجابي على منطقة كامبو دي جبل طارق المحاذية.
وتابعت المصادر عينها تسجيل ارتفاع صاروخي في طلبات الإقامة بتجاوزها حاجز 3000 مقيم جديد خلال عامين فقط، مما دفع حكومة فابيان بيكاردو إلى إعلان فترة توقف إداري مؤقت لتفادي تكدس المنطقة، وفي هذا الصدد صرح أحد السكان المحليين للصحيفة بأن الإقبال الجنوني على شراء العقارات بهدف تأجيرها بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على سوق العقار المحلي، ليخلق حالة من التناقض في الشوارع تجمع بين الشعور بالارتياح الاقتصادي وحالة من التوتر والتخوف من تحول جبل طارق تدريجيا إلى نسخة جديدة من موناكو، في ظل استمرار المعارضة المحافظة في التنديد بما تعتبره محاولة من الحكومة لتمرير قضايا السيادة خلسة، لتظل الاتفاقية عبئا سياسيا جديدا يثقل كاهل السلطة التنفيذية.